الوجه الخفي لمركّب أردجان : خروقات بالجملة وغموض محيط

يقع مركّب أردجان، أحد أكبر مجمّعات الحانات والملاهي الليلية بضاحية قمرت، في صميم جدل متواصل منذ بضع سنوات مردّه ظروف العمل القاسية وهالة الغموض التي تحيط بطريقة تشغيله. يظهر تحقيق إنكفاضة، الذي دام شهورا، أن الخروقات المتعلّقة بأردجان ليست حديثة العهد، وهي متنوعة بقدر ما هي شائكة.
بقلم | 29 نوفمبر 2023 | reading-duration 25 دقيقة

متوفر باللغة الفرنسية
في يوم 19 أكتوبر، سحبت السلطات ترخيص مركّب أردجان المتكون من عدة حانات وملاهي ليلية في الضاحية الشمالية بتونس على خلفية عدة مخالفات إدارية وقانونية.  

تزامن هذا القرار مع حملة على موقع فايسبوك لمقاطعة المكان، حيث يُشتبه في علاقة مؤسس الشركة المستغلّة للمركّب، باتريك سيباغ، بالصهيونية بعد تداول مقال منشور على الموقع الإسرائيلي "جيروزاليم بوست" منذ سنة 2005، يقول فيه أنه "قد ينتقل إلى إسرائيل يوما ما". وتوضح كاتبة المقال في إجابتها على سؤال إنكفاضة، أن الحوار أُجري آنذاك في سياق عشاء في أحد المطاعم بتونس العاصمة، خلال الزيارة الرسمية التي أداها الوزيران الإسرائيليان للشؤون الخارجية سيلفان شالوم ووزيرة الاتصالات داليا إيتزيك  إلى تونس في إطار القمة العالمية لمجتمع المعلومات برعاية الأمم المتحدة، رغم قطع تونس علاقاتها مع الكيان المحتل وغلق مكتبيْ الإتصال التونسي الإسرائيلي في تونس وتل أبيب منذ اندلاع الانتفاضة الثانية سنة 2000.  

أمام هذه الاتهامات، يقر مصدر مأذون أن العشاء والحوار الصحفي قد حدثا بالفعل وكانا بتشجيع من الوكالة التونسية للاتصال الخارجي آنذاك. ويؤكد المصدر أن باتريك سيباغ قد طلب في عدة مناسبات سحب المقال من شبكات التواصل لعدم موافقته على محتواه.  

في سياق اشتداد وطيس الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة من جهة، واحتدام النقاش حول "تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني" تحت قبة مجلس النواب من جهة أخرى، يبدو أن القضية لم تمر مرور الكرام، بل شكّلت طبقة أخرى تُضاف إلى حملات مقاطعة سابقة ضد مركّب أردجان. إذ انتشرت منذ سنتين ونيف، شكاوى مُتعددة شكلتها الجهة العاملة في المركّب مندّدة بظروف العمل القاسية.   

على مدى عدة أشهر، حقّقت إنكفاضة في وضعية المركّب ليتضح وجود مخالفات أخرى كان يفترض بها جلب انتباه السلطات التي أظهرت من جهتها، وعلى مدى سنوات، تقاعسا وقصورا أمام خروقات أردجان. تحقيق.  

رخصة الكحول، مكمن الداء  

يقبع مركّب أردجان منذ شهر فارغا، هادئا على غير المعتاد. حاناته وملاهيه الليلية التي كانت تغص إلى حد وقت قريب بالحرفاء، صارت اليوم كئيبة المظهر وراء بوابات المركّب سوداء اللون. "شهر نوفمبر في قمرت ليس شهرا مميزا [...] فما بالكم في غياب الكحول! "، تمازح إيفيت الرقيقي.  

إيفيت الرقيقي هي وكيلة شركة جاست أوتيل المشغّلة لمركّب أردجان بقمرت. كل الحانات والملاهي، من حبيبي إلى يوكا مرورا عبر جوبي، تعود لهذه الشركة.

التقت إنكفاضة بإيفيت الرقيقي في مكتبها ذي الواجهة البلورية والواقع بين حانتين داخل المركّب. ورغم سحب الرخصة منذ أكثر من شهر، ظلت إيفيت تواظب على المجيء إلى مكتبها يوميا، بهدف إيجاد حل سريع لإعادة افتتاح أردجان. لكن في انتظار ذلك يبقى المكان مفتوحا للعموم "لكن دون كحول" على حد قولها. إلا أن المركب يبدو من الواضح خاليا سوى من عدد قليل من العمال المنشغلين في الصيانة.

تروي إيفيت الرقيقي: "يوم 19 أكتوبر تلقينا من مركز الشرطة بقمرت إعلاما بسحب رخصة الكحول"  

وفق إيفيت، تتمثل الأسباب التي استندت إليها السلطات في قرارها في "عدم التناسب بين الوكيلة الحالية والوكيل المذكور اسمه في الرخصة". إذ ينص القانون على أن رخصة الكحول المسندة إلى أي شركة يجب أن تحمل اسم شخص طبيعي. في سنة 2021 وعند توليها زمام تسيير جاست أوتيل، تقدمت إيفيت الرقيقي إلى وزارة الداخلية بمطلب نقل رخصة.  

تؤكد إيفيت أن السلطات لم تعلمها برفض المطلب أو تحطها علما بأي نواقص تشوبه. لكنها تقرّ بأن "لا شيء مؤكّد" بالنظر إلى صرامة التشريع التونسي في ما يتعلق برخص الكحول. "أنا أجنبية ولا أحمل الجنسية التونسية. قيل لي أن ذلك ممكن ولكن لا أحد متيقّن من إمكانية تسجيل الرخصة باسمي". ومنذ ذلك الحين تجري مفاوضات بين شركة جاست أوتيل ومصالح ولاية تونس، بينما تتمسك إيفيت الرقيقي بتفاؤلها إزاء إمكانية إعادة افتتاح المركّب.  

35 دينار ليوم عمل بـ 13 ساعة  

احتفى 6000 آلاف عضو على مجموعة Boycott Ardjan [قاطع أردجان] بقرار سحب الترخيص فور الإعلان عنه واعتبروه انتصارا واستكمالا. وجاءت ردود الفعل على الشبكات وفي وسائل الإعلام متباينة بين التأييد وبين التساؤل حول مصير مواطن الشغل في المركّب. إذ يشغّل الأخير بضع مئات من الأشخاص، ذهبت بعض وسائل الإعلام إلى تقدير عددهم بـ 650 عامل·ـة. وهو رقم مبالغ فيه حسب من تحاورنا معهم في هذا الخصوص.  

تقول إيفيت الرقيقي: "نحن اليوم لدينا ما يقارب 250 عاملا، 180 منهم مصرح بهم لدى تفقدية الشغل ويتمتعون بتغطية اجتماعية اعتيادية". أما بقية الموظفين·ـات المسجلين، وفق إيفيت، فإنهم يعملون بعقود محددة المدة CDD، ويشتغل قرابة العشرين بعقود إعداد للحياة المهنية SIVP، وقلة قليلة محظوظة تنتفع بعقود غير محددة المدة CDI. وتضيف مسؤولة أردجان مستفيضة حول انشغالها بمستقبل عمالها : "صرنا منذ الغلق نحاول ضمان استمرارية أجورهم [أي الموظفين]، لكنني أعلمت الوالي أنني لن أستطيع إبقاءهم إلى ما بعد شهر نوفمبر".  

غير بعيد من هناك، في مقهى بقمرت، يجلس جلال* وهو موظف سابق بأردجان قَبِل الإدلاء بشهادته. يرسم الرجل في حواره لإنكفاضة صورة مغايرة للوضع. يمسك بكأس قهوة يرفعه ويخفضه في حركة متوترة قائلا: "لا يتجاوز عدد العمال الرسميين المشمولين بالتغطية الاجتماعية 20% من المجموع أو حتى أقل".

يقول جلال: "كنت مسؤولا عن فريق يتكوّن من 20 نفرا، أربعة منهم فقط مشمولون بالتغطية الاجتماعية".

يشرح مسؤول الفريق كيف لإدارة المركّب استراتيجية تتّبعها من أجل التملص من تسجيل معظم عمالها وهي تتمثل في نمط متكرّر: "لديهم عدد معيّن من المشمولين بالتغطية الاجتماعية. أما بالنسبة للباقي فإنهم يطلبون منهم - في بداية تشغيلهم - توفير صورتين ومضمون ولادة واعدين إياهم بتسجيلهم". "ثم في حال جاءت تفقدية الشغل، يخرجون الملفات من الأدراج مؤكدين نيتهم في إيداعها لدى الصندوق فور انتهاء فترة التجربة للموظفين الجدد". في المقابل، تقرّ إيفيت الرقيقي بأن الإدارة قد طلبت فعلا الوثائق التي يذكرها جلال مؤكدة أنها "ستقوم باللازم" من أجل إبرام عقود العمل.  

تفتخر إيفيت بعدم وجود " تورن أوفر* [دوران عمالة] كبير وهو أمر غير مألوف في مجال عملنا" على حد تعبيرها. لكن جلال من جهته يرى أن فترة التجربة في أردجان نادرا ما تفضي إلى انتداب رسمي: "بعد ثلاثة أو أربعة أشهر، يجدون تعلّة لطرد العملة وينتدبون آخرين وهكذا دواليك". نمط استبدال العمال بصفة دورية هذا هدفه وفق جلال "تفادي ضرورة تسجيلهم في الضمان الاجتماعي". حيث يذكر قصة متداولة في صفوف العاملين·ـات بالمركّب مفادها أن "موظفا سابقا كان مشمولا بالتغطية رفع شكاية ضد الشركة من أجل طرده تعسفيا فحكمت له المحكمة بتعويض قدره 22.000 دينار. ومنذ ذلك الحين، صار كل شيء مباحا لتجنب أن يحدث ذلك مجددا".  

علاوة على غياب التغطية الاجتماعية، يندد كثيرون في أردجان بأجور منخفضة وغير مجزية. يؤكد جوهر* وهو نادل سابق عمل خلال المواسم الصيفية من 2021 إلى 2023 بإحدى حانات أردجان أنه "لم ير أبدا عقد عمل" وأن "الأجور لم تتغير منذ سنوات".   

"35 دينارا للنوادل ليوم عمل بـ 13 ساعة من الرابعة والنصف بعد الظهيرة إلى الخامسة والنصف من صباح اليوم التالي" يفصّل جوهر مؤكدا على أن تعاظم حجم العمل أو الساعات الإضافية الناجمة عن نقص في اليد العاملة لا يتم احتسابها.

يعادل الرقم الذي قدّمه جوهر تقديرات إيفيت الرقيقي التي تجيب بأن "متوسط الأجور للنوادل 900 / 950 دينارا [...] بنظام 48 ساعة في الأسبوع. بعضهم يقبض ما يصل إلى 1200 دينارا، والطلبة المتخرجون حديثا يبدأون بـ800 دينار، بينما مساعدو النوادل 700 / 750 دينارا… كلٌّ حسب كفاءاته".  

أجر يوم عملٍ، على ضآلته وطول الساعات اللازمة لتحصيله، قد يذهب هباءً جراء أي خطأ. يضرب جوهر مثال "حريفٍ رفض قبول بيتزا لسبب أو لآخر ورفض المطبخ استعادتها، فأجدني أنا النادل أتحمل مسؤولية تغطية ثمنها الذي لا يقل عن 35 دينارا". أما إذا تعلق الأمر بالكحول فإن ثمن السهو يكون باهضا. يستحضر جوهر حين "كسر أحدهم زجاجة كحول كانت لسوء حظه باهظة الثمن وتُباع بـ450 دينارا في إحدى حانات المركّب. فاقترح أن يعوّضها بأخرى مماثلة يستطيع أحد معارفه المقيمين بالخارج جلبها بـ200 دينار. غير أن المسؤول رفض وألزمه بدفع ثمن البيع المضخّم كاملاً."   

“مستحيل !" تنتفض إيفيت الرقيقي لدى مواجهتها بذلك قائلة: "لا نلزم أحدا بتعويض ثمن قوارير الكحول [...] كسر شيء ما، كالكؤوس مثلا، هو جزء من طبيعة نشاطنا. كما نسجل في حساباتنا كل ما يُكسر". وتضيف المسؤولة أنه "لا يتم إدخال أية مشروبات كحولية لم تمر عبر محاسبيّتنا [économat]".  

لتعويض الثغرات في أجورهم، يكون البقشيش بالنسبة للنوادل هو الحل. ومن أجل تحقيق أكبر قدر منه يعمد هؤلاء إلى "استغلال الحرفاء من خلال ' التفليح' " على حد تعبير أحد النوادل السابقين في حوار مع إنكفاضة.

ما يُعرف بـ"التفليح" في معجم حياة الليل وبين النوادل، وفق شرح محدثنا هو "تحايل النادل على المخزون الممنوح له من قبل المشرف لتحقيق إيرادات أكبر عبر مغالطة الحرفاء -الذين غالبا ما يكونون في حالة سكر- وتضخيم فاتورة استهلاكهم بشتى الطرق لتغطية أي فارق قد يطرأ بين المبيعات المسجّلة وحجم النقود المحصّلة". وهو حلٌّ يُدفع إليه النوادل دفعاً لأنهم "هم أيضا ضحايا" على حد تعبيره. 

"لا يهمهم إن كنا نسرق الحرفاء لنضع في جيوبهم وحتى أكون صادقا في جيوبنا أيضا. إنها حلقة مفرغة" يخلص النادل السابق بقوله.

مداخيل ضخمة و "مسدو خدمات" لتسيير الحانات

"لا يصدقني الناس عندما أذكر لهم حجم الأموال المتدفقة إلى ذلك المكان" يروي مصدر مطّلع من الداخل في حوار لإنكفاضة. "في المدخل [بتياترو لولا] قد يحدث أن نرفض حتى 300 شخص في ليلة".  

يتواصل المسؤولون عن مختلف الحانات التابعة للمركب من خلال مجموعة واتساب، يتحادثون فيها حول الأسعار والمبيعات والمداخيل وغير ذلك. تظهر لقطة شاشة اطّلعت عليها إنكفاضة أن يوكا، أكبر حانات المركّب، قد حقق رقم مبيعات بأكثر من 92.000 دينار في يوم واحد من موسم الصيف… دون احتساب مبيعات الكحول.

"في سهرة واحدة في تياترو لولا [إحدى حانات أردجان] نحقق مداخيل - من المأكولات فقط - بين 25 و 30 ألف دينار"، يقول المصدر ويواصل "و يوكا لوحدها تحقق 8 أو 10 أضعاف ذلك".

تياترو لولا، يوكا، حبيبي، ذو قاريسون… محالّ مركّب أردجان تعود في كلّيتها إلى الشركة الأم جاست أوتيل لصاحبها باتريك سيباغ. لكن مهمة تسييرها تضطلع بها شركات مختلفة، على غرار شركة فينومين جوايو [Phénomènes Joyeux] المسؤولة عن يوكا. تشرح إيفيت الرقيقي "نتعامل مع مسدي خدمات فنية أو تظاهراتية". يتلقى هؤلاء أجرا ماليا مقابل أتعابهم إثر تقديم فواتير، إلا أن العلاقة التجارية التي تربطهم بـ جاست أوتيل وكيفية تقاسم الأرباح يبقى أمرا محاطا بالغموض.

يفسّر خبير قانوني في حوار مع إنكفاضة أن عقود إسداء الخدمات هذه من المحتمل أن تكون وسيلة للتهرّب من القيام بتواكيل "وهي الطريقة الوحيدة لتفويض مهمة تسيير حانة" على حد قوله. وبالنظر إلى كيفية اشتغال مركّب أردجان فإن الأشخاص الذين تعرّفهم إيفيت الرقيقي على أنهم مسدو خدمات ما هم إلا "وكلاء في حقيقة الأمر" وفق تأكيد الخبير.

“إذا ذهبت على عين المكان لن تجد شخصا واحدا مسؤولا على الكلّ، لن تجد مالك أردجان. بل ستجد لكل حانة أو ملهى شخصا يهتم بتسييره" يشرح الخبير. و"بالتالي ستجد نفسك أمام مأزق، فحتى وإن كان الموظفون على علاقة تعاقدية بالشركة الأم، فإنهم هم في الحقيقة المتواجدون في الواجهة [...] حتى وإن كنا نتحدّث عن صندوق مال وحيد، ومطبخ وحيد، فإن الأمر يساوي منحهم توكيلا".  

يقول الخبير القانوني: "هو نوع من التحايل على القانون. هذا الأخير ينصّ على ضرورة منح توكيل لشخص ما ليتولى مسؤولية القيام على حانة، ولكن الحال أنهم يفعلون ذلك عبر عقد إسداء خدمات".  

من وجهة نظر تجارية بحتة، لا توجد نقاط تشابه بين طريقة التعاقد التي يتّبعها أردجان والعلاقات القائمة على عقود إسداء خدمات. "من غير المرجح أن يكون هؤلاء المتعاقدون الخارجيون يتلقّون أجورا متّفقا عليها منذ البدء [...] أنا مقتنع أن المقابل المالي في تلك العقود ليس ثابتا ويمثّل نسبة من رقم المعاملات" يضيف الخبير.

استطاعت إنكفاضة الحصول على تصاريح جبائية للشركة تشير إلى أن رقم المعاملات قد قفز بين سنتيْ 2018 و 2022 بشكل بارز - باستثناء فترة كوفيد - لينتقل من 6 مليون دينار إلى 26 مليون دينار مؤخرا. لكن بمقارنة هذه الأرقام مع الشهادات التي جمعتها إنكفاضة، تبدو المرابيح التي يحققها أردجان ضئيلة بالنسبة لحجم المركّب ونشاطه. لكن من دون الإطلاع على البيانات المالية المفصّلة لا يمكن التثبت بدقة من مداخيل ومصاريف الشركة.

تبرّر إيفيت الرقيقي ذلك بـ"خيارات استثمارية ضخمة اتخذناها" مشيرة إلى خصائص المركّب المعمارية، قبل أن تضيف: "أحيانا في السابق فضلنا الاستثمار عوض تحقيق أرباح".  

في الوثائق التي تحصّلت عليها إنكفاضة، يظهر أن جاست أوتيل كانت متأخرة طيلة سنوات في دفع أداءاتها لدى المصالح الجبائية. ولم تسوِّ وضعيتها للسنوات 2018 إلى 2020 سوى العام الفارط في 29 جوان 2022. تجيب إيفيت الرقيقي بهذا الخصوص بعدم علمها بأسباب هذا التأخير، مُحيلةً إلى المدير الإداري والمالي للشركة. غير أنها تقرّ بـ "إشكالية تنظيم" على مستوى الإدارة المالية للشركة تعود أسبابها، على حدّ قولها، إلى إعادة هيكلة جارية للقسم المالي وأنها لم تنضمّ إلى الشركة إلا منذ سنوات قليلة.  

في ديسمبر من سنة 2022، خضعت شركة جاست أوتيل لتعديل جبائي [redressement fiscal] "تلقّينا فيه إشعارا وسوّينا وضعيتنا" وفق رواية إيفيت. كما تذكر المسؤولة تواتر المقابلات مع الإدارة الجبائية "آخرها كانت منذ أربعة أيام وضحنا فيها كل النقاط سويّة. والآن في يد المصالح الجبائية أجل ثلاثة أشهر للرد علينا".  

"بالنسبة لنا ما هي إلا عملية رقابة روتينية" تصرّ إيفيت الرقيقي، مشيرة إلى أن المصالح الجبائية قد أكدت لها ذلك وأنه أمر يحدث لعديد الشركات لا فقط جاست أوتيل.  

نزل واجهة  

منذ يوم 19 أكتوبر، تاريخ سحب الرخصة من أردجان، اكتفت السلطات بتبرير قرارها بكون "الشركة كانت تعمل على خلاف الصيغ القانونية وهي غير متحصلة على تصنيف من الديوان الوطني للسياحة يخول لها ممارسة العديد من الأنشطة، وتتعلق بها عديد المخالفات والمسائل القانونية الشائكة" مثلما جاء في تصريح للمكلف بتسيير شؤون ولاية تونس، فارس الماجري، على إذاعة موزاييك .  

من جهته، يقول محمد مجدي رزق الله المسؤول بإدارة المنتوج بالديوان الوطني للسياحة أن "أردجان مؤسسة سياحية متحصلة على ترخيص في الفتح والاستغلال كقرية سياحية* بقمرت". ويوضح رزق الله في حواره مع إنكفاضة قبل صدور قرار سحب الرخصة، أن "أردجان قد قدّم ملف الإستغلال كمؤسسة سياحية للإيواء وفق طاقة الإيواء الدنيا المسموح بها للتصنيف السياحي كنزل وهي 10 غرف مع نقاط بيع للمشروبات الكحولية."

رأت شركة التصرّف والاستغلال Gest'hotel, Sarl " جاست أوتيل" النور ذات يوم 28 جويلية 2011 أي بُعيد الثورة بأشهر. في ذلك الوقت، وضع باتريك سيباغ يده في يد صديقه جوليان سيلا لكراء القرية السياحية المعروفة آنذاك باسم " تورينغ كلوب" والتي ظلت إلى حدود 2011 تحت تصرف دريد عمار ابن وزير الداخلية الأسبق الحبيب عمار المقرب من بن علي. أبرمت شركة جاست أوتيل عقد استغلال مع جمعية « Touring Club de Tunisie »  لمدة 25 سنة تبدأ من غرة سبتمبر 2011 وتنتهي في 31 أوت 2036 وفق ما جاء في رد الديوان الوطني للسياحة على مطلب نفاذ إلى المعلومة تقدمت به إنكفاضة.   

انطلقت إثر ذلك الأشغال تجري على قدم وساق لتجهيز أردجان. وكان مؤسس الشركة، باتريك سيباغ، يطمح إلى افتتاح نزل يتكون من 45 جناحا، 3 صالات بار فاخرة، ومطعمين، وبار شاطئي، و2 بارات ذات طابع معين، و2 ديسكوهات، منها واحدة في الهواء الطلق مباشرة على البحر، إضافة إلى كازينو.   

غير أن مصالح الديوان السياحي قامت بزيارة القرية المجدّدة في 28 جويلية 2015 وأسندت بمقتضاها لشركة جاست أوتال في فاكس مؤرخ في 29 جويلية 2015 ترخيصا لا يرتقي لطموحات الشركة.

يسمح الترخيص بفتح واستغلال "10 غرف بطاقة استيعاب 20 سريرا ومطعم الياسمين والمطبخ التابع له والمسبح دون سواهم".

على الموقع الالكتروني لأردجان توجد قائمة بعشر غرف تظهر فيها - لمن يدقّق النظر - نفس الصور لنفس الغرفة منسوخة عشر مرات. اتصل فريق إنكفاضة في مناسبات عديدة بالمكان للتثبت من إمكانية حجز غرفة، غير أنه وبعد عدة اتصالات اتسمت بالمماطلة، تبيّن لإنكفاضة أن حجز غرفة لدى أردجان ليس بالأمر المتاح رغم تقديم تواريخ مختلفة وبأوقات متباعدة.  

يؤكد محمد مجدي رزق الله عن الديوان الوطني للسياحة أن "رخصة استغلال أردجان تقوم أساسا على تقديم خدمة الإيواء والتي تأتي في مقدمة شروط التصنيف كنزل سياحي، وغيابها يعني السحب الآلي لرخصة الاستغلال".  

في المقابل، يؤكد نادل سابق بأردجان عمل هناك لمدة سنتين: "لم أر طيلة عملي هناك من يقيم بالنزل. الغرف الموجودة أصلا غير معدة لاستقبال نزلاء. فمن يمكنه أن يقيم هناك وسط نوادي تسهر إلى الرابعة فجرا وتبث الموسيقى طوال الليل!".

بالنسبة لـإيفيت الرقيقي، هذه الاتهامات لا محل لها من الصحة: "بالطبع نحن نزل !" تقول بإلحاح، قبل أن تتبع: "يأتينا في بعض الأحيان فنانون لقضاء الليلة هنا لكن عموما يأتينا نزلاء يريدون الاحتفال". وتضيف الرقيقي: "نزلاؤنا هم حرفاء معتادون" يجدون أن للمكان "طابعا عائليا"...

توسيع الأنشطة غصبا عن القانون

توفير خدمة الإيواء لا يظهر ضمن أولويات نزل أردجان رغم أنه يُعتبر في نظر القانون مؤسسةً سياحية تستقبل حرفاء سياحيين. حيث لم يمنعه ترخيص ديوان السياحة المقتضب لسنة 2015 والذي يتيح له فقط استغلال 10 غرف ومطعم ومسبح من توسيع دائرة أنشطته بشكل متسارع ابتداءً من سنة 2016. "بدأ الأمر بملهى Terminal 2B ونواة أولى مصغّرة لما أصبح حاليا ملهى يوكا" وفق ما تستحضره إحدى المعتادات على ارتياد المكان منذ افتتاحه.

من سنة 2016 إلى 2021، انتشرت الحانات والملاهي في المركّب ليصل عددها حسب ما أحصته إنكفاضة، إلى ما لا يقلّ عن 11 محلّا. أغلق بعضها منذ ذلك الحين واستدام البعض الآخر، وافتُتحت حانات جديدة مكان أخرى دون أن يطرأ تغيير على الترخيص الأصلي.  

في يوم 4 مارس 2021، أدت مصالح الديوان الوطني للسياحة زيارة جديدة لأردجان أسندت له بمقتضاها ترخيصا محينا بتاريخ 12 أفريل 2021. هذه المرة جاء الترخيص سخيا، إذ يسمح بـ 10 غرف إضافة إلى 3 مطاعم لائحة و 3 حانات. غير أن أردجان لم يكن ينتظر هذا الترخيص الجديد فالمحلات المذكورة فيه كانت مفتوحة بالفعل وتشتغل منذ سنوات على مرأى ومسمع الجميع، من بينها على سبيل الذكر، جوبي، الموجود منذ 2017 على أقل تقدير.   

يؤكد محمد مجدي رزق الله عن الديوان الوطني للسياحة إن ذلك "مخالف للقانون وأن القانون يستوجب غلق المحلات فورا طالما أن ليست لها رخص استغلال". ويوضح أنه "يمكن تجهيز المحلات ومن ثمة المطالبة برخصة ولكن من الممنوع استغلالها في تلك الأثناء".

ومثلما كان الشأن مع الرخصة الأولى، لم يلبث مركّب أردجان أن أعاد نفس الممارسات فور حصوله على الرخصة الثانية من خلال تجاوز ما يتيحه له القانون وافتتاح محلات جديدة. كما توسّعت رقعة الأنشطة هذه المرة لتشمل في ما تشمله سوق " يوتوبيا" المكوّنة من 10 محلات لبيع المأكولات ومتاجر مختلفة، إضافة إلى حانة بيانو كابيلّا Capela ومطعم إيفيميرو Efimero الذي افتُتح لمدة شهرين.

في المقابل، تدافع شركة جاست أوتيل عن موقفها ذاكرةً مصاعب التعامل مع الإدارة التونسية. تقول إيفيت الرقيقي أن "الراغبين في العمل بشكل مستقيم وفي حدود المقاييس هم كُثرٌ في تونس. لكن المشكل ينبع من كون الإدارة لا تتيح لك المجال للعمل بشكل سويّ. فهي تستغرق وقتا طويلا للاستجابة، هذا في حال استجابت أصلا…"

اضغط·ـي على السنوات لرؤية تطور حانات أردجان:

 "المركّب يخاطر بخسارة كل شيء في حال حدوث عاصفة"  

إخلالات مركّب أردجان لا تقف عند حدود التراخيص الإدارية، فوجوده المادي ذاته يطرح إشكالات خصوصا في علاقة بموقعه الذي يحتلّ في جزء كبير منه الملك العمومي البحري المقابل له. من مكانه في المنطقة السياحية بقمرت، إحدى أرقى ضواحي العاصمة بتونس، يمتد مركب أردجان على مساحة إجمالية قدّرتها إنكفاضة اعتمادا على أداة قوقل إرث بحوالي 25.000 متر مربع. وينقسم المركّب إلى جزئين، جزء يقع على مستوى مياه البحر من الجهة الشمالية، وجزء آخر على مستوى منخفض عن مياه البحر بعمق عدة أمتار من جهة الجنوب.

 يقع أردجان - كباقي النزل المجاورة له - في منطقة سياحية فندقية مثلما يظهر على مثال التهيئة العمرانية لبلدية المرسى لسنة 2020. ويتجاوز حد الملك العمومي البحري بمساحة تتجاوز 11.000 متر مربع قدرتها إنكفاضة اعتمادا على برنامج قوقل ايرث. وهو يحتل رقعة مهمة على غابة الكثبان [Forêt dunaire] التي تفضي إلى الشاطئ.

تشرح الدكتورة علا عمروني، المختصة في جيومورفولوجية الشواطئ ومنسقة الإيكوهيدرولوجيا لدى اليونسكو في حوار مع إنكفاضة "أن [ذلك الوسط] هو بمثابة حاجز طبيعي ضد التقلبات كالأمواج العاتية والفيضانات وما إلى ذلك. كل ما نراه بالأخضر [أي الغابة] كان من المستحسن ألا توضع فيه ولو آجرة واحدة".

المصدر: مثال التهيئة العمرانية لمدينة المرسى 2020
برنامج قوقل إيرث

يعمل هذا الحاجز الطبيعي ذي العمر الذي لا يقل عن "5000 سنة" وفق قول الدكتورة مثل "إسفنجة تمتص مياه الأمطار". بينما يقف الكثيب الرملي "سدّاً يحمينا من الأمواج. ولا توجد أي منشأة من صنع الإنسان تستطيع تعويضه كونه لا يقدر بثمن".

في سنة 2019، توقع البلاغ الوطني التونسي الثالث حول اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ مزيد تقهقر الخط الساحلي تدريجيا بفعل ارتفاع مستوى البحر. كما يذكر التقرير مساحة جملية تقدر بـ 3000 هكتارا من المناطق العمرانية المعرضة أكثر من غيرها إلى خطر الغمر بمياه البحر، يتكون أكثر من نصفها من مناطق مأهولة بالسكان تتواجد في العاصمة وصفاقس بشكل رئيسي.

تذكّر الدكتورة عمروني "نحن معرضون في منطقة المتوسط بشكل خاص لعواقب التغير المناخي وصرنا نرى ظواهر متطرفة جديدة".

منذ تأزم الوضع المناخي العالمي، باتت منطقة المتوسط تشهد ما يُسمى بـ أعاصير متوسطية شبيهة بالإستوائية [أو ما يُعرف بـMédicane] متزايدة التطرّف. تتكون هذه الأعاصير فوق البحر المتوسط على مقربة من السواحل الشمال إفريقية. وتكون مرفوقة برياح عاصفة ومحمّلة بكميات هائلة من الأمطار قد تؤدي إلى حدوث سيول كتلك التي ولّدها إعصار دانيال عندما ضرب مدينة درنة الليبية يوم 11 سبتمبر 2023، وخلّف حصيلة لا تقل عن 11.300 ضحية ودمارا واسعا.

“يستطيع المركّب أن يخسر كل شيء خلال عاصفة، إنه مبني حيث يمكن للبحر أن يترك أثرا" تقول الدكتورة عمروني وهي تقلّب نظرها في الصور الجوية للمكان قبل أن تتبع: "في الصيف قد يكون شاطئاً عاديا، رمل ومظلات.. لكن في الشتاء وخلال العواصف خصوصا، يصبح مجالا يتقاسمه البحر مع اليابسة".

"إنه مجال بحري يشكّل متنفّسا للبحر [...] وهو يحمي ظهير السواحل. فإذا نزعنا عنه كثيبه وعوضناه بجدار خرساني فإن الطبيعة لن تقبل أن تتم عرقلتها". 

قبالة البحر على واجهته الشمالية، يمتد مركّب أردجان على طول يناهز 180 مترا، لا يفصله عن الماء سوى مساحة شاطئية لا تتجاوز عرض 50 مترا. في حال حدوث ظاهرة مناخية متطرفة لن تجد الأمواج كثيبا رمليا يمتصها. "وبما أن أمواج البحر هي موجات فإنها سوف ترتدّ وتعود أقوى من سابقاتها. من متر ترتفع إلى مترين وهكذا…" تشرح علا عمروني. وتضيف أنه "إذا فاض الماء على كل شيء وخسروا كل شيء، فإن كل ذلك المجال سيعود إلى الملك البحري، وسيتم نقل خط الارتفاق إلى الخلف وفق ما بلغته شدة المد والجزر".

تصر الدكتورة عمروني على أن الحلول موجودة لمن يطلبها، من ذلك أن "يتم استبدال البنايات الإسمنتية بأخرى مرفوعة على أوتاد قابلة للتفكيك، وإفساح المجال للهواء ليتحرك تحتها وللكثبان لتتكون دون عوائق".

"لكنهم لا يكترثون، يستثمرون، يفسدون المنظومة البيئية ثم ينتقلون إلى مكان آخر، أهالي المنطقة هم الذين سيدفعون الثمن" تخلص الدكتورة.

احتلال أردجان للملك العمومي البحري لم يفلت من رادارات أجهزة الدولة وأولها وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي. هذه الأخيرة، والتي تم إحداثها في سنة 1995*، تتولى مهمة المحافظة على الشريط الساحلي وحمايته خصوصا من التجاوزات المتصلة بالبنايات المخالفة للقوانين من خلال معاينتها بواسطة محاضر يحررها أعوان وخبراء محلفون. 

كانت الوكالة على علم بمخالفات أردجان منذ سنة 2015 على أقل تقدير، مثلما يتبيّن من عرض منشور على موقعها يحتوي على صورة جويّة للمنطقة السياحية بقمرت، تظهر فيها نصف مساحة المركّب محاطة بالأحمر كدليل على تواجده فوق الملك العمومي البحري. 

تروي إيفيت الرقيقي: "تفطنا منذ 2011 من خلال تواصلنا مع وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي بأن قسما كبيرا من النزل يقع على الملك العمومي البحري". وعلى االرغم من أنها لم تنضم إلى الشركة سوى في 2021، تؤكد وكيلة أردجان أنها انتقلت بنفسها إلى مصالح الوكالة للتحادث معها حول الموضوع "حتى وإن كانت فترة لا تعنيني" على حد تعبيرها.

تقول إيفيت الرقيقي أن مركب أردجان يندرج ضمن قائمة تضم 804 منشأة (مساكن ونزل وما إلى ذلك) محلّ تسوية وضعية على النطاق الوطني. "قالوا إنهم سوف يسندون ترخيصا خاصا لتسوية وضعية الـ 804 منشأة، تقدمنا بعدة مطالب لتسوية وضعيتنا دون الحصول على إجابة" تواصل المسؤولة مؤكدة أن الأمر استغرق إلى حدود فيفري 2023 ليتم قبول ملف أردجان ضمن ملف الحالات الاستثنائية. "والآن نحن ننتظر انعقاد اللجنة".

تقدمت شركة جاست أوتيل في ملفها كذلك بمطلب "إشغال وقتي [...] لوضع مظلات وغيرها". ويتيح القانون* بالفعل إمكانية إشغال الملك العمومي البحري بشكل وقتي بموجب رخصة تُمنح بمقتضى قرار من وزير·ة البيئة وباقتراح من وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي. تُسند الرخصة لمدة سنة واحدة قابلة للتجديد، وتحدد شروط الإشغال والمعلوم الواجب دفعه وبالأخص طبيعة التجهيزات المزمع تركيزها. إذ من الضروري أن تتكون من مواد خفيفة وقابلة للتفكيك، ولا يجب أن تشمل أي أشغال تهيئة ولو سطحية تمس بالحالة الطبيعية للملك العمومي البحري.

تؤكد الوكالة في ردها على مطلب للنفاذ إلى المعلومة تقدمت به إنكفاضة أنه في حالة مركّب أردجان "لا وجود لترخيص في الإشغال الوقتي خاص بفضاء أردجان الكائن بقمرت. الوكالة تؤكد عدم وجود ترخيص حاليا".

لكن وكالة الشريط الساحلي ليست الجهة الحكومية الوحيدة المكلّفة بحماية الملك العمومي البحري من المخالفات. إذ إن للبلدية والولاية نصيب من المسؤولية بمقتضى مجلة الجماعات المحلية و مجلة التهيئة الترابية والتعمير واللّتين تتيحان لهما إصدار قرارات هدم والسهر على تنفيذها في حق المخالفين. 


المصادر: الفصول 257, 258, 259, 266 من مجلة الجماعات المحليّة
الفصول. 68, 84, 88 من مجلة التهيئة الترابية والتعمير
الفصل 4 من القانون عدد 72 لسنة 1995 المؤرخ في 24 جويلية 1995
"فقه قضاء المحكمة الإدارية في المجال البيئي والعمراني المحلّيين - دراسة تطبيقية لأحكام مجلة الجماعات المحلية، صادر عن منظمة هاينريش بل تونس، جويلية 2020

  قرارات كثيرة…  

في يوم 31 أكتوبر 2019، نشرت الصفحة الرسمية لحانة يوكا بيانا ساخرا على موقع فايسبوك تقول فيه إنها وشركاءها من النوادي والحانات "ورغم الديكور الجديد الخاص بعيد الهالوين، سنواصل فتح محلاتنا لاستقبال الزوار عدى ثلاث حانات تحتاج إلى إجراء بعض التحسينات". ديكور الهالوين ذاك لم يكن سوى أكوام الإسمنت المهدم على الشاطىء والناجمة عن تنفيذ قرار هدم لبنائهم في الملك العمومي البحري. شملت حملة الهدم  التي نفذتها وحدات الحرس البحري بقمرت آنذاك بإشراف بلدية المرسى جملةً من المؤسسات السياحية المتواجدة بالمنطقة والتي تتعلق بها مخالفات ومن بينها أردجان.   

جاء التنفيذ في حقّ الأخير كتتمّة لسلسلة من المعاينات والقرارات تعود، حسبما توصلت إليه إنكفاضة، إلى سنة 2017 حين قامت بلدية المرسى بتحرير محضر بحث مخالفة ضد أردجان أتبعته بقرار هدم في 28 جويلية من نفس السنة. أيّدها في ذلك والي تونس بإصدار قرار إزالة من جهته في 28 نوفمبر 2017 يذكر فيه "استيلاء المركّب على مساحة 200م² وبناء فضاء مغطى ومسطّح على الملك العمومي البحري".

هدأت الأمور لفترة منذ مفاجأة الهالوين تلك، إلى أن حلّت صائفة 2020 جالبةً معها حملةً جديدة وشرسة من المعاينات وقرارات الإزالة ضد أردجان. استهلّت الحملة جهتان حكوميتان: أولاهما وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي والتي حررت محضريْ معاينة ضد المركّب، ورئيس المنطقة البحرية للحرس الوطني بتونس الذي أنجز تقريرا "حول معاينة أشغال دون ترخيص على الملك العمومي البحري على مستوى نادي أردجان التابع للمدعو بتريك صباغ".

أسفر ذلك عن قراريْ إزالة متعاقبيْن صادريْن عن والي تونس بتاريخ 19 جوان و 22 جويلية 2020. ثم قراريْن ثالث ورابع كلاهما بتاريخ يوم 4 أوت 2020، آخرهما يذكر "مساحةً تقدّر بحوالي 18.000 متر مربع".

وبذلك يبلغ عدد قرارات الإزالة الصادرة عن الولاية في تلك الصائفة لوحدها أربع قرارات، كلها في غضون 46 يوما فحسب. 

لم تتمكن إنكفاضة من الحصول سوى على قراريْ يوم 4 أوت، إلا أنهما يذكران القراريْن السابقيْن بتاريخ 19 جوان و 22 جويلية 2020.

اشتداد الحملة ضد أردجان دفع بشركة جاست أوتيل أخيرا إلى التجاوب. حيث تلقى الوالي في نفس يوم 4 أوت عريضة من الشركة تقول فيها "نعلمكم أننا طبقنا قراركم عدد 01 [...] وقمنا بتفكيك مساحة 913 م²". غير أن عريضة أردجان لم تأخذ في الحسبان سوى قرار الإزالة الأول، وغضت الطرف عن ذكر القرار الثاني ومساحة 18.000 م² الواردة فيه.

انقر·ي على النقاط الملونة للتعرّف على نوع الإجراء والنفاذ إلى الوثيقة إن كانت متوفرة:

... وهدمٌ محدود

بالرغم من شبه الامتثال الذي أظهرته شركة جاست أوتيل، كانت المساحة المُزالة أصغر بعشرين مرة من تلك التي يذكرها قرار الوالي.

والي تونس، حين بلغته عريضة أردجان، أرسل إلى رئيس بلدية المرسى آنذاك، معز بوراوي، يخبره بما ورد عليه من أردجان ويطلب منه "الإذن لمصالحكم بمعاينة ما تم تنفيذه من قبل المخالف ومدنا بما يتم التوصل إليه وذلك في أقرب وقت ممكن". توجهت إنكفاضة بمطالب إلى بلدية المرسى ومصالح ولاية تونس للإطلاع على ردّ البلدية على مراسلة الوالي - إن وُجد - غير أن المطالب لا تزال قيد انتظار إجابة.

في سبيل تنفيذ قرار هدم صادر عنه، يتوجب على رئيس البلدية الحرص على استكماله بجميع الوسائل المتاحة قانونا. ومن ذلك اللجوء إلى السلطة المركزية من خلال "تسخير القوة العامة لتنفيذ القرارات المتعلقة بزجر المخالفات" مثلما تنص على ذلك مجلة الجماعات المحلية. هنا، يبرز دور الوحدة الأمنية المختصة ترابيا والتي، بإذن من الوالي، تتعهد بتنفيذ قرار الهدم بناءً على طلب البلدية.

 في سنة 2020 لوحدها، أحصت إنكفاضة ما لا يقلّ عن 11 تدخلا للشرطة البلدية بالمرسى في إطار تطبيق قرارات هدم بالمنطقة*. لكن تدخلات الشرطة البلدية، على تعدّدها في تلك السنة، لم تشمل أردجان.

تعزو إيفيت الرقيقي عدم تنفيذ قرارات الإزالة إلى وضعية أردجان الخاصة: "تلقينا بالفعل إعلاما بإزالة كل المساحة المتواجدة على الملك العمومي البحري، والتي تقارب هكتاراً، لكن لم يتم تطبيق القرار لأننا كما ذكرت، نندرج ضمن 804 حالة استثنائية تنتظر تسوية وضعيتها".

راسلت إنكفاضة وزارة الداخلية لمعرفة سبب عدم استكمال تنفيذ قرارات الإزالة الصادرة سنة 2020 في حق المركّب، فأجابت الوزارة بشكل مقتضب "إن وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي بتونس وأريانة قد قامت بتاريخ 19 أوت 2020 بتنفيذ قرار الإزالة عدد 01 الصادر عن السيد والي تونس بتاريخ 19 جوان 2020"، دون أن توفر الوزارة مزيدا من التفاصيل حول القرارات الأخرى.

لكنّ "تنفيذ قرارات الهدم لا يدخل في اختصاص الوكالة" تردّ من جهتها وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي. وتضيف أن ذلك "من مهام السلط الجهوية والمحلية التي لها صلاحية برمجة عملية الإزالة والإشراف عليها بالاستعانة بالقوة العامة وتشريك مختلف الهياكل العمومية المعنية." أعادت إنكفاضة طرح السؤال على وزارة الداخلية لكن لم ترد إجابة عنها إلى حد لحظة كتابة هذا المقال...

سلطة محلية عاجزة

في يوم 22 أكتوبر 2019، أي قبل أسبوع من التنفيذ الوحيد لأحد قرارات الإزالة ضد أردجان، تقدم رئيس بلدية المرسى آنذاك، سليم المحرزي، باستقالته. يشرح رئيس البلدية الأسبق في حوار مع إنكفاضة أنه اتخذ قرار الهدم في حق أردجان "بناء على عدم تسوية وضعيته القانونية باستغلال الشاطىء والبناء عليه"، ويوضح أن "البلدية تواصلت مع النزل أكثر من مرة لتسوية وضعيته ولكنه لم يعبأ بمراسلاتها ولم يظهر أية نية لخلاص المعاليم المستوجبة".

وكان سليم المحرزي قد برر استقالته آنذاك بـ"عدم تمكنه من فرض القانون في المدينة" وأنها باتت "تشهد مستوى مفرطا من المضاربات العقارية والزبونية والكيل بمكيالين".

عجزُ رئيس البلدية الأسبق عن تطبيق قراراته في حق المخالفين يعود حسب قوله في حوار مع إذاعة شمس إف إم إلى "مشكل كبير في الشرطة البلدية" المسؤولة عن إنفاذ القانون في نطاقها البلدي والراجعة بالنظر إلى وزارة الداخلية. وأن نظام الشرطة البلدية على حد تعبيره "جُعل كي لا يتم تطبيق القانون على الجميع سواسية".

يضيف سليم المحرزي في حواره مع شمس اف ام: "من القهر أننا اتخذنا قرارات إزالة على الشواطئ، ولكنهم لم يريدوا تنفيذها". 

بعد أن كان جهاز الشرطة البلدية يؤدي مهامه تحت إشراف مراكز الشرطة البلدية أو مراكز الحرس الوطني وتحت إشراف رؤساء البلديات، جاء المنشور عدد 09 لسنة 2013 ليقصي رئيس البلدية من الإشراف على السلك. في المرسى، يؤكّد المحرزي في حواره مع شمس أف أم أن "الشرطة البلدية هي التي تقرر متى يتم تنفيذ القرارات". في حين يستنتج تقرير صادر عن الموفق الإداري في سنة 2016 أن "إلحاق أعوان الشرطة البلدية بالأمن العمومي دون خضوعهم إلى إشراف رؤساء الجماعات العمومية المحليّة أفقد هذه الأخيرة النجاعة المطلوبة في التدخل لفرض النظام". "ولئن كان رئيس البلدية المسؤول الأول عن التراتيب البلدية في نظر القانون، فإنه صار مجردا من سلطته الميدانية". 

"فحتى إذا اتخذت البلدية قرارات هدم في إبانها فإنها لا تنفذ وتبقى حبرا على ورق" يواصل تقرير الموفق الإداري.

تتعدّد الجهات المتدخلة في إصدار وإنفاذ قرارات الهدم مما يؤدي إلى تعطّلها، خصوصا بالنظر إلى تشابك الصلاحيات بين السلطتين المحلية والمركزية. لكن ذلك لا يبخس من قيمة القرارات شيئا، حيث إن "محاضر المخالفة وقرارات الهدم تبقى سارية المفعول ما لم يتم تنفيذها" مثلما تؤكد على ذلك وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي. كما أن مجلة الجماعات المحلية، تنصّ بعبارة لا لبس فيها، على أن "عدم اتخاذ قرارات الهدم أو تنفيذها من قبل من له النظر يعتبر خطأ جسيما موجبا للمساءلة".

الإشكاليات التي يطرحها مركّب أردجان في علاقته مع بلدية المرسى تتجاوز حدود الملك العمومي البحري لتمتدّ إلى المأوى المحاذي للمركّب. حيث تحصّلت شركة جاست أوتيل على عقد استغلال المأوى من البلدية، بالمراكنة، وفي ظروف تثير تساؤلات عديدة.

مأوى مُربح

على الطريق نحو مركّب أردجان، تصطف عربات كثيرة على الرصيف من الجهتين، قبالة المركّب، وقد تمتدّ حتى إلى الغابة المجاورة. في اللحظة التي تدخل فيها عربة ناحية المركّب، يقترب منها شباب يرتدون زيا أصفر مهمتهم إرشاد السائقين والسائقات نحو أماكن وقوف لا تبدو مهيئة، ثم مطالبتهم بدفع 5 دنانير مقابل هذه الخدمة.

في الداخل، يوجد مأوى آخر يمكن للحرفاء ركن سياراتهم فيه لمن كان مستعدا لدفع 10 دنانير. وفق تقديرات إنكفاضة باستعمال قوقل إيرث، يتسع هذا المأوى الداخلي لما قد يصل إلى 200 سيارة. أما المأوى الخارجي فتبلغ سعته ما لا يقل عن 400 سيارة، دون احتساب تلك المركونة على الرصيف أو في الأماكن غير المنظّمة.

يجني المأويان بعد الساعة الثامنة وفي لحظة امتلاء قصوى 4000 دينار على أقل تقدير، أما إذا احتسبنا دفق السيارات القادمة والمغادرة طيلة الليل فإن المداخيل تقدر بآلاف الدنانير يوميا.  

من الصعب تتبع إيرادات المأوى لأن الموظفين المسؤولين عن وقوف السيارات لا يقدمون وصولات خلاص. أحدهم، وخلال زيارة إنكفاضة للمركّب، رفض تقديم وصل مستغربا: "يمكنكم أن تجولوا قمرت كاملة ولكنكم لن تجدوا من يعطيكم وصلا." بمواجهتها بذلك، تقول إيفيت الرقيقي أنها "تؤيد وضع نظام وصولات خلاص أو تركيب موزّعات تذاكر" لتنظيم تشغيل المأوى.

لكن لمن تعود مداخيل هذه المآوي؟ المأوى الداخلي بـ10 دنانير تعود مداخيله إلى مركّب أردجان، أما المأوى الخارجي فهو مرفق بلدي يرجع إلى بلدية المرسى التي سوّغته إلى شركة جاست أوتيل من خلال المراكنة.

تظهر نسخة من العقد تحصلت عليها إنكفاضة، مبرمة بتاريخ 15 جوان 2022 بين الممثل القانوني لشركة جاست أوتيل وبلدية المرسى أن المأوى تم تسويغه بمبلغ 60.000 دينار. يعلّق محمّد علي*، وهو أصيل الجهة دأب منذ سنوات على تسويغ المآوي أن "المبلغ يبدو زهيدا مقارنة بالمداخيل الحقيقية له".

نسخة عقد استغلال المأوى البلدي المحاذي لنزل أرجان مبرم بين بلدية المرسى و شركة جاست أوتيل.

وفق مصدر فضّل عدم الكشف عن هويته، تقدم مواطن في نفس السنة للبلدية بعرض أعلى قيمة أرفقه بصكّ يبلغ 250.000 دينار لتسوغ ثلاث مآوى، منها المأوى البلدي المحاذي لنزل أردجان والذي خصّه بـ 100.000 دينار.

ينص القانون على أن هذا النوع من العقود بين جهة حكومية وأخرى خاصة يجب أن يضمن منافسة شفافة من خلال بتة عمومية. من جهتها، تقول إيفيت الرقيقي في هذا الصدد أن "المنشآت التجارية المحاذية للمآوي البلدية تكون لها الأولوية". "ولذا اقترحت علينا البلدية تسويغ المأوى وفي حال رفضنا فتح بتة عمومية".

غير أن القوانين التي تنظّم إسناد هذه العقود لا تسمح باللجوء إلى المراكنة عوض الدعوة إلى المنافسة إلا في حالات استثنائية، مثل مقتضيات الأمن العام أو لضمان استمرارية المرفق العمومي أو في حال لم تفض البتة العمومية مرتين متتاليتين إلى عروض مثمرة.* بالنسبة لإيفيت الرقيقي فإن حالة أردجان تدخل ضمن هذه الشروط: "نريد ضمان أن يجد الناس سياراتهم كما تركوها".

لكن بالنسبة لعدد من سكان الجهة فإن هذه الاتفاقية بين الشركة والبلدية لا تستقيم. يقول محمد علي "إن العقود بدأت منذ سنوات تُمنح بالمراكنة للنُزل الموجودة في الجهة. بينما تقتصر البتات العمومية على المآوي المحاذية للشاطئ." وبالفعل، انطلقت منذ أواخر سنة 2021 تحركات طالب فيها مواطنون باعتماد الشفافية الكاملة في مجال تسويغ مآوي السيارات. 

في 10 جانفي 2022، قُدمت إلى رئيس بلدية المرسى عريضة ممضاة من قبل 16 متسوغا سابقا وحاليا لمآوي بمنطقتي المرسى وقمرت بغرض "تسويغ جميع المآوي للنزل والمطاعم عن طريق بتة عمومية والمشاركة للجميع كما كان العمل من قبل" 

ندّدت العريضة بأن "أصحاب النزل يعيدون تسويغها [أي المآوي التي يحصلون عليها من البلدية] بأضعاف ثمن خلاص الأداء البلدي". تردّ إيفيت الرقيقي بأنها "لم تحط علما بتلك العريضة" مشيرةً إلى أن الشركة لا تقوم بإعادة تسويغ المأوى. "نشغّل المأوى بطريقة مباشرة من خلال أشخاص يعملون فيه، ليسو من ضمن موظفينا، لكن لنقل أننا على اتفاق معهم". وتضيف مسؤولة أردجان أنها تفضّل "انتقاء من يعملون لأجلنا وتحديد طريقة العمل المناسبة".

عندما واجهت إنكفاضة إيفيت الرقيقي بأن التعريفة المطبّقة في المأوى الخارجي تبلغ 5 دنانير، في حين ينص العقد بوضوح على تعريفة تتراوح بين 1 دينار في النهار و 3 دنانير في الليل*، تجيب المسؤولة أنها تأخذ بعين الاعتبار شكايات الحرفاء و "تتواصل كل يوم مع عملة المأوى" مضيفةً: "أخبرنا البلدية: هذا مأواكم، ضعوا فيه يافطات أو موزّعات تذاكر".

هجرت السيارات مأوى أردجان منذ يوم 19 أكتوبر. ورغم أن إيفيت الرقيقي تصر على أنه لا يزال بإمكان الحرفاء الدخول واستهلاك المأكولات والمشروبات غير الكحولية. إلا أن المطاعم والحانات والملاهي والمتاجر تبدو مهجورة هي الأخرى. تلك الوضعية - على تعقيدها - لم تثبط من عزيمة المسؤولة عن المركّب، والتي تؤكد أنها "واثقة، بل على غاية من الثقة" من إمكانية إعادة افتتاحه. وهي تصرّ على أن الوضعية بصدد الانفراج، رغم الخروقات المتراكمة والممتدة من المأوى إلى الشاطئ مرورا عبر الحانات.