"ما باليد حيلة أمام هؤلاء العمالقة" : صغار الفلّاحين·ـات على شفر الإنقراض

"لا أستطيع المواصلة هكذا، كان عليّ تسديد ديون تبلغ 12.000 دينار. في نهاية المطاف، استسلمت وتركت ورائي كلّ شيء". حسني غنّاي هو شابّ في أوائل الثّلاثينات. كان فلّاحا صغيرا في دوّار الغراغيز من ولاية جندوبة. في هذه الجهة وغيرها من المناطق الفلاحيّة، تـ·يصرّح صغار الفلّاحين·ـات بأنّ النّموذج الفلاحيّ الخانق قد دفعهم·ـن في هوّة العوز والفقر.
بقلم | 12 نوفمبر 2020 | 10 دقائق | متوفر باللغة الفرنسية
رغم صغر سنه إلا أنّ ظروف العمل قد نالت منه. حسني ليس حالة معزولة. تتحدّث الأرقام الصّادرة عن الاتّحاد التّونسي للفلاحة والصّيد البحري لسنة 2018 عن 12.000 حالة تغيير للنشاط الفلاحي لدى الفلاحين·ـات*. عدد كبير من الذين واللّواتي امتهنوا وامتهنّ النشاط الفلاحي آثروا وآثرن التّخلّي عنه بعد سنوات من المعاناة والشّقاء.

منذ أن غادر حسني الأرض العائليّة، تولّى شقيقه منصف مهامّ التّصرّف فيها. هذا الأخير ينتمي إلى النصف مليون* من صغار الفلاحين·ـات الذين واللّواتي عليهم·ـن مواجهة نموذج إنتاجيّ لا يمكنّهم·ـن من عيش حياة كريمة. حسب عالم الاجتماع لعروسي العمري** فإن الفلاحة الصغيرة " مهددة بالانقراض بكلّ بساطة" نظراً للعقبات العديدة التي تحوم حولها، في حين أنّها تزوّد لوحدها من 60% إلى 70% من السوق المحلي التونسي حسب تصريح عدد من الخبراء والخبيرات لإنكفاضة.

" أنا أنفق أكثر ممّا أجني، وهذا سخيف"

يسكن منصف وعائلته في أرض تمسح هكتارين اثنين، محاطين بأربع بقرات وبعض الدّجاجات وبعض المساحات المغروسة خضراوات. يستقبل الفلّاح يومه على الخامسة صباحا ليتّجه أوّلا إلى الإسطبل لحلب الأبقار قبل وصول جامع الحليب. على إثر ذلك، يتحوّل إلى حقله أين يقضّي ما بقي من يومه يعمل دون كلل حتى غروب الشمس. ينتج منصف منتجات متنوّعة تختلف باختلاف الفصول. في شهر نوفمبر الجاري على سبيل المثال، تغطّي حقله شتلات البصل والفلفل والسبانخ والبقدونس.

لم يتبقّ على الأحد عشر ابنا وبنتا في عائلة غنّاي سوى اثنين في خدمة الأرض. تتوالى أيام العمل الشّاقّ ومع ذلك لا يتحصل منصف في آخر حصاده إلاّ على مدخول زهيد. يبيع البطاطا التي كلّفه انتاجها 580 ملّيما للكيلوغرام الواحد بسعر 610 مليمات ويقول متأسّفا : " أجني ربحا يساوي 30 ملّيم، هذا مبلغ سخيف". ما يثقل كاهله فعلا هي أسعار البذور والمُدخلات من أسمدة وأدوية ومبيدات.
.

هذه المُنتجات المستوردة أساسا، تُمثّل نصيب الأسد من السّوق التّونسيّة. وتمّ إدخال البذور الهجينة منذ ستينات القرن الماضي عبر برنامج الأغذية العالمي لتغزو الأسواق التونسيّة منذ ذلك الحين. كما عوّضت هذه البذور المُنتجة في مخابر كُبريات الشركات الكيمياويّة الزّراعيّة البذور المحلية. منذ أواخر التسعينات، نصّ الفصل الثالث من القانون رقم 42-99 المؤرخ في 10 ماي 1999 على أنّه لا يمكن الاتّجار إلّا في البذور المرسّمة في السّجلّ الرسمي. وحسب ندى الطريقي من الجمعية التونسية للفلاحة المستدامة، فإنّ هذا السّجلّ " يحتوي في أغلبه على بذور مهجنة غير قابلة للتكثيف والإكثار، ما يدفع الفلاحين·ـات إلى شراء البذور  كل سنة، الأمر الذي يرسّخ تبعيّتهم لهذا النّظام".

تحصل منصف على هذه البذور بثمن باهظ من كبار المزودين. هذه البذور قليلة التأقلم مع المناخ التونسي، وبذلك تستوجب استعمالا مكثفاً للمبيدات الحشرية أو " الدّواء" حسب التّعبير الدّارج الذي قد لا يخلو من السّخريّة. تؤدي هذه المنتجات إلى " تفقير الأرض وتخلق أرضية ملائمة لإنتاج آفات أكثر مقاومة للمبيدات" على حدّ تعبير مايْ غرانييه، عضوة الجمعية التونسية للزراعة البيئية.

يشير حسني إلى حقل سبانخ مصفرّ بسبب العفن الفطري، وهو مرض قد يعيث فسادا بالمحاصيل. " يجب رشّها بالمبيدات، بينما سعر القارورة الواحدة يصل إلى 140 دينارا، أي أكثر مما سأجنيه من محصول السبانخ. هذه المزروعات محكوم عليها بالفشل وليس لدينا خيار آخر". تمثل البذور والمدخلات وحدها 80% من كلفة إنتاج البطاطا على سبيل المثال، وفقاً للبيانات التي جمعتها ندى الطريقي.

قائمة المصاريف لا تتوقف هنا، إذ يُضاف إليها تكلفة اليد العاملة والنقل إلى الأسواق. يروي أيمن، وهو مزارع من ولاية توزر :" في العام الماضي، بعت كل التمر مقابل 7000 دينار، ولإنتاجها، كان عليّ أن أنفق 6600 دينار، منها 500 دينار لنقلها إلى تونس العاصمة. في محصول عام كامل، كسبت 400 دينار فقط، أي بالكاد أكثر من متوسط ​​راتبِِ شهري". للبقاء على قيد الحياة، يستهلك أيمن من رأس ماله المتواضع حيث يبيع شاة من هنا أو أداة زراعية من هناك، ثمّ يعيد الكرّة في السنة الموالية. في هذا الصّدد، يقول منصف مازحًا لكن بنبرة مريرة: " لو شرعت فعلا في حساب جميع نفقاتي، لتوقّفت عن هذا العمل".

  " نحن نعمل فقط للبقاء على قيد الحياة" يقول حسني متنهدا.    

" الأولوية تبقى لسداد الديون"، هذا ما تؤكّده ليلى الرياحي عضوة مجموعة العمل من أجل السيادة الغذائية. " الفلاح لا يدرك أنه لا يتقاضى أجرا مقابل عمله اليومي وأنه يعمل بخسارة (...) صغار الفلاحين هم أكبر الخاسرين في إطار منظومة الإنتاج هذه".

حرب الأسعار

في 6 ماي 2020، ألقى·ـت مجموعة من صغار الفلاحين·ـات  في جندوبة، كمية هامّة من البطاطا على الطريق العامّ تعبيراً عن يأسهم·ـن*. فبالإضافة إلى التكاليف العالية للإنتاج التي تميّزت بها هذه السنة، لم تـ·يقدر هؤلاء على تسييل محاصيلهم·ـن، حتى بأسعار زهيدة. ذلك أنّ أزمة الكوفيد -19 أدّت إلى تفاقم وضعيّة المزارعين·ـات الواقعين·ـات في الأصل تحت رحمة الوسطاء الذين غالبًا ما يستحوذون على معظم القيمة المضافة خلال عمليّة البيع.

هذا الأمر ليس غريبا على منصف.حيث يذهب هذا الأخير مرة في الأسبوع إلى سوق الجملة بجندوبة لبيع بضاعته. قضاء يوم كامل في السّوق يعني يوما أقلّ في الحقل، وذلك دون ضمان بيع الخضراوات. بمجرد جمع المحصول، يبدأ سباق مع الزمن. افتقار منصف لإمكانيّات تخزين منتوجاته، شأنه شأن معظم صغار الفلّاحين·ـات، يُجبره على الإسراع في بيع محاصيله خشية أن تفسد. فعلى سبيل المثال، لا تتجاوز الطماطم يومين بعد قطفها. وهنا، يأتي دور الوسطاء الذين يمتلكون وسائل التخزين والنقل الكافية لتوصيل المنتوجات إلى المدن الكبرى.

المفاوضة في الأسعار غالباً ما تكون عسيرة وليست في صالح الفلاح·ـة. حتى في سوق البيع بالجملة، حيث يتم بيع المحاصيل للوسطاء، لا أحد يضمن للفلّاحين·ـات بيع محاصيلهم·ـن بسعر محترم. تلاحظ ندى الطريقي أنّه " عادة ما يكون لكل منتوج سعر مرجعي رسمي تمّ التفاوض عليه من قبل النقابات. لكن هذه الأسعار غالباً ما تكون غير ملزمة ولا يوجد أحد للتثبت من تطبيقها، لذا دائما ما تكون هناك تجاوزات".

وتفيد ندى أن أحد الفلاحين وجد نفسه يبيع محصوله من التمور مقابل 1،8 دينار للكيلوغرام الواحد، في حين أن السعر المرجعي هو 2.7 دينار للكيلوغرام. أي أن الفلّاح خسر ثلث المبلغ.

في نهاية سلسلة الإنتاج، على رفوف المغازات في المدن الكبرى، تختلف الأسعار بشكل جذريّ: " تصوروا أن الكيلوغرام من الرمان المُباع بـ 1،2 دينار في قابس يمكن أن ينتهي بـ 3 دنانير في تونس. من الجلي أن الوسطاء يملأون جيوبهم" على حدّ تعبير  ريم المثلوثي رئيسة الجمعية التونسية للفلاحة المستدامة. في ساحة التفاوض على الأسعار، نادراً ما يكون للفلاّحين الكلمة الأخيرة. " الوسطاء يفصلون بين المنتج والمستهلك وببساطة لا يوجد قطاع فلاحي منظم يمكنه أن يضمن توزيعاً عادلاً للثروة ".

يعترف كريم داود قائلا " وهكذا، دائما ما يتكبّد صغار الفلّاحين الخسائر".

من جانبهم·ـن، يرفض عدد من الفلاحين·ـات الغاضبين·ـات بيع محاصيلهم·ـن بأسعار زهيدة لينتهي بهم·ـن الأمر بتركها تتعفن: " هذه السّنة، لم يبارح البطّيخ والدّلّاع مكانه في الحقول. يعرف المزارعون السيناريو ويفضلون التخلص منه إحتجاجا على هذه الأسعار " حسب تفسير ريم مثلوثي.

الزّراعة الأحاديّة، نموذج إنتاج مفخّخ

إن النموذج التقليدي القائم على تنويع المحاصيل والذي لا يزال منصف وعائلته يمارسونه يسمح لهم·ـن بالعيش في حالة اكتفاء ذاتي رغم الصعوبات الكثيرة. لكن طريقة العيش هذه مهددة الآن مع التقدم في نموذج إنتاج أحادي. بدعم متواصل من السياسات العامة، تهدف طريقة الإنتاج هذه بشكل أساسيّ إلى التصدير. وإلى اليوم، يمارس 60% من صغار الفلاحين·ـات الزراعة الأحادية وفقا لتقديرات مايْ غرانييه.

في الوطن القبلي، ترسّخت مكانة البرتقال المالطي كمنتوج رئيسي يُوجّه 95% منه إلى التصدير*.  وفي هذا الصّدد تذكر ريم مثلوثي أن المزارعين·ـات في المنطقة قد تحولوا·ـن تدريجياً إلى زراعة القوارص الأحادية على أمل تصدير ثمار محصولهم·ـن يوما ما.

وتجادل ريم قائلة " هنالك الكثير من الأوهام في هذه السّرديّة. عندما يفكر فلاح في التصدير فهو يفكر في العملة الصعبة، اليورو. بعد ذلك قد يجد نفسه في دائرة تعود عليه في البداية بالنّفع المادّي، غير أنّها  في الواقع ليست في صالحه على الإطلاق، ذلك أنّ من يكسب المال حقا من التصدير هم الوسطاء في نموذج يلبّي في الحقيقة متطلبات السوق لا غير".    

في تونس، تمّ إدخال التّخصّص في الزراعة مع الاستعمار الفرنسي من خلال سياسات تحديث الزراعة. تقول ليلى الرّياحي : " عند الاستقلال استعادت الدولة التونسية الأرض والنّظام القائم كذلك، بل وعززته وواصلت حتى اليوم دفعها نحو الزراعة الأحادية، خاصة بهدف تكثيف الصادرات".

ومع ذلك، فإن المزارع·ـة الذي لا تـ·يزرع اليوم سوى القوارص، لم يعد قادرًا على ضمان استقلاله الغذائي والمالي، عكس ما تسمح به الزراعة المتنوعة. حسب مايْ غرانييه فإنّه " لن يكون إنتاج محصول واحد كافيًا لإعالة أسرة لمدة عام كامل. لضمان دخل ثابت، يجب علينا التنويع والمراهنة على تربية الماشية، وزراعة الخضراوات والأشجار المثمرة... إنها أيضًا الطريقة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة اعتباراً للمناخ الجاف في منطقتنا".

"جعلنا صغار الفلاحين يعيشون تبعية للفلاحة الأحادية وغير التقليدية المرتكزة على المُدخلات" ندى طريقي.  

بالإضافة إلى تهميش المزارعين·ـات وخبراتهم·ـن، يرتكز هذا المنوال الإنتاجي على الإستخدام المكثف للموارد المائية والمُدخلات، مما يعني نهاية التوازنات الطبيعية. في الوطن القبلي استند تكثيف زراعة البرتقال المالطي إلى بناء مجمع للري يجلب مياه الشمال الغربي للمنطقة. " كان الهدف من السد في الأصل هو الري الجزئي لصغار الفلاحين منتجي الخضراوت، لكن في نهاية المطاف فإن المستغلاّت الكبرى هي التي تستفيد منه، بذلك وجدت كل الأراضي الصغيرة المحيطة نفسها جافة وملوّثة" على حدّ تعبير ليلى الرياحي التي تضيف مستاءة " إضافة إلى ذلك فإنّ ريّ الأشجار هو فعل مشين ".

أقبل المستثمرون وأدبر·ت الفلّاحون·ـات

يقول حسني متأسّفا :" لم أنجح يوماً في الحصول على قرض واحد". تحت ضغط الديون المتراكمة وعدم توفر المساعدات لم يكن لديه حل آخر سوى التخلي عن ممارسة الفلاحة. إن أصبح تواجد صغار الفلاحين·ـات مهدّدا اليوم فذلك يعود أيضا إلى عدم إدماجهم·ـن في منظومات الدعم والقروض.

بالنّسبة للفلّاح·ـة، يعدّ الحصول على الإعانات الحكومية أو القروض البنكيّة رحلة شاقّة. وفقاً لتقرير المنتدى التونسي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية الأخير، فإنّ 3.7% فقط من إجمالي طلبات القروض الفلاحية* كان من طرف صغار الفلاحين·ـات**.

الشرط الأول: الحياز على إثبات الملكية المسجلة للأرض وهو ما لا تـ·يملكه جل الفلاحين·ـات نظرا لقضايا تتعلّق بالميراث أو بعض الاختلالات الاداريّة. دون هذا الإثبات، ليست لهم·ـن رسمّيا صفة الفلّاح·ـة، وتبعا لذلك لا يتمتعن·ـون بالتغطية الإجتماعية.

حتى بالنسبة لمن لهم·ـن إثبات ملكية، يظلّ من الضّروري تقديم مشروع مكتوب يلبّي ويتطابق مع كراس الشروط وانتظارات الدائنين، كلّ هذا في قطاع 46% من العاملين·ـات فيه أميّون·ـات*. تؤكّد ليلى الرّياحي " في كلّ الأحوال، يجب أن يكون لديه مال للإستثمار في مشروعه، وهو أمر مستحيل بالنسبة لأغلبهم." وتواصل قائلة " هم بالكاد لديهم ما يلبي حاجياتهم اليومية". إذن، التسهيلات والقروض هي حكر على من له الموارد الكافية للاستثمار أي المستثمرين·ـات. تضيف ليلى : " في تونس، وكالة النهوض بالاستثمارات الزراعية (APIA) هي التي تحدد من يحق له الحصول على الإعانات. إنهم لا يذهبون أبدًا لرؤية الفلاّح الصغير المتواجد في تستور مثلا، بل يذهبون إلى من لهم بالفعل إمكانية النّفاذ إلى الائتمانات".

" المستثمرون هم من يحتكرون كل المساعدات. إنّها شبكة حقيقية مكونة من ذوي النفوذ المقرّبين من البنوك والسلطة، ويجمعهم هدف واحد: كسب المزيد من المال" ليلى الرياحي.

" إضافة إلى احتكار أغلبيّة التمويلات فإنّ كبار المستغلّين·ـات "يصادرون بطريقة خفيّة صغار الفلاّحين من خلال سياسة نشطة للاستيلاء على الأراضي، وذلك بتشجيع من الدّولة" حسب قول ليلى، وتوضّح أنّ هذا الوضع يُلاحَظ خصّيصا في مناطق مثل الرقاب (ولاية سيدي بوزيد) حيث تتميّز الفلاحة الصّغيرة بهشاشتها. إفلاس صغار الفلّاحين·ـات وتراكم الدّيون الخانقة لا يترك لهم·ـن سوى خيار بيع أراضيهم·ـن." عليك أن تضع نفسك في مكان فلاح صغير يكافح من أجل البقاء وفي حوزته أرض تمسح هكتارين فقط. إذا عُرض عليه مبلغ مغرِِ لشراء أرضه، فسوف يستسلم على الفور." على حدّ تعبير أيمن عميّد، مهندس فلاحي ومختصّ في السيادة الغذائيّة.   

إن أقلية من المستثمرين·ـات وكبار مالكي·ـات الأراضي تمتلك معظم الأراضي الزّراعية من حيث المساحة، في حين تـ·يمثّل صغار الفلاحين·ـات الأغلبية من حيث العدد.     

إهمال مؤسّساتي لصغار الفلاّحين·ـات  

يستذكر منصف: " سابقا، كان والدى يتّصل بعون الإرشاد الفلاحي كلما واجه مشكلة في أرضه. اليوم، مستشاري الوحيد هو بائع المُدخلات الزّراعية. أنا وحيد". عون الإرشاد الفلاحي هو موظّف من قبل وزارة الفلاحة التونسية يتكفّل بتأطير الفلاحين·ـات وتقديم الاستشارات حول زراعتهم·ـن وكيفية مداواتها. هذه المهنة في إنخفاض كبير، وتقول ليلى الرياحي : " لا يتم تعويض معظم عمّال الإرشاد الفلاحي المتقاعدين، ومن بقي منهم إلى حد الآن ليس لديهم سيارات وبالتالي لا يمكنهم الذهاب إلى الفلاّحين وأراضيهم".

بالنسبة لكريم داود رئيس نقابة الفلاحين ثاني أكبر نقابة فلاحيّة في البلاد، فإن هذا دليل على " التباعد التّدريجي للدولة في علاقة بالمسألة الفلاحية على مدى العشرين سنة الأخيرة. لم يعد هنالك رابط فعليّ بين الفلاحين·ـات والدولة. وهؤلاء لا يشعرون بدعم الدولة لهم، ما يدفعهم إلى مزيد من الاستسلام يوما بعد يوم".

من جهته، يحتجّ حسني قائلاً :" ليس لدينا أي وسيلة لمحاربة هؤلاء العمالقة". " لا أحد يدعمنا، ولا أحد يمثّلنا ولهذا السبب لم أنخرط في أي نقابة." أمام هذه الشهادة يعلّق كريم داود قائلا أنّه "[يتفهم] خيبة الأمل التي يعيشها المزارعون.إذ ليس لديهم أيّ رؤية لما ينتظرهم، ونحن أنفسنا نجد صعوبات في إيصال صوتنا للحكومة".

يشير تقرير المنتدى التونسي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية الأخير أن الفلاحين·ـات يعانون ويعانين من نقص فادح في التمثيلية والاعتراف القانوني. لا يوجد فعلا وضع قانونيّ واضح موجّه لصغار الفلاحين·ـات. " لا وضع قانونيّ، لا حماية، وهذا يفسر  النقص الكبير في الإهتمام بهذه الفئة من المنتجين." يشرح أيمن عميد.

" يريد ابني الأكبر أن يتولّى العمل الفلاحي بعد مغادرتي، وأنا لا أكف عن ثنيه عن ذلك، لأنّني لا أريد له  هذه الحياة." يتنهد منصف. في ظل هذه الظروف السيئة، تجد الفلاحة الصغيرة نفسها معرّضة لخطر الإنقراض. 500.000 موطن شغل مهدّد، وفقا لآخر الأرقام المتاحة لسنة 2005, في قطاع وصلت نسبة البطالة فيه إلى 15.3% سنة 2015*. 

لكن إذا تجاوزنا مسألة التشغيل هذه، فإن الخطر الحقيقيّ هو انقراض الخبرات الفلاحيّة المحلية ونظامِِ زراعي متأقلم مع الظروف الخاصة بتونس وفلاحيها·ـاتها. وتخلص مايْ غرانييه إلى " أن هذا النظام يدفع في سبيل تنويع الموارد والحفاظ على بيئة مرنة. يعتبر هذا النموذج الأفضل للاستجابة للتحديات المناخية المحدقة بنا، إنها مستقبل الزّراعة".