النفايات الإيطالية: وراء الفضيحة البيئية، قضية فساد واسعة النطاق

منذ عدة أشهر من اندلاعها، ما زالت قضية التوريد غير المشروع لنفايات منزلية إيطالية تهز الرأي العام في البلاد. فعلاوة على الفضيحة البيئية، تحصلت إنكفاضة بالتعاون مع شبكة التقصي الإيطالية "إيربي ميديا" (IrpiMedia) على العديد من الوثائق التي تكشف ​​أثر شبكة فساد ممتدة الأطراف.
بقلم | 11 فيفري 2021 | reading-duration 12 دقيقة

متوفر باللغة الفرنسيةالإنجليزية
يوم 26 ماي 2020، وفي الوقت الذي كانت تشهد فيه البلاد رفعا تدريجياً للحجر الصحي الشامل مع الإبقاء على الحدود مغلقة، أرست شحنة بحرية قادمة من مدينة ساليرنو (مقاطعة كامبانيا، إيطاليا) بميناء سوسة محملة بـ70 حاوية مملوءة بما يقارب 2000 طن من النفايات. تلتها بعد ذلك شحنات مشابهة إلى غاية موفى شهر جويلية. وإجمالاً فإن ما يقرب من 7900 طنا من النفايات موزعة على 282 حاوية شقت طريقها إلى سوسة.

تقف وراء عملية النقل هذه الشركة الإيطالية "سفيلوبو ريسورزي آمبيانتالي" (Sviluppo Risorse Ambientali Srl SRA)، المختصة في تثمين النفايات وإتلافها، بالإضافة إلى "سوريبلاست" (SOREPLAST Suarl) وهي شركة تونسيّة غير مقيمة (مصدرة كليّا) تنشط في قطاع رسكلة النفايات البلاستيكية.

غير أنه تم الكشف تدريجياً عن اتجار غير مشروع بالنفايات المنزلية يتخفى وراء ما يبدو ظاهريا كنشاط تجاري عادي. إذ تبين أن ما تم تقديمه من قبل الشركة التونسية كفضلات بلاستيكية موجهة للفرز والرسكلة وإعادة التصدير إلى الخارج هي في حقيقة الأمر نفايات منزلية حضرية قد تشكل خطرا تم تجميعها في ضواحي مدينة نابولي.

اندلعت الفضيحة علنا ​​يوم 2 نوفمبر 2020 بمناسبة بث برنامج "الحقائق الأربع" على قناة الحوار التونسي. ومنذ ذلك الحين، بدأت قضية النفايات هذه تطيح برؤوس كبيرة بدءًا بمصطفى العروي الذي كان يشغل منصب وزير الشؤون المحلية والبيئة آنذاك قبل أن يتم إعفاؤه من مهامه بتاريخ 21 ديسمبر 2020.

أودع 8 أشخاص بالسجن منذ يوم 21 ديسمبر 2021 بما فيهم إطارات تابعة للوكالة الوطنية للتصرف في النفايات (ANGED) والوكالة الوطنية لحماية المحيط (ANPE) ووزارة الشؤون المحلية والبيئة، علاوة على صاحب مخبر تحاليل. وفي المجمل، فقد بلغ عدد الأشخاص محل تتبع قضائي 24 شخصًا يُشتبه في ضلوعهم في تيسير دخول حوالي 7900 طنّا من النفايات غير القابلة للرسكلة إلى التراب التونسي.

تؤكد العديد من الوثائق التي تمكنت إنكفاضة من النفاذ إليها بالتعاون مع شبكة التقصي الإيطاليّة "إيربي ميديا" وجود شبكة فساد ممتدة الأطراف تضم مسؤولين ومسؤولات حكوميين تونسيّين. متابعة لهذه القضية.

رسم بياني تنظيمي لأبرز الشخصيات والهياكل المتورطة في القضية. انقر·ي على كل شخصية لإظهار المزيد من التفاصيل.

close

نفايات مقنّعة

التقى ممثلو الشركة الإيطالية "أس أر أي" (SRA) بمحمد المنصف نور الدين، مسير شركة "سوريبلاست"، في بولا وهي بلدة صغيرة تقع على بعد بضعة كيلومترات من مدينة ساليرنو. وعقد الطرفان في 30 سبتمبر 2019 صفقة بشأن "استعادة النفايات المنزلية (من صنف 19.12.12) وتثمينها.

تبدو العملية بسيطة في الظاهر: تقوم شركة "أس أر أي" بفرز أولي للنفايات الحضرية المجمعة في أحواز مدينة نابولي، ثم تقوم بنقلها إلى مصانع شركة "سوريبلاست" المنتصبة في تونس حيث تخضع لفرز ثان ثم للرسكلة. وأخيرا، تتعهد الشركة التونسية بإعادة تصدير النفايات التي تمت معالجتها بصفتها شركة مصدرة كليا، كما تنص على ذلك بنود العقد المبرم.

للوهلة الأولى هي عملية اعتيادية إذ أنه من المألوف أن تعهد إيطاليا الغارقة تحت كم هائل من النفايات الحضرية، بمعالجة هذه النفايات إلى بلدان أخرى. خاصة وأن عملية الاستعادة هذه توفر "ربحيّة أكبر مقارنة ببلد المنشأ"، كما يتبين من مراسلة أحالتها شركة "أس أر أي" إلى مقاطعة كامبانيا والتي تمكنت إنكفاضة من الحصول على نسخة منها. ينص العقد المبرم على خلاص الشركة التونسية بمبلغ قدره 52 يورو عن كل طن من النفايات يُرسَل إلى تونس، تضاف إليها 85 يورو للطنّ المُعالَج، وهو ما يُعتبر "سعرا مغرٍيا للغاية بالنسبة لشركة 'أس أر أي'" وفق أقوال مختص في ميدان معالجة النفايات. وباطلاع إنكفاضة على التحويلات البنكية المُنجزة يتضح أنّ شركة "سوريبلاست" تلقت حتى الآن ما لا يقل عن 230 ألف يورو من قبل شركة "أس أر أي".

غادرت أول شحنة نفايات مدينة ساليرنو بتاريخ 22 ماي، لتصل إلى سوسة بعد أربعة أيام. بقيت الشحنة عالقة في الميناء طيلة ثلاثة أسابيع بأكملها، قبل أن يبدأ أخيرًا تسريحها يوم 13 جوان. تم التصريح بهذه الشحنة لدى مصالح الديوانة التونسية على كونها نفايات بلاستيكية ما بعد التصنيع كما تمت معاينتها من قبل الملازم بالديوانة المكلف بملفّ "سوريبلاست" في مستودعات التخزين. وقد أفاد هذا الأخير أن انبثاق رائحة كريهة كان قد لفت انتباهه كما أنه لاحظ وجود "قطع مختلفة من البلاستيك والأتربة والأخشاب والأقمشة..." لدى فتح الحاويات، ليتضح في ما بعد أن النفايات ما هي إلا نفايات منزلية.

"كان هناك كل ما يمكن تخيله من أشياء، قطع جوارب وأحذية وورق مقوى وعلب ألمنيوم ومصدات سيارات ولعب وأقمشة... كان كل شيء بصدد التحلّل"، حسبما يُوضح خليل*، وهو ناشط بيئي مطلع على الملف ومن ضمن الأشخاص النادرين الذين عاينوا حمولة الحاويات.

في مراسلة سرية مؤرخة في 13 ديسمبر 2020 وموجهة إلى السلطات الإيطالية، بين عبد الرزاق المرزوقي، المسؤول عن احترام تطبيق اتفاقيّة بازل (الاتفاقية المنظمة للتحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود) صلب وزارة البيئة التونسية، أنه تأكد بمناسبة زيارته الشخصية لميناء سوسة من أن النفايات المعنية هي "نفايات نهائية من الصعب جدا، إن لم يكن من المستحيل، تثمينها. ويكمن الحل الوحيد لمعالجتها في حرقها غير أن تونس لا تملك أية محرقة لهذا الغرض". هذا وقد رفض السيد المرزوقي الإجابة سعلى أسئلة إنكفاضة.

وفّر مصدر مطّلع على الملفّ صورة من الدّاخل لإحدى الحاويات المخزّنة في ميناء سوسة.

سوريبلاست، شركة ذات أنشطة غامضة

تنشط شركة "سوريبلاست" التي أسّسها محمد المنصف نور الدّين سنة 2009 في قطاع النّفايات منذ أكثر من عشر سنوات. وقد فرّ صاحبها، المطلوب للعدالة إلى حدّ الآن، إلى أوروبا قبل عشرة أيّام من مذكّرة الإيقاف الصّادرة بحقّه عن وكيل الجمهوريّة بسوسة في 17 ديسمبر 2020. كما يُدّعى أنّ عائلته القاطنة في منطقة ميناء القنطاوي بسوسة "على علاقة وطيدة بالدّائرة المقرّبة من بن علي وذات نفوذ كبير في الجهة. إذ يسهل عليه بالتّالي الاتّصال بوزير أو بشخص ذي نفوذ"، كما يؤكّد ذلك خليل* المطّلع على القضيّة الجارية والذي يعرف نور الدّين منذ أكثر من 15 عامًا.

في عام 2012، واجهت شركة "سوريبلاست" مشاكل مع مصالح الجباية بسبب تصريح مغلوط بشأن كميّة البضائع المستوردة. على إثر ذلك، توقّفت الشّركة تلقائيّا عن النّشاط. خلال شهر نوفمبر 2019، عادت الشّركة إلى سالف نشاطها، أي بعد شهرين من تعاقدها مع شركة "أس أر أي" الإيطاليّة. ويتبيّن من خلال وثيقة اطّلعت عليها انكفاضة، أنّ المنصف نور الدّين صرّح لمصلحة الضّرائب بدخل يبلغ 1.300.000 دولار بعنوان السّنة المنقضية وهو مبلغ يتناقض مع رأس المال المصرّح به والبالغ 45.000 دينار.

على إثر ذلك، اتّبع السّيد نور الدّين العديد من الإجراءات تمهيدا لوصول النّفايات إلى تونس. غير أنّه من الثّابت حاليّا أنّ "شركة 'سوريبلاست' لم تكن قادرة على رسكلة النّفايات التي دخلت تونس، وهو ما يدعو إلى الرّيبة بشأن جدّيّة وحقيقة عمليّات التّثمين المُزمع إنجازها"، وفقًا لـتقرير اللّجنة البرلمانيّة للإصلاح الإداري والحوكمة الرّشيدة ومكافحة الفساد المؤرّخ في 14 ديسمبر 2020.

تجدر الإشارة إلى أنّ اتّفاقية بازل واللّائحة الأوروبيّة (1013/2006) لا تجيزان تصدير النّفايات إلى بلد خارج الاتّحاد الأوروبي، إلّا إذا كان بوسع هذا البلد قبولها، وفي حالة وجود مصنع قادر على التّكفّل برسكلتها. بمعنى آخر، يمنع منعا باتّا نقل النّفايات إلى الخارج لطمرها في مصبّات النّفايات.

انكبّت إنكفاضة على جرد أبرز تواريخ أحداث القضيّة المتراوحة بين 30 سبتمبر 2019 و 23 جانفي 2021 وتجميع وثائق سرّيّة. للتّعرّف على تفاصيل هذا التّسلسل الزّمني، انقر·ي على النّقاط المختلفة.