المدارس في زمن الكوفيد-19 : التعليم لمن استطاع·ـت إليه سبيلا

"لا أدري ماذا أفعل بهم"، تتنهّد منية، أمّ تربّي إبنها وبناتها بمفردها. منذ بداية العودة المدرسيّة، كان على أطفالها الذهاب إلى المدرسة مرّة كل يومين.  في سياق نظام الأفواج الجديد المُتّخذ توقّيا من جائحة كوفيد-19، قابلت إنكفاضة مجموعة من التلاميذ والمربّين·ـات والأولياء اللّذين واللّواتي تختلف حياتهم·ـن اليوميّة، كلّ حسب إمكانيّاته·ـا. روبرتاج.

بقلم | 06 نوفمبر 2020 | 5 دقائق | متوفر باللغة الفرنسية
مع منتصف النهار، يدقّ الجرس في أحد المعاهد الإعداديّة برادس، في الضاحية الجنوبيّة لتونس العاصمة. تـ·يسارع التلاميذ و التلميذات إلى جمع أغراضهم·ـن. بين الصّفوف، توزّع أستاذة اللّغة الفرنسيّة، أنس، أوراق التّمارين المنزليّة مُكرّرة بنبرة مُحذّرة : " غدا، في منازلكم·ـن، عليكم·ـن التخلّص من هواتفكم·ـن المحمولة والتفرّغ للتمارين. من تـ·يأتي دونها ستـ·يُعاقب، لأنّ بحوزتكم·ـن الوقت الكافي لإنجازها!".

هذا الفوج من التلاميذ والتلميذات لن يذهب في اليوم الموالي إلى المعهد، وذلك بسبب نظام الأفواج الجديد الذي أقرّته وزارة التّربية. تبعا لهذا النّظام، لن يكون على تلاميذ وتلميذات المؤسّسات التعليميّة العموميّة حضور الدّروس سوى مرّة كلّ يومين -أو أسبوعا بعد الآخر في المؤسّسات التي توفّر مبيتات-، كما تنقسم الفصول إلى فوجيْن للحدّ من التزاحم وتقليل مخاطر العدوى. علما أنّه وفي ظرف شهر، تمّ تسجيل 1500 حالة عدوى في الأوساط المدرسيّة.

بين الخاصّ والعموميّ تفاوت في السّرعات

منذ بداية السنة الدراسيّة، أصبح على منال عميّد، أستاذة اللّغة الفرنسيّة بأحد المعاهد الثّانوية بتونس، تدريس عشرة أفواج مختلفة من التلاميذ والتّلميذات عوض صفوفها الخمس المعتادة.  

ورغم هذا الإجراء، لازالت بعض الصفوف مزدحمة، ما يُصعّب تطبيق التباعد الإجتماعي المفروض. تصف الأستاذة هذا الوضع قائلة :" حتّى مع هذا النظام، قد نصل في بعض الحالات إلى أفواج تعدّ 22 أو حتى 24 تلميذا وتلميذة، خاصّة فيما يخصّ المستويات الأكثر ازدحاما".  

" مشكل آخر يعترضنا، هو البرنامج. بحوزتنا نصف الوقت، لكنّ البرنامج بقي كما هو عليه منذ السنة الفارطة. ماذا عسانا أن نفعل لإنهائه؟"، تتساءل منال. رسميّا، للمدرّسين·ـات مهلة من الوقت تنتهي بنهاية شهر أكتوبر لتعويض التّأخير المتراكم الذي طرأ بسبب الحجر الصحّي. لكن، كما بالنّسبة لمنال، لا تـ·يخفي الأساتذة والأستاذات شكوكهم·ـن. حسب تقدير معلّمة في إحدى المدارس الابتدائيّة بالكرم فإنّه " في ظرف شهر ونصف الشّهر، لن يكون بمقدورنا تعويض ثلاثيّ كامل".  

تضيف منال " التّنظيم يُعدّ مستحيلا. لا أستطيع أبدا تذكّر أين توقّفت في الدّرس ومع أي فوج، حتّى وإن كتبت كلّ شيء". كما تلاحظ الأستاذة الصّعوبات التي تـ·يواجهها التلاميذ والتلميذات في متابعة الدّروس كما ينبغي، بسبب الوقت المنقوص والأقلّ انتظاما من العادة.  

في مدرسة ابتدائيّة خاصّة في وسط العاصمة تونس، يبدو المناخ التعليمي مختلفا بفضل البروتوكول الخاصّ الذي شرعت في تطبيقه هذه المؤسّسة. تفسّر المدرّسة نوال* أنّ المناهج تمّ تخفيفها بعض الشّيء وتضيف : " لم يتغيّر شيء حقّا، عدا صفائح الزجاج المقوّى التي تفصل بين الطّاولات في القسم". وبالفعل، خيّرت بعض المدارس الخاصّة توفير الموارد اللّازمة لمتابعة الدّروس دون الإنقاص من المنهج التّعليمي أو السّاعات.  

" في نهاية السنة الدراسيّة، سنجد أنفسنا تجاه تلامذة المدارس الخاصّة وقد أكملوا البرنامج و [...] عشرات الآلاف من تلامذة المؤسّسات العموميّة اللّذين لم يتلقّوا سوى نصف المناهج المقرّرة." تتأسّف سمر، مدرّسة في معهد إعدادي عموميّ. وتضيف " مع تلامذة درسوا بطرق مختلفة ووفق إمكانيّات مختلفة، سيكون هناك، خلال بضع سنوات، وجهان مختلفان لتونس".

بوزيد النصيري، المدير العام للتخطيط والدّراسات في وزارة التربية، يتبرّأ من أيّ مسؤوليّة عن هذا التّدريس المتمايز مؤكّدا : " ليس على الوزارة وحدها أن تجد الحلّ السّحري لكلّ التلاميذ، هذا الحلّ لا يمكن أن يكون إلّا جماعيّا".  

في سبيل احترام التباعد الإجتماعي، على التلاميذ والتلميذات الجلوس في طاولات منفردة. في هذا القسم في أحد المعاهد الثانوية بولاية جندوبة، يبقى عدد الطّلاب والطالبات كبيرا رغم تقسيمهم·ـن إلى أفواج.  

تكلفة رعاية الأطفال

في كل يوم، يتعين على منية، التي تعتني بأطفالها الثلاثة بمفردها، التفاوض معهم·ـن ليتركوا الشّاشات ويركّزن·ـوا على الواجبات المدرسيّة. " إنه حقًا جحيم، لا يريدون العمل، هذه ليست عادتهم لأنهم تلاميذ مجتهدون" تتنهد منية، " لم أعد أعرف ماذا أفعل معهم بعد الآن!".  

بعد أكثر من ستّة أشهر عُلّقت فيها الدّروس بسبب الحجر الصّحّي الذي تبعته العطلة الصّيفيّة، أصبح أطفالها أقلّ انضباطا، وخاصّة مع هذه الوتيرة الجديدة.  

لا تخفي منية قلقها، وتخشى فوق كلّ هذا أن يكون " الأطفال قد فقدوا الانضباط اللّازم، ما قد يؤثّر على دراستهم مستقبلا". الأمر الذي دفعها للتفكير جدّيّا في توفير دروس تدارك لابنها، رغم أنّها طالما " عارضت هذا النّظام". لكنّها في الوضع الحالي ليس لديها خيار آخر.  

أب لمراهق يبلغ من العمر 14 سنة، اتّخذ محمّد البدري هذا القرار أيضا فيما يتعلّق بدراسة ابنه. بالنّسبة إليه، لا تـ·يتلقّى التّلاميذ والتلميذات ما يكفي من ساعات الدّرس حسب هذه الوتيرة المدرسيّة الجديدة. وحسب تقديره فإنّه " من الصّعب ضمان دراسة جميع الموادّ بشكل صحيح". هكذا، أصبح ابنه يتلقّى ساعتين من دروس التدارك في الرياضيات والعلوم والفيزياء والكيمياء، في الأيّام التي لا يذهب فيها إلى المعهد.  

لكنّ هذا التّأطير خارج المدرسة قد يُكلّف 200 دينار في الأسبوع.

أمّا بالنّسبة لكمال بوفاتح، الأب لابنتين في التّعليم الخاصّ، لا مجال لطرح هذا السّؤال. وبما أن الدّروس لم تنقطع في مدرستهما، لم يتغيّر شيء عن المعتاد : " أنا محظوظ لأنّ هذه الإمكانيّة ليست متاحة للجميع، بالنّسبة لعديد الأولياء قد يكون الأمر عبئا كبيرا".  

من جهتها، تروي خولة*، أستاذة الرّياضة وأم لطفلين أنّها " مضطرّة لتركهما لوحدهما حين أذهب للعمل"، وتضيف : " لا أستطيع التركيز على العمل. ليس بإمكاني التوقّف عن التساؤل عمّا يفعله ابني [...] إنها مسؤوليّة جسيمة!" مؤكّدة أنّها ليس لديها " خيار آخر".  

يقوم صالح بإنجاز فروضه المدرسيّة في غرفته في منطقة بومهلّ البساتين، في الضّاحية الجنوبيّة لتونس. يتلقّى هذا التلميذ في الإعدادي المساعدة أحيانا من أخته الكبيرة حينما تكون هنالك حاجة لذلك.  

بدائل أخرى

أمام اضطرارهم·ـن للذهاب إلى العمل وعدم قدرتهم·ـن على ترك أطفالهم·ـن في المنزل، يلجأ بعض الأولياء إلى "الحضانة المدرسيّة"، حيث تـ·يُقضّي الأطفال يومهم·ـن في إنجاز الواجبات المدرسيّة وأداء بعض الأنشطة.  

قبل الوباء، كانت بنات منى* ووليد* الثلاث يذهبن إلى هناك لقضاء فسحة الغداء وبعد انتهاء اليوم الدراسيّ. منذ إقرار النّظام الجديد، تقضي الفتيات الآن نصف أسبوعهن في الحضانة. تقول منى " هناك، يمكنهن تلقّي تعزيزات دراسيّة، وأنا مطمئنة لأن المشرفين يقومون بعمل جيّد".  

هذا البديل عن المدرسة يُكلّف الزّوجين 120 دينارا في الشّهر بالنّسبة لبنتهما الكبرى، و80 دينارا لكلّ من الصّغرييْن ذواتيْ الـ11 و الـ9 سنوات تباعا. لم تُرفّع المؤسسة أسعارها رغم كلّ ما ينجرّ عن هذا الوضع من تدابير ومهامّ إضافيّة. وكان هذا خيار نبيهة*، مديرة الحضانة، التي انتهجت هذا المنهج " لتجنّب تكاليف إضافيّة للأسر" التي قد تعاني ظروفا مادّيّة عسيرة.  

على الرغم من أن بعض الأطفال يقضّون ويقضّين وقتا أكثر من العادة، لم يكن من الضروري زيادة عدد العاملين·ـات بالحضانة. تقول المديرة : " عادة، نستقبل 80 طفلاً، بينما منذ بداية العام الدراسي، هناك 30 فقط". وقد يعود ذلك لخشية العديد من العائلات من إصابة أطفالها بـالكوفيد-19، ما يدفع الأولياء لإبقاء أطفالهم·ـن بالمنزل، " حتى لو كان يعني ذلك تركهم بمفردهم".  

تتكيّف هياكل أخرى، على غرار مراكز الشّباب، مع هذه الوتيرة الجديدة لتحلّ محلّ الوقت المدرسي. في بومهل البساتين في الضاحية الجنوبية لتونس العاصمة، أصبح صالح ذو الـ14 عامًا، يذهب إلى هناك أكثر من المعتاد منذ استئناف الدراسة. يقول المراهق : " خلال أيام فراغي، أبقى ساعة إلى ساعتين في اليوم، ألعب البلياردو وأرسم مع أصدقائي وأقاربي".  

في العادة، يفتح مركز الشّباب أبوابه أيّام الجمعة والسبت بعد الظهر وكذلك صباح الأحد. منذ بداية العام الدراسي، كان على المركز التكيّف وفتح فضاءاته يوميّا. هذا ما خلص له المدير قائلا : " يأتي الشباب أكثر بكثير من المعتاد".  

صباح يوم الثلاثاء، في إحدى قاعات الطابق العلويّ، ينشغل صالح رفقة قريبه باللّعب على الهاتف المحمول.  

مشاكل هيكليّة

رغم المشاكل التّنظيميّة، ترى منال بعض المزايا في هذا النّظام الجديد. قبل الوباء، كانت الصّفوف مزدحمة ليبلغ عدد التلاميذ والتلميذات فيها إلى 35 أو حتى 40 نفرا. الآن، وقد قُسّمت الصّفوف إلى فوجيْن، تعتبر الأستاذة أنّ ظروف التّدريس قد تحسّنت بشكل ملحوظ : " الآن يمكنني العمل والإجابة على أسئلة الجميع. هذا العدد مثالي".  

مع هذه الإجراءات الجديدة، أصبح لكل طالب·ـة الآن طاولته·ـا الخاصة. يبتسم فهيم، مدرس مادّة الفيزياء والكيمياء قائلا : " يمكن للطالب أن يستدير في كل الاتجاهات، ولن يجد من يثرثر معه".  

" بعد انتهاء الوباء، سيكون من الجيّد لو حافظت الوزارة على هذا العدد من الطّلاب. لقد كان مطلبنا لسنوات"، على حدّ تعبير سمر.

في السنوات الأخيرة، تكرّرت اضرابات المربّين·ـات ومطالبتهم·ـن بتحسين ظروف العمل وخاصّة فيما يتعلّق بتقليص عدد التّلاميذ والتّلميذات في الأقسام.  

إلى جانب هذه الوتيرة المُحدثة التي تفرضها الحالة الصحية، تشعر منال وسمر بالقلق تجاه معدل التغيب الذي ما فتئ يرتفع منذ بداية العام الدراسي. تقول سمر: " اكتشفت على شبكات التواصل الاجتماعي أن المئات من الأولياء لا يرسلون أطفالهم للدراسة في انتظار تحسن الوضع". وهي تخشى أن يؤدي هذا الحال إلى زيادة مخاطر الانقطاع عن الدراسة، ما قد يعمّق هوّة التّفاوت واللّامساواة.