: الفصل 1

فــي خـبـَاياَ قصر العَـدالة بتونس

في قاعة المحاكمات رقم 6، تـ·يتوالى المتهمون·ـات تباعاً أمام القضاة و المحامين·ـات ونظرات عائلاتهم·ـنّ القلقة. تحت كمّيّة الضّغط الهائلة، تنهار فتاة. بين الحاضرين·ـات، يبكي  والدها مغلوبا على أمره. في قلب قصر العدالة بتونس، تتعاقب جلسات الإستماع الواحدة تلو الأخرى إلى ما لانهاية، مخلّفة وراءها مئات من المحكومين·ـات في قضايا تتعلّق -عن قرب أو عن بعد- بالإرهاب. لا يعدو هؤلاء الشّبّان و الشّابّات أن يكونوا/يكنّ تجسيدا للجدل المؤلم الذي يزعزع كلّا من القضاء و الجهاز الأمني و الرّأي العامّ.

بقلم
| Illustrations : Z
| 04 أوت 2020 | 20 دقيقة | متوفر باللغة الفرنسية
في النّاحية السّفليّة لساحة القصبة، نزولا عبر شارع باب بنات على نحو مائة متر، تبدأ الضّجّة اليوميّة مبكّرا قبل السّاعة الثّامنة صباحا، لتندثر كالسّحر مع حلول منتصف النّهار. تتدافع أحشاد من الشّرطة والمحامين·ـات و متساكني·ـات العاصمة وكلّ من له شأن بالقضاء. هنا، قصر العدالة بتونس.

عند دخولك لساحة قصر العدالة، مرورا بنقطة التّفتيش الأمني، لك الاختيار أن تمرّر محتويات محفظتك -أوْ لَا- عبر آلة الأشعّة ما تحت الحمراء. آلة من المفترض أن تكون تحت رقابة شرطيّ شابّ، منغمس أغلب الوقت في شاشة هاتفه أو في نقاشات جانبيّة مع زميله.

في الداخل يتجلّى مبنى فخم بأسلوب مستوحى من الفنون الجميلة والتّيار المُستعرب آرابيزانس، تمّ إنشاؤه سنة 1900 من قبل المعماريّ الفرنسيّ جون إيميل ريسبلاندي الذي استورد تيّار "الفنّ الجديد" إلى تونس. هناك، يجد المرء نفسه·ـا أمام درج مهيب يقود إلى الطّابق الأوّل. بضع خطوات على يسار الدّرج تكفي لتلقينا داخل رواق يضجّ بالضّوضاء، حيث تـ·يبدو الموظّفون·ـات محجوزين·ـات في الأعراف إلى الأبد شأنهم·ـنّ شأن ركام الأرشيفات.

على بعد بضع أمتار أخرى، تواجهنا قاعة الجلسات رقم 6. بين ألواح هذه القاعة البالية يتمّ النّظر كلّ يومي ثلاثاء و جمعة في قضايا الإرهاب. علما و أنّ هذه الأمتار المربّعة القليلة، يُعقد فيها أحد أكبر عدد من محاكمات قضايا الإرهاب في العالم. 4572 قضيّة تمّ النّظر فيها بين سبتمبر 2015 و جوان 2018، لينتُج عنها سجن 1804 محكوم·ـة.

أدخلوا المتّهمين·ـات

القاضي' س' هو  أحد القضاة المكلّفين بملفات مكافحة الإرهاب، عيّن في قطب مكافحة الإرهاب في تونس. طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية. 

خلال هذين اليومين، و كلّ أسبوع، يحدث نفس المشهد دائما و بنفس الشّكل. عائلات غالبا ما تكون قد قطعت رحلة مضنية لرؤية ابنها أو ابنتها، أخيها أو أختها المتّهمين·ـات، منتظرة بصبر رؤية وجه من تحبّ. المقاعد الضّيّقة ممتلئة و الأجساد تلتصق أكثر فاكثر مع كل قادم·ـة جديد·ة. في الصّف الأوّل من المقاعد، قبالة المكاتب القديمة، يقوم عدد من المحامين·ـات بسحب مجلّدات سميكة من الملفّات، يتوالون و يتوالين في الدّخول و الخروج.

تصدر الأبواب صريرا ثم تُطرَق. تأتي هيئة المحكمة مع السّاعة التّاسعة والنّصف عادة. الكاتب على اليسار والمدّعي العامّ على اليمين. في الوسط، نجد ثلاثة قضاة من بينهم الرّئيس. فقط الأخير يأخذ الكلمة: يمكن للمتّهمين·ـات الدّخول. تحت حراسة مشدّدة، يأتي هؤلاء في مجموعات و يصطّفّون و يصطففن على المقاعد الشّاغرة المنتظمة في الجزء السّفلي أمام هيئة المحكمة.

المدّعي العام لا ينطق حرفا: عرض التّهم لا يكون علنا ولائحة الاتّهام لا تُقرؤ أمام الجمع. فقط ملفّ القضيّة معروض أمام الرّئيس. قضيّةٌ لا الحضور ولا أحد يعرف عنها شيئا أو ربّما القليل جدّا. فقط المحامون و المحاميات لهم·ـنّ إلمام بالموضوع. شيء غريب آخر جدير بالملاحظة: يتمّ الجمع بين المتّهمين·ـات وإن كانوا وكنّ متورّطين·ـات في قضايا مختلفة.

أثناء جلوسهم·ـنّ الهادئ على المقاعد التي تشبه مقاعد الدّراسة، تحاول الأعين الإلتقاء عبر ضفّتي القاعة. يومئ الأقارب من وراء صفوف المحامين·ـات و تـ·يجيب المتّهمون·ـات من الضّفّة الأخرى بابتسامة رصينة كتومة كأنهم·ـنّ يقولون و يقلن "نعم... نعم... كلّ شيء على ما يرام" بمزيج من الأنفة و السّرور لرؤية وجه مألوف.

جلسات تثير الهيبة في قلوب أكثر الصّحفيّين·ـات تماسكا. يبدو أنّها أنفذت صبرهم·ـنّ فعلا، حيث أنّني لم أر أيّا منهم·ـنّ على مدار العام.

لم هذا الإحساس بالحزن؟ بداية، شعور بالخُسران لرؤية مئات، بل آلاف من الشّباب و الشّابّات، في عمر الدّراسة وعمر العمل والوقوع في الحبّ، محكوما عليهم·ـنّ بقضاء سنوات شبابهم·ـنّ في زنزانات مظلمة. بحضور الجلسات الأولى، قد نقول لأنفسنا أنّ البعض قد تعثّر في مساره.

بعد بضعة مئات من الجلسات و نظرا لحدّة هذه الظّاهرة، نتيقّن أنّ المجتمع الذي ترعرعوا و ترعرعن فيه هو الذّي يطرح إشكالا.

هل لهؤلاء المتّهمين·ـات وعي بأنّ هذه ليست سوى بداية المحنة؟ سنوات من جحيم السّجن، خمس أو عشر أو يزيد، بسبب توافقهم·ـنّ مع تنظيم الدّولة الإسلاميّة. و بعد ذلك جحيم آخر ينتظرهم·ـنّ عند الخروج، إذا خرجوا و خرجن أصلا. هذا حقّا ما يتبادر للذهن خلال ساعات المحاكمة الطّويلة.

ينزاد لهذا الشّعور بالخُسران، على مدى أشهر المحاكمات الطّوال، إحساس آخر بأنّ المسؤولين·ـات الحقيقيّين·ـات عن هذه الأزمة غائبون·ـات. أين ذهبت رؤوس الجهاد و الوهّابيّة في نسختها الحاليّة؟ المنظّرون·ـات لمفهوم "القاعدة" و تجلّياته كـ"جبهة النّصرة"، الوحوش المُلتحية ذوات النّزعة شبه العسكريّة المتطرّفون و المتطرّفات اليمينيّون و اليمينيّات؟

كل هؤلاء الأشخاص ليسوا ولسن هناك. الأرستقراطية الجهاديّة تتجنّب عمومًا المحاكمات. معظمهم·ـنّ مسجونون·ـات في الخارج (انظر·ي الحلقة 3)، أُعيد توزيعهم·ـنّ في بؤر الحروب، قُتلوا·ـن أثناء القتال، قصفتهم·ـن طائرات بدون طيار، أو، بالنسبة لعدد قليل من القادة النّادرين·ـات، وجدوا·ـن أنفسهم·ـن محاصرين·ـات على الأراضي التونسية، يواجهون ويواجهن المحاكمة في نسختها الأشدّ: أيْ المحكمة العسكرية.

أولئك الذين و اللّواتي يبقون و يبقيْن هنا، في معظم الأحيان ليسوا ولسن إلّا سكاكين ثانويّة: عائد·ة غير سعيد·ة بتجربته·ـا في منطقة الحرب، أو لم تـ·يكن تـ·يدرك جيدًا قبل مغادرته·ـا أن الرّقة ليست إيبيزا... إضافة إلى عدد قليل من المسلحين·ـات من أنصار الشريعة الذي حُظر عام 2013، و بعض من الخلايا النائمة في أحياء الطّبقة العاملة وبضعة داعمين·ـات: شخص أحضر هاتفًا أو برميل وقود، أو ألقى خطبة أو حضر في مسجد متطرّف، وأشخاص زاروا و زُرْن صفحة جهادية إلخ ...

و تتوالى القضايا تباعاً لتُلهينا عن كآبتنا. قضايا فظيعة تتناقض مع بساطة الأشخاص المتورّطين·ـات فيها. قضيّة فاطمة الزّواغي*، قضيّة الهجوم على بلدة بن قردان، قضيّة المنيهلة**...

وأحيانًا ما يصدم رتابَةَ الجلسات الخطيرة انزلاقٌ غير متوقع. وقد يكون مضحكا في بعض الأحيان مثلما حصل حين سأل الرئيس متّهما عن أسباب انخراطه.

"أردت الذّهاب إلى الجنّة". "و هل وجدتها فعلا؟ إذا كان الأمر كذلك، بودّي أن تعيرني المفاتيح أنا أيضا." فيضحك الحاضرون·ـات.

أو كتلك المرّة التّي واجه فيها القاضي مقاتلا ضخما، ملتحيا، يزيد عن 120 كغ من العضلات. "لماذا ذهبت إلى سوريا؟ "أردت زيارة الآثار القديمة..." هنا أيضا جُملة لها تأثيرها على الحاضرين·ـات.

في بعض الأحيان، يحدث ما يكون أكثر إثارة للشفقة. لن أنسى أبدا ذلك اليوم الذي انهارت فيه من شدّة الضّغط، متّهمة شابّة ذات عشرين عاما، منضوية تحت نقابها. في حين يحاول شرطيّ رفعها و إيقاظها، ووالدها العجوز ذي السّبعين أو يزيد، يبكي خلفي.

تم إجلاء الفتاة، وتأجيل المحاكمة. من أحد ضفّتي الرّواق الفارغ إلى الضّفّة الأخرى، يسير الرّجل العجوز بلا كلل صعودًا وهبوطًا وحذاؤه البالي يكشف عن أصابع قدميه. دون أن يفهم الموقف، ينتظر بصبر ابنته، ظانّا أنها ستغادر معه... لم يكن يعي حقّا خطورة الموقف، فلقد جاء معتقدا ببساطة أنّه سيعود بابنته إلى المنزل.

على عكس الشّائع في أوروبّا حيث يجب إتمام التّحقيق قبل إجراء المحاكمة، فإنّ تونس لها خصوصيّتها، إذ يمكن - ويجب - أن تبدأ المحاكمة في غضون 14 شهرًا، وهي المدّة القصوى للاحتجاز السّابق للمحاكمة. حتّى وإن لم يكتمل التحقيق بعد.

تعذيب معنويّ للمتّهمين·ـات والعائلات: مع كل ورقة مفقودة أو طلب من القاضي أو المحامي، تؤجّل المحاكمة لعدة أشهر. و قد يطول الحبس لسنوات قبل صدور الحكم النهائي ...

الكلمة للدّفاع

في نهاية العمليّة، يتم الاستماع إلى مرافعات محامي·ـات الدّفاع. نلاحظ أنّ نفس المجموعة من المحامين·ـات  دائما، يتناولون و يتناولن القضايا الإرهابيّة. بدأ·ت العديد منهم·ـنّ في صفوف جمعية حريّة وإنصاف، وهي جمعية ذات صلة بالتّيّار الإسلامي، دافعت عن السّجناء و السّجينات السياسيين·ـات في عهد بن علي.

كلهم·ـنّ تقريبا ذوو و ذوات توجّه إسلامي. أولئك المنتمون والمنتميات إلى اليسار يتجنّبون و يتجنّبن فعلا الدّفاع عن المتّهمين·ـات في قضايا الإرهاب منذ بدأت جرائم الدّم، ومنذ اغتيل زميلهم·ـنّ شكري بلعيد في فيفري 2013.

"أنا أؤمن أنّ لكلّ متّهم الحقّ في محام".

إيمان الطريقي هي إحدى المحاميات الرئيسيات المدافعات عن الجهاديين·ـات وأسرهم·ـنّ في تونس. وهي ناشطة حقوقية ورأست أيضًا جمعية حرية وإنصاف بين عامي 2011 و 2014.     

محامون·ـيات أُخَر على عكس إيمان الطّريقي، يقبلون و يقبلن الدّفاع عن المشتبه فيهم·ـنّ، مؤمنين·ـات "بقيمة" قضيّتهم·ـنّ لكنّهم·ـنّ يرفضون و يرفضن جرائم الدّم. هذا هو الحال بالنّسبة لأنور أولاد علي.

'لديّ تحفّظات تتعلّق ببعض الملفّات، و منها جرائم الدّم".

  أنور أولاد علي هو أحد المدافعين الرئيسيين عن الجهاديين وأسرهم في تونس. يرأس حاليا جمعية مرصد الحقوق والحريات بتونس.

بالنسبة للعديد من القضايا، تـ·يتذرّع المحامون·ـيات بوجود خلل إجرائي و/أو ينغمسون و ينغمسن في إيجاد نقاط ضعف في ملفّ الادّعاء. العديد من الملفات مبنيّة على اعترافات، وهي اعترافات تُنتزع عادة تحت التعذيب*، حسب المحامين·ـات و مُنيبيهم·ـنّ.

منذ الثّورة و بشكل عام، يتم احترام الحقّ في الدّفاع. إذ شهد قانون مكافحة الإرهاب الجديد لعام 2015 بالفعل عددًا من التطوّرات الملحوظة، و إن كان البعض منها عُرضة للإنتقاد.* من بين هذه التطوّرات، إمكانيّة حضور محام·ـية من بداية الحجز. ومع ذلك، يمكن للمدّعي العام رفض هذا الحضور لمدة الـ48 ساعة الأولى، وهو إجراء تـ·يستنكره المحامون·ـيات.

قد تكون حقوق الدّفاع مُحترمة فعلا، و لكن حقوق المتّهم·ـة تكون في العادة مهضومة. خاصّة أثناء الإعتقال والاستنطاقات الأوليّة في الـ48 ساعة هذه... إذ يجب الإنتظار حتّى نهاية مدّة الحجز للمثول أمام أحد·ى قضاة قطب مكافحة الإرهاب. هو الذي أو هي التي سـتـ·يقرّر -بناءً على الاعترافات و نتائج التّحقيق- ما إذا كان يجب متابعة المحاكمة. بحيث لا يكون لدى الشّرطة في السّاعات الـ48 الأولى في القرجاني أو العوينة* سوى القليل من الوقت "لحمل المتّهم·ـة على الاعتراف".

"في غالب الأحيان، يتراجع المتّهمون عن اعترافاتهم".

القاضي' س' هو  أحد القضاة المكلّفين بملفات مكافحة الإرهاب، عيّن في قطب مكافحة الإرهاب في تونس. طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية. 

القضاء تحت ضغط الأمن

بعد ما يقرب من 10 سنوات منذ سقوط بن علي، تُعدّ وزارة الداخلية إحدى المؤسسات التي لا يزال من الصعب إصلاحها. في ذلك الوقت، كانت الشرطة تقرّر و ينصاع القضاة. لقد تغيّرت تونس كثيرًا منذ ذلك الحين، لكن العادات القديمة يمكن أن تستمر أحيانًا لفترة طويلة.

"لم تفهم الشّرطة بعد أنّه لم يعد بإمكانها العمل بالطرق القديمة [...] و أنّه لم يعد بإمكانها أن تنتظر من العدالة إدانة أشخاص بملفّات فارغة."

سمير بن عمر، محام و معارض سابق لنظام بن علي، انتُخب بعد الثّورة عضوا بالمجلس التّأسيسي في 2011 على قوائم حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة.

سمير بن عمر، محام ومعارض سابق لنظام بن علي، انتخب بعد الثورة  عضوا بالمجلس الوطني التأسيسي في 2011 على قوائم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية.

إن قوات الأمن، التي يستهدفها الإرهاب بشكل رئيسيّ*، لازالت تجد صعوبة في قبول عبء التفاصيل القانونية الدقيقة. و تظلّ التّوتّرات شديدة بين الدّاخلية والعدل حول أساليب مكافحة الإرهاب.

"الأمن يُوقف و القضاء يُطلق السّراح"، حسبما نسمع من جهة الجهاز الأمني.

من ناحية أخرى، لا يمكن للقضاة الملاحقة أو الإدانة على أساس اعترافات فارغة يتم انتزاعها في غضون ساعات في ظلّ ظروف مشبوهة.

"بعد إصدار الحكم من قبل قاضي التّحقيق، كان بعض القضاة يتلقّون رسائل تهديد في منازلهم."

القاضي' س' هو  أحد القضاة المكلّفين بملفات مكافحة الإرهاب، عيّن في قطب مكافحة الإرهاب في تونس. طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية. 

هذا التوتر بين الأمن والقضاء يمكن أن يأخذ منعطفاً أكثر مأساوية. ولا أفضل من عمليّة باردو التي ذاع صيتها لرسم صورة دقيقة لما يحدث.

تذكير موجز بالوقائع: في 18 مارس 2015، بعد فترة وجيزة من الظّهر، دخل فدائيّان أشهر متحف في العاصمة التّونسية وشرعا في اغتيال السّياح الحاضرين·ـات. في الخارج، ومع تواجد ضئيل للأمن، ضابط واحد يحمل مسدسًا باليا لم يتمكّن من فعل الكثير أمام أسلحة حربيّة*.

قام الإرهابيّان بإعدام 22 شخصًا، وجرح 45 آخرين و أخريات، قبل أن يتمّ قتلهما من قبل أعوان وحدات مكافحة الإرهاب الذين تدخّلوا بسرعة. وجد البلد نفسه في حالة صدمة، إذ تُعتبر هذه هي الهجمات الأولى من نوعها التي تستهدف المدنيّين·ـات منذ ما يسمّى بهجمات الغريبة في عام 2002.

تسيّست القضيّة حيث أنّها كانت ضربة موجعة لقطاع السّياحة، بأغلبيّة شبه مطلقة من الضّحايا الأجانب والأجنبيّات. وطالبت البلدان الأجنبيّة والصّحافة والرّأي العام التّونسيّ بالمساءلة والمحاسبة.

ومع ذلك، في اليوم السّابق للهجوم، طلب مركز شرطة باردو تعزيزات لليوم التّالي ... إلّا أنّه تمّ رفضها من قبل وزارة الدّاخلية. لذلك اضطُرّت الدّولة لإرساء سلطتها. وسريعا، عقد الرّئيس الباجي قائد السّبسي مؤتمرا صحفياّ في اليوم الموالي.

في غضون ذلك، بدأت الدائرة الجهنّميّة في الدّوران: ضغط سياسي على الأمن وضغط أمني ​​على العدالة. ولم يلبث أن خرج التّحقيق عن السّيطرة على الفور. بعد يومين، تمّ تسليم اسم شابّ يدعى أمين ليس له أيّ سجلّ جنائي، لوسائل الإعلام في المؤتمر الصّحفي للمتحدّث باسم وزارة الداخلية.

بعد ذلك اعتقل ضبّاط الشّرطة العدليّة في القرجاني أكثر من عشرين نفرا، وقد أعلن عن ذلك وزير الدّاخلية ناجم غرسلّي بنفسه أمام القنوات الوطنية والدولية في 26 مارس، بعد 8 أيام فقط من الهجمات.

إلّا أنّه في الواقع، ليس للمعتقلين علاقة تُذكَر بالهجوم. وقد وقّعوا على "اعترافات" محرّرة من قبل أعوان الشّرطة تحت وطأة التّعذيب و الإغتصاب أحيانا.

في الطابق الأول من المحكمة، يمكن لأحد قضاة التّحقيق أن يشهد. في تلك الفترة، كان بشير العكرمي هو قاضي التّحقيق المكلّف بملفّ هجمات باردو. هو الآن النّائب العام المسؤول عن مكافحة الإرهاب بتونس. 

للعثور عليه، يجب أن نتسلّق الدّرج المركزي الكبيرلنتوه في الأروقة الضيّقة، حيث نجد معتقلين·ـات مكبلي·ـات الأيدي، ضبّاط شرطة وأشخاصا تائهين·ـات يبحثون و يبحثن عن قاعة جلسات الطّلاق.

يبدو مكتب بشير العكرمي - وإن كانت نافذته تطلّ على شارع 9 أفريل الواسع - و كأنّه لم يدخله ضوء النّهار منذ تأسيس المبنى نظرا لعدد الملفّات المتراكمة على الطّاولات.  يأتي ويدبر عدد من المحامين·ـات و القضاة باستمرار من خلال الباب الحاجز للصّوت. بشير العكرمي يستقبل بسهولة وبسرعة. باستثناء الصّحفيّين·ـات. و لكن، ولأوّل مرّة، يقبل بإجراء مقابلة.

"كان هناك تعذيب. و بالإضافة إلى ذلك، محتويات الاستنطاقات متناقضة تماما".

بشير العكرمي، قاضي تحقيق مكلف بمكافحة الإرهاب، عيّن وكيلا للجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس في 2016.   

تمّ الإفراج عن العشرين متهمًا·ـة بعد ستة أشهر، دون أن توجّه إليهم·ـنّ أيّة تهم. لم يتلقوا أو يتلقّين أي اعتذار علني أو تعويض. وقد اتُّهم القاضي العكرمي - من قبل بعض وسائل الإعلام - بالتقرّب من الحركات الإسلاميّة. زد على ذلك، اعترض·ت محامو·ـيات بعض الضحايا في فرنسا علانية على هذا القرار.*

"تمّ إيقاف بعض الأنفار في عمليّة باردو في البداية، في حين أنّه ليست لهم علاقة بالعمليّة."

  فيليب دورسيه، قاضي تحقيق سابق ثم رئيس محكمة التعقيب في نيس، يشغل حاليًا منصب قاضي اتصال فرنسي لدى السفارة الفرنسية في تونس

في غضون ذلك، أخذت القضيّة منحى سياسيًا متحزّبا تسبّب في إضاعة وقت ثمين في التّحقيق. لأنّه خلف الكواليس، لا زال المنظّمون الحقيقيّون لهجوم باردو طليقين يُحضّرون لتتمّة الجزء الثاني ... هجوم سوسة الذي أردى 39 سائحا·ـة معظمهم·ـنّ بريطانيّون·ـات، باستخدام أسلحة أوتوماتيكيّة في فندق سياحي بسوسة.

"الإيقافات التي حصلت إثر عمليّة سوسة كشفت عمّا كان يحصل في تونس منذ سنة 2012، من أين تأتي الأسلحة و من المسؤول عن ذلك."

بشير العكرمي، قاضي تحقيق مكلف بمكافحة الإرهاب، عيّن وكيلا للجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس في 2016.     

جسّدت القضيّة آنذاك ، مخاطر قضاء تحت الضّغط. حيث لا يتوفّر لدى أحد ، لا الوقت ولا الوسائل اللاّزمة للقيام بمهمته·ـا. استفتحت المحاكمة بعد ثلاث سنوات تقريبًا. في غضون ذلك، تجلّى لنا أن التّعاون الدولي المعقّد المليء بالمزالق، فوضوي.

عندما بدأت في 25 جانفي 2019 محاكمة ما يسمّى بهجمات باردو-سوسة، كانت لا تزال في نفس القاعة رقم 6، التي تمّ تجديدها بالمناسبة. في ذلك اليوم، حضرت الصّحافة والمراقبون·ـات وبُثّت المناقشات من أجل عائلات الضّحايا في فرنسا وبلجيكا. في ذلك اليوم، تمّ الاستماع إلى الرّئيس بشكل استثنائي من خلال مصدح.

هكذا بدأت المرافعة الأولى على لسان الأستاذ زغروبة :

"نحن نحسّ بألم عميق حين نرى أطفال هذا البلد يُحكمون بالآلاف، بسبب سياسات القوى العظمى. لكلّ أولئك الذين يشاهدوننا في باريس، الدّفاع يوصل لكم السّلام و يقول : من يزرع الشّوك يجني الجراح".

أحالنا محامي الدّفاع هذا إلى مكان سياسيّ آخر. قد يكون هذا فعلا هو أصل الدّاء منذ بداية هذه المحاكمات. كانت هذه الجملة مثيرة للجدل و قد تكون قابلة للنّقاش وهو على دراية بهذا. ولكن، لا يخفى أن تكون هذه الجملة عاكسة لما تـ·يظنّه البعض من الحاضرين·ـات...