من مهرّب سلاح الى هارب من تجّار السلاح

هرب من "تنظيم المهرّبين" بعد أن اكتشف من باب الصدفة أنّه كان بصدد تهريب السلاح على الحدود التونسية الجزائرية. قرار مغادرة عالم "كونترا السلاح" كلّفه ما لم يكن يتوقّعه أبدا.
بقلم | 07 ديسمبر 2017 | reading-duration 5 دقائق

اكتشف حمدي (اسم مستعار) بالصدفة، بُعيْدَ اغتيال شكري بلعيد، أنّ البضاعة التي كان يشارك في تهريبها على الحدود الجزائرية التونسية تحتوي على عدد من قطع السلاح والذخيرة الحية. حاول أن يتجاهل الأمر حتى يضمن عدم ضياع رزقه، غير أنّه اختار لاحقا الانسحاب من "تنظيم المهرّبين" ليجد نفسه ملاحقا من قبل أشخاص مسلّحين ومهددا بالتصفية الجسدية وممنوعا من استعمال الهاتف والانترنت والاشتغال في "الكونترا" مجددا.

قبل نحو خمس سنوات التحق حمدي، أصيل منطقة فوسانة من ولاية القصرين الحدودية مع الجزائر، بمجموعة من صغار المهرّبين تشتغل لحساب عدد من بارونات التهريب على الحدود التونسية الجزائرية وعلى رأسهم المهرّب الجزائري الأكثر شهرة على الإطلاق المكنّى "أبو أحمد" (في العقد الرابع من عمره، من مجموعة العفو بالجزائر، مختص في صنع الأحزمة الناسفة وتفخيخ السيارات، يملك مخزنا كبيرا للاسلحة في مكان ما في تبسة وفق ما أفاد به صحفيّون جزائريون موقع انكيفادا).

كان يبلغ من العمر 19 سنة آنذاك. بعد أن غادر مقاعد الدراسة باكرا منذ المرحلة الاعدادية ويئس من ايجاد عمل لائق ومُجدٍ في الآن ذاته. التحق بعالم التهريب "الكونترا"، وامتهن قيادة سيارة من نوع ديماكس رباعية الدفع، دون لوحة منجمية، تقطع الطريق الجبلية الرابطة بين ضفّتيْ الحدود التونسية الجزائرية جيئة وذهابا في الليلة عديد المرات لتمرير السّلع القادمة من التراب الجزائري نحو مستودعات سرية تقع في مدينة فوسانة وبعض القرى والمناطق الحدودية المجاورة لها. ولكن هل كان حمدي يعلم محتوى تلك البضاعة التي كان يشارك في تهريبها؟

"في البداية كان يُسمَح لي بالنزول من السيارة والمشاركة في تحميل البضاعة. كان ذلك خلال سنة 2012. وكانت البضاعة لا تعدو أن تكون سوى عشرات الصهاريج البلاستيكية المعبّئة بالبنزين أو عُلبًا كرتونية قيلَ لي انّها تحوي اجهزة إلكترونية مختلفة على غرار اللواقط الهوائية والهواتف الجوالة". يقول حمدي متذكرا".

في أواخر سنة 2012 -يضيف حمدي- وتحديدا يوم 10 ديسمبر، اشتبكت دورية أمنية مشتركة بين عناصر من الحرس الوطني والجيش وإدارة الغابات مع عناصر مسلّحة في منطقة فريانة من ولاية القصرين. وقد أسفرت الاشتباكات عن مقتل الوكيل أول بالحرس أنيس الجلاصي وإصابة أعوان آخرين.

المفاجأة غير السارّة

بعد هذه الواقعة، أصبح المهرّبون أكثر حذرا وحيطة، ولم يعُد يسمح الّا لذوي الخبرة والأقدمية من الثقاة بسلك مسالك التهريب خشية الوقوع بين أيادي الحرس والجيش وعيون حرّاس الغابات.

يقول حمدي مواصلا في هذا السياق، بأنّه ظلّ جالسا في المقهى لعدة أيام دون عمل إلى أن تمّت دعوته من قبل المجموعة التي يشتغل معها للالتحاق بأحد المخازن حيث تمّ تسليمه سيارة أخرى من نوع "اسيزي"، وكانت هي الأخرى دون لوحة منجمية، وطُلبَ منه القيادة فحسب.

"بعد نحو أسبوع وبينما كنت بصدد إيصال شحنة من الأجهزة الإلكترونية رَكنتُ السيارة للتثبت من عدم سقوط أيّ شيء، ثمّ قرّرت بعد صراع طويل مع نفسي الاستسلام لفضولي والنزول لتفقّد نوعية الأجهزة التي أحملها على متن السيارة والتي يصرّ المسؤول عن المستودع على عدم فتحها أو حتى الاقتراب منها، فكانت المفاجأة".

كانت مغامرة محفوفة بالمخاطر، وفق حمدي، وكانت نتائجها صادمة جدّا بالنسبة اليه، حيث عثر على صندوق أُعدَّ بعناية للتمويه يحتوي على أربع رشاشات (على الأرجح أنّها طراز AK 47 وفق وصفه). واصل حمدي اتمام مهمّته وقاد السيارة الى المستودع وسلّم "الأمانة" الى أصحابها، ثمّ انتابته بعد ذلك موجة من الهلاوس وطفق يطرح على نفسه أسئلة حائرة :

"ماذا لو تمّ التفطّن الى هذه الشحنات من الأسلحة ؟ لابدّ أنّني سأدخل السجن ولن أغادره أبدا ! ثمّ لحساب من كل هذه الأسلحة ؟ من سيستعملها ؟ ومن ستَقتُل ؟ أبرياء ستسفك دماؤهم أم من بالضبط ؟".

القرار الخطير

قرّر حمدي، بعد برهة من التردد، إيقاف التعامل مع تلك المجموعة على أمل الالتحاق بفريق آخر من "الكناترية" (مهربو محروقات)، غير أنّ قراره لم ينزل بردا وسلاما على رئيسه المباشر في العمل، حيث أصرّ على معرفة الأسباب، ولمّا فهم بشكل ضمني أنّ حمدي كان قد تفطّن إلى محتوى الشحنة، قام بتهديده بقطع رأسه واختطاف والدته العجوز واغتصابها في حال نطق بحرف واحد وكشف المستور.

"شعرت بخوف شديد، خاصّة بعد أن تمّ وضعي على القائمة السوداء و تمّ تحذير بقية مجاميع التهريب من مغبّة التعامل معي وإتاحة فرصة عمل لي بدعوى أنّني مشبوه".

وعقوبة المشبوهين في عالم الكونترا، هي الإبعاد. وأمّا إذا تطوّر الأمر إلى الخيانة فقد تصل العقوبة إلى الانتقام بشتّى الوسائل الممكنة بما في ذلك القتل أو حرق المنزل وانتزاع الأملاك كسيارة العمل (ديماكس) الخ… وفق قوله.

قضّى حمدي الأيّام العشر الأولى في جحيم لا يطاق، حيث تمّت مداهمة منزله (منزل والدته) بمعدّل مرّتين أو ثلاث في اليوم -ليلا نهارا- من قبل عدد من منتسبي فريق "الكناترية" الذي كان يشتغل فيه بهدف ترهيبه. وقد وصل الأمر، وفق حمدي، الى مصادرة هاتفه الجوّال وجهاز حاسوب معطّب على ملك أحد أقاربه واعلامه أنّ لديهم أناسا في الداخلية والجيش بامكانهم معرفة ما اذا كان قد استخدم الهاتف أو الانترنت للتواصل مع غرباء، بالإضافة إلى منعه من السفر إلى خارج مدينة فوسانة أو حتّى مجرّد مغادرة الحيّ أو مجالسة أناس غرباء حتّى اشعار آخر.

يتذكّر حمدي في هذا السياق: "كنت كَمَن يخضع للمراقبة الإدارية. في البداية بدا الأمر مخيفا جدّا ثمّ سرعان ما اعتدت على تلك الزيارات النهارية والليلية المفاجئة غير المرحّب بها. كنت أجيب على أسئلتهم بنعم أو لا فقط : هل غادرت الحي؟ لا … هل اتّصلت بشخص ما على الهاتف؟ لا … هل اتّصلت بالحاكم (الشرطة أو الجيش)؟ لا."

بارانويا

بعد المكوث طيلة أكثر من شهر ونصف الشهر على تلك الحالة، اغتنم حمدي فرصة وجود حملات امنية واسعة في مناطق مختلفة من ولاية القصرين بما في ذلك فوسانة لملاحقة عناصر إرهابية، وقام بمغادرة المنطقة الى مكان بعيد عن الأنظار (نتحفّظ على ذكره لحماية المصدر). وقد قرّر حمدي عدم الإدلاء بما لديه من معلومات الى السلطات الأمنية والعسكرية بسبب خوفه من اختراق محتمل لهذه الأجهزة من قبل مهرّبي السلاح.

"ستسألني لماذا لم أبلّغ الحاكم (الشرطة والجيش)... بصراحة أخشى من فرضية بلوغ الأمر الى مسامع الكناترية. لقد هددني أحدهم قائلا انّ لديه أمنيين وعسكريين ورجال ديوانة (جمارك) يشتغلون لحسابه ويأخذون مقابل الخدمات التي يسدونها له ولبقية تنظيم الكناترية أموالا طائلة وهدايا قيّمة".

حمدي يعيش حاليا حالة من الضياع والخوف. لم ير والدته منذ أشهر حيث اكتفى بالتواصل معها عبر رسائل خطية مكتوبة باليد. هو لم يعد يثق في أحد، وأصبح يعيش حالة من البارانويا. أقصى أمنياته الآن مغادرة البلاد.

تونس : "أمراء" الحدود .. ومسالك تهريب السلاح

من مجموعات الفيسبوك الليبية الى المعسكرات الجهادية في جبال الشعانبي. كيف تحوّلت تونس من منطقة عبور الى منطقة لتخزين السلاح والاتجار فيه ؟ أيُّ المسالك تمّ اتّباعها ومن يشرف على تأمين هذه العمليات؟ كمْ يبلغ حجم هذه الأسلحة ؟ وهل يستفيد الارهاب فقط من هذا النشاط غير المشروع؟

العدوّ رقم واحد : حمار

ماذا لو وجدتَ نفسك في لحظة خوف وهلع و يأس تتمنّى لو أنّك بصدد مواجهة جيش نظامي مدجّج بالأسلحة الثقيلة بدل مواجهة حمار تائه على الحدود البرية بين تونس والجزائر. في ما يلي حكاية الحمار الذي تحوّل الى "العدوّ رقم واحد" بالنسبة الى إحدى الدوريات العسكرية.

كُنيَتُه "المبحبح" لكثرة سخائه على الدوريات الأمنية

يُكنّى في أوساط التهريب ب"المبحبح" لكثرة سخائه على الدوريات الأمنية. هو مهرّب سلاح جزائري الجنسية ذائع الصّيت في الغرب التونسي نظرا لهيمنته على نصيب الأسد من كعكة الحدود.