حالة الطوارئ في تونس : حين تضيع الحقوق و تُداس القوانين

يتزامن عادة إعلان الدولة من جديد عن حالة الطورائ مع تواتر انتهاكات حقوق الانسان تحت يافطة مكافحة الارهاب.
بقلم | 01 أفريل 2016 | 20 دقيقة | متوفر باللغة الفرنسية
خلّف فرض الدولة التونسية حالة الطوارئ من جديد و حظر التجول بتونس الكبرى عقب التفجير الارهابي الذي استهدف حافلة أمنية بشارع محمد الخامس حالة من القلق، حيث تم تركيز الحواجز في الشوارع و حول بعض البنايات العمومية و كثفت السلطات الامنية مراقبتها في الأماكن العامة وأصبحت الحركة في داخل المناطق الحيوية محفوفة بالتعطيلات والمخاطر على غرار ما يحصل منذ في فترة في مدينة بنقردان جنوب شرق البلاد.

لم يتأخر الرد الأمني اثر هجوم محمد الخامس في 24 نوفمبر 2015 الذي خلَف 12 قتيلا في صفوف الحرس الرئاسي، فمنذ ذلك التاريخ نفذت السلطات المعنية أكثر من 3000 مداهمة أمنية دون احتساب المداهمات التي تلت عملية بن قردان. وفق تقديرات المحامي غازي مرابط، سجّلت فترة حظر التجوال عرض ما يعادل 70 شخصا يوميا على أنظار العدالة بتهمة خرق اجراءات الحظر الليلي على الجولان. وبغض النظر عن الأرقام المفزعة، فان موجة المساس من حقوق الانسان صاحبها افلات المعتدين من العقاب.

لقطة من آخر الصور التي تمكن الصحفي من التقاطها قبل أن يفتك شرطي بالزي المدني آلة التصوير.

صحفيون “ارهابيون”؟

لم تمر الانتهاكات المسلطة على الصحفيين خلال هجوم 24 نوفمبر دون تنديد او ادانة فقد سجل مركز تونس لحرية الصحافة و مراسلون بلا حدود احتجاجهما على موجة العنف التي استهدفت حوالي 30 صحفيا أثناء سعيهم الى تغطية حادثة محمد الخامس الارهابية.

تنقلت أسماء البكوش، الصحفية في الاذاعة الثقافية التي تعمل في هذا المجال منذ 11 سنة، إلى محمد الخامس و قصدت أعوان الامن لمعرفة ما إذا كانت الحافلة مخصصة لنقل المدنيين أم أنها تابعة لقوات الأمن. “عندما امتنعوا عن الاجابة، خمّنت ان ذلك يعود إلى حالة الصدمة لكن سرعان ما توجهوا لي بالفاظ نابية تمس من مهنتي وأمي و عائلتي ومن شخصي …استظهرت ببطاقتي المهنية رفقة زملائي و امتثلنا إلى تعليماتهم معبرين عن تضامننا و رغبتنا في كشف حقيقة ما جرى”. هكذا صرّحت الصحفية أسماء البكوش.

«يعتبر بعض أعوان الامن أن الاعلام مصدر من مصادر الارهاب و أن الصحفيين هم بمثابة ارهابيين.»

يبدو أن ضغط الصدمة جراء الهجوم جعل قوات حفظ النظام تلتجىء الى استعمال العنف بغية إخلاء المكان .” عندما كنت اركض شعرت و كأن احدهم ضربني على مستوى الظهر فسقطت على ركبتتي “. اضطرت الصحفية الى التوقف عن العمل طيلة عشرة أيام بعد ان ذهبت للتداوي.

“لا يمكن أن نتسامح مع هذه الوضعية الاستثنائية ” . أصرّت أسماء البكوش على تقديم شكوى في الغرض، رغم اقتناعها أن لا جدوى ترجى من ذلك و لا يتعلق الأمر بالنسبة اليها سوى برغبتها في تسجيل موقفها من هذ السلوك.

«رغم انه لم يتم ادانة شرطي من قبل، الا ان ذلك يجب ان لا يثنينا عن المحاولة مرارا وتكرار، فما حدث يمثل في جوهره إعتداء على الحريات بنيّة ان يحرمونا تدريجيا من حرية الصحافة. ليلة الهجوم، كنا نتابع الحوارات التلفزية التي تروّج لفكرة ان الارهاب في تونس مرتبط في جانب من جوانبه بطفرة في مجال الحريات ».

“استغربت أن تعاود قوات الأمن إستعمال العنف ضد الصحفيين لكنني اعتقد أن ما حدث ناتج عن الأجواء المشحونة جراء الهجوم و القتلى “.

وتضيف الاستاذة إيمان البجاوي محامية النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين المكلفة بالدفاع عن الصحفيين الملاحقين قضائيا، قولها انّ هنالك نوعا من الوعي بالتضييق على الحريات منذ فترة. “منذ سنة لم يستقر وضع حرية الصحافة، رغم انني كنت أعتقد أن الأمور سوف تتغير بعد الإنتخابات. الى حدود اليوم، يتم هرسلة الصحفيين، الا ان السياسيين لم يعوا بعد أن حرية التعبير و الصحافة هي المكسب الوحيد للثورة و أنه يجب أن يتم تثبيتها و الحفاظ عليها “.

رغم أن الاعتداءات على الصحفيين والشكاوى ضدهم قد تقلصت، تأمل المحامية أن تنتهي تماما “فمع وجود المرسوم 115 ، لم يعد هنالك من مبرر لمحاكمة الصحفيين بمقتضى القانون الجزائي فيما يتعلق بالأخطاء المهنية نظرا لكون هذا المرسوم أقر عقوبات في حق المخالفين”.

عناصر من فرقة الأنياب خلال مؤتمر أنصار الشريعة الذي تم منعه في القيروان بتاريخ 19 ماي 2013.

المداهمات الاستعراضية

لا تعتبر محاكمة الصحفيين بمقتضى القانون الجزائي رغم وجود نظام خاص بهم الانتهاك الوحيد ضدهم، فبعض المواطنين يقرون علنا بانزلاقات هذه الدولة الأمنية.

في بيان لها ، نددت منظمة العفو الدولية في بداية شهر ديسمبر بالإستعمال المفرط للاجراءت الاستثنائية، فقد تعرضت إلى ما حدث خلال هجوم محمد الخامس إضافة إلى المداهمة الاستعراضية التي قامت بها وحدات مكافحة الارهاب في حلق الوادي ليلة 27 نوفمبر حيث “تمّ القبض، حسب شهود عيان، على عشرات الاشخاص الذين تتراوح اعمارهم بين 50 و 70 سنة من بينهم مرضى و شيوخ تم تعنيف البعض منهم خلال تحويلهم للتحقيق في مركز الشرطة “.

أكدت آمنة قلالي، ممثلة مكتب “هيومن رايت ووتش “، أنها تلقت نفس الشهادات “فقد أصدرنا تقريرا بعد أن جدت هذه المداهمات إنطلاقا من شهادات المواطنين الذين ذهلوا للعنف الذي مارسته قوات حفظ الأمن خلال مداهمة المنزل دون إذن قانوني من طرف وكيل الجمهورية .”

آثار الخسائر المادية خلال حملة التفتيش في منطقة حلق الوادي ليلة 27 نوفمبر 2015 . صورة من فيديو موقع نواة

تقترح فصول قانون الطوارىء تعديلات على القانون لكن التجاوزت الحاصلة تثير عدة تساؤلات، فيلست هذه المرة الأولى في هذا العام، 2015، الذي تمر فيه البلاد بحالة الطوارىء. فيوم 4 جويلية، بعد أيام من هجوم سوسة الارهابي الذي خلف 38 ضحية، أعلن الرئيس حزمة من الإجراءات الإستثنائية الى جانب حالة الطوارىء.

يعود قانون الطوراىء إلى مرسوم 1978 الذي تلا الإنتفاضة النقابية تحت حكم بورقيبة. ويتيح هذا المرسوم للسلطات التونسية منع التظاهرات و الاجتماعات و يتيح التفتيش و إيقاف العربات والقبض على كل من يشتبه أنه يمثل خطرا على الأمن العام .

يضاف إلى ذلك قانون مكافحة الارهاب الذي تمت المصادقة عليه في شهر جويلية 2015 و الذي يتيح تمديد الايقاف التحفظي 15 يوما كاجراء إستثنائي لمكافحة الارهاب و هو ما يفتح الباب أمام عديد الإنحرافات و المعاملة السيئة.

يقول نزار الشوك، القاضي و رئيس مرصد مراقبة جودة القوانين، أن القانون مازال مبهما حيث ترك هامشا مهمّا من التصرف لقوات الأمن، كما هو الحال بالنسبة الى القانون الجزائي الذي يعرّف التلبّس بشكل عام، سامحا بذلك لرجال الأمن بالتدخل إذا ما قدّروا الاشتباه في وضعية ما.

في مواقع التواصل الاجتماعي، صادفتنا العديد من الشهادات المتعلقة بسوء معاملة تعرض لها مواطنون كما هو الحال بالنسبة لسليم غديرة الذي تعرض للتعنيف في مركز الأمن من طرف 5 أعوان عندما كان ينوي حضور عروض سينمائية في إطار أيام قرطاج السينمائية. قرر سليم أن يتقدم بشكاية بعد أن إستخرج شهادة طبية لكن تبقى حالته نادرة.

حسب آمنة قلالي، لم يكن المواطنون مقتنعين كثيرا بجدوى تقديم شكوى بعد مداهمات حلق الوادي.

«يبدو أنّ الناس يشعرون بشيء من التخوف و كأنهم يفضلون عدم التظلم كي لا يعرقلوا جهود مكافحة الارهاب»

أحمد رديسي ، مقاول ملتزم دينيا يحمل الجنسية التونسية و الفرنسية مقيم بتونس منذ سنة 2015
عدسة مالك الخضراوي

أحمد رديسي ، مقاول ملتزم دينيا يحمل الجنسية التونسية و الفرنسية يقيم في بتونس منذ سنة 2015 ، أراد أن يزور أباه في المستشفى العسكري و قد روى ما تعرض له بشكل يومي بعد الهجوم الارهابي الأخير.

عندما كان يهم بالدخول إلى المستشفى يوم غرة ديسمبر، منعه جندي من ذلك بتعلة أن قانون المؤسسة يستثني الملتحين من الولوج إليها . بعد التحري، تبين أن المانع متعلق بالقميص الذي يرتديه و لكن لم يشفع له تغيير ملابسه حيث تبين أنّ الأمر راجع الى كونه ملتح.

يوم الاثنين 7 ديسمبر قدم أعوان أمن إلى منزله لإستدعائه إلى مركز الشرطة لمتابعة قضية سرقة دراجته النارية لكن ما راعه الاّ وقد تحوّل الى موضوع للتحقيق بخصوص شعائره الدينية. و قد وصل الأمر إلى حد طلب النفاذ إلى صفحته الإجتماعية.

يوم 8 ديسمبرأستدعي ثانية عندما كان متوجها إلى موعد مع أحد صحفيينا و كان الامر، مرة أخرى، متعلقا بنفس الأسئلة الاعتباطية “كان هناك ملتحيان و منقبة في نفس المركز”.

« اتفهم أن الأمر متعلق بالتعليمات، فبعض الاعوان اقروا باعتباطية الأسئلة التي كانوا يطرحونها. كان التعامل في حدود المعقول، بل كان وديا في بعض الأحيان، لكنني أعتقد صراحة أنهم لن يحرزوا نتائج إيجابية بهذا الاسلوب بل يمكن أن يؤدي ذلك إلى جعل العناصر الهشة أكثر تطرفا».

رغم ذلك لا ينوي أحمد أن يقدم شكوى كي يتفادى ازعاج عائلته خصوصا أن أباه مريض و لا يريد أن يدخل في صراع مع السلطات “أنا في وطني و نقلت مؤسستي هنا قرب عائلتي و هذا النوع من الممارسات لايغير شيئا بالنسبة الي في الوقت الحاضر “.

تعتبر عودة الاستبداد و الممارسات التي تحيل إلى العهد البائد بينة ففي عهد بن علي كانت ملاحقة الملتحين و المحجبات، كما هو الحال بالنسبة لليساريين، عادة يومية و هو ما خلف حالة من الصدمة في صفوف المواطنين كما تؤكد ذلك منظمة العفو الدولية.

بعد خمس سنوات مازالت تجربة الانتهاكات في ظل حكم بن علي تلقي بظلالها على ” التقدم الحاصل في الوضع الحالي ما يستوجب أن تسهر الحكومة الحالية على أن لا تكون مجابهة الارهاب ذريعة للعودة إلى التعذيب و القمع ” .

سعيد بومدوحة المدير المساعد لبرنامج الشرق الأوسط و شمال إفريقيا لمنظة العفو الدولية .

كما يتم إستعمال أسلوب آخر ضد المواطنين كما هو الحال بالنبسة للقانون عدد 52 المتعلق باستهلك “الزطلة ” فمنذ أن تم الاعلان عن حالة الطوراىء تم إدانة ما لا يقل عن 5 فنانين أو نشطاء وفق اجراءات استعجالية.

عندما كان مروان المدب و أمين مبروك، المتطوعان في اطار أيام قرطاج السينمائية، متواجدين في الشارع دقائق معدودة بعد حظر التجول على الساعة التاسعة ليلا يوم 28 نوفمبر 2015 تم ايقافهما بتعلة القانون عدد 52 لأنهما كانا يمتلكان ورق للف السجائر .

قبل هجوم 19 نوفمبر، تم تفتيش بيت المنتج السينمائي المستقل علاء الدين سليم بدعوى أنه يستغله لنشاطات ارهابية عندما كان هناك صحبة عاطف متاع الله ،الفنان التشكيلي ، و المصور فخر الدين الغزال. وقد تم ايقافهم جميعا من طرف قرابة 15 عونا مسلحا. لم يعثروا على أي قرينة تثبت النشاط الارهابي فتم ايقافهم بتهمة إستهلاك “الزطلة “، حسب تصريح إسماعيل ليماسي، احد مؤسسي “أقزيت برودكسيون” بالشراكة مع علاء الدين سليم .

حسب الاستاذ أيوب قلوسي، أحد محامي الشبان الثلاثة ، فإن القضية تتعلق بتقريب عمل السلطات “فإذا أذن بالتفتيش في قضية ما لا يمكن للتحقيق أن يُفتح لخلفيات أخرى ما لم يتعلق الأمر بالتلبس و هو ما لا ينطبق على قضية الحال “.

قضية هؤلاء الشبان التي تؤدي في حالات منها إلى السجن بحجة “إستهلاك الزطلة ” يؤكد أن الأمر يتعلق بهاجس النجاعة و بقراءة عامة للقوانين

  بعد 14 جانفي سارعت وزارة الداخلية إلى تسييج مقرها بالاسلاك الشائكة عدسة أمين بوفايد

Perquisitions, arrestations et surcharge de dossiers

منذ اعلان حالة الطوراىء يوم 24 نوفمبر الفارط جدت 3000 عملية تفتيش افضت إلى ايقاف والإحتفاظ ب 306 نفرا ( منذ 7 ديسمبر)، أي ما يعادل 200 عملية تفتيش و قرابة العشرين إيقافا يوميا .

منذ شهر جانفي الى اواخر شهر نوفمبر 2015 وقع ايقاف 2934 نفرا بتهم الارهاب و تم فتح 1697 قضية سنة 2015 ، حسب روضة قرافي رئيسة جمعية القضاة.

يعود بطء الاجرءات الى كون الملفات تتوزع على ثمانية قضاة فقط أي ما يعادل 210 قضية للقاضي الواحد.

يقول مراد المسعودي، رئيس جمعية القضاة الشبان انه تم تنفيذ اضراب خلال اكتوبر 2015 للترفيع في عدد القضاة المكلفين بملفات الارهاب وللتصدي لحملات التشويه ضدهم.

يقر بانه منذ اعلان حالة الطوارىء و حالما يتوفر معطى له علاقة بالارهاب في ملف من الملفات يتخلى عنه القاضي لصالح القطب القضائي المكلف بالارهاب بذلك يرتفع عدد الملفات المعنية.

مقارنة بسنة 2013 حيث وقع 1155 ايقافا متعلقا بالارهاب سجلت سنة 2014 ارتفاعا ملحوظا حيث بلغ عدد الايقافات الى حدود منتصف ديسمبر 2446

اجمالا تم احالة 571 على انظار القضاء بتهمة تسفير الشباب الى المناطق الساخنة او مورطين في نشاطات ارهابية حسب الارقام الرسمية لوزارة الداخلية.

تشدد امنة قلالي على عنصر جديد الا و هو ان وضع العائدين من سوريا في الاقامة الجبرية من طرف السلطات في ازدياد مطرد ”

تثبت عديد الشهادات المتقاطعة ان هؤلاء عادوا منذ فترة لا بأس بها. و قد اكدت امنة قلالي على حالة سجين سابق في سجن قوانتانامو كان ضحية هرسلة بوليسية و تم ابقاؤه تحت الاقامة الجبرية رغم انه لم تصدر في حقه اي تتبعات او احكام ضده .

الإلتجاء الى قانون الطوارىء يحيل الى خطر التضييق الامني على الحريات
عدسة أمين بوفايد

عودة حالة الطوارئ و الخطاب الامني

نادرا ما تفضي هذه التجاوزات الى ملاحقة قضائية من طرف المواطنين و هو ما يكرس الافلات من العقاب.

بالنسبة للكثير من التونسيين فان اجراء حالة الطوارىء اصبح عاديا كما يؤكد ذلك حمزة مدب الباحث في ” كارنيدج ميدل است سنتر” بتونس .

“يبقى الراي العام قلقا حيال الوضع الامني، فرغم ان الناس ينتقدون وضع الحريات خلال هذه الفترة الا ان الخطر الارهابي يبقى مهيمنا، و هو ما يساهم في التطبيع مع حالة الطوارىء. 

يكمن الخطر في التطبيع مع حالة الطوارئ و الاجراءات الحادة من الحريات حالما يكون هناك خطر في توجه الناس للتطبيع مع ذلك ”

بالنسبة لحمزة المدب لا يكمن الجدل في ثنائية الحريات و الامن بل في الجدوى من الالتجاء لهذا النص و لما لم يتغير شيئ رغم الهجومات الاخيرة.

أن الالتجاء للعنف و الايقافات العشوائية لا يمكن أن يخفي غياب الاصلاح الأمني و اكرر قولي بأنه ليست لدينا” أستراتجية حقيقية لمكافحة الارهاب و لن يتم إصلاح المنظومة بتغيير الوجوه ”

تمت إقالة عديد الوجوه منذ هجوم محمد الخامس نظرا لغياب أصلاح هيكلي للمنظومة الأمنية

إصلاحات من فوق عوض إصلاح حقيقي للمنظومة

بعد هجوم محمد الخامس عين حبيب الصيد عبد الرحمان بلحاج وهو وجه من الوجوه البورقيبية في خطة مدير للامن الوطني .

حسب مجلة “ليدرز”، كان الرجل مسؤولا عن الأمن الرئاسي سنة 1987 قبل أن يتم تعيينه سفيرا في موريتانيا وهو ما يعني أنه لم يتحمل مسؤوليات أمنية منذ أكثر من 20 سنة و هو ما ينطبق على رفيق الشلي الذي تم اعفاؤه من مهامه ككاتب دولة مكلف بمهام أمنية و الذي كان يعتبر مرجعا في مكافحة الارهاب.

هذه الاقالات المتواصلة ، إضافة إلى غياب الاصلاح في المنظومة الأمنية، تثبت مدى فشل النظام الذي انتقد في تقرير”مجموعة الأزمات الدولية” بعد هجوم باردو وسوسة .في مواجهة هذه الصعوبات حيث أصبحت مقايضة الحرية مقابل الأمن مجرد وسيلة تستعمل في الخطاب السياسي أكثر منه اجراء ناجعا .

الخطاب السياسي و غياب السلطة المضادة

اليوم يطرح الموضوع بشكل مضاعف فهناك من جهة الإبتزاز الجلي في النقاش العام حول الموضوع حول التنازل على الحريات مقابل الأمن و من جهة أخرى يتواصل غياب الاصلاح نظرا لأن أي إجراء ينحدر من السلطة التقديرية لوزارة الداخلية و الرئاسة وهو ما يفتح الباب أمام الافلات من العقاب كم لا يوجد جهاز برلماني فاعل لمراقبة الانحرافات و لا يوجد إلتجاء حقيقي للعدالة في مواجهة ذلك ” حسب حمزة المدب .

كما تشير لذلك دراسة لمركز “كرندج ميدل أست ” حول الفرص الضائعة لاصلاح المنظومة الأمنية في تونس، لم يحرز صعود نداء تونس في الإنتخابات التشريعية سنة 2014 تقدما في هذا الصدد.

“نظريا كان من الممكن أن يؤدي تشكيل حكومة تحالف فيها نداء تونس و النهضة يوم 5 فيفري 2015 إلى جهد مضاعف لمراقبة المنظومة الأمنية لكن في الممارسة أصبحت هذه المنظومة موضوعا للاحتجاج بين الأحزاب الرئيسية في الوقت الذي يحاول أعضاؤها إستغلال الصراع بين المتدخلين من أجل الحفاظ على استقلالية المنظومة الأمنية”(الباحث يزيد صياح )مترجم عن الانكليزية .

في تقرير “مجموعة الازمات الدولية”، دعا الباحث ميكايال عياري إلى اصلاح قوات الأمن الداخلي كما ندد بتسييس الاصلاحات و الاخلالات .يرجع هذا التقرير إلى جويلية 2015 كما هو الحال بالنسبة لعدة مقالات كتبت في العام ذاته حول نقص الاصلاحات صلب وزارة الداخلية.

بشكل خاص بين 2012 و 2014, أصبحت المفاهيم الثورية و الانتقال الديمقراطي رمزا للصراع الحزبي و عدم الاستقرار. من جهة أخرى، تم اصلاح المنظومة الأمنية على قاعدة الإستقطاب الحزبي ففي هذه الفترة إتهم عدد من المناهضين للاسلاميين حركة النهضة بإنشاء جهاز أمن موازي و أنها كانت وراء انتشار الفكر الجهادي بشكل مباشر أو غير مباشر و يذهب البعض إلى إعتبارها قوة من قوى الثورة المضادة .” التي يجب سد الباب أمام انقلابها و هو ما يجعل مهمة اصلاح المؤسسة الأمنية أكثر تعقيدا و صعوبة “.

يمكن أن نذكر أن تونس قد وقعت يوم 4 نوفمبر إتفاقية بقيمة 23 مليون اورو مع الاتحاد الاوروبي موجهة إلى برنامج الاسناد في إصلاح و تعصير المنظومة الأمنية في تونس.

كشف موقع إنكيفادا، في تحقيقها حول هجوم 24 نوفمبر، صعوبة حصر حجم التهديد الارهابي رغم تعدد المصادر الاستخبارية .في مواجهة هذا الخطر التي تلقفه الخطاب السياسي بسهولة بحيث أصبحت مكانة الحريات غير ذات شأن.  

لكن رغم الشهادات و البلاغات حول هذه الممارسات التي كشفتها إنكيفادا يثبت الصمت التام حول الانتهاكات ألامنية و غياب السلطة المضادة و خطر الوفاق السياسي المواطني إزاء رجوع الاستبداد . أن نجاعة هذه الأساليب مازلت في الانتظار و تطرح سؤال الاصلاح الجذري اللازم.

في مواجهة عدم الاستقرار وتكرر الهجومات يصبح التطبيع مع حالة الطوارئ و انزلاقاتها خطرا يهدد الانتقال الديمقراطي .