بين السجن والإضراب: أجساد محتجّة في تونس

مع توقف مسارات التقاضي وتعطل آليات الحماية القانونية، يجد السجين·ة السياسي·ة في تونس نفسه·ا أمام خيارين صعبين: الصمت داخل السجن، أو تحويل الجسد إلى وسيلة احتجاج. في السنوات الأخيرة، لم يعد إضراب الجوع فعلا استثنائيا، بل تحول إلى شكل  من أشكال الإحتجاج السلمي داخل السجون التونسية، لجأ إليه سجناء.ات سياسيون.ات، صحفيون.ات، وقضاة معفيون، في ظل تصاعد التضييق على الحريات وتحول القضاء إلى وظيفة تُدار بأوامر سياسية.
بقلم | 30 أفريل 2026
15 دقيقة

إضراب الجوع هنا يُمارس كأداة ضغط إحتجاجا على عدة أسباب منها ظروف السجن، تكرر تأخير المحاكمات أو إحتجاجا على الطابع السياسي لهذه الاعتقالات ، في محاولة لانتزاع استجابة من السلطة.

داخل السجن، يصبح الجسد الوسيلة المتاحة للاحتجاج فتتحول المطالب من نصوص قانونية لا تلقى متابعة إلى وقائع ملموسة تستقطب انتباه الرأي العام، وتضع الدولة أمام مسؤولياتها في احترام الحقوق.

منذ جويلية 2021 إلى اليوم، برز إضراب الجوع داخل السجون كأحد مؤشرات التحديات التي تواجه المنظومة الحقوقية في تونس، ليس كحالة فردية معزولة في سياق يتسم بتعقيدات سياسية وقضائية. فكل إضراب لا يعبر فقط عن موقف صاحبه، عاكسا إشكاليات أعمق تتعلق بظروف الاحتجاز ودور آليات الرقابة في ضمان الحقوق الأساسية.

بهذا المعنى، الإضراب يتجاوز كونه فعلا فرديا ليصبح وسيلة للتعبير عن وضع غير متكافئ حيث تدير السلطات الملف ضمن الأطر القائمة، فيما يسعى المعتقل إلى إبقاء قضيته حاضرة في الفضاء العام.

إضرابات الجوع في السجون التونسية: الجسد كساحة إحتجاج

إضراب الجوع خلف القضبان يختلف جذريًا عن أي احتجاج خارجه. المضرب عن الطعام يكون في مواجهة مباشرة مع السلطة، محرومًا من التواصل الحر والأخبار والزيارات المنتظمة، التي لا تتجاوز دقائق معدودة وتخضع لرقابة صارمة، وقد تُقطع متى أُشير إلى الإضراب أو تطوراته. ظروف الاحتجاز القاسية، من اكتظاظ وضجيج وإهمال صحي، تزيد من معاناة الجسد المنهك أصلاً بفعل الامتناع عن الغذاء.

شهدت سنة 2025 تصعيدًا غير مسبوق في اللجوء إلى إضراب الجوع كوسيلة احتجاج أخيرة في مواجهة الاعتقالات والمحاكمات السياسية، خصوصًا في ما يُعرف بقضية "التآمر على أمن الدولة". هذا الشكل من المقاومة الجسدية لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مباشرة لتعنت السلطات منذ استئثار الرئيس قيس سعيد بالسلطة في 25 جويلية 2021، وسيطرته على كل مؤسسات الدولة، بما في ذلك القضاء. دفع هذا المساجين السياسيين والمدافعين عن الحقوق والحريات إلى تحويل أجسادهم إلى آخر مساحة للإحتجاج.

في ديسمبر 2025، واصل العياشي الهمّامي إضراب جوع مفتوح منذ اعتقاله في الثاني من الشهر، قبل أن يرفعه بعد 43 يومًا من الصمود الجسدي المستمر، رغم تدهور وضعه الصحي ومناشدات المجتمع الحقوقي. قبله، دخلت السجينة شيماء عيسى في إضراب عن الطعام إثر اعتقالها، لتعليقه بعد 16 يومًا، ثم استأنفته في 23 ديسمبر 2025، في دلالة على تعقيد المسارات النضالية وتعمق معاناة الأجساد داخل السجون.

في أكتوبر 2025، شهد إضراب جوهر بن مبارك الطويل احتجاجًا على طول فترة اعتقاله وظروف احتجازه، بما في ذلك المحاكمة عن بُعد، ورافقه إضرابات تضامنية لكل من عصام الشابي، عبد الحميد الجلاصي، رضا بلحاج، وراشد الغنوشي. وفي نوفمبر، انضم السياسي مهدي بن غربية لإضراب عن الطعام احتجاجًا على بطاقته الاستباقية التي أبقته معتقلًا خارج أي مبرر قانوني وفق تقديره.

العودة إلى السنوات السابقة توضح أن هذا النمط من الاحتجاج جسدي وممنهج، بدءًا من 2022 مع القضاة المعفيين تحت شعار "الجوع ولا قضاء الخنوع"، مرورًا بإضرابات الصحفيين·ت والسياسيين·ت في 2023 و2024 مثل الصحفية شذى بلحاج مبارك، السياسي السيد الفرجاني، والإعلامية والمحامية سنية الدهماني. كل هذه الوقائع تؤكد أن تصاعد الإضرابات مرتبط مباشرة بتفرد السلطة وسيطرتها على القضاء، ما حوّل السجون إلى فضاء مركزي للصراع السياسي والمقاومة الجسدية، حيث يتحول الجسد إلى أداة احتجاج ووسيلة لإثبات الحق في الحياة والكرامة أمام القمع المتواصل .

الجسد تحت الحصار: المسار الطبي لإضراب الجوع

إضراب الجوع ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو مسار جسدي ونفسي معقّد تتقاطع فيه حدود الطب مع أخلاقياته، وحقوق الإنسان، والمسؤولية القانونية للدولة. الجسد المضرب لا يدخل في حالة "توقف" سلبي فقط لينخرط في عملية إعادة تنظيم قسرية لموارده الحيوية للحفاظ على الحد الأدنى من الحياة، مع تعرّضه لاستنزاف تدريجي قد يخلّف أضرارا دائمة.

خلال هذا المسار، ينتقل الجسم من استهلاك موارده السريعة إلى الاعتماد على مخزونه الداخلي، قبل أن يصل إلى مرحلة استنزاف الكتلة العضلية وتراجع وظائفه الحيوية. ويؤدي استمرار الإضراب إلى ضعف عام، فقدان ملحوظ للوزن، واضطرابات جسدية ونفسية، قد تتطوّر في المراحل المتقدمة إلى اختلالات خطيرة تمسّ الوعي ووظائف الأعضاء. ولا تنتهي هذه التأثيرات بالضرورة عند فكّ الإضراب، إذ قد تترك آثارا صحية طويلة الأمد، تجعل الجسد شاهدا دائما على ما تعرّض له.

في هذا السياق، يوضح الدكتور ماهر زعق، رئيس فرع المنستير للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن إضراب الجوع يضع الطبيب أمام معادلة أخلاقية معقّدة. فواجبه لا يقتصر على المتابعة الصحية، ليشمل احترام إرادة المضرب وكرامته، وعدم التعامل مع جسده كموضوع لتدخل قسري. ويؤكد أن اللجوء إلى التغذية القسرية يُعدّ شكلا من أشكال التعذيب، ويتعارض مع أخلاقيات مهنة الطب.

الإطار الحقوقي والدولي: الجسد موقع انتهاك

لا يمكن قراءة إضرابات الجوع بمعزل عن الإطار القانوني الدولي، الذي يُفترض أن يقيّد سلطة الدولة في التعامل مع الأشخاص المحرومين من حريتهم. التجاهل الرسمي يكشف خرقًا واضحًا لالتزامات دولية تضع الحق في الكرامة والحياة والصحة في صلب واجبات الدولة، خصوصًا داخل أماكن الاحتجاز.

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة 7، يحظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بشكل مطلق، ويشمل كل أشكال الإهمال المتعمد أو الامتناع عن التدخل حين تكون حياة السجين أو سلامته الجسدية مهددة. تجاهل إضراب الجوع أو التقليل من خطورته قد يُعتبر معاملة لاإنسانية، حين تكون السلطة على علم بالتداعيات الصحية وتختار الصمت.

تتوافق هذه الالتزامات مع قواعد الأمم المتحدة النموذجية لمعاملة السجناء ( قواعد مانديلا)، التي تؤكد احترام كرامة السجناء وقيمتهم كبشر، وتُلزم الدولة بضمان رعاية طبية مساوية لما هو متاح خارج السجن، مع حظر أي شكل من أشكال العقوبة أو الضغط المرتبط بالحالة الصحية أو الاحتجاج السلمي.

العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، المادة 12، يُقر بحق الفرد في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية، دون تمييز. داخل السجون، يتحوّل هذا الحق إلى التزام مضاعف، نظرًا لسيطرة الدولة الكاملة على شروط المعيشة والعلاج والمعلومة. الامتناع عن تقديم معلومات دقيقة، أو عزل المضربين عن عائلاتهم، أو الاكتفاء بمتابعة شكلية، يُعد إخلالًا مباشرًا بهذا الالتزام.

تؤكد فائزة الشابي أن ما يُقدَّم أحيانًا باعتباره “مراقبة طبية” لا يمكن فصله عن سياق الاحتجاز والمحاكمة. الرعاية الصحية مهما كانت منتظمة لا تُعيد للقضاء استقلاليته، ولا تُنهي الاحتجاز المطوّل، ولا تُصلح خلل العدالة. إقصاء العائلات من التواصل يزيد الانتهاك، إذ يمتد إلى محيط السجين الإنساني، في خرق صريح لحق العائلات في المعرفة والاطمئنان.

السجون، الاكتظاظ، وحدود الطاقة الاستيعابية

إضراب الجوع لا يحدث بمعزل، بل داخل فضاءات سجنية تعاني من اختناق بنيوي يضاعف هشاشة الأجساد المحتجّة. تقارير الرصد الحقوقي تُظهر تجاوز منظومة السجون لطاقة الاستيعاب منذ سنوات، ما يجعل أي حديث عن ظروف احتجاز إنسانية محل تساؤل.

وفق تقرير الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان 2022–2025، بلغ عدد السجناء في المرناقية أكثر من 10,971، في بوشوشة حوالي 1,058، المهدية نحو 2,467، وصفاقس قرابة 700. هذه الأرقام، حتى دون تفصيل رسمي حول الطاقة الأصلية، تكشف عن ضغط مستمر ينعكس على شروط الإقامة والرعاية الصحية والمتابعة الطبية.

في هذا السياق، يصبح الجسد المضرب أكثر عرضة للمخاطر، إذ تتقاطع الهشاشة مع الإهمال المؤسساتي، ويغدو الإضراب فعلاً احتجاجيًا داخل فضاء غير قادر أصلاً على ضمان الصحة والكرامة. هنا لا يعود الإضراب مواجهة فردية مع السلطة فقط، بل اختبارًا لقدرة المنظومة السجنية على احترام التزاماتها الدنيا.

وبين احترام إرادة المضرب وواجب الدولة في حماية الحق في الحياة والصحة، تتجلّى فجوة عميقة تعكس اختلال ميزان القوة داخل منظومة السجون.

لعبة الزمن: من ينهك من؟

يصف الدكتور ماهر زعق إضراب الجوع بأنه " لعبة زمن" غير متكافئة: المضرب يراهن على الزمن لجعل قضيته مسألة رأي عام، بينما تراهن السلطة على الزمن لإنهاكه، عزله، ودفعه للتراجع قبل بلوغ نقطة اللاعودة. هذا الرهان لا يُدار بالعنف المباشر، بل بالإهمال، الصمت، وتأجيل الاستجابة.

لكن خطورة المسار لا تكمن فقط في تهديد حياة المضربين والمضربات، بل في الأثر التراكمي على الوعي العام. التعوّد على الجوع كشكل متكرر من الاحتجاج غير المجدي ظاهرًا، يفرغ الإضراب من قوته الرمزية، ويحوّل أقسى أشكال المقاومة السلمية إلى حدث عابر داخل منظومة صمّاء.

لا يبدو الإضراب فعلًا فرديًا معزولًا أو نزعة تدمير ذاتي، بل نتيجة مباشرة لانسداد الفضاء السياسي، تعطّل العدالة، وتحول القضاء من سلطة تحكيم إلى أداة ضبط. في ظل الانهيار التدريجي للضمانات القانونية، يُدفَع السجين لتحويل جسده إلى آخر مجال سيادي متبقٍ بعد مصادرة كل أشكال الفعل والاحتجاج الأخرى.

في هذا السياق، لا يُمثّل إضراب الجوع نهاية السياسة، بل علامتها الأكثر قسوة: الجسد، حين يُجرّد من الحقوق والمحاكمة العادلة، يصبح آخر لغة ممكنة. استمرار التعويل على هذه اللغة، في ظل قضاء مأزوم وسلطة ترفض الاعتراف بالأزمة، لا يكشف فقط حجم المأساة داخل السجون، بل يضع المجتمع أمام سؤال أخلاقي وسياسي مفتوح: إلى متى يبقى الجسد الدليل الوحيد على اختلال العدالة خلف أسوار السجون التونسية؟

Inkyfada Landing Image

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول