من التضامن مع غزة الى التتبع القضائي : قراءة في ملف أسطول الصمود

انطلق أسطول الصمود كمبادرة تضامنية مع غزة، في سياق تعبئة مدنية واسعة داخل تونس وخارجها. بعد أشهر، أصبح هذا التحرك نفسه موضوع تتبعات قضائية وتحقيقات مالية، استندت إلى معطيات ووثائق تفصيلية حول طرق التنظيم والتمويل. بين ما تكشفه هذه الوثائق وما يقدمه المنظمون من روايات، يتشكل ملف معقّد يطرح أسئلة حول مسار المبادرة وحدودها.
بقلم | 14 أفريل 2026
15 دقيقة
في سياق إقليمي ودولي مشحون، عادت المبادرات التضامنية مع القضية الفلسطينية لتحتل موقعاً مركزياً في الفضاء العام التونسي، حيث برزت مبادرة “أسطول الصمود” كأحد أبرز أشكال التعبئة المدنية ذات الطابع العابر للحدود. إذ قدّم منظموها المشروع باعتباره امتداداً لتقليد نضالي يسعى إلى كسر الحصار المفروض على غزة، مستندين إلى رصيد رمزي وسياسي متجذر في الوعي الجمعي التونسي، حيث تحظى القضية الفلسطينية بإجماع واسع يتجاوز الانقسامات الإيديولوجية.
غير أن هذا الزخم الشعبي سرعان ما اصطدم بمسار مغاير، مع دخول السلطات على الخط وفتح تحقيقات قضائية شملت عدداً من النشطاء والمنظمين. وقد ترافقت هذه التطورات مع إيقافات وتحقيقات مطوّلة، في إطار مقاربة رسمية ركزت على الجوانب القانونية والمالية للمبادرة، خصوصاً ما يتعلق بطرق التمويل وجمع التبرعات. هذا التحول من منطق التعبئة إلى منطق المساءلة أعاد تشكيل النقاش العام.
في المقابل، لم يكن التفاعل المجتمعي موحداً. فقد انقسمت الآراء بين من اعتبر ما حصل استهدافاً لمبادرة مدنية ذات بعد إنساني ومن رأى في التدخل القضائي إجراءً طبيعياً تفرضه ضرورة احترام القانون، خاصة في ما يتعلق بإدارة الأموال والتبرعات. وتغذّى هذا الجدل بتداول معطيات تفصيلية حول كواليس التنظيم والتمويل، أتاحت، بشكل أو بآخر، إضاءة جوانب لم تكن معلنة من قبل، وساهمت في تعميق النقاش حول طبيعة المبادرة وحدودها.

من المبادرة البحرية إلى المعركة الإعلامية والقضائية

انطلق “أسطول الصمود” بين أواخر أوت وبداية سبتمبر 2025 كمبادرة مدنية دولية تهدف إلى كسر الحصار البحري المفروض على قطاع غزة، وإيصال مساعدات إنسانية مباشرة إلى سكانه. وقد شارك في هذه المبادرة عشرات النشطاء والناشطات من أكثر من أربعين جنسية، على متن عدد من القوارب التي تجمّعت تدريجيًا في البحر الأبيض المتوسط، قبل أن تتخذ من السواحل التونسية، وتحديدًا قبالة سيدي بوسعيد، نقطة تنسيق أساسية قبل التوجه شرقًا نحو غزة.

يأتي هذا التحرك في سياق تفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع، حيث إعتبرت هيئة الأسطول أن الحصار يشكل انتهاكًا مستمرًا للقانون الدولي الإنساني، وأن كسره عبر تحرك سلمي يُعد وسيلة للضغط السياسي والإعلامي، إلى جانب هدفه الإغاثي. وبذلك، يجمع الأسطول بين البعد الإنساني والرمزي، في محاولة لإعادة طرح قضية الحصار في الفضاء الدولي.

في الليلة  الفاصلة بين 8 و9 سبتمبر 2025، استهدفت طائرة مسيّرة السفينة الرئيسية للأسطول. وهي السفينة البرتغالية Familia Madeira، وذلك قبيل انطلاقها من السواحل التونسية. وقد أسفر الهجوم عن اندلاع حريق محدود على متن السفينة، تمت السيطرة عليه دون تسجيل إصابات.

وفي الليلة الموالية، تكرّر سيناريو مشابه، حيث تعرّضت سفينة أخرى تابعة للأسطول، وهي السفينة البريطانية Alma، لهجوم بطائرة مسيّرة أثناء تواجدها قبالة سيدي بوسعيد، دون أن يُسفر ذلك عن إصابات بشرية. ووفق ما نقلته وسائل إعلام، فقد تم إسقاط جسم متفجّر على متن السفينة بطريقة مماثلة للهجوم الأول، فيما رجّحت تحليلات خبراء أن يكون التفجير ناتجًا عن عبوة أُلقيت بواسطة طائرة مسيّرة.

وقد أثارت هذه التطورات جدلًا واسعًا بين روايات النشطاء الذين تحدثوا عن استهداف مباشر، ومواقف رسمية رجّحت فرضية الحادث العرضي في البداية، مع فتح تحقيق في الغرض لاحقا. غير أنّ هذا المسار لم يفضِ، إلى حدّ الآن، إلى معطيات جديدة أو نتائج مُعلنة.

رغم هذه التوترات، غادر الأسطول السواحل التونسية وواصل مساره عبر البحر الأبيض المتوسط في اتجاه قطاع غزة، وسط مراقبة متزايدة. ومع اقترابه من سواحل القطاع في بداية أكتوبر 2025، قامت البحرية الإسرائيلية باعتراضه في المياه الدولية، ومنعت سفنه من الوصول إلى وجهتها، كما تم احتجاز عدد من النشطاء المشاركين في العملية.

انتهت الرحلة دون تحقيق هدفها المباشر المتمثل في الوصول إلى غزة، غير أنها أعادت تسليط الضوء على الحصار البحري المفروض على القطاع، وأثارت نقاشًا دوليًا حول مشروعيته.

ابتداءً من أواخر سبتمبر 2025، تعرّضت قيادات أسطول الصمود لحملة إعلامية ورقمية واسعة، قادتها بعض وسائل الإعلام إلى جانب حسابات على منصات التواصل، ركّزت أساسًا على التشكيك في مصادر تمويل المبادرة وطريقة تسييرها. وقد تمّ الترويج حينها لما وُصف بـاختلالات مفترضة داخل الهيكل التنظيمي.

ومع نشر منظمي أسطول الصمود تقارير ماليًا حوّل الجدل إلى نقاش عام، انقسمت فيه الآراء بين من اعتبره غير كافٍ من حيث الشفافية، ومن رأى أنه يدخل ضمن حملة تشويه سياسية. غير أن هذا الجدل سرعان ما خفت مع نهاية الشهر وتراجع التغطية الإعلامية.

عاد الملف إلى الواجهة مطلع سنة 2026، بالتزامن مع التحضير لإبحار جديد من تونس نحو غزة، في سياق إقليمي متوتر اتّسم بتصاعد العدوان في لبنان وتفاقم المواجهة بين إيران والكيان الصهيوني. في هذا المناخ، أطلقت السلطات التونسية في مارس 2026 سلسلة من التحقيقات والإجراءات القضائية ضد عدد من قيادات أسطول الصمود، شملت شبهات تتعلق بجمع الأموال خارج الأطر القانونية واستعمال مسارات تمويل غير خاضعة للرقابة المصرفية. 

تندرج هذه التحقيقات ضمن القضية عدد 2026/4010 المحالة إلى القطب القضائي الاقتصادي والمالي بتونس. وقد تمكنت انكفاضة من الاطلاع على مضمون هذا المحضر العدلي الذي تتمحور الشبهات الواردة به حول "التحيل والخيانة الموصوفة وغسل الأموال من قبل وفاق"، وذلك عبر استغلال خصائص النشاط الاجتماعي لجمع تبرعات ناهزت 1.5 مليون دينار، وتوظيفها خارج المسالك البنكية الرسمية.

ظروف الايقاف والمداهمة

منذ عودة ناشطي وناشطات “أسطول الصمود” من سجون الاحتلال، تعرّضت المبادرة لحملات إعلامية واسعة طالبت بالكشف عن التقرير المالي للتبرعات، وشكّكت في نزاهتها، على خلفية تعليقات صادرة عن إعلاميين وبرلمانيين مقربين من السلطة الحالية.

في هذا السياق، نشرت هيئة الأسطول يوم 6 مارس مقطع فيديو لعضوة هيئة التسيير جواهر شنّة، صُوّر قبل أيام من إيقافها، لمحت فيه إلى احتمال اعتقالها، بعد إعلام الهيئة بقرار والي تونس، عماد بوخريص، منع مغادرة “أسطول الصمود 2” لدواعٍ أمنية. ووفق النص المرافق للفيديو، اعتبرت شنّة أن هذا المنع قد يتبعه إيقافات، في إطار ما وصفته بتضييق السلطة على أشكال النضال الداعمة لفلسطين في تونس.

وبالفعل، بدأت بتاريخ 4 مارس 2026 عملية إيقاف عدد من الناشطين والناشطات بهيئة تسيير مبادرة أسطول الصمود، في خضم إعدادها لأسطول ثان من المنتظر إنطلاقه في شهر مارس الماضي، بإستثناء الناشط غسان البوغديري الذي قام بتقديم نفسه للسلطات المعنية، بتاريخ 10 مارس.

شملت عمليات المداهمة والتفتيش التي نفذتها الفرقة الأمنية عدداً من مقرات الإقامة المرتبطة بالمشتبه بهم، وأسفرت، وفق المعطيات الواردة بمحاضر البحث الذي أفتتح بتاريخ 6 مارس 2026، عن حجز مبالغ مالية وأجهزة إلكترونية.

توزّعت عمليات التفتيش بين عدة مواقع، من بينها جناح فندقي بسيدي بوسعيد كانت تقيم فيه جواهر شنة رفقة وائل نوار، وقد تبين أن الجناح كان محجوزاً باسميهما بالشراكة مع مواطن أجنبي من جنسية إيطالية، والذي لم يكن متواجداً أثناء عملية التفتيش إلى جانب مداهمة مقرات سكنية تعود لكل من الناشطين وائل نوار وغسان الهنشيري، مع تفتيش محل إقامة الناشط غسان بوغديري. كما شملت العمليات مقراً لجمعية كائن بشارع المحطة بالعاصمة، (مقر الشبكة التونسية للتصدي لمنظومة التطبيع).

تفيد المحاضر بحجز مبلغ من العملة الأجنبية قدره 5730 أورو داخل الجناح الفندقي بسيدي بوسعيد. وعند الاستماع إلى جواهر شنة بخصوص هذا المبلغ، صرّحت بعدم علمها بمصدره، مرجّحة إمكانية ارتباطه بأحد المشاركين الأجانب في الأسطول. كما تم حجز مبلغ 3470 ديناراً تونسياً بمحفظتها.

تم العثور بحوزة غسان الهنشيري على أربع لفافات نقدية "ثلاث منها تحمل إشارة 2000 وواحدة تحمل إشارة 5000" كما ورد في محاضر البحث، دون تقديم توضيحات بشأن مصدرها، حيث اختار المعني عدم الإجابة.

شملت المحجوزات كذلك عدداً من الأجهزة الإلكترونية، من بينها هاتف جوال، حاسوب محمول ولوحة إلكترونية جميعها تعود إلى جواهر شنة، إضافة إلى هاتف تابع لنبيل الشنوفي، وهاتف تابع لمحمد أمين بن النور.

في مقابل الرواية الرسمية التي ركزت على الإخلالات القانونية والمالية، يقدّم فريق الدفاع قراءة مغايرة، يعتبر فيها أن ما جرى يندرج ضمن “مسار ممنهج” سبق الإيقافات ومهّد لها. ويؤكد المحامي والعضو في لجنة الدفاع غسان الغريبي أن “قبل الإيقاف والمتابعة، صارت حملة قامت بتشويه مناضلي الأسطول، وكان ختامها إيقافهم”، معتبراً أن القضية “لا يمكن فصلها عن سياقها السياسي”، خاصة وأن “الأسطول الأول تمّ في علم الدولة وتحت رقابتها، فالمشاركون قد خرجوا في العلن، ثم بعد سبعة أشهر يقع إيقافهم”.

يضيف الغريبي أنّه كان من الممكن استدعاء نشطاء “أسطول الصمود” من قبل السلطات للاستماع إليهم، مشيراً إلى أن الموقوفين “معلومو الهوية ويمكن استدعاؤهم بكل بساطة”، مضيفاً أن “الإيقاف لم يكن مبرّراً في غياب حالة تلبس، وكان من المفترض أن تتم الاستنطاقات في حالة سراح احتراماً لقرينة البراءة ومبدأ الحرية”. كما يلفت إلى أن “القضية الحالية هي أولى مراحل الاستنطاق، ولم تسبقها أبحاث معمقة”، معتبراً أن عنصر المفاجأة في الإيقافات يطرح أكثر من تساؤل.

المتهمون·ات

شملت الأبحاث الأمنية والقضائية في ملف أسطول الصمود عدداً من الأسماء البارزة ضمن الهيئة التسييرية للمبادرة، وجهت لهم حسب محامي الدفاع سامي بن غازي "ترسانة من التهم، تبدأ ولا تتّضح لها نهاية، تستند إلى طيف واسع من النصوص القانونية، من بينها تهمة تكوين وفاق بقصد غسل الأموال، وفق مقتضيات المجلة الجزائية والتشريعات الجبائية، إضافة إلى القوانين المتعلقة بمكافحة الإرهاب وغسل الأموال."

ومن بين هذه الأسماء، يبرز وائل نوار العضو الفاعل في الهيئة التسييرية والناطق الرسمي باسم الأسطول، والذي تولّى كذلك مهام التنسيق المالي واللوجستي والتفاوض حول السفن، وقد وُجّهت إليه تهم تتعلّق بالتحيّل، والخيانة الموصوفة، وغسل الأموال، إلى جانب شبهة تلقّي تمويلات أجنبية مشبوهة. كما تشمل القائمة جواهر شنة، المسؤولة عن التنسيق الميداني واللوجستي، والتنسيق مع السلطات بميناء قمرت، وعضواً محورياً في الفريق المالي، والتي وُجّهت إليها تهم التحيّل والخيانة الموصوفة وغسل الأموال.

ويُذكر أيضاً غسان الهنشيري، عضو الهيئة التسييرية المكلّف بمتابعة وتنسيق عمليات كراء السفن والتفاوض مع مالكيها، والذي يواجه بدوره تهم التحيّل والخيانة الموصوفة وغسل الأموال. ومن بين الأسماء كذلك محمد أمين بالنور، وهو طبيب مختص في جراحة العظام وعضو مؤسس في الهيئة التسييرية، ساهم في إطلاق حملة جمع التبرعات والتنسيق مع الهيئات الطبية، وتلاحقه تهم تتعلّق بشبهة تلقّي تمويلات أجنبية مشبوهة وغسل الأموال والتحيّل.

كما يرد اسم غسان بوغديري، عضو الهيئة التسييرية المكلّف بالإشراف على التظاهرات والأنشطة الثقافية والمرافقة الإعلامية، وقد وُجّهت إليه تهم التحيّل والخيانة الموصوفة وغسل الأموال. ويندرج ضمن القائمة كذلك نبيل الشنوفي، المكلّف بتنظيم المساعدات وتوجيه المشاركين وعضو في تنسيق العمل الخارجي، والذي يواجه التهم نفسها المتعلقة بالتحيّل والخيانة الموصوفة وغسل الأموال.

وتشمل القائمة أيضاً سناء مساهلي، المسؤولة عن التنسيق مع السلطات المعنية بميناء قمرت وعضواً في الفريق المالي وحملة التبرعات، والتي وُجّهت إليها تهم التحيّل والخيانة الموصوفة وغسل الأموال. وأخيراً، وفاء كشيدة، المسؤولة المحاسبية المكلّفة بجمع الفواتير وإعداد التقرير المالي للأسطول، والتي تواجه بدورها تهم التحيّل والخيانة الموصوفة وغسل الأموال، باعتبارها جزءاً من الوفاق المالي.

يتوقف المحامي غسان الغريبي عند مسألة التسريبات التي طالت المحاضر، معتبراً أنها “تندرج في إطار الثلب والتشويه”، حيث تم حسب تقديره "اقتطاع أجزاء من سياقها وترويجها لضرب مصداقية المنظمين”. ويضيف أن “غياب أي شاكٍ في الملف يعزز فرضية أن الهدف من التسريبات هو التأثير على الرأي العام أكثر من خدمة مسار العدالة”.

أما بخصوص وضعية المتهمين، فيؤكد المحامي أن مرور أكثر من شهر على الإيقاف لم يؤثر على معنوياتهم، قائلاً إنهم “في حالة معنوية مرتفعة، ويعتبرون أنفسهم بصدد فعل نضالي وإنساني، رغم كل التبعات”.

جمع تبرعات دون ترخيص قانوني واضح

تُظهر الوثائق ومحاضر الاستنطاق التي تمكنت إنكفاضة من الإطلاع عليها أن مسألة جمع التبرعات دون ترخيص قانوني واضح ومكتوب تُمثل إحدى الركائز الأساسية التي استندت إليها التحقيقات لتوجيه تهم تتعلق بالجرائم المالية.

وقد تعاملت الأبحاث مع هذه النقطة من خلال إقرارات المنظمين وتبريراتهم، اعترف المتهمون·ات (مثل وائل نوار، محمد أمين بالنور، وجواهر شنة) بشكل صريح أمام المحققين بأنهم لم يتحصلوا على أية وثيقة أو ترخيص رسمي مكتوب من الجهات الحكومية يخول لهم جمع تبرعات مالية من العموم.

دافع المنظمون، تحديداً الناشط محمد أمين بالنور بأن الفريق المالي للأسطول قام فعلياً بتقديم مطلب رسمي للحصول على ترخيص في جمع التبرعات الشعبية إلى رئاسة الحكومة بتاريخ 15 أوت 2025 . وأمام عدم تلقيهم لأي إجابة (سواء بالرفض أو القبول)، اعتبروا أن عدم إجابة مصالح رئاسة الحكومة يُعد "موافقة ضمنية" تتيح لهم الانطلاق في جمع الأموال.

صرّح بعض المستجوبين أنه تمت مراسلة كل السلطات التونسية (رئاسة الجمهورية، رئاسة الحكومة، وزارة الداخلية، وزارة الخارجية...) وأنهم تلقوا "موافقات شفاهية" من قبل هذه الجهات لتنظيم الأسطول، وهو ما اعتبروه كافياً في ظل غياب الموافقة المكتوبة.

كما برر المنظمون تجاوزهم للإجراءات القانونية البطيئة بـ حالة الطوارئ والوضع الحرج في قطاع غزة، مشيرين إلى أن هذا الظرف الاستثنائي هو ما اضطرهم للتسريع في عملية جمع التبرعات دون انتظار صدور التراخيص الرسمية.

أوضح المنظمون كذلك أنهم نسقوا مع منظمات وطنية كبرى وموثوقة (مثل عمادة الأطباء، هيئة المحامين، نقابة الصحفيين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان). وقد حاولوا من خلال هذا التنسيق فتح حساب جاري لدى هيئة المحامين وعمادة الأطباء لجمع التبرعات، إلا أن هذا المطلب قوبل بالرفض. يبدو أن كل هذه الإجراءات الرسمية أعتبرت من لجنة التنظيم ك"تسهيلات" ضمنية للمبادرة، إلا أنها وظفت كتهم وممارسات ضد الهيئة في التحقيق.

من منظور الضابطة العدلية وجهات التحقيق، يمكن اعتبار جمع مبالغ مالية هامة (تفوق 1.5 مليون دينار) خارج الأطر القانونية المرخصة، وبعيداً عن المسالك البنكية الخاضعة للرقابة، لا سيما مع اعتماد الدفع والتصرف النقدي، عنصراً يثير جملة من التساؤلات القانونية. وقد يُنظر إلى هذه المعطيات باعتبارها مؤشرات تستدعي مزيداً من التقصي والتحري، على خلفية شبهات محتملة تتعلق بـ"التحيل" و"الخيانة الموصوفة" و"غسل الأموال"، وذلك بصرف النظر عن التأويلات التي يقدمها المنظمون أو الأهداف المعلنة للحملة.

في المقابل، يرفض الدفاع توصيف عمليات جمع التبرعات كفعل غامض أو سري، إذ يشدد المحامي غسان الغريبي على أن “جمع الأموال تم في قلب العاصمة، على مرأى ومسمع الجميع، وفي حضور أجهزة الدولة”، مضيفاً أن “المشاركين تحركوا بشكل علني، حتى أن جوازات السفر تم ختمها في المرافق الرسمية بميناء سيدي بوسعيد”. ويرى أن الحديث عن غياب الترخيص القانوني يجب أن يُفهم في سياق مبادرة ذات طابع استثنائي، قائلاً: “شعب غزة يُباد، وفعل الإغاثة كان ضرورياً ونبيلاً، ويتجاوز أحياناً التعقيدات الإجرائية”.

فيما أكد سامي بن غازي في تصريح له مع موقع نواة: بأن "التجاوزات على المستوى الإداري والبيروقراطي، أو على مستوى التراتيب المعمول بها، جاءت في سياق السعي إلى إسناد الشعب الفلسطيني تحت الإبادة، بعلم السلطة السياسية، بل وبعلم عموم الشعب."

غموض يحيط بعمليات اقتناء السفن

بناءً على محاضر الأبحاث المرفقة، تركزت التحقيقات بشكل كبير على العقود المبرمة لكراء وشراء عدد من السفن والمراكب لصالح "أسطول الصمود"، حيث كشفت الوثائق عن تفاصيل مالية دقيقة.

سفينة "جليلة" (Jalila):

صرّح المالك الأصلي بأنه اتفق مبدئياً مع جواهر شنة، ممثلة عن الأسطول، على كراء المركب لمدة 60 يوماً مقابل 30 ألف دينار معلوم كراء و  148 ألف دينار كمعلوم ضمان، لتتحول العملية  لاحقا من كراء إلى بيع، حيث أتم رفقة شقيقه إجراءات البيع وتم تغيير اسم المالك واستخراج البطاقة الرمادية باسم الوسيط والمشتري الجديد بتاريخ 6 فيفري 2026 أي بعد أشهر من عودة المشاركين في الأسطول. كما اكد المالك الأصلي انه تم الاتفاق على الكراء ثم البيع الالي لمركب جليلة بطلب من جواهر لان اجراءات نقل ملكية السفينة طويلة والحال انها تريد التحوز بالسفينة في اقرب الاجال. وأظهرت المحاضر التي إطلعت عليها إنكفاضة أن جواهر شنة تسلمت 50 ألف دينار نقدا وهو ما أكده المشتري الجديد. بينما رفضت أي تحويل بنكي من أجل "ضبط الحساب مع الفريق المالي التابع للأسطول". 

سفينة "آسيا" (Asia):

تشير المعطيات المتوفرة إلى أنه تم الاتفاق مبدئياً على كراء المركب لمدة 90 يوماً، قبل أن يتجه مسار العملية نحو صيغة أقرب إلى “بيع نهائي”، وفق ما اعتبره المالك، بقيمة قُدّرت بـ170 ألف دينار، مع اشتراطه الحصول على كامل المبلغ نقداً. وفي المحصلة، بلغت القيمة الجملية التي تم دفعها 200 ألف دينار تونسي، تم تسليمها على ثلاث دفعات متتالية (50 ألف دينار، ثم 50 ألفاً، ثم 100 ألف دينار).

وتفيد العناصر الواردة في الملف بأن عملية الدفع تمت بالكامل نقداً، في إطار تعامل لم يشمل وسائل الدفع البنكية، وذلك بناءً على تمسّك المالك بهذا الشرط ورفضه إبرام عقد رسمي أو قبول تحويلات أو صكوك.

كما تُظهر المعطيات أن المبلغ المخصص لخلاص السفينة تم توفيره من قبل طرف جزائري يُدعى يوسف عجيسة، وهو رئيس وفد الأسطول الجزائري ونائب في البرلمان الجزائري. وبحسب ما ورد، تسلّم غسان بوغديري هذه الأموال نقداً منه، قبل أن يقوم بتسليمها إلى مالك السفينة بحضوره في الميناء الترفيهي بسيدي بوسعيد.

في المقابل، لا تتضمن محاضر البحث التي تم الاطلاع عليها أي إشارة إلى استدعاء يوسف عجيسة للاستنطاق بخصوص تفاصيل هذه العملية.

 سفينة "LE BONHEUR":

تفيد المعطيات المتوفرة بأنّ أحد أعضاء الأسطول تقدّم في مرحلة أولى بطلب لشراء السفينة، غير أنّ المالك رفض ذلك، ليتم لاحقاً الاتفاق مع عضو الهيئة التسييرية غسان الهنشيري على كراء المركب. وبحسب إفادة المالك، تم تحديد مبلغ الكراء في حدود 220 ألف دينار تونسي، وقد تسلّم هذا المبلغ نقداً من غسان الهنشيري، مع اعتماد التعامل النقدي دون اللجوء إلى تحويلات بنكية أو صكوك.

كما أشار المالك إلى أنّ الهنشيري طلب منه، في حال استفسار بقية أعضاء الأسطول، التصريح بأن قيمة الكراء تبلغ 350 ألف دينار. في المقابل، تم إبرام عقد الكراء بمبلغ قدره 180 ألف دينار فقط. وهو ما أعتبرته الضابطة العدلية لغاية "تحصيل فوائد مالية من عمليات كراء السفن" لحسابه الخاص.

من جانبه، أفاد غسان الهنشيري، خلال استنطاقه، أنّ الاتفاق تم على كراء السفينة لمدة ثلاثة أشهر (90 يوماً)، بمعدل 2000 دينار لليوم الواحد، أي بقيمة جملية تقدّر بـ180 ألف دينار. وأوضح أنه تسلّم هذا المبلغ نقداً من إحدى المشاركات في المبادرة، لتسليمه إلى مالك السفينة. 

فيما أنكر تصريحات مالك السفينة معتبرا ان: "لا أساس لها من الصحة وأن المبلغ المتفق عليه والذي تولى دفعه هو 180 ألف دينار كما هو مبين بالعقد المبرم بينه وبين مالك السفينة".

 سفينة "TOO":

أكد مالك هذه السفينة للمحققين أنه تبرع بالسفينة مجاناً لفائدة "أسطول الصمود" في شخص عضو الهيئة "وائل نوار"، ونفى أن يكون قد قام ببيعها أو كراءها.

حيث قام المالك بإمضاء "توكيل" لوائل نوار بتاريخ 29 أوت 2025، يتيح له التصرف في المركب واستغلاله مجاناً، على أن يتولى وائل نوار إصلاح وزيادة العديد من التجهيزات للسفينة بقيمة تقدر بحوالي 20 ألف دينار ليتسنى لها الإبحار مع بقية الأسطول.

وعند قيام المحققين بمجابهة مالك السفينة بوجود عقد بيع ممضى من طرفه ومن طرف وائل نوار بتاريخ 29 أوت 2025 ينص على بيع السفينة بمبلغ مالي قدره 4900 دينار. تفاجأ المالك بهذا العقد ونفى إبرام صفقة بيع. وصرح للمحققين بأنه "لا يحسن القراءة بتاتاً ويجهل فحوى العقد" الذي طُلب منه إمضائه. كما أكد أن وائل نوار لم يُعلمه أبداً بأن الوثيقة التي يُمضي عليها هي عقد بيع.

أوضح مالك السفينة أن مبلغ 4900 دينار الذي تسلمه نقداً من وائل نوار لم يكن ثمن بيع السفينة كما نُص في العقد، بل كان مخصصاً حصراً لـ خلاص ديون ومعاليم ميناء مارينا المنستير ليتسنى للسفينة الخروج والتنقل نحو ميناء قمرت.

كما  صرح مالك السفينة وانه بعد رجوع الاسطول الى الاراضي التونسية اتصلت به المسماة "نسرين" واخبرته ان الاسطول سيتولى اجراء تقرير مالي ويجب عليه التوجه معها الى مقر بلدية تونس العاصمة للامضاء على القيمة التي تولو بها اصلاح السفينة واخبرته وان قيمتها 30 ألف دينار. عند استنطاق "وائل نوار" ومجابهته بتصريحات المالك، أصر على أن العلاقة تقتصر على "توكيل للتصرف في المركب مجاناً لا غير". 

تُجمع الوثائق على أن السمة المشتركة في جميع هذه العقود هي غياب التحويلات البنكية (التي تضمن التتبع المالي)، حيث تم خلاص مئات الآلاف من الدنانير (من أموال التبرعات) في شكل "حقائب نقدية"، مما شكل الأساس الذي استندت إليه الفرقة المركزية للبحث في الجرائم المالية المتشعبة لتوجيه شبهات تتعلق بقانون مكافحة غسل الأموال.

يجدر بالتذكير أن هيئة الأسطول لم تتحصل على أي موافقة بفتح حساب بنكي لتأطير عملية جمع التبرعات.

في ما يتعلق بملف السفن، يختار الدفاع عدم الخوض في التفاصيل، مكتفياً بالتأكيد على أن المسألة “لا يمكن اختزالها في قراءة تقنية معزولة عن السياق العام للقضية”. خاصة "بعد أن سمحت السلطات بتجاوز بعض الشكليات الإدارية"، ليجد "المعنيون أنفسهم اليوم محل تتبّع على خلفية أفعال كانت تتم على مرأى ومسمع من الجميع." حسب سامي بن غازي.

التقرير المالي

يُعتبر التقرير المالي لأسطول الصمود من بين المعطيات الرقمية والمادية التي استندت إليها الأبحاث في تتبّع مسار التصرف في الأموال قصد رصد عدد من الإخلالات المحتملة. وقد أفضت المعاينات الفنية للهواتف المحجوزة إلى العثور على ملف محاسبي بصيغة Excel، تبيّن من خلال الأبحاث أنه أُعدّ من قبل وفاء كشيدة، المكلّفة بتجميع الفواتير والمتابعة المحاسبية، ليُتداول كنسخة أولية أو "مسودة" للتقرير المالي داخل المجموعة المعنية.

وبفحص محتوى هذا الملف، لاحظ المحققون تضمّنه لخانة مخصّصة لما وُصف بالمصاريف "غير المثبتة"، أي تلك التي لم تُرفق بوثائق إثبات من قبيل الفواتير أو الوصولات. ووفق الأرقام المدرجة، بلغت قيمة هذه المبالغ 278.319 دينارًا، إلى جانب مصاريف مرتبطة بالسفن غير موثّقة في حدود 120.000 دينار، وهو مبلغ يتقاطع مع معطيات أخرى تم تداولها بخصوص البحث عن تبريرات لبعض النفقات. كما أشار الملف إلى تقدير بقية المصاريف غير المثبتة بحوالي 150 ألف دينار. ليبلغ بذلك مجموع هذه النفقات نحو 548.319 ديناراً.

وتُظهر المعطيات المتقاطعة مع محتوى المحادثات الرقمية أن تداول هذه المسودة داخل مجموعة مخصّصة للشأن المالي تزامن مع نقاشات حول سبل معالجة هذه الفوارق، من بينها إمكانية الاستظهار بوثائق لاحقة أو "فواتير بصيغة رجعية"، بهدف استكمال المعطيات المحاسبية قبل إعداد النسخة النهائية من التقرير.

في المقابل، وعند الاستماع إلى عدد من المعنيين بمحتوى هذا التقرير، برزت مواقف متباينة. إذ أفادت جواهر شنة بتلقيها للملف من وفاء كشيدة، دون أن تطّلع على تفاصيله، وفق تصريحها. كما نفى نبيل الشنوفي علمه بالمبالغ غير المثبتة الواردة ضمن التقرير، مبرّرًا ذلك بتواجده خارج البلاد، وتحديدًا في إيطاليا، خلال فترة جمع التبرعات.

وعمومًا، يقدّم هذا التقرير، في صيغته الأولية، مؤشرات رقمية حول كيفية تسجيل بعض المصاريف، ويعكس في الآن ذاته وجود معطيات محلّ نقاش وتدقيق في ما يتعلّق بمدى توثيقها واستكمال عناصرها المحاسبية.

في ما يتصل بالتقرير المالي وشبهات الاختلاس، يؤكد الدفاع أنه “لا يوجد إلى حد الآن ما يثبت سوء التصرف أو الاستيلاء على الأموال”، مضيفاً أن “أول من أعلن عن الأموال وكيفية التصرف فيها هم منظمو الأسطول أنفسهم”. ويشدد على أن “القصد الإجرامي غائب، فمن يذهب لإنقاذ شعب تحت الحصار لا يمكن أن يكون مدفوعاً بعقلية الإثراء أو التحيل”، معتبراً أن “النية كانت إنسانية بالأساس، ولا يمكن تحميلها تأويلاً جنائياً دون أدلة قاطعة”.

في الختام، يتضمن الملف جملة من المعطيات التي استند إليها التحقيق لتبرير الملاحقة القضائية، من بينها: حجم الأموال المجمّعة، طبيعة التعاملات النقدية، وغياب منظومة محاسبية واضحة. وتبقى التهم الأثقل، على غرار الإثراء غير المشروع وتبييض الأموال، رهينة ما ستسفر عنه التدقيقات المالية والتقنية، وفي مقدمتها ردود المؤسسات البنكية على المراسلات القضائية، التي لم تصل بعد عند إصدار مذكرات الإيداع.

كما لا يمكن فصل هذا المسار القضائي عن سياقه العام، إذ جاء تحريك الملف في أعقاب أحداث سيدي بوسعيد، حيث تم منع أعضاء الأسطول من الولوج إلى الميناء، وفي ظل دعوات متجددة لتنظيم أسطول جديد. ويُلاحظ في هذا السياق غياب مؤشرات واضحة على وجود تتبعات أو أبحاث معمقة سابقة لهذه الأحداث، ما يطرح تساؤلات حول توقيت انطلاق الإجراءات. وهو ما يضفي على القضية بعداً يتجاوز الإطار المالي والقانوني الصرف، ليلامس أيضاً اعتبارات سياسية.

Inkyfada Landing Image

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول