الفصل 2 :

في أصل الكارثة

منذ هجوم الغريبة سنة 2002 والذي تلاه اعتداء سليمان في 2007، انهارت صورة تونس التي كان يُروّج لها كدولة في منأى عن ظاهرة التّطرف. وفي سنة 2011، ساهم العفو العام الذي شمل جميع السجناء والسّجينات السياسيين·ـات، ومنهم مهاجمو سليمان، في هشاشة الوضع الأمني. ومن شأن قراءة في أساليب التعاطي مع  القضايا المرتبطة بالإرهاب في تونس على مدى العقدين الماضيين، والذي تراوح بين التراخي السياسي والتشديد الأمني، أن يساعدنا على الإلمام بالإشكاليات الرّاهنة.

بقلم
| 25 أوت 2020 | 15 دقيقة | متوفر باللغة الفرنسية
9 سبتمبر 2001، عالم ما قبل... في ذلك اليوم، أعلنت وسائل الإعلام الدولية عن  مقتل أحمد شاه مسعود المكنّى بالقائد مسعود، أبرز وجوه المقاومة الأفغانية ضدّ الاتّحاد السوفياتي. إذ نجح انتحاريّان زعما أنهما صحفيان بلجيكيان في ما أخفق فيه الاتحاد السوفياتي: اغتيال "أسد بانشير".

لم يشهد ذلك اليوم رحيل رجل أو زعيم حرب فحسب، بل أيقونة المقاومة الأفغانية. مع اغتيال أمير الحرب المقاتل في الصّفوف الأمامية ضدّ طالبان، فاحت رائحة بارود الحرب منذرة بحدث غير معهود... لكن ما هو؟ إلّا أنّ الإجابة لم تتأخّر وسرعان ما اكتشف العالم ذلك ... فبعد يومين، تحطّمت طائرتان على أبراج مركز التجارة العالمي. وبدأ عالم ما بعد.... ثمّ تمّ في نفس الوقت الكشف عن هويّة منفذي اغتيال القائد مسعود. و الجنسيّة : تونسيّة.

التخطيط لعملية الاغتيال كان قد بدأ منذ سنة تقريبا على أيدي خليّة يقودها جهادي تونسي هو أيضا يقال أنّه أحد المقرّبين من أبي مصعب الزرقاوي ويدعى سيف الله بن حسين المكنّى بأبي عياض، أحد أبرز مساعدي بن لادن. خاض الجهادي تجاربه النضالية الأولى في الثمانينات داخل حركة الاتجاه الإسلامي، سلف حركة النهضة، قبل أن يلتحق بصفوف ما سيصبح فيما بعد تنظيم القاعدة. 

مسيرة أبي عياض توقّفت حين اعتقلته الأجهزة الأمريكية على إثر اغتيال القائد مسعود و سلّمته إلى تونس حيث صدر ضدّه حكم  بالسجن لمدّة 43 عامًا. في ذلك الوقت، لم يكن أحد تقريبا، ولا حتى هو نفسه، يراهن على  الإفراج عنه يوما ما.

الغريـبة و سليـمـان، المُنعرج

في بداية الألفينيّة الثّانية، كانت تونس تبدو، للوهلة الأولى، في منأى عن ظاهرة التّطرف العنيف للجماعات المتبنّية للفكر الجهادي والتي شهدت انتعاشة خلال التسعينات بالتزامن مع التجربة الجزائرية الدّامية والجهاد في البوسنة والغزو الأمريكي للعراق. في ذلك الوقت، لم تنغمس  حركة النهضة، أو حركة الاتجاه الإسلامي سابقا، في دوّامة العنف كما لم يعد لقادتها المنفيين·ـات أو المعتقلين·ـات آنذاك وزن سياسي.

كلّ ذلك ظاهريّا. أمّا في الباطن فلا يخفى أنّ المنظومة السياسية، مثلها مثل الطبيعة،  تمقت الفراغ. وكما أفضى لي علي السرياطي*، أبرز الوجوه الأمنية التابعة لبن علي، لم تعد النهضة هي التي تشغل السّلطات التونسية في أوائل العقد الماضي. " لم نتفطّن لهذه الظاهرة التي بدأت تبرز بوادرها في تونس منذ سنة 1998. لقد بدأت القنوات الفضائية التي رخّصنا لها بالبث  تترك بصماتها. ولم ندرك ذلك إلا لاحقًا ... ".

في مناخ يغلب عليه تقييد لحرّية الإعلام وانعدام فضاء للاحتجاج السّياسي على الصّعيد المحلي، نجحت هذه القنوات المتعددة والتي تبثّ من شبه الجزيرة العربية في الاستحواذ على اهتمام شريحة كبيرة من المجتمع إلى حدّ إثارة قلق السلطات. لكن من الصعب العودة بالزمن إلى الوراء... حسب علي السرياطي فإن هذه القنوات الفضائية هي التي تقف وراء نشر الفكر الوهابي الذي بدأ ينخر الإسلام التونسي مضيفا أنه لم يتمّ إدراك ذلك إلا في سنة 2002 والتي وافقت هجوم الغريبة.

حادثة سنة 2002 والتي تعد أعنف هجوم على التراب التونسي على الإطلاق خلّفت وراءها صدمة عميقة. ومع ذلك، فإن هجوم الغريبة لم يعقبه تصعيد فوري للعنف، حيث لم يقع تدبير هجوم آخر يعادله فظاعة إلا في عام 2007 من قبل ما يعرف بخليّة سليمان*.

هذان الهجومان اللّذان تفصل بينهما خمس سنوات ليسا إلا غيضًا من فيض. وكما كشفت البرقيّات الدبلوماسية التي نشرتها ويكيليكس، فإن التطرّف الزاحف لجزء من الشباب التونسي كان يشغل السلطات الأمريكية منذ سنتي 2005 و 2006.  

بمناسبة زيارة غير معلنة  للسفارة الأمريكية في تونس، بيّن المحامي والمعارض سمير بن عمر لمحاوريه دواعي الديناميكية الجهادية الناشئة، والتي يفسّرها على أنها إحدى إفرازات طبيعة نظام بن علي. و ورد في نصّ البرقية الدبلوماسية الأمريكية: " صرّح بن عمر بأنه شهد تغيرًا في مواقف عملائه ودوافعهم خلال السّنوات الأخيرة، فبينما كان التطوع للقتال في العراق أو فلسطين أو أفغانستان هو الطاغي في سنتي 2002 و 2003، لاحظنا على مدى السنتين الفارطتين إقبالا شديدا على الالتحاق بالجهاد في تونس. ويعزي بن عمر هذا التطوّر إلى عدّة عوامل متمثلة أساسا في الشعور بالتهميش السائد لدى الشباب التونسي وافتقادهم لسند يشتكون إليه، إلى جانب الشعور بالظلم. وأضاف أن التضييقات الدينية التي تمارسها الأجهزة الأمنية شكّلت من وجهة نظره دافعًا قويا للعديد من عملائه. وصرّح كذلك بأنهم يعترضون خاصة على الحملة التي تشنّها الحكومة التونسية ضد ارتداء النساء للحجاب الإسلامي." ويكشف هذا التقرير المنشور سنة 2006 عن مدى مساهمة الضّغط الأمنيّ السائد في ذلك الوقت في زرع التّطرّف.

" كانت شبكات التّسفير أكثر نشاطًا قبل الثورة منها بعد ذلك. ففي العشرية السابقة، توجّه الآلاف من الشباب إلى العراق". 

سمير بن عمر، محام ومعارض سابق لنظام بن علي، انتخب بعد الثورة عضوا بالمجلس الوطني التأسيسي في 2011 على قوائم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية.  

الخطيئة الأولــى

بعد خمس سنوات، أدّى انهيار نظام بن علي وبداية الانتقال الديمقراطي في تونس إلى قلب الموازين وفرض ما يعتبر اليوم أهمّ مكسب من مكاسب الثورة أي التعددية وحريّة التعبير. ومع ذلك، فلن نعدل إذا ما حمّلنا الثورة التونسية ونسائم الحريّة السياسية المسؤولية الكاملة في دوّامة العنف التي ستلي ذلك.

ويمكننا تحديد تاريخ اندلاع الكارثة بشكل دقيق. ففي 19 فيفري 2011، تمّ نشر المرسوم عدد 1 لسنة 2011، المُوقّع من قبل رئيس الجمهورية فؤاد المبزع باقتراح من وزير العدل الأزهر قروي الشّابي، في الرائد الرسمي للجمهوريّة التّونسيّة. وهو مرسوم مثير للدهشة حيث أنه يتضمّن، شهرا بعد سقوط نظام بن علي، قرارا بالإفراج عن جميع السجناء و السجينات السّياسيين·ـات.

تمّ الإفراج عن 1200 سلفيّا من بينهم 300 مقاتل سابق، بما في ذلك خليّة سليمان. ومنهم… أبو عياض.

في وقت لاحق، برّر محمد الغنوشي، رئيس الحكومة حينذاك، هذا القرار بالضّغط السياسي الذي يمارسه الشارع. هل كان ذلك زلّة أم خطأً في التقدير في خضمّ البلبلة السائدة؟ حيث لم يطالب لا "الشارع" ولا أحزاب المعارضة رسمياً بالإفراج عن عناصر عنيفة ومتورطة في إراقة الدماء والإرهاب.

هل كان ذلك بطلب من حركة النهضة وحدها بهدف استمالة قواعدها الأكثر تطرفا؟ ذلك جائز. إذ يظهر مقطع فيديو تمّ تسريبه مؤخرًا ، والذي يرجع تاريخه غالبا إلى سنة 2011، راشد الغنوشي في حوار يبيّن فيه أن حركة النهضة هي التي أصرّت على إطلاق سراح ما يعرف بخليّة سليمان وجميع السجناء والسجينات بما فيهم·ـنّ المدانون·ـات بالإرهاب.

غير أننا نشكّك في مدى قدرة راشد الغنوشي على التأثير في ذلك الوقت. حيث كانت حركته تشهد إعادة هيكلة شاملة وتخبّطا في التفاوض لصالحها... وبعيدًا عن فرضية الضغط الممارس من قبل حزب النهضة، ما زال بعض المحامين·ـات يتساءلون و يتساءلن حول المرسوم المذكور وطرق تطبيقه. هل يمكن أن يكون أيضًا نتيجة تلاعب أمني يصعب البوح به في أعلى هرم السلطة؟ وذلك بالتزامن مع حملة التطهير الشاملة التي شهدتها وزارة الداخلية، إحدى ركائز الدّكتاتورية، على يد وزير جديد عاقد العزم على مواجهة المَكَنة الأمنية.* تلك هي وجهة نظر سمير بن عمر.

" إنّ إطلاق سراح جميع المتّهمين بالإرهاب، بمن فيهم العناصر الخطرة (...) ، لم يكن قرارا بريئاً".

سمير بن عمر، محام ومعارض سابق لنظام بن علي، انتخب بعد الثورة عضوا بالمجلس الوطني التأسيسي في 2011 على قوائم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية.  

فرضية يصعب إثباتها. و لكنّ هذه الممارسة بعيدة كل البعد عن أن تكون غير مسبوقة. فكما أخبرني رئيس الحكومة الجزائري الأسبق سيد أحمد غزالي والذي حظر الجبهة الإسلامية للإنقاذ في عام 1991، فإن الأحداث الأمنية التونسية التي جدّت خلال سنتي 2011 و 2012 تذكّره بتعمّد الجيش الجزائري  التغاضي عن المظاهرات الإسلامويّة في الشوارع و التي أدّت إلى الانفلات، في أواخر الثمانينات، بدلاً من احتواء الحراك في إطار المؤسسات السياسية. وقد سمحت هذه المناورة للجيش باستعادة تموقعه المحوري في المشهد السياسي كحصن ضدّ العنف، وبالهيمنة على الاقتصاد الجزائري المتأزّم حينها.

نحن إذا أمام احتمالين : هل كان ذلك بدافع رغبة النهضة في منح ضمانات لقواعدها الأصولية أم تهاونا أمنيا متعمّدا؟ أحدهما لا يقصي الآخر. كلا الاحتمالين جائز و سيتّضح لنا كيف أفضى هذا القرار إلى تكاثر القضايا المتعلقة بالإرهاب والتي ستثقل كاهل المحاكم في السنوات القليلة اللاحقة.

صعود قويّ لأنصار الشّريعة

بغضّ النظر عن دوافعها وزلّاتها، فإن هذه الخطيئة الأولى ولّدت في أعقابها ترديا ملحوظًا للوضع الأمني -والذي أصبح في ظلّ سياق إقليمي ملائم- قنبلة موقوتة منذ مارس 2011. ذلك ما يفسر التوسّع المفاجئ الذي شهدته الحركات التكفيرية التونسية في ما يقلّ عن سنة. إذ سرعان ما بادر أبو عياض ببعث حركة جديدة على السّاحة السّياسية التونسية وهي كتيبة أنصار الشريعة التي ما فتئت تزدهر وتمكّنت من استقطاب عدد كبير من الشباب و الشّابات التونسيين·ـات في وقت وجيز.

ومنذ البداية، كان النقاش حاميا داخل الحركة حول الاستراتيجية التي ينبغي اتباعها. وخلال اجتماع حضره كلّ أتباع الحركة في سكرة، سنة 2011، دعا أبو عياض إلى تموقع تدريجي للحركة مع تبني موقف سلمي. وكان آنذاك في تفاوض مع النهضة التي كانت تعتقد أنها قادرة على السيطرة عليه. لذا، اكتفت حركة أنصار الشريعة، في مرحلة أولى، بممارسة الأنشطة الدعوية والتي كانت مصحوبة بحملات لمساعدة المحتاجين·ـات في المناطق الهشّة اقتصاديًا. ولم تكن تونس تُعتبر بعدُ أرض جهاد.

غير أنه سرعان ما بدأت الحركة تستعد سرًا للمرور إلى مراحل أخرى،  غير مشروعة  هذه المرّة، استعدادا للانتقال من مرحلة الدعوة* إلى مرحلة الجهاد على التراب التونسي، وذلك مع إفلات نسبي من العقاب. وإلى غاية سنة 2013، أصبحت حركة أنصار الشريعة المروّج و المدرّب و المنظّم الرئيسي لشبكات الجهاديين·ـات من الشباب التونسي في بؤر التوتر، خاصّة منها ليبيا و المنطقة السّورية العراقيّة.

في سنتي 2012 و 2013، اتُّهمت الترويكا بشكل عام و حركة النهضة بشكل خاص واللّتان كانتا في الحكم آنذاك بالتغاضي عن تسفير الشباب المناصر للفكر الجهادي إلى بؤر التوتر وحتى بتشجيعه. هذا وإن لم يثبت تورّط  النهضة كجهاز سياسي في ذلك، فإنّ تصريحات بعض أتباعها وقرائن تعاون مناشديها مع شبكات التسفير على المستوى المحلي تشير إلى مدى تسامح الحركة مع مناضلي أنصار الشريعة.

يمكن تفسير ذلك بالظرف الراهن آنذاك حيث أن تنظيم داعش لم يكن قائما بعد. كما كانت شبكات المقاتلين·ـات ذات التوجه التكفيري في سوريا مبنيّة على جماعات صغيرة، ما عدا جبهة النصرة التي بدأ تأثيرها يتجلّى في جيوب التمرّد. لمَ إذن إيقاف شباب متطرف، غير مرغوب فيه في بلده الأصليّ، وعازم على الإطاحة بنظام بشار الأسد؟ ذلك لأن هذا الأخير يعدّ خصما استراتيجيا يُتوقع سقوطه قريبا. 

حتّى و إن بدت صياغة هذا السّؤال على هذه الشاكلة ساخرة، فإنه في سنتي 2011 و 2012، أصبح هذا التوجّه السياسة المتبعة في الدول المصدّرة للجهاديين : تونس والسعودية والبلدان الأوروبية. وفي بلجيكا، وصل النقاش بين بعض المسؤولين·ـات السياسيين·ـات إلى درجة التّشكيك في صفة المقاتلين·ـات الذين و اللّواتي تمّ اعتبارهم·ـنّ في البداية مجرد كتائب دولية.

لم يكن التراخي، أو بالأحرى التساهل الذي أبدته تونس في ذلك الوقت موقفا منفردا. غير أن السلطات السياسية التونسية غيرت تعاطيها مع هذا الوضع، على غرار البلدان الأخرى، بين منتصف 2013 وبداية سنة 2014 حين أدركت مدى خطورة  المقاتلين·ـات الأجانب.

" تمّ بعد سنة 2014، اتّخاذ بعض الإجراءات للحدّ من هذه الظاهرة".

القاضي "س" أحدالقضاة المكلّفين بملفات مكافحة الإرهاب، عيّن في قطب مكافحة الإرهاب في تونس. طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية.   

عدّة عوامل تختصّ بها تونس قد تمكّننا من تفسير الازدهار الملحوظ لحركة أنصار الشريعة و استقوائها. ويقدّم بشير العكرمي وكيل الجمهورية المكلف بالقضايا الإرهابية آنذاك ثلاثة عوامل رئيسية تتمحور حول : زعزعة استقرار الجهاز المخابراتي الداخلي وتعطّله، إلى جانب مراجعة طرق مراقبة الحدود عقب الثورة، وأخيرًا  تفكّك السلطة المركزية في ليبيا المجاورة وهو ما هزّ استقرار "مطمورة الأسلحة" في إفريقيا، ممّا سهّل إدخال هذه الأسلحة إلى تونس.

وأضاف " هناك أيضا عودة العديد من العناصر الإرهابية من الخارج وخاصة من أوروبا ومن بينهم أبو بكر الحكيم وهو من أبرز القادة الإرهابيين". 

بشيرالعكرمي، قاضي تحقيق مكلف بمكافحة الإرهاب، عيّن وكيلا للجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس في 2016.  

ضف إلى ذلك عاملاً أخيرًا يتمثل في افتقار القضاة إلى المهارات الجديدة المطلوبة في مجال مكافحة الإرهاب آنذاك. وشُحّ الموارد الذي يحول دون القدرة على تحديد هويّة مدبّري·ـات الهجمات أو إجراء تحقيقات معمقة متعلقة بشبكات التسفير.

" لم تكن الأجهزة الأمنية الجديدة و الأجهزة القضائية، على حدّ السواء، مهيّأة لذلك. وفي تلك الأثناء، كان الإرهاب يتفشّى". 

بشيرالعكرمي، قاضي تحقيق مكلف بمكافحة الإرهاب، عيّن وكيلا للجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس في 2016.  

في منتصف سنة 2011، تميّز المشهد بتنافس عدّة جماعات متبنّية للفكر التكفيري و منهما فرعان رئيسيان للجهاديّة في تونس. إذ نجد من جهة، جماعة أنصار الشريعة، التي تضمّ أعضاء سابقين·ـات منتمين·ـات إلى خلية سليمان وسجناء و سجينات سابقين·ـات متبنين·ـات لقضية زعيمهم·ـنّ أبي عياض. وتعزّزت الحركة بجناح مسلّح سري و فعّال تمّ تركيزه في الخفاء بمبادرة من السجين السابق ذي الماضي الغامض أحمد الرّويسي والفرنسي من أصول تونسية أبي بكر الحكيم. هذا الأخير الذي أُطلق سراحه من السجون الفرنسية حديثا والذي دبّر من موقعه في الرقة لهجمات باريس وبروكسل بعد بضعة سنوات.

وفي الجهة المقابلة، نجد نواةً تشكّلت في منطقة داخلية تقع على بعد 30 كيلومترا غرب مدينة سيدي بوزيد حول  الشيخ الكفيف الخطيب الإدريسي الذي لا يؤمن من جانبه بفائدة إنشاء حركة منظمة. إذ رفض هذا الأخير التحالف مع أبي عياض و إن أبدى استعدادا  لدعمه. وكان أتباعه من الأوائل الذين أدخلوا·ـن الأسلحة إلى تونس دون وجود برهان يثبت أن الإدريسي نفسه قد أمر بهذه المبادرات شخصيًا.

لنتوقف هنا لبضعة لحظات عند مسيرة وشخصية أبرز وجهيْن للجناح المسلح لأنصار الشريعة بدءا بأبي بكر الحكيم الذي أطلق سراحه من السّجون الفرنسية بتاريخ 5 جانفي 2011  بانقضاء مدة عقوبته.

نشأ هذا الجهادي المحنّك في وسط عائلي أصولي قبل أن يبرز سنة 2003 مع تأسيس ما يسمّى بشبكة منطقة بوت شومون* الفرنسية، وعمل بشكل خاصّ لصالح أبي مصعب الزرقاوي. هذا وأثبتت هذه الشبكة فعّاليتها في استقطاب الجهاديين·ـات في فرنسا و تسفيرهم·ـنّ إلى العراق لمحاربة الجيش الأمريكي . وغادر أبوبكر الحكيم الذي استفحل تطرّفه إلى العراق حيث حظي بالاعتراف بكفاءته الجهاديّة. غير أن العدالة الفرنسيّة اعتقلته لدى عودته. ثمّ قرّر العودة إلى تونس بعد انقضاء مدة سجنه عارضا خدماته على أبي عياض فور وصوله.

أمّا بالنّسبة لأحمد الرّويسي فقد تبدو شخصيّته أكثر غموضاً حيث أنّه كان من المقربين·ـات من دائرة بن علي قبل أن تسوء علاقته بها ويتمّ سجنه. وفي سنة2011، سخّر قدراته وشبكات معارفه لخدمة أنصار الشريعة، دون أن يعرف لصالح من يعمل بالضبط لتعدّد المتعاملين·ـات معه. هل تمّت دمغجته في السجن من قبل أبي عياض أو أتباعه أم أنه سخّر لخدمتهم شبكات ستعود عليه بالنفع؟ هل كان يقوم بذلك عن اقتناع أو لأغراض ماديّة؟ يصعب الحسم حتّى اليوم ... مهما كانت الدوافع، فقد أصبح المنظّم الرئيسي لشبكات تسفير الجهاديين·ـات التونسيين·ـات إلى ليبيا و المشرف على تدريبهم·ـنّ هناك، تحديدا في مخيّم صبراتة.

في سنة 2012، اجتمع هذان الفرعان، من جهة أتباع الخطيب الإدريسي ومن جهة أخرى فرع الحكيم/الرويسي في منزل صغير يقع على بعد بضعة كيلومترات من  مدينة بن قردان الحدوديّة مع ليبيا و الذي سيصبح كذلك مخبأً للأسلحة إلى غاية سنة 2016.

قرّر هذان الفرعان خلال الاجتماع أن تصبح تونس بالنسبة لهما من هنا فصاعدا أرض جهاد. وهناك خطّط المتآمرون للعمليات التي من شأنها زعزعة استقرار الديمقراطية الهشّة بين سنتي 2013 و 2016.

لم يكن اختيار مدينة بن قردان أمرا اعتباطيا حيث أنها تقع على بعد بضعة كيلومترات من الحدود الليبية، بعيدًا عن الطّريق الرّئيسية حيث توجد مسارات رمليّة صغيرة تسمح بجميع أنواع التهريب. وقد بادر أكثر من 150 مقاتلاً جهاديًا وافدين من ليبيا بالهجوم على المدينة في مارس 2016. وخلافا لتوقعات الجهاديين، اتّحد السّكان لدحر الهجوم مادّين·ـات يد المساعدة لقوّات الأمن التونسية. 

يقول مصطفى عبد الكبير مازحا " لو كان بن علي لا يزال موجودا، لانحاز المواطنون إلى الجهاديين" . عبد الكبير، المستقر في بن قردان، هو رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان الواقع في مدنين. وقد كان شاهدا على هذا النشاط في مطلع 2012.

"كان هناك منزل معزول يقع على بعد بضعة كيلومترات من المدينة. اجتمعوا فيه ليقرّروا ما إذا كانت تونس أرض جهاد أم أرض دعوة. ومن هنا، انطلقت العمليّة". 

مصطفى عبد الكبير، ناشط حقوقي من بن قردان، رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان (OTDH) ،ومقرّه مدنين.

من التــّراخي إلى القـمع

غير أنه إثر الاجتماع المنعقد سنة 2012، استغرق الأمر بضعة أشهر (طويلة) حتى تتفاعل السلطات السياسية وتقرّر وضع حدّ لهذه الأنشطة السرية مع بروز أنشطة أخرى، حيث أن الهجوم  على السفارة الأمريكية* في 12 سبتمبر 2012 شكّل منعرجا في علاقة السّلطة التّنفيذية بالشرائح المتطرفة للإسلام السّياسي التونسي.

وبادرت الإدارة الأمريكية من جهتها بالضغط على راشد الغنوشي الذي اضطرّ إلى تقديم ضمانات بعد اتهامه بالرضا عن هذه  الأحداث و التي تورط فيها بشكل خاصّ نور الدين الخادمي، وزير الشؤون الدينية الأسبق المنتمي إلى حركة النهضة. 

القمع يحلّ محلّ التّساهل. مع اغتيال شكري بلعيد بعد مرور ستة أشهر، والذي تبناه أبو بكر الحكيم في مقطع فيديو و في "دابق" الصّحيفة الدعائية لتنظيم الدولة الإسلامية، بتواطئ مع أحمد الرويسي –وإن كان المدبّرون الحقيقيّون لا يزالون مجهولين إلى حدّ الآن- بلغ التوتر ذروته بين الترويكا وأنصار الشريعة وتواصل حتى اغتيال محمد براهمي.

أمر علي العريض، وزير الداخلية ثم رئيس الحكومة آنذاك، بحظر الحركة واعتقال أعضائها في نهاية أوت 2013. وقد أدّى هذا القرار السياسي الذي جاء متأخرا إلى دخول العديد من أعضاء و عضوات الحركة في دوامة أعمال عنف سرّية في تونس  و/ أو الفرار إلى بؤر التوتر الليبية (خاصة مخيم صبراتة) والسورية مرورا عبر الجزائر أو تركيا. في ذلك الوقت، بدأ القضاء التونسي في تطبيق الإجراءات الحدودية حيث تمّ حظر ما يقرب من 12000 شخصا  من مغادرة الأراضي التونسية*، مما سمح بكبح ظاهرة التّسفير. غير أن ذلك جاء متأخرا، و بعد فوات الأوان.

وأدخل فلول حركة أبي عياض -سواء  الذين و اللّواتي دخلوا أو دخلن التراب التونسي بطريقة غير مشروعة أو المستقرون·ـات في الخارج- البلاد في دوامة عنف غير مسبوقة. وقد تمّ التحضير لمعظم الهجمات انطلاقا من مخيّم صبراتة الليبي لا سيّما بقيادة أحمد الرويسي. و تمّ قصف المخيم بضربات أمريكية في بداية سنة 2016. و قد كان هجوم الجهاديين على بن قردان في مارس 2016 بمثابة ردّ فعل انتقامي على قصف صبراتة.

" سجّلت العمليات الإرهابيّة تراجعا، منذ سنة 2016، مع إحباط العديد منها".

بشيرالعكرمي، قاضي تحقيق مكلف بمكافحة الإرهاب، عيّن وكيلا للجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس في 2016.  

في أواخر سنة 2016، تراجعت حدّة  العنف الجهادي بشكل ملحوظ و إن استمرّ في العودة إلى السّطح بين الفينة والأخرى. كما كانت سنة 2016 سنة مفصليّة في مجال الرقابة على إمدادات الجماعات الإرهابية، حيث أنّه تمّ تشديد الرّقابة على تهريب الأسلحة و هو ما مكّن من التخفيف من درجة العنف، كما لم تعد هذه المجموعات تتحصّل على موادّ أخرى على غرار شرائح الهاتف...  ولا على الخدمات اللّوجستية في الجبال. ولا تزال هذه السّيطرة -التي يَسّرتها المفاوضات المباشرة مع المهربين·ـات على الحدود- تؤتي أكلها اليوم حيث لا يوجد حاليًا سوى 40 إلى 50 جهاديًا نشطًا على التراب التونسي وهم متحصنون في الجبال ومستضعفون إلى درجة عدم القدرة على ارتكاب عمليات واسعة النطاق.

في الأثناء، تمّ الإعلان في العديد من المرات عن مقتل أبي عياض، المتحصّن بالفرارفي ليبيا، في جوان 2015، ثمّ في فيفري 2019. ويرجّح أن يكون قد هلك في مالي في مارس 2020 كما أعلن عن ذلك رسميا تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. ومن جانبه، لقي أحمد الرويسي حتفه في جبهة القتال في سرت في مارس 2015. كما تمّ القضاء على أبي بكر الحكيم بمباركة فرنسيّة في غارة أمريكيّة استهدفته في نوفمبر 2016. و واصل الخطيب الإدريسي نشاطه الدّعوي قرب مدينة سيدي بوزيد، دون أن تثبت صلة شخصيّة غير مشروعة بينه وبين الجماعات المسلحة.

ولنا أن نراهن على أنّ تصاعد التوتّر في الصّراع اللّيبي سيفضي إلى اهتزاز استقرار الأراضي التونسية مجددا في المستقبل القريب... ولكن مع اختلاف شاسع، حيث أن تجربة العشريّة الماضية كان من شأنها تعزيز قدرة المؤسسات المكلفة بمحاربة الإرهاب بشكل ملحوظ على الصّعيد الأمني والقضائي على حدّ السّواء.