#أنا_زادة: التحرش الجنسي في العمل، شهادات نساء

أربع نساء من قطاعات وأعمار وأوساط اجتماعية مختلفة، يتقاسمن، جميعهن، تجربة التحرش في أماكن العمل. قبِلت أربعتهن الإدلاء بشهاداتٍ حول ما عشنه من عنف، وتحدثن عن إفلات المعتدين من العقاب. يطلقن اليوم صرخة لعلها تدفع بالعار إلى ضفّة المعتدي.

بقلم | 10 فيفري 2020 | 12 دقيقة | متوفر باللغة الفرنسية
لم تقم ثريّا، رحاب، ياسمين ونسرين بالتّشكّي إزاء التحرش الجنسي الذي تعرضن له في أماكن العمل. بالنسبة للثلاث الأوليات، لم يتناول المسؤولون/ـات في العمل ما حدث لهن بجدية. وجدن أنفسهن عزلاوات في مواجهة مصائرهن، مضطرات للمضي قدما ومواصلة العمل كأن شيئا لم يكن. بل الأعتى من ذلك، هن اللاتي عوقبن. أما رابعتهن نسرين، فقد كان الحظ حليفها، إذ تسبّبت في فصل المعتدي عن عمله.

منذ سنّ القانون الجديد للقضاء على العنف ضد النّساء، أصبح التحرش الجنسي يعرّف على أنه :

"كل فعل أو قول يهدف مرتكبه إلى إخضاع المرأة لرغباته أو رغبات غيره الجنسية باستخدام الإكراه أو التغرير أو الضغط وغيرها من وسائل إضعاف وسلب الإرادة وذلك بغض النظر عن علاقة الفاعل بالضحية".

يحدد نفس القانون عقوبة التحرش الجنسي بسنتي سجن وبغرامة مالية قدرها خمسة آلاف دينار.

إن كان القانون عدد 58 المؤرخ في 11 أوت 2017 قد أحدث تطوراً في مفهوم التحرش الجنسي، إلا أن تطبيقه لا يزال محدوداً جداً، وبالأخص في المجال المهني.

ثريّا، 40 سنة

"في مكتبه الموصد بالقفل، سحبني من شعري بقوة وجرّني إليه عنوة"

تناهز ثريّا الأربعين من العمر وتعمل منذ ست سنوات بشركة صناعية داخل مختبر، أين تجري التحاليل. ترى ثريا أنها محظية لتمكنها من اتّباع الدراسة والتربصات والوظائف التي تناسب اهتماماتها. تعتبر نفسها شخصاً "اجتماعياً جداً"، تهوى مؤانسة الصديقات والأصدقاء وتربطها باِبنتها علاقة وثيقة (إلى حدّ الانصهار). عندما قبلَت البوح بما عاشته من تحرش، استهلّت حديثها بقولٍ يدينها: "أعتقد أن ما حدث لي هو من جراء طباعي". بالنسبة لثريّا، فإن عفويتها وروحها المرحة قد يبرران أفعالا من ذلك القبيل.

منذ عامين، افتعل محمد، رئيسها بالعمل، اجتماعا بمكتبه ليوصد الباب بالقفل، كما يفعل مع بقية الموظفات/ـين. قام بسحبها من شعرها مجبرا إيّاها على الجلوس فوقاً منه. عضّها من خلف وشرع بالرهز محتكّاً بها، كما لو أنه يستمني. بينما كانت يده تكتم صوتها عن الصراخ. وبينما هي كذلك، إذ بمعجزة تحلّ، طُرق الباب. أتت زميلتها، "ملاكي الحارس" كما تقول ثريّا، لإيداع ملف. قبل أن يعتقها محمد، وشوشها بأن تعود إليه.

لاذت ثريّا بالفرار متكتمة حينها على ما حدث. بحلول الليل هاتفت ثريّا صديقا لها، قصّت عليه الواقعة وهي في حالة من الذهول. "قضينا ست ساعات على الهاتف، كان يخبرني مراراً بأنها محاولة اغتصاب. أمّا أنا، فكنت أشعر بالذنب لأني كنت معه في غاية الودّ. لعل ذلك ما جعله يتوقع حدوث أمر بيننا، لا أدري..."

عندما بررت لزوجها ضرورة رحيلها عن المؤسسة، على إثر ما وقعت ضحيته من تحرش، أجابها بأن ملابسها المثيرة تنبؤ حتماً، بأنها هي من كانت تبحث عن ذلك. منذ ذلك الوقت وهما مطلقان.

أما على إثر الاعتداء، فقد انطلقت رحلة المعاناة الحقيقة. في اليوم الموالي للحادثة، تمكنت ثريّا من مواجهة المعتدي وطلبت منه أن "لا يعيد الكرة أبداً". تظاهر بعدم إدراكه لما تقول، من ثم انقلب شديد العداء تجاهها، واستمر على ذلك الحال لما يزيد عن العام. "عندما كان يعترضني بالممرات، كان ينهرني "انصرفي حالاً!". كان ذهابي إلى العمل بمثابة الجحيم، لكني لم أجرؤ على قول شيء. خفت جداً أن ينقلب الوضع وأصبح أنا المذنبة".

راجعَت ثريّا، فيما بعد، علاقتها بمحمد الذي يرأسها بالعمل. فأخذَت تكتشف، شيئا فشيئا، أن طالما كان سلوكه مريباً. "لم أنتبه في البداية، لكن حقاً، كثيراً ما كان يطلب مني أن أفرد قوامي مثلاً. أحياناً، كان يمارس الرياضة بمكتبه ويطلب مني المكوث لمشاهدته! ظننت أنه فقط غريب الأطوار أو معتد بنفسه. ذات يوم، كنا نتغدى على عجلة في المكتب حين أراد إطعامي الخبز من يده. وقتئذ أدركت بأنه يتمادى".

لكن ليس إلى حد ارتكاب اعتداء مماثل. محمد، رجل متزوج وذو سمعة حسنة داخل المؤسسة. إلا أن سلوكه أخذ يزداد سوءا بعد الزواج. وكأن الزواج يوفر له غطاءً، أو كأنه أصبح "محصناً" بمقتضاه. بعد زمن قليل من الاعتداء، قال لها: "أنا أصلّي وأنتِ تشربين وتتمشورين. إن تكلمتِ، فلا أحد سيصدقك".

بعد مضي عام، اتخذت القضية منعرجا آخرا . أصدر محمد تقريرا في حق ثريّا متهما إيّاها فيه بالإخلال بمواعيد العمل. "قبل يوم من استدعاء قسم الموارد البشرية لي، أقنعتني صديقة، على علم بالمسألة، بأن أسرد القصة كاملة وأن لا أستسلم". تشجعت ثريّا إذاً وقصّت ما جرى آنذاك.

حين استعادت ذكرى مواجهتها المحرجة في العمل، مع من كان يفترض بهم/ـن حمايتها، لم تنحبس دموعها: "بالفعل، لقد وعدوني بتولّي الأمر، لكنهم/ـن طلبوا منّي أيضاً اِلتزام الصمت والعودة إلى العمل". أخيراً، قررت الإدارة نقل محمد إلى مكتب آخر ولم تعد ثريّا ضمن فريقه. مع ذلك، لم تُجرَ أيّ تحريات في الغرض ولم يتلقَّ محمد أيّة عقوبة تذكر.

لا بل أنكى، فقد انقلب الوضع عليها. بما أنها لم تعد تتبع أيّ فريق، فلم يعد لديها ما تقدمه من عمل، ولم يقع إسنادها لمسؤولـ/ـة جديد/ة. "إجمالا، أنا أتقاضى مرتبا منذ ستة أشهر دون قيامي بشيء".

رحاب، 28 سنة

"فجأة، انحنى نحوي ليقبّلني بينما كنّا في لقاء مهني".

انضمت رحاب لمجموعة الفيسبوك #أنا_زادة. من خلاله اطّلعت على شهادات مضمونها التحرش والاعتداءات الجنسية. أحسّت بـ"فخر عارم" لمواكبتها "حدثا عظيما" كهذا الحراك الذي تشهده بلادها. أُحدِثت هذه المجموعة الفيسبوكية مباشرة إثر فضيحة زهير مخلوف، المرشّحِ حديثا عن حزب قلب تونس، والمتّهم في أكتوبر 2019 بالاستمناء داخل سيارته قبالة معهد. مذّاك الحين والمئات من الشهادات، مجهولة ومعلومة المصدر، تنهمر عبر مواقع التواصل، بالأخص على المجموعة الفيسبوكية #أنا_زادة.

تعيش الفتاة الناشطة الآن بالخارج في مهمة مهنية. لكنها تتابع المستجدات عن كثب. "مهما كان التحرش، فلا مبرر له، ليس بالأمر العادي أبداً".

ما مرّت به رحاب، باعتباره "ليس شديد الخطورة"، جعلها لا تأتي على ذكره أبداً. لكن بفضل الهاشتاغ #أنا_زادة ومساهمته في الدفع نحو البوح، أقدمت على اتخاذ القرار. في سنة 2016، عندما كانت رحاب تعدّ رسالة الماجستير، بحثت عن محامين/ـات في مجال تخصصها، وهو تخصص قليل التداول وعلى درجة من التقنية.

ظلت المشرفة على رحاب خارج التراب التونسي لمدة طويلة، فقامت بترشيح محام قصد المساعدة. أضافته رحاب عندئذ على فيسبوك كما يفعل العديد من الطلبة، فذلك يُعد "أكثر عملية".

"بعد قبوله الإضافة على فيسبوك، هنأني بعيد ميلادي وعايدني. حينها، لم نكن حتّى قد تطرقنا إلى رسالة الماجستير بعد".

يبلغ المحامي المعروف، حسب تقديرها، عقده السادس "على الأقل". كان سريع التفاعل، أسعفها بالمراجع لتشتغل على موضوعها، وطلب منها صياغة مقدمة ليقوم بإصلاحها فيما بعد. ثم عَقَد لقاءً معها على الساعة السادسة مساء بمكتبه، عشيّة صيف. 

سرعان ما تحول اللقاء إلى ظرف محرج. إذ كان المحامي يتصرف بسماجة. "كان كثير التباهي، أطلعني على صوره مع الوزراء، أخذ يثني على ذكائي وعلى انتقائي لموضوع بذلك التعقيد، إلخ." ظلت رحاب متجاهلة، تطلب منه التركيز في معالجة المقدمة فقد تأخر الوقت وعليها الذهاب. "قال لي حينها بأني ظريفة واِنحنى نحوي لتقبيلي!" 

باغتها الموقف. دفعته وقامت منتفضة فأوقعت جميع ملفاتها أرضاً. "لا أتذكر بدقة ردة فعلي، إن كنت قد تلفظت بكلمات حينها أم لا. أتذكر بأني حملت حقيبتي وانصرفت في الحال". لازالت تتذكر أنه قد لحق بها راكضا ليعيد إليها أوراقها "كأن شيئا لم يكن". "فقط قلت له بأني لن أعود أبداً".

واصل المحامي هرسلتها لأيام. تُظهِر نسخٌ للمحادثات الفيسبوكية بينهما اتصالات فيديو على الساعة الثانية صباحا ورموزا تعبيرية لحيوانات. لم تقابله رحاب بأي رد. "في نهاية المطاف، توصّلتُ إلى حذفه من قائمة الصداقات على فيسبوك".

انقطع التواصل من حينها ولم تحدث أيّ مواجهة. "بعد زمن قليل، علمتُ بأنه انتهج سلوكا مماثلا تجاه فتاة من جامعتي". ما جعل رحاب تقدم على الحديث مع زميلات أخريات ليعمّ الخبر.

"للأسف، أعتقد أن الكثير من الفتيات يخفن، عموما، لكونهن أظهرن البعض من القبول في لحظة ما، وبأن ذلك سينقلب عليهن". ترجو رحاب بأن ينفضح ذلك الرجل، فلازالت العديد من الفتيات يلتجئن إليه للتربص. "أنا غاضبة جدا لمواصلته الافلات من العقاب بهذه الطريقة".

ياسمين، 27 سنة

  "عند انتهاء اجتماعنا مع الفريق، قال لي بأني أثرته مشيرا إلى انتصاب عضوه تحت السروال".

تبلغ ياسمين من العمر 27 عاما، تنحدر من عائلة متواضعة لا يعمل فيها سوى الأب وهو مربٍ. لطالما كانت الدراسة أولوية بالنسبة لها ولأخواتها. منذ ثلاث سنوات، غادرت العش العائلي لتلتحق بالدراسات الهندسية بالعاصمة تونس.

متحفظة نوعا ما، تعتبر هي الأخرى أن ما تعرضت له من تحرش "ليس خطيرا". لكن إحساسها بالظلم يجعلها تستشيط غضبا. تخشى الفتاة حديثة التخرج من التداعيات على مستقبلها المهني. فرغم رغبتها في الاستقالة إلا أنها تخشى من تغيير الوظائف على سمعتها المهنية. "لا يبعث ذلك على الثقة والاطمئنان أو على حسن السيرة وجودة العمل. لذلك أمكث". صوتها الناعم والمنكسر أحيانا لا يخفي غضبها الجليّ.

بعد أسابيع قليلة على انضمامها للفرع التونسي لهذه الشركة العالمية الكبرى، تعرضت لتحرش جنسي من قبل زميل لها يدعى كريم. "لم أكن أتوقع ذلك أبداً. كنا قد تبادلنا الودّ مراراً، لكن ذلك يعود إلى طبيعة المناخ الودّي الذي يعمّ الفريق، إذ يتقارب خمستنا في الأعمار". حتى أنها جالست كريم ذات مساء حول مشروب إثر الدوام. لم تلحظ لديه سلوكا مريباً، لاسيّما وقد أخبرها بأنه على علاقة، وهي كذلك.

بعد بضعة أيام، في نهاية اجتماع مقتضب للفريق، انتظر مغادرة الجميع ليسألها المكوث. اِلتفتت عائدة صوبه، وإذ تلمح عيناها عضوه المنتصب. "قال لي حينها بأن ذلك من وقعي عليه. لشدّة ذهولي، اكتفيت بالعودة إلى مكتبي ملتزمة الصمت".

كما هو الحال مع ثريّا، اكتشفت رحاب لاحقا، لما أعادت التفكير، بأن سبق وأن كان سلوكه مريبا. لما عادت تفحص المحادثات الإلكترونية بالشغل، بانت التفاصيل جليةً أمامها. "في الواقع، كان يرسل لي أغانٍ ذات عناوين لمّاحة، فضلا عن أسلوبه غير المنضبط في الحديث. لعلّي لم أكن أرغب في التفطن حينئذ، لا أعلم".

بينما ظلت ياسمين متكتمة لبضعة أسابيع، أبى جسمها الصمت. "عانيت من آلام في البطن طوال الوقت. رائحة عطره التي تجوب الفضاء تقرفني. نبرة صوته تصيبني بالتوتر. كل ما يتعلق به يشعرني بالغثيان. كنت أتحاشاه بشتّى الطرق".

إلى حدٍّ حمل مديره اللين والقريب من موظفاته/موظفيه على التساؤل، فباحت إليه. فزع وقام بدوره بالتحدث إلى مديره أسامة. على إثر ذلك، انعقد لقاء جمع ياسمين بكلى المسؤولَين. "لم أشعر بأي تعاطف من قبل أسامة. سألني إذا ما كنتُ قد ضخمت القصة بعض الشيء، أو لعلني لم أستوعب أسلوبه في التغزل... إلخ. طلب منّي التكتم والعمل من جهتي على إعادة المياه إلى مجاريها".

كيف رست الأحوال بعدئذ؟ نُقل كريم، زميل ياسمين المتحرش، من مكانه... داخل نفس الفضاء المفتوح. لمّا أقدمت ياسمين على مواجهته، ما كان منه إلا أن أنكر. تضيف قائلة: "بصراحة، لو كان قد اعتذر لكان بإمكاني النسيان والمضي. لكنه لم يكن يأبه". بل الأدهى من ذلك، يبدو وكأنه يستفيد بطريقة غير مباشرة من الوضع: "يحتّل كلانا نفس الوظيفة. فلتفادي اجتماعنا ضمن عمل مشترك، يُجرى استبعادي من بعض المشاريع. في المقابل، يُفتح له المجال ليزدهر مهنيا بنسق يفوقني. كما أني أراه يدخن برفقة أسامة ويمازحه كأن شيئا لم يكن".

"في الشارع، عندما أقع فريسة للتحرش، ومع أن ذلك لا يقلّ خطورة، إلا أني لا أضطر لملاقاة المتحرش من جديد. أما هنا فأنا مجبرة على تحمله كلّ يوم ورؤيته يتبختر. من جهة أخرى، كلما أبصرت سلوكه الفظ والمتعجرف كلما ازداد قلبي اطمئنانا وأيقنت بأني لم أكن مخطئة". رغم لطف مديرها وسؤاله المستمر عن حالها، لم يُتخذ أي عقاب في الغرض.

في انتظار ذلك، ترتاد ياسمين مواقع التواصل كثيراً. تواكب شهادات نساء جرؤن على البوح عبر الهاشتاغ #أنا_زادة.

"يُشعرني التعاطف بين هذا الكمّ من النساء بالتحسن. مع ذلك، ينشغل فكري بجميع أولئك اللاتي يعشن في الجهات، ولا يستطعن الولوج لتلك الشبكات. عند تعرضهن للمآسي لا يستطعن إلى البوح سبيلا".

نسرين، 27 سنة

"بينما كنا في لقاء مهني عبر الفيديو، طلب منّي إطلاعه على ثدييّ".

من بين النساء الأربع اللاتي بُحن بشهاداتهن حول التحرش في مكان العمل، نسرين هي الوحيدة التي نال المتحرش بها ما يستحقه من عقاب. "المسؤولون/ات بالمؤسسة نسويات ونسويون، رجالا ونساءً على حدّ السواء. تناولوا/ن الأمر ببجدّية كبيرة". ترعرعت نسرين في عائلة ميسورة الحال نوعا ما. نشأت في وسط مسيّس زرع فيها حب الانخراط "في النضال في سبيل احترام حقوق الجميع". وهو ما أتاح لها إمكانية البوح مباشرة على إثر الواقعة.

آلكسندر رجل أربعيني، أحد القادة بالمكتب الرئيسي للمنظمة التي تعمل بها نسرين. لم يسبق وأن اِلتقيا على أرض الواقع فالمحادثات بينهما تجري فقط عبر سكايب. عند إغلاق الملفات الهامة، يتوجب على نسرين العودة إليه بالنظر.

"كان ينعرج في حديثه كلما اجتمعنا عبر سكايب، مبديا لي بآرائه حول ضرورة استعمال النساء لأجسادهن، حتى في الوسط المهني. عن حاجة الرجال لممارسة الجنس، وبأنه من الواجب علينا استيعاب ذلك، إلخ". كانت نسرين تحاول التجاهل والمضي.  

في لقاء آخر عبر سكايب، اِنفلت. "كان علينا التحادث مساءً، على الساعة السابعة. كان عليه التحقق من ملف قبل حلول الغد. كنت في غرفتي بالنزل، في مهمة اقتضت مني التنقل. كالعادة، حوّل آلكسندر وجهة الحديث ليطلب مني إطلاعه على ثدييّ!"

تحمل نسرين وشما يعلو صدرها. يمكن ملاحظته على حسب ما ترتدي من قمصان. عبّر آلكسندر عن رغبته في رؤية الوشم، ومن ثم طلب منها الكشف عن صدرها. "عملتُ قصار جهدي حينها لتمرير الموقف على أنه دعابة. رفضت ضاحكة حينئذ، وأقنعت نفسي بأنه كان يمازحني أيضاً. في الواقع، لست فخورة بما فعلت".

أما ردّ فعلها فقد جاء لاحقا، يرافقه شعور بالذنب. في الغد، عادت إليه لتوضح: "ربما كنت شديدة اللطف تجاهك فتبادرت لك بعض الأفكار، لكن لن يحدث شيء أبداً". أجابها آلكسندر "حسنا، لا تقلقي"، لكنه لم يتوقف.

بعد ذلك التوضيح، شرع في تضمين رسائله النصية بمعانٍ جنسية متخذاً المزاح ذريعة لتصرفاته. من ثم يضيف بأنها "ليست طريفة". لم تتردد نسرين في إبلاغ قسم الموارد البشرية. حينئذ، "قاموا/ـن بفتح تحقيق فاِكتشفوا/ـن في غضون شهرين وجود ثلاث ضحايا أخريات، فوقع طرده سريعاً على إثر ذلك".

في عملها السابق، لم تجرِ الأمور على نفس النحو. "عملتُ سابقاً في منظمة دولية أخرى. استقلت بسبب زميل تجاوز الحدود معي كثيراً أمام صمت الجميع. كنا أربعاً قد استقلنا حينها!"

التحرش الجنسي بالنسبة إلى نسرين هو واقع يومي. تعيشه في الشارع وفي جميع المؤسسات التي عملت بها. "إنه موضوع نتناقشه بيننا كنساء منذ زمن. من الرائع أن نشهد خروجه إلى العلن بفضل الحراك #أنا_زادة".

ما ترجوه نسرين اليوم هو تعميم الكفاح ضد التحرش الجنسي ليشمل الجميع، وأن يصبح للحراك #أنا_زادة امتداد فعلي. لا زالت نسرين تشعر بالمرارة حين تتذكر الاحتجاج الأول يوم 13 نوفمبر الفارط، أمام مجلس نواب الشعب. "ضحك أعوان الأمن عند مجيئنا".

نقص الثقة في الإجراءات القضائية

رغم اختلاف المجالات المهنية، يجمع بين هذه الشهادات الأربع حضور رابط على وجه الخصوص: للتحرش الجنسي وقع قوّي على ضحاياه مهما اختلفت درجات الخطورة. في العديد من الحالات المدروسة يمتد تأثير التحرش على نفسية الضحية لفترات طويلة. أما التداعيات المهنية فهي، كما توضحه الشهادات، في غاية الجدّية. ويبقى التتبع القضائي إجراءً شديد الندرة في حالات التحرش الجنسي، خاصة في الوسط المهني.

  تتساءل ثريّا: "كيف لي التحلّي بالثقة والتقدم بشكوى بعد أن تم وضعي على الرّف بالعمل؟".  

تؤكد الأستاذة حياة الجزار، محامية من الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، أن "العديد من النساء يؤمنّ بأنه ما من داعٍ للمضيّ قدما لاسيّما عند توقف التحرش". مع ذلك، يذكّر الأستاذ أحمد المسدّي، محام بالهيئة الوطنية للمحامين بتونس، بأنه "من الممكن إيداع شكوى لدى النائب العام الذي بإمكانه فتح تحقيق أولي. ليس من مسؤولية الضحايا القيام بالتحقيق أو حيازة الأدلة!"

أما الأستاذة الجزار فتصرّ على أن: "في غياب المتابعة من قبل الجمعيات، لا تتمكن النساء من التمتع بالعدالة في ظل المنظومة القضائية الراهنة [عدا بعض الاستثناءات]. من الصعب جداً الحديث عن الجرائم الجنسية". انعدام الثقة حيال المنظومة القضائية، هو إحساس يعود بكثرة على ألسنة العديد من النساء داخل المجموعة الفيسبوكية #أنا_زادة، كذلك خلال حلقات الاستماع التي ينظمها الحراك. في انتظار إيجاد حلول مستديمة، ما فتأت تتكاثر أشكال الدعم والتضامن والنصائح والاقتراحات والمبادرات التي من شأنها الحدّ من العنف الجنسي وتداعياته.