رئاسية 2014 : ثغرات واخفاقات قد تضرب مصداقية النتائج

يخوض الناخبون التونسيّون انتخابات الثالث والعشرين من نوفمبر الرئاسية بكثير من الشكوك والرّيْبة في سلامة العملية الانتخابية ومصداقية نتائجها جرّاء ما بدَا على مسار التزكيات من تجاوزات وما حفّ بعملية تقديم الترشّحات من انتهاكات موثّقة ناجمة –في جزء منها- عن ثغرات في القانون الانتخابي وسوء إدارة من قبل هيئة الانتخابات.
بقلم | 13 أكتوبر 2014 | 15 دقيقة | متوفر باللغةالفرنسية
يوم 23 نوفمبر 2014 يكون التونسيون على موعد مع أوّل انتخابات رئاسية بالاقتراع المباشر بعد الثورة. هذا الاستحقاق الانتخابي، لئن يبدو أقلّ أهمّية مقارنة بالانتخابات التشريعية نظرا للتباين الجليّ للصلاحيات بين قصريْ قرطاج والقصبة (الحكومة التي ستنبثق عن البرلمان)، فانّ أنظار التونسيّين -بايعاز من الاعلام والنخبة السياسية- ما انفكّت تتّجه بشكل تصاعدي نحو الاهتمام بملفّ الاستحقاق الرئاسي وايلائه أهمّية قصوى بسبب طابعه الرّمزي. 

هذا الاهتمام سرعان ما تحوّل الى شعور بالاحباط واليأس وعدم الثقة في العملية الانتخابية برمّتها جرّاء ما بدا على مسارها من اخلالات وانتهاكات خطيرة طالت كلّ جوانبها وعلى وجه خاصّ التزكيات. 

في التقرير التالي سنسعى الى رصد أهمّ الاخلالات التي طالت مسار الاستحقاق الرئاسي استنادا الى وثائق وشهادات ووقائع تمّ توثيقها سواء عبر نشطاء المجتمع المدني أو من خلال مراقبي هيئة الانتخابات. بالاضافة الى تسليط الضّوء على أهمّ الثغرات التي شابت القانون الانتخابي والاجراءات الترتيبية التّي ضبطتها الهيئة ومدى تأثيرهما في سير العملية الانتخابية والحفاظ على سلامتها من كلّ تزييف أو انتهاك. 

التزكيات .. أو الصّداع الذّي كان من الممكن تفاديه

يتوجّب على كلّ مترشّح للانتخابات الرئاسية القادمة المُبرمَج تنظيمها بتاريخ 23 نوفمبر 2014 استيفاء عدد من الشروط المنصوص عليها في القانون الانتخابي وفي مقدّمتها جمع عشر تزكيات من نوّاب المجلس التأسيسي وما لا يقلّ عن 10 ألاف تزكية من الناخبين المرسّمين.

القانون الانتخابي

“تتم تزكية المترشح للانتخابات الرئاسية من عشرة آلاف من الناخبين المرسمين والموزّعين على الأقل على عشر دوائر انتخابية على أن لا يقلّ عددهم عن خمسمائة ناخب بكل دائرة منها.

* يمنع على أي مزكّ تزكية أكثر من مترشّح واحد.

* يجب ملء كافة الخانات وكتابة العدد الكامل لبطاقة التعريف الوطنية (8 أرقام). خاص بنواب المجلس الوطني التأسيسي :

* تتم تزكية المترشح للانتخابات الرئاسية من عشرة نواب من أعضاء المجلس الوطني التأسيسي على الأقل.

* يمنع على أي مزك تزكية أكثر من مترشّح واحد. * يجب ملء كافة الخانات وكتابة العدد الكامل لبطاقة التعريف الوطنية (8 أرقام).” 

قائمة اسمية تضمّ العشرات من المتضرّرين من التزكيات المزوّرة ممّن لجؤوا الى جمعية “عتيد” بهدف مقاضاة المترشّحين الذّين زوّروا توقيعاتهم




ولئن يبدو الشّرط الأوّل محسوما منذ البداية لحساب مرشّحي الأحزاب التّي تحتكم لكتل برلمانية يناهز عددها أو يفوق العشرة نوّاب في المجلس التأسيسي فانّ الشّرط الثاني مثّل على مدى الفترة التي سبقت فتح باب الترشّحات خيارا لا مفرّ منه بالنسبة الى أغلب المترشّحين غير القادرين على جمع التزكيات النيابية وكذلك أولئك الذّين حصلوا على التزكيات النيابية ولكنّهم آثروا استعراض قواهم وجسّ نبض الشارع من خلال جمع أكثر ما يمكن من التزكيات الشعبية. 

ومع انطلاق سباق جمع التزكيات، انطلق سيْلُ التجاوزات حيث اختار عدد من المترشّحين للرئاسية أو المشرفين على حملات جمع التزكيات سلْكَ طريق سهلة وسريعة تستند أساسا الى انتحال الهويّات والاستيلاء على قواعد بيانات شخصية بالاضافة الى تزوير التوقيعات واقحام أسماء لموتى أو لغير المقيمين في تونس أو ممّن لا يتمتّعون أصلا بصفة الناخب في قائمات التزكيات في خرق واضح للقانون.

أعطني قاعدة بيانات أُعطيك آلاف التزكيات

ما انفكّ الشارع التونسي، على مدى شهري سبتمبر وأكتوبر، يتحدّث سرّا وعلانيّة عن وجود شبهة تزوير في جمع التزكيات انطلاقا من بعض الوقائع التي تمّ رصدها في عديد الجهات والتي تتمثّل أساسا في سعي بعض المحسوبين على عدد من المترشّحين للرئاسة الى اقحام جمهور الرياضة أو العُمَد ومسؤولي الشُّعَب الحزبية (ماكينة التجمّع المنحلّ سابقا) في جمع توقيعات المئات من المواطنين بدعوى اعداد قائمات اسمية تمهيدا لتمكينهم من مساعدات عينيّة (أدوات مدرسية، قفّة العيد، أضحية العيد الخ) أو نقدية تتمثّل في هبات بمبالغ مختلفة.

في الحقيقة فانّ جمع التزكيات لم يكن يحتاج بالضّرورة الى توزيع المساعدات ومنح الهبات لاستمالة الناس مادام بالامكان الحصول على قاعدة بيانات الآلاف بل الملايين من المواطنين واستغلالها لملء استمارات التزكيات دون الاضطرار لتكبّد عناء النزول الى الميدان والاحتكاك المباشر بالناس وطلب ودّهم للحصول على امضاءاتهم.

واستنادا الى ما تمّ تأكيده رسميا من قبل الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات وما تمّ اثباته تقنيا عبر المنظومة المعلوماتية للهيئة وبعض الادارات العمومية وما تمّ توثيقه بموجب عدول اشهاد بايعاز من الهيئة ومن بعض منظمات المجتمع المدني وفي مقدّمتها “عتيد” و”مراقبون” و “شاهد”، فانّ الاستغلال اللّاقانوني لبيانات المواطنين في التزكيات تمّ وفق الطّرق التالية:

– الاستيلاء على قاعدة بيانات رسمية تضمّ نحو عشرة ملايين تونسي

– الاستيلاء على قاعدة بيانات التونسيين المسجّلين للانتخاب من مقرّ الهيئة المركزية للانتخابات.

– الاستيلاء على بطاقات تعريف المئات من المواطنين من قبل أحزاب وجمعيات وهمية بدعوى تمكين أصحابها من مساعدات مادّية تخصّ العيد أو بدعوى تسجيلهم مباشرة في مكاتب الاقتراع (بالنسبة الى متساكني الأرياف) ومن ثَمّ استغلالها بشكل غير قانوني لملء قائمات التزكيات مع افتعال امضاءات مزوّرة.

– تورّط مركز نداء على الأقلّ (الملف أمام القضاء) في بيع قاعدة البيانات الشخصية للتونسيين الى مرشّحين للانتخابات.

– الاستيلاء على قاعدة بيانات آلاف العماّل في مصانع ومعاهد وشركات كبرى ووزارات ومؤسسات جامعية وتسريبها الى بعض المترشّحين كأن نجد مثلا عددا كبيرا من طلبة معهد الصحافة بالاضافة الى العشرات من الصحفيين المحترفين وقد تمّ إقحام أسمائهم وتزوير توقيعاتهم واستغلالها لتزكية مترشّح بعينه وهو رجل الأعمال محمد فريخة، والحال ذاته بالنسبة الى طلبة المدرسة العليا “ايسبري” أو عمّال وموظّفي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذّي فتحت ادارته تحقيقا داخليا في الغرض لمعرفة الشخص او الجهة المسؤولة عن تسريب قائمة البيانات..

فريق “انكيفادا” تحصّل على قاعدة البيانات المسرّبة

  قاعدة بيانات تمّ تحديثها آخر مرّة بتاريخ 25 ماي 2011 تتضمّن أسماء وأرقام بطاقات التعريف الوطنية لنحو 8 ملايين و345 ألف و 495 .  

منذ اكتشاف مسألة التوقيعات المزيّفة التي تمّ اعتمادها لتأثيث قائمات البيانات أصبح الجميع (هيئة الانتخابات، مكونات المجتمع المدني الناشطة في المجال، السياسيون الخ) يطرحون بجدّية فرضيّة تسريب قاعدة البيانات الشخصية لعدد من التونسيين المنتسبين الى عدّة ادارات كبرى ووزارات ومنشئات عمومية وخاصّة والتفويت فيها لحساب “سماسرة” أو مرشّحين للانتخابات الرئاسية.   

ولئن بدت هذه البيانات كالشّبح نسمع عنها ولا نراها الّا على قائمات التزكيات دون معرفة مصدرها أو شكلها أو مضمونها فانّ فريق “انكيفادا” تمكّن، بوسائله الخاصّة في اطار انجازه لهذا التحقيق، من الحصول على أربع قواعد بيانية تتوزّع كالآتي : 

قاعدة بيانات تمّ تحديثها آخر مرّة بتاريخ 25 ماي 2011 تتضمّن أسماء وأرقام بطاقات التعريف الوطنية لنحو 8 ملايين و345 ألف و 495 . قائمة المواطنيين المسجّلين بشكل آلي في قائمات الانتخاب لسنة 2011 وعددهم 3 ملايين و 910 ألاف و 959. قائمة المواطنيين المسجّلين بشكل ارادي في قائمات الانتخاب لسنة 2011 وعددهم 4 ملايين و 98 ألف و 914 . القائمة الجملية للناخبين الذّين أدلوا بأصواتهم في انتخابات 2011 .

ملاحظة : هذه القاعدات البيانية التي بحوزتنا تتضمّن كمّية مهمّة من المعطيات الشخصية للتونسيين، وقد يتمّ توظيفها بشكل مشين ومضرّ بمصلحة هؤلاء المواطنين في حال وقعت بين أيدي أشخاص أو جهات تبحث عن المنفعة الذاتية تماما مثلما حدث في واقعة التزكيات.

قائمة المواطنيين المسجّلين بشكل آلي في قائمات الانتخاب لسنة 2011 وعددهم 3 ملايين و 910 ألاف و 959.
قائمة المواطنيين المسجّلين بشكل ارادي في قائمات الانتخاب لسنة 2011 وعددهم 4 ملايين و 98 ألف و 914 .
محضر معاينة لدى عدل اشهاد يوثّق شهادات عدد من متساكني سيدي داود (المرسى) ممّن وجدوا أسماءهم زورا في قائمة تزكيات سليم الرياحي


جملة هذه التجاوزات تمّ توثيقها بمعاينات أمّنَها عدول إشهاد لحساب مواطنين متضرّرين أو جمعيات ناشطة في المجال. 

وتثبت معاينة أمّنها عدل اشهاد لحساب جمعية “عتيد” اكتشافَ عدد من متساكني منطقة سيدي داود بالمرسى (الضاحية الشمالية للعاصمة) أنّ أسماءهم تمّ استغلالها لتزكية مرشّح الاتحاد الوطني الحرّ سليم الرياحي دون علمهم أو دون استشارتهم بشكل مباشر أو غير مباشر. ومن المفارقات –وفق محضر المعاينة- أنّ قائمة المزكّين ضمّت، كذلك، عددا من الموتى على غرار (ح . العبيدي) و (م . بن فرجاني) الخ، الى جانب أسماء لمواطنين آخرين لا تتوفّر فيهم شروط التزكية نظرا الى أنّهم من غير المسجّلين في القائمات الانتخابية، وفق ما تثبته معاينات أخرى بحوزتنا، علما أنّ هذه التجاوزات لم تكن حكرا على الرياحي فحسب بل طالت ما لا يقلّ عن تسعة مترشّحين آخرين على غرار مصطفى كمال النابلي ومحمد الفريخة وعبد الرحيم الزواري والباجي قايد السبسي والهاشمي الحامدي ونور الدّين حشّاد وفارس مبروك وعلي الشورابي والصافي سعيد الخ. 

مراسلة من جمعية “عتيد” الى رئيس الهيئة العليا للانتخابات تطالبه فيها باتّخاذ اجراءات عاجلة لاستبعاد كل مترشّح ثبت ضلوعه في تزوير التزكيات




وبالتوازي مع الاجراءات التي قامت بها هيئة الانتخابات، والتي اقتصرت اجمالا على احالة بعض الملفات الى القضاء، قام عدد من مكوّنات المجتمع المدني على غرار النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين وبعض الجمعيات الأخرى بإجراء معاينات عن طريق عدل إشهاد لتسجيل الانتهاكات التي طالت المعطيات الشخصية لمنظوريها أو لعموم المواطنين قصد تقديم شكاوى قضائية وتتبّع المترشّحين الذّين ثبت تورّطهم في انتحال هويّات المواطنين وتدليس امضاءاتهم. 



ويطالب شق من ضحايا التزوير – ويساندهم في ذلك قطاع واسع من المجتمع المدني – بضرورة عدم الاكتفاء بالملاحقات القضائية للمترشّحين للرئاسة بل بالإسقاط الفوري لكلّ قائمة ثبت تورّط صاحبها في التزوير ضمانا لسلامة سير العملية الانتخابية ونزاهة نتائجها. 

مترشّح للرئاسية يمكنه النّفاذ الى قاعدة بيانات هيئة الانتخابات ؟

محمد اسلام الحكيري، مصوّر صحفي، تفطّن بتاريخ 2 أكتوبر 2014 على تمام الساعة منتصف النهار والنصف عبر التطبيقة التي وضعتها هيئة الانتخابات ( *195*cin# ) الى أنّ مرشّح حزب الأمان للرئاسية، الازهر بالي، كان قد أقحم بياناته الشخصية -دون اذن مسبق منه- في قائمة التزكيات الخاصّة به. وبناء على ذلك فقد اتّصل الحكيري هاتفيا بالمترشّح للرئاسية الأزهر بالي ليستوضح حول ملابسات الزجّ باسمه في قائمة التزكيات وليحتجّ رسميا على هذه الواقعة، فاعتذر له هذا الأخير، حسب قوله، وطلب منه أن يمهله بعض الوقت ليستَوضح بدوره حول خلفيات ماحصل.  

من الغد، أي بتاريخ 3 أكتوبر 2014، أعاد محمد اسلام الحكيري تفقّد قاعدة التزكيات عبر التطبيقة ذاتها ففوجئ باسمه وقد تمّ حذفه. الحكيري توجّه الى منظّمة I watch واضعا على ذمّتها نسخة من الارساليّتين، طالبا منها رفع شكوى ضدّ السيّد بالي بتهمة تزوير توقيعه من جهة والتواطئ مع هيئة الانتخابات (أو أيّ موظّف في الهيئة قد يكشف عنه البحث) لتغيير البيانات الشخصية المضمّنة في قاعدة بيانات المزكّين في هيئة الانتخابات.

ثغرات في القانون الانتخابي

وجدت الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات، بصفتها الهيكل الدستوري المؤتمن على تنظيم الانتخابات، نفسها، بعد اكتشاف تزوير التزكيات، تتخبّط في مأزق قانوني لم يتوقّعه المُشرّع بشكل صريح ما دفع بها للتنصّل من المسؤولية والإلقاء بجزء من مهمّة رصد جرائم التزوير التي طالت التزكيات على عاتق المواطنين المتضرّرين ذاتهم ودعوتهم عبر موقعها الالكتروني الى مقاضاة من تلاعب ببياناتهم وتوقيعاتهم.

وقد اكتفت الهيئة بالإلقاء بمهمّة محاسبة المزوّرين على عاتق القضاء من خلال إحالة حالات الانتهاك والتزوير الى النيابة العمومية دون اتّخاذ التراتيب والاجراءات العاجلة لضمان سلامة العملية الانتخابية بالرغم من أنّ الدستور فوّض لها التمتّع بالسلطة الترتيبية في مجال اختصاصها من أجل ضمان سلامة المسار الإنتخابي ونزاهته وشفافيّته.

ينص الفصل 126 من الدستور التونسي على الآتي : 

الفصل 126 من الدستور التونسي

“تتولى هيئة الإنتخابات، وتسمى “الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات”، إدارة الإنتخابات والإستفتاءات وتنظيمها، والإشراف عليها في جميع مراحلها، وتضمن سلامة المسار الإنتخابي ونزاهته وشفافيّته، وتصرّح بالنتائج. تتمتع الهيئة بالسلطة الترتيبية في مجال اختصاصها”.

ويقول الأستاذ عبد الجوّاد الحرازي، الخبير الدّولي في ادارة الانتخابات والرئيس السابق للهيئة الفرعية للانتخابات تونس 1 انّ : 

“الاحتكام للقضاء فقط للتعاطي مع ملف تزوير التزكيات قد يؤدّي الى ملاحقة من يثبت تورّطه قضائيا ولكنّ لا يمكن له أن يضمن سلامة العملية الانتخابية على اعتبار أنّ هذه المهمّة منوطة بعهدة هيئة الانتخابات بصفتها الهيكل الدستوري المكلّف بذلك.”

ويذهب الأستاذ الحرّازي الى اعتبار أنّ : “الهيئة كانت مطالبة بممارسة صلاحياتها التي فوّضها لها الدستور اذ كان يتوجّب عليها رفض ترشّحات المترشحين الذّين ثبت بالحجّة والبرهان ضلوعهم في جريمة التدليس مع ترك الباب مفتوحا لهم ليطعنوا في قرار الهيئة لدى المحكمة الادارية ..

فهؤلاء المترشّحون تعمّدوا استعمال هويّات أشخاص دون إذنهم أو نيل موافقة صريحة منهم في إخلال واضح بمبدأ الشفافية والتنافس النزيه الذّي تبقى الهيئة مسؤولة على ضمانه واحترامه ضمانا للسير السليم للعملية الانتخابية.”

باختصار، لقد أخطأت الهيئة عندما لم تسقط ترشّحهم وفوّتت بذلك على نفسها فرصة ضمان نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها من خلال استبعاد كلّ من بدأت على أفعاله شبهة السلوك المُشين والخارق للقانون.

هذا الموقف ورد على لسان قطاع واسع من المحامين ورجال القانون الذّين تحدّثنا اليهم حيث اعتبروا اجمالا أنّه : لئن لم يتوقّع المشرّع امكانية حصول تزوير في التزكيات فانّه خوّل للهيئة العليا المستقلّة للانتخابات السلطة الترتيبية بموجب الفصل 126 من الدّستور لتتّخذ ما تراه صالحا من التراتيب التي لا تتعارض مع روح الدستور ضمانا لسلامة المسار الإنتخابي ونزاهته وشفافيّته وبناء عليه فانّ الهيئة، ربّما، أساءت التقدير عندما اكتفت باحالة الملف الى القضاء دون اتّخاذ خطوات اجرائية – كاقصاء المخالفين- لضمان سلامة الانتخابات.

التعريف بالامضاء .. هل كان الحلّ الأمثل ؟

في أفريل 1989 شهدت البلاد تنظيم أوّل انتخابات تشريعية تعدّدية بعد أن أفرج نظام السابع من نوفمبر على المساجين السياسيين من اليمين واليسار وسمح لهم بالمشاركة في السباق الانتخابي شريطة استيفاء شرط أساسي متمثّل في جمع تزكيات من الناخبين مرفوقة بالتعريف بالامضاء. ولئن اعتبر عدد من المعارضين آنذاك أنّ هذا الاجراء كان قد وُضعَ خصّيصا على مقاس حزب الرّئيس الجديد (التجمّع الدستوري الديمقراطي المنحلّ) من أجل تضييق الخناق على بقيّة المنافسين والخصوم السياسيين، فانّ تقنية التعريف بالامضاء كانت كفيلة بضمان الحدّ الأدنى من الشفافية للتزكيات آنذاك.

اليوم، وبعد أن سقط القناع عن واقع التزكيات المتعلّقة برئاسية 2014 تعالت أصوات عدد من السياسيين ونشطاء المجتمع المدني متسائلة عن سبب تجاهل هيئة الانتخابات لمثل هذا الاجراء والحال أنّه كان قادرا على انقاذ عملية التزكيات من كل مظاهر الغشّ والتزوير حسب تصوّرهم.

الناشط في المجتمع المدني عدنان الحاج عمر كان قد نشر بتاريخ 5 سبتمبر 2014 على صفحته في موقع فايسبوك تدوينة، أخذت صدى كبيرا، وردت على شاكلة تحذير نبّه من خلالها التونسيين الى امكانية حصول خروقات وانتهاكات وتدليس في قائمات التزكيات المرتقبة : 

“كيف غاب على هيئة الانتخابات الانتباه الى مثل هذه النقطة المهمّة والخطيرة في الآن ذاته .. أنا أتحدّى رئيس الهيئة وبقية الأعضاء أن يقدروا على الاجابة على هذه التساؤلات : ماذا أعددتم من أدوات للتثبّت من سلامة التزكيات ونقاوتها من أيّ انتحال أو غشّ أو تزوير .. طبعا لا شيء .. اذن فما عليكم الّا أن تنتظروا سيلا جارفا من القائمات المزوّرة وعندها لن ينفعكم شيء لاصلاح ما أفسدتموه. لقد كان لديكم حلّ ناجع يتمثّل في فرض اجراء التعريف بالامضاء على كل التزكيات ولكنّكم فضّلتم أسهل الحلول.”

هل كان بالامكان تطبيق اجراء التعريف بالامضاء ؟

لئن ذهبت هيئة الانتخابات الى أنّ فرض التعريف بالامضاء على التزكيات كان أمرا صعبا بل وغير ممكن تطبيقه على أرض الواقع جرّاء عدم قدرة البلديّات التونسية على استيعاب مئات الآلاف من المواطنين بشكل متزامن خلال فترة التزكيات، فانّ الرّئيس السّابق للهيئة ذاتها كمال الجندوبي كان له موقف آخر :

“مخطئ من يقول انّ فرض التعريف بالامضاء كان أمرا مستحيلا أو معقّدا .. بالعكس فهذا الأمر متاح جدّا اذ كان بالامكان استغلال مقرّات البلديات والادارة السريعة والهيئات الفرعية للانتخابات بالاضافة الى عدول الاشهاد من أجل الاستعانة بهم للتعريف بالامضاء. في الحقيقة فانّ هذا الخلل ناجم أساسا عن الاقصاء السياسي للهيئة السابقة بالاضافة الى عدم امتلاك السيّد شفيق صرصار الهيئة الحالية للتجربة أو الكفاءة اللّازمتين للاشراف على الانتخابات.”

الرّئيس السابق للهيئة العليا المستقلّة للانتخابات بدا خلال حديث جمعنا به مستاء ممّا وصفه ب”افراغ” الهيئة من الكفاءات مشيرا الى أنّ “التخلّي عن المدير التنفيذي السابق خلق حالة من الفراغ والفوضى وبعثر أوراق الهيئة”.

ما الذّي ينتظر الرّئيس الجديد ؟

يحدّد الفصل 158 من القانون الإنتخابي عقوبة بالسجن ستّة أشهر لكلّ مترشّح يثبت تضمينه لبيانات خاطئة في مطلب ترشّحه على غرار ما حصل مع التزكيات في واقعة الحال.

الفصل 158 من القانون الإنتخابي

“يعاقب بالسجن 6 أشھر وبخطیة قدرھا ألف دينار: – كل شخص ينتحل اسما أو صفة أو يدلي بتصريحات أو شھائد مدلّسة أو يخفي حالة حرمان نص علیھا القانون، أو يتقّدم للاقتراع بأكثر من مكتب اقتراع – كل من أورد عمدا بیانات كاذبة في مطلب الاعتراض على القائمات الإنتخابیة أو في مطلب ترشحه. ”

ورغم وضوح هذا النصّ الّا أنّه يبدو من خلال المؤشّرات الأوّلية أنّ الرّئيس المستقبلي –ان كان من المتورّطين في حالات تزوير- لن تطاله يد القانون لأسباب عديدة يشرحها الأستاذ شرف الدّين القلّيل على النحو التالي :

“للأسف فانّ السواد الأعظم ممّن توجّهوا نحو القضاء أهملوا الفصل 158 وارتكزوا على الفصول الجزائية المتعلّقة بالتحيلّ والتدليس ومسك مدلّس . الأخطر من كلّ ذلك أنّ السيد نبيل بفّون الناطق باسم هيئة الانتخابات قال في تصريح له انّ الهيئة تعتبر الخروقات التي طالت التزكيات شكلا من أشكال التدليس داعيا كلّ من يعتبر نفسه متضرّرا من التدليس الى التوجّه للقضاء متجاهلا بذلك وجود فصل في قانون الانتخابات متخصّص في هذه النقطة ونقصد بذلك الفصل 158. “

الأستاذ القلّيل أشار في سياق حديثه الى أنّ النيابة العمومية كانت قد فتحت بحثا جزائيا على معنى الفصل 31 من مجلة الاجراءات الجزائية الذي لا يعرّف بشكل واضح الجريمة (ضدّ مجهول) مؤكّدا أنّ القضيّة سيكون مآلها سلّة المهملات.

واستشهد الاستاذ القلّيل في هذا الصّدد بمجموعة ال 25 محامي التي كانت قد رفعت، بعد الثورة، شكاية جزائية ضدّ وزراء داخلية بن علي ومرصد مراقبة الانتخابات وكلّ الولاّة والمسؤولين على تزوير الانتخابات في عهد بن علي ليكون مآل القضيّة رفوف النسيان على حدّ وصفه.

ويواصل الأستاذ القلّيل:

“انّه مجرّد ذرّ رماد في العيون اذ أنّ كل هذا النقاش مآله سلّة المهملات، فحتّى و ان تمّ رفع قضايا على معنى الفصل 158 فانّ صعود المترشّح للحكم في حال فوزه في الرئاسية الى سدّة الحكم سيمنحه حصانة ويسقط عنه كل التتبّعات. لقد كان من الأرجح التفكير في كل هذه المعطيات قبل توريط الشعب التونسي في انتخابات مطعون في مصداقيتها سلفا بسبب افتتاح مسارها بالتزوير وانهائها بالافلات من العقاب”.

تجدر الاشارة الى أنّ الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات قد قبلت رسميّا ملفّات 27 مترشّحا للرئاسية ورفضت نحو 41 مع تسجيل سحب مترشّحين اثنين لملفّيهما، علما أنّ المحكمة الادارية كانت قد فرضت كلّ مطالب الطّعون.