في هذا السياق، لم يعد النقاش حول المجتمع المدني في تونس مسألة قانونية أو إدارية معزولة، بل أصبح جزءا من تحولات أوسع تمسّ علاقة الدولة بالفضاء العام منذ 2021. فقرارات تعليق الأنشطة، وفتح التحقيقات، وتجميد الحسابات البنكية، ليست إجراءات منفصلة بقدر ما تشكل منظومة متكاملة تعيد رسم شروط العمل الجمعياتي. وإذا كان ما بعد 2011 قد مثّل مرحلة توسّع غير مسبوقة في حرية التنظيم والتعبير، فإن السنوات الأخيرة تشير إلى مسار مغاير، تتزايد فيه القيود وتتداخل فيه الأدوات الإدارية والقضائية والمالية. وهو ما يطرح أسئلة جوهرية حول موقع الجمعيات في المشهد العام، وحدود قدرتها على الاستمرار، ومستقبل الفضاء المدني في تونس.
من التعليق المؤقت إلى التضييق الممنهج
لا يقف هذا الرقم عند معناه الظاهري. فخلال الفترة نفسها، شملت قرارات التعليق منظمات تُعدّ من أبرز الفاعلين في المشهد المدني التونسي، من الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات إلى المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وصولًا إلى منصات إعلامية مستقلة مثل إنكفاضة و نواة. وآخر هذه القرارات صدر في 24 أفريل 2026، وشمل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.
في نفس الموضوع
غير أنّ ما يلفت الانتباه ليس فقط عدد القرارات، بل تحوّل هذا الإجراء من استثناء قانوني إلى ممارسة متكررة. فقرار التعليق، الذي يُفترض أن يكون مؤطّرًا بضوابط واضحة ومسار إجرائي دقيق، أصبح يُستخدم بوتيرة لافتة. وفي حين يستند ظاهريًا إلى مقتضيات المرسوم عدد 88 المنظّم للجمعيات، تؤكد عدة منظمات أنها لم تتلقَّ أي تنبيه مسبق، أو أنها قامت بتسوية وضعياتها منذ أشهر. وهو ما يجعل التعليق، بالنسبة إليها، أقرب إلى عقوبة جاهزة تُنفَّذ قبل استكمال الإجراءات القانونية المفترضة.
بالتوازي، تتسع دائرة التحقيقات بشكل ملحوظ. فمنذ 2024، فُتحت تحقيقات في ما لا يقل عن 12 منظمة تنشط في مجال الهجرة، وذلك إثر مداهمة مقرات ثلاث منها، ضمن سياق ربط التمويل الأجنبي بشبهات "دعم الهجرة غير النظامية".
ومع توسّع هذه الحملة، لم تعد الجمعيات وحدها في الواجهة، بل امتدّ الضغط إلى العاملين داخلها، في مؤشر على انتقال الاستهداف من الهياكل إلى الأفراد.
من الجمعيات إلى الأفراد: توسيع دائرة الاستهداف
لكن إذا كان التعليق والتحقيق يحدّان من النشاط، فإن القيود المالية تضرب في العمق. فمنذ أواخر 2024، بدأت المنظمات والجمعيات تواجه عراقيل متزايدة في الوصول إلى تمويلها، مع تحوّل القيود المصرفية تدريجيًا إلى أداة ضغط موازية.
فما لا يقل عن 20 منظمة واجهت تعطيلًا في تحويلاتها المالية أو إرجاعها إلى الجهات المانحة، بينما وصلت مدة التأخير في بعض الحالات إلى 10 أسابيع كاملة، وهو ما يكفي لتعطيل مشاريع قائمة. وفي حالات أخرى، طُلب من جمعيات إغلاق حساباتها البنكية دون تقديم مبررات واضحة.
ووفق تقرير منظمة العفو الدولية حول تونس، تؤكد المنظمة أن السلطات لجأت إلى تجميد الحسابات البنكية وتعطيل المعاملات المالية لعدد من منظمات المجتمع المدني، ما انعكس بشكل مباشر على قدرتها على مواصلة أنشطتها. كما يشير التقرير إلى أن هذه الإجراءات الإدارية والقضائية عرقلت بشكل كبير الموارد القادمة من المانحين الدوليين نحو الجمعيات، متسببة في تأخيرات طويلة وشلل جزئي في عمل العديد منها.
هذه الأرقام لا تعكس فقط تعقيد المسارات الإدارية، بل حجم الأثر الفعلي أيضًا: جمعيات تقلّص أنشطتها، أخرى توقف برامجها، وبعضها يُجبر على إغلاق مكاتبه بالكامل. هكذا، يتحوّل التمويل، وهو شرط أساسي لوجود الجمعيات، إلى نقطة هشاشة مركزية.
في موازاة ذلك، يظهر منحى آخر يتمثل في استهداف الجمعيات النشطة في مجالات الرقابة. فقد تم تجميد حسابات منظمات معروفة بعملها في مراقبة الانتخابات ومكافحة الفساد، ما أدى فعليًا إلى شلّ جزء من أنشطتها. وفي حالات مماثلة، رُفض اعتماد جمعيات لمراقبة الانتخابات بدعوى تلقي "تمويلات أجنبية مشبوهة".
تأثير التضييق على المؤسسات الإعلامية المستقلة
في 11 ماي 2026، ستنظر المحكمة الابتدائية بتونس في طلب حلّ يستهدف
جمعية «الخط» التي تشرف على منصة انكفاضة منذ سنة 2014.
ومنذ سنتين، تواجه الجمعية سلسلة من الإجراءات الإدارية والمالية والقضائية التي انعكست مباشرة على سير عملها اليومي. فمنذ 2024 وإلى غاية اليوم، تعرضت لتعطيلات متكررة في المعاملات البنكية، إلى جانب رقابات إدارية متصاعدة واستدعاءات في سياقات قضائية متفرقة. وقد أثرت هذه الوضعية على السيولة المالية للمؤسسة، وعلى قدرتها على التخطيط وتنفيذ مشاريعها التحريرية، كما فرضت ضغطًا متزايدًا على فرق العمل داخلها.
ورغم ذلك، تؤكد الجمعية أن هذه الإجراءات لا ترتبط بمضمون العمل الصحفي المنشور. فإلى حدود اليوم، لم يتم الطعن قضائيًا في أي من التحقيقات التي نشرتها منصة إنكفاضة من قبل الدولة التونسية، كما لم تُسجّل أي قضايا ثلب أو دعاوى مباشرة ضد هيئة التحرير تتعلق بالمحتوى، ولم تُطلب أي مراجعة قضائية للمضامين المنشورة.
في نفس الموضوع
غير أن مسارات بعض الملفات، سواء عبر الخطابات المتداولة حول التمويلات الأجنبية، أو عبر صياغة محاضر التحقيق، أو من خلال طبيعة بعض الاتهامات في سياقات إجرائية، تشير في مجملها إلى أن الاستهداف لا ينفصل عن طبيعة العمل التحريري نفسه، أكثر من ارتباطه بالجوانب المالية أو الإدارية. وبذلك، لا تُستهدف الجمعية باعتبارها كيانًا إداريًا فقط، بل بوصفها فاعلًا صحفيًا ينتج محتوى استقصائيًا مستقلًا.
وفي سياق متصل، أعلنت جمعية صحفيي موقع «نواة» أنها تلقت يوم 31 أكتوبر 2025 قرارًا يقضي بتعليق نشاطها لمدة شهر، وذلك ضمن سلسلة من الإجراءات التي استهدفت، حسب تعبيرها، عددًا من الجمعيات المدنية الناشطة. وقد أكدت الجمعية التزامها بتطبيق القرار مؤقتًا، مع الشروع في إجراءات الطعن القانوني فيه.
وأوضحت «نواة» في بيانها أنها التزمت بجميع التراتيب القانونية والإدارية المطلوبة، وقدّمت الوثائق في الآجال المحددة، مشيرة إلى أنها لم تتلقَّ ردودًا رسمية واضحة بخصوص ملفها، وهو ما اعتبرته جزءًا من مسار متوتر في علاقتها بالسلطات.
كما اعتبرت أن القرار جاء في سياق أوسع من الضغوط الإدارية والمالية والإجراءات الرقابية التي طالت نشاطها خلال الفترة السابقة، والتي قالت إنها أثّرت على سير عملها وعرقلت نشاطها الإعلامي. وجددت تمسّكها بمبادئ حرية الصحافة والتعبير، ورفضها لمحاصرة الإعلام المستقل والمجتمع المدني، معتبرة أن ما تتعرض له يندرج ضمن محاولات لتضييق الفضاء العام والحد من الأصوات النقدية.
وأكدت الجمعية، التي تأسست سنة 2004، أنها رغم هذه التطورات تواصل التمسك بخطها التحريري المستقل، مع التوجه إلى الطعن في القرار عبر المسارات القانونية المتاحة، دفاعًا عن حقها في مواصلة نشاطها الإعلامي.
خطاب "التخوين" كضغط رمزي
لا يقتصر التضييق على الجمعيات في تونس على الأدوات الصلبة مثل القضاء والرقابة المالية، بل يتغذّى أيضًا على مستوى رمزي أقلّ وضوحًا وأكثر تأثيرًا على المدى الطويل.
فمنذ سنة 2023، تصاعد خطاب عام يعيد طرح سؤال "شرعية" الجمعيات، لكن ليس من زاوية قانونية أو تنظيمية، بل من زاوية سياسية وأخلاقية، خاصة في ما يتعلق بالتمويل الأجنبي. في هذا السياق، لم يعد التمويل يُقدَّم كآلية دعم لأنشطة مدنية أو حقوقية، بل كمدخل للاشتباه، وعلامة على ارتباط مفترض بـ"أجندات خارجية". وهو ما ينقل النقاش من مستوى الشفافية والمساءلة إلى مستوى الولاء والانتماء.
هذا التحول لم يبقَ محصورًا في الخطاب السياسي، بل امتدّ إلى الفضاء العام، حيث يتكرر في وسائل الإعلام ويتكثف على منصات التواصل الاجتماعي. وفي أكثر من مناسبة، وُجهت اتهامات مباشرة لمنظمات غير حكومية بالعمل على "خدمة مصالح أجنبية" أو "تنفيذ مخططات لتوطين المهاجرين·ات".
وتبرز هذه الديناميكية أيضًا في حالات فردية، كما في قضية رئيسة جمعية "منامتي" سعدية مصباح، التي أُوقفت في 7 ماي 2024 وبقيت رهن الإيقاف لأشهر طويلة قبل إحالتها على المحاكمة، في ملف مرتبط بنشاطها الحقوقي في مجال مناهضة العنصرية ودعم المهاجرين·ات.
وتتجلى قوة هذا الخطاب بشكل أوضح عندما يتحول إلى حملات منظمة. ففي إحدى الحالات، عقب إصدار بيان مشترك من خمس وعشرين منظمة دعمًا لتحركات اجتماعية وبيئية، تعرّضت هذه المنظمات لموجة واسعة من الهجمات الرقمية، وُصفت خلالها بـ"الخيانة" و"الارتزاق" و"العمالة"، وترافقت هذه الاتهامات مع دعوات صريحة إلى منع التمويل الأجنبي.
تحولات الإطار العام للعمل الجمعياتي في تونس
على مستوى المناخ العام، تشير معطيات تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في 20 أفريل 2026 إلى تصاعد ملحوظ في الضغوط. فمنذ 2021، ومع تركّز السلطة التنفيذية، بدأت القيود تتراكم تدريجيًا لتبلغ في 2025 مستوى أكثر حدّة. في هذا السياق، سُجّل وجود ما لا يقل عن 12 ناشطًا من المجتمع المدني في السجن على خلفية قضايا مرتبطة بعملهم.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن السياق الأوسع. ففي بلد شهد بعد 2011 توسّعًا كبيرًا في المجتمع المدني بفضل المرسوم عدد 88، الذي كان يُعدّ من أكثر الأطر القانونية تحررًا في المنطقة، تبدو المؤشرات الحالية وكأنها تعكس اتجاهًا عكسيًا. فالقانون الذي كان يضمن حرية التنظيم والوصول إلى التمويل، أصبح يُستخدم، وفق تقرير منظمة العفو الدولية، كأداة لتعليق النشاط وتقييده.
في المحصلة، لا تتعلق المسألة فقط بـ14 جمعية تم تعليقها، أو 20 منظمة واجهت عراقيل مالية، أو عشرات النشطاء الذين خضعوا للتحقيق. بل تتعلق بصورة أوسع بشبكة من الإجراءات القضائية والمالية والإدارية المتداخلة، التي تُنتج واقعًا جديدًا تتحرك فيه الجمعيات داخل هامش أضيق، وتعمل تحت ضغط دائم.



