يحدث هذا في ظل ارتفاع عدد المساجين في تونس الى نحو 33 ألف سجين سنة 2024، بعد أن كان حوالي 23 ألفا فقط خلال سنة 2022، أي بزيادة تفوق 10 آلاف فقط خلال سنتين، في حين لا تتجاوز طاقة الاستيعاب الرّسمية للسجون 17 ألفا سجينا، مما يرفع نسبة الاكتظاظ الى ما يُقارب 194 بالمائة وقد تجاوز 200 بالمائة في بعض السجون، وفق التقرير السنوي للحقوق والحريات 2022- 2025، الصادر عن الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

حازم عمارة ( 24 سنة) أصيل منطقة قرمبالية من ولاية نابل، تم إيقافه يوم 12 جوان 2025، بسجن بلّي، إثر خلاف نشب بينه وبين أحد حرفاء المقهى الذي كان يعمل به. يُعاني هذا الأخير من أمراض مُزمنة وُلد بها، وهي مرض السكّري من الصنف الثاني الذي يستوجب حقن الأنسولين ثلاث مرات يوميا قبل الأكل، ومرض ثان نادر وخطير يُصيب القلب يُعرف بـ CMH المختصر لكلمة Hypertrophic Cardiomyopathy وتعني اعتلال عضلة القلب التضخمي، والذي يتطلب تناول أدوية قلب خاصة ومنتظمة، مثل دواء "ساكوفال" لتعويض ضعف عضلة القلب.
منذ اللحظات الأولى لدخوله السّجن، أحضرت، حياة، والدته ملفه الطبي والأدوية الخاصة به لكن إدارة السجن رفضت استلامها، متعلّلة بأنه يتم توفير كل شي للمساجين، كما أن "القاضي ومدير السجن تجاهلا حالته الموثقة"، وفق تعبير الأم.
بقي، حازم، في السجن لمدة خمسة أيام كاملة دون تناول أي نوع من أدويته (الأنسولين وأدوية القلب)، ورغم شراء والدته للدّواء من مالها الخاص ومحاولتها إدخاله السجن، واصلت الإدارة منع وصوله إلى المريض بانتظام.
مع بداية تدهور حالته الصحية وشعوره بالإغماء لفترات متواصلة بدأت الإدارة بإعطائه الأنسولين لاحقا وكانت تقوم بحقنه في منتصف الليل دون توفير طعام له وهو ما يتعارض مع بروتوكول علاج مرض السكري، ما أدى الى ارتفاع السكر في دمه وتضرر جسده.
تجاهلت إدارة السجن أيضا موعدا طبيا مهما كان مبرمجا له يوم 26 جوان 2025 لإجراء تحاليل خاصة بالسكري، رغم تسلمها نسخة من الموعد والملف. وبحلول الأسبوع الثالث لسجنه، بدأت حالة حازم تتدهور بشدة وأصبح يعاني من نوبات إغماء متكرّرة. وعندما كان زملاؤه في الزنزانة يستنجدون بالأعوان لإنقاذه، كان رد الإدارة المُروّع: "عندما يموت سنأتي لأخذه"، تتابع الأم.
تسجيل صوتي لحياة والدة حازم عمارة
يوم 7 جويلية 2025، نُقل حازم وهو في حالة انهيار تام وبدل من توجيهه إلى مستشفى الرابطة حيث دأب على العلاج تحت إشراف إطار طبي مطلع على تفاصيل حالته الصحية، تم توجيهه الى مستشفى الطاهر المعموري في نابل.
في اليوم الموالي، تمكنت، حياة والدته من رؤيته، فوجدته في وضع مأساوي "حيث كان جسده منتفخا وفاقدا للوعي ومقيّدا بسلاسل من يديه وقدميه الى السرير، وكان متروكا في غرفة بمفرده دون أية عناية مركزة أو أوكسيجين".
يوم 9 جويلية 2025، توفي حازم، دون أن يُبلّغ المستشفى وإدارة السجن والدته بذلك. واكتفى مركز الأمن بالتواصل في وقت متأخر من الليل مع أحد أقرباء العائلة ليُعلم الأم بضرورة التوجه الى المستشفى بصفة عاجلة بحجة أن إبنها في "حالة خطيرة". وعندما توجهت الأم الى غرفته هناك وجدتها فارغة، ليخبرها مريض مُسن مقيم بالمستشفى بأن حازم قد فارق الحياة منذ الصباح.
تحصلت، إنكفاضة، على نسخة من شهادة طبية لوفاة حازم، حيث يؤكد تقرير الطب الشرعي أن الوفاة وقعت يوم 9 جويلية 2025، على الساعة العاشرة و54 دقيقة صباحا، وهي ناجمة عن قصور قلبي حاد، وقصور الغدد فوق الكلوية واضطراب النظم القلبي.

يُفسّر المختص في أمراض القلب والشرايين الدكتور، ذاكر لهيذب، في حديثه لـ "انكفاضة"، تضخم عضلة القلب بأنه مرض جيني وراثي يتسم بزيادة سماكة عضلة القلب، مما يجعل المصابين به أكثر عرضة لخطر الموت الفُجئي. وينتج هذا المرض عادة عن قصور في أداء القلب أو عدم انتظام خطير في نبضاته، وهو ما يستدعي في بعض الحالات الخطيرة تركيب صاعق قلبي داخلي لحماية المريض، وهو ما ينطبق مع حالة حازم عمارة.
أما فيما يخص العلاقة بين المرض والوفاة داخل السجن، يؤكد لهيذب، أن بيئة السجن في حد ذاتها تفرض ضغطا نفسيا كبيرا يُشكّل خطرا مضاعفا على صحة هؤلاء المرضى مع الانقطاع عن تناول الأدوية بانتظام بسبب الإجراءات الإدارية، أو تغيير نوع الدواء، كما أن الضغط النفسي الشديد يُمثّل عاملا رئيسيا يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة تنتهي بالوفاة نتيجة توقف القلب الفجئي.
تسجيل صوتي لـ الدكتور ذاكر لهيذب

ضعف فادح في توفير الأدوية والرعاية الطبية داخل السجون
تعاني المنظومة السجنية من ضعف فادح في توفير الأدوية والرعاية الطبية المتخصصة الى جانب الظروف غير اللائقة لنقل المساجين المرضى نحو المستشفيات الخارجية. وبسبب هذا الإهمال وغياب جودة الخدمات الطبية والإسعافية، تتحول السجون الى بؤر لتفاقم الأمراض، حيث يتم احتجاز أشخاص في وضعيات صحية حرجة داخل ظروف غير إنسانية وتتجاهل الإدارة العقابية ضعفهم الجسدي واحتياجاتهم الطبية.
أدت هذه الانتهاكات والإهمال الطبي الى تسجيل حالات وفاة مسترابة لعدد من المساجين الشبان الذين كانوا يُعانون من أمراض مزمنة كأمراض القلب والسكري والاضطرابات النفسية. وثقت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عدة حالات في هذا الخصوص، منها حالة الشاب محمد أمين الجندوبي البالغ من العمر 22 سنة والمصاب بمرض السكّري، كان قد صدر في حقه قرار "عدم سماع الدعوى" منذ أشهر، لكن لم يُفرَج عنه، حسب رواية عائلته. نشرت والدته، خلال شهر جانفي، 2025 بثّا مباشرا يُوثّق لمعاناة إبنها خلال احتجازه، قائلة: " بقي محمد أمين مُقيّدا داخل السجن وهو يعاني من تدهور صحي شديد إلى أن دخل في غيبوبة". وبتاريخ 17 جويلية 2025، وثق فيديو انتشر على مواقع التواصل الإجتماعي إكتشاف العائلة وفاة إبنها منذ 10 أيام في مستشفى شارل نيكول دون أن تُبلّغ بذلك، الأمر الذي أثار غضبا واسعا واتهامات بالتعتيم والتقصير في الكشف عن الحقيقة. كذلك الأمر مع "وسيم الجزيري" وهو شاب يبلغ من العمر 25 سنة من مدينة صفاقس، يُعاني اضطرابات نفسية مزمنة وتم إيداعه السجن المدني بصفاقس. خلال آخر زيارة لوالده، أخبره أنه لم يتناول الطعام منذ أربعة أيام.
وفي اليوم الموالي، بتاريخ 19 جويلية 2025، علمت العائلة بوفاته دون الكشف عن أسبابها وظروفها الحقيقية.
ووفق نفس التقرير، اشتكى سجناء آخرون من تأخر جرعات "الأنسولين"، ما أدى إلى حالات إغماء عديدة. وقد وثقت تقارير الرابطة أيضا تأخر نقل السجناء الى المُستشفيات الخارجية حتى في الحالات المُستعجلة. وتُرجع الأسباب الى نقص الإطار الطبي وضعف التنسيق مع المستشفيات وعدم توفر وسائل النقل الكافية واللازمة في الحالات المُستعجلة، إضافة الى التهاون وعدم إيلاء هاته المسائل الأهمية اللازمة.
يفيد القاضي عمر الوسلاتي لـ "انكفاضة"، أنه وفق القانون عدد 52 لسنة 2001 المنظم للسّجون، تلتزم إدارة السجون بضمان الحقوق الأساسية للسجناء وعلى رأسها الحق في الرعاية الصحية. ويشمل ذلك التزام الإدارة باحترام السلامة الجسدية والمعنوية للسجين وتوفير الرعاية الصحية والنفسية، بالإضافة إلى توفير الادوية داخل السجن. وفي حال احتاج السّجين الى تدخلات طبية كبرى، يُلزم القانون إدارة السّجن بنقله الى المستشفى لتمكينه من الإقامة وإجراء العمليات الجراحية المختلفة.
وترتكزُ القاعدة الثانية في نظام الرعاية الصحية للسجناء، وفق الوسلاتي، على مبدأ مجانية العلاج، حيث تتكفل إدارة السجن بتوفير العلاج والأدوية بشكل مجاني تماما للنزلاء.
الإهمال الطبي عقوبة مضاعفة
لم تكن تجربة رشاد طمبورة في السجون التونسية، الممتدة من سنة 2023 الى غاية 2025، مجرّد سلب للحرية، بل كانت رحلة قاسية من المعاناة الصحية المتواصلة على مدى سنتين. حوكم رشاد، وهو فنّان شاب، بتهمة "إهانة رئيس الدولة" ونشر "أخبار زائفة" بسبب جداريّة نشرها. تنقل طيلة فترة محكوميته بين سجون المنستير وزغوان وسليانة وصولا الى سجن المرناقية. وواجه واقعا طبيا مريرا يعكس إهمالا لحقوق السجناء المرضى، بداية من أمراض الأسنان الى أمراض الجهاز الهضمي.
بدأت معاناته من سجن المنستير مع آلام الأسنان الحادة، حيث كان يضع تقويما للأسنان يتطلب تدخلا طبيا معدوما داخل السجن. وأمام تجاهل إدارة السجن لوضعيته وتأخر الإجراءات الطبية، اضطر للجوء إلى حلول بدائية لتخفيف أوجاعه مثل إستعمال ماء ساخن في قطعة قماش، ومقايضة طعامه و"سجائره" بالحصول على مسكنات الألم من مساجين آخرين. أدى هذا الوضع المتردي الى فقدانه القدرة على مضغ الطعام وتدهور حالة أسنانه بشكل كبير.
يقول رشاد لـ "انكفاضة": فقدت 3 أضراس وسنّا من الجهة الأمامية، وبما أنه لا توجد مرآة داخل السجن، فلا يعلم المريض بسقوط سنّه إلا إذا شعر بالفراغ في فمه أو إضطرّ الى مضغ الطعام على جهة واحدة".
لم تتوقف معاناته عند هذا الحد، بل إمتدت لتشمل جهازه الهضمي، حيث أدت رداءة الأكل الملئ بالبهارات الحارة الى إصابته بمشاكل في المعدة والإمساك الحاد ومرض البواسير.
تنضاف إلى كل ذلك، طبيعة التعامل الطبي التي زادت من قسوة وضعيته الصحية، حيث اعتبر رشاد أن الحرمان من الرعاية هو "جزء من العقوبة السّجنية" التي يجب أن يتحملها السجين. ورغم تمكنه من الحصول على رِيجيم طبي خاص وهو عبارة عن "بطاطا مطبوخة وعلبة حليب" بعد نقله إلى سجن صوّاف في زغوان ثم سجن سليانة، إلا انه واجه تعنّتا جديدا إثر نقله إلى سجن المرناقية، حيث تم تجاهل ملفه الطبي وحرمانه من نظامه الغذائي ومن الأدوية أمام لامبالاة الأطباء. "هذا الإهمال يرتقي إلى مستوى "التنكيل" والمصادرة المباشرة لأبسط الحقوق الدستورية والإنسانية"، يستنكر رشاد.
بناء على معاينة الناشط الحقوقي، غيلان الجلاصي، لسجنَي المرناقية وبرج العامري في إطار الزيارات التي تقوم بها عدد من المنظمات الحقوقية مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وجمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات والهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، فإن حالات صحية عديدة داخل السجون تحتاج الى تدخل طبي عاجل إلا أن الإجراءات والبيروقراطية داخل السجن تؤخر هذه التدخلات، وهو ما يفاقم الأوضاع الصحية للمرضى المساجين.
يقول الجلاصي لـ "إنكفاضة" : "هناك حالات تتطلب تدخلا طبيا خلال شهر على أقصى تقدير، تُجرى أحيانا بعد شهرين أو ثلاثة، كما أن عملية إدخال الأدوية لا تتم بسهولة، حيث يقع رفض طلب العائلات تقديمها لذويهم بحجة أن إدارة السجن توفر جميع الأدوية، لكن الإجراءات البيروقراطية تُعيق الحصول عليها".

وثّق تقرير جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحرّيات، وجود حرمان ممنهج من الحق في الصحة، يبدأ من غياب الفحص الطبي الأولي عند دخول السجن، ويمتد ليشمل النقص الفادح في عدد الأطباء مقارنة بـالأعداد الكبيرة للنزلاء. وتبرز خطورة هذا التجاهل في الرفض المتكرّر لإدارة السجون توفير الأدوية الحيوية للمرضى، كحرمان الموقوفين من جرعات الأنسولين وأدوية القلب، والتشخيص الطبي الخاطئ لأمراض خطيرة كالسرطان، وتأخر إحالة الحالات الحرجة الى المستشفيات الا بعد تدهورها ووصولها لمراحل يصعب تداركها". وقد أدت هذه الممارسات والتقصير في التدخل العاجل إلى إزهاق أرواح العديد من السجناء، وتحويل العقوبة السجنية من وسيلة للردع والاصلاح الى حرمان من الحياة.
الاكتظاظ داخل السجون يُعمّق الأزمة
يمثل الإكتظاظ وظروف النظافة الشخصية للمساجين فصلا كارثيا من فصول مأساة المساجين، إذ تضم الغرفة الواحدة في السجن نحو مائة سجين، كما هو الحال في سجن المنستير و150 سجينا في سجن المرناقية، ولا يتوفر فيها سوى 3 و4 دورات مياه.
تُعرّف المفوضية السامية لحقوق الانسان ومختلف الهيئات الأممية الاكتظاظ السجني بأنه "تجاوز عدد النزلاء القدرة الإستيعابية الفعلية لوحدة سجنية، ما يعيق التمتع بالحدّ الادنى من الحقوق الأساسية". ووفقا للمعايير الدولية، لا بدّ أن يحظى كل سجين بمساحة لا تقلّ عن 4 متر مربّع في غرف النوم الجماعية مع وجود تهوئة طبيعية وشروط صحية لائقة وإمكانية الحركة داخل الوحدة السجنية خلال النهار. إلا أن الوضع في تونس، لا يرقى في الغالب الى هذه المعايير.
تشير تقارير الزيارات السجنية للرّابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان إلى أن بعض السجون تشهد نسب إكتظاظ تفوق 150% من طاقة استيعابها على غرار السجن المدني بالمهدية الذي بلغت نسبة الاكتظاظ فيه 180% (يبلغ العدد الجملي للنزلاء 1522 سجينا، في حين أن طاقة الإستيعاب محدّدة ب850 نزيل). ولا تتجاوز المساحة المخصصة للنزيل الواحد أحيانا 1.5 إلى 2 متر مربع، في ظروف غير صحية ولا إنسانية، كما جاء تقرير في فريق الزيارة للسجن المذكور بتاريخ 20 أوت 2024. نفس الوضع تكرّر في السجن المدني بالقيروان الذي تُحدّد طاقة إستيعابه بـ 270 سريرا، في حين بلغ عدد النزلاء 680 نزيلا، بتاريخ 13 نوفمبر 2024. وبلغ عدد المقيمين مثلا بالغرفة عدد 6 منه، 130 نزيلا، في حين أن فيها 42 سريرا وتتسم بالرّطوبة والإتّساخ وإكتظاظ الأدباش والأمتعة، إضافة إلى تفشي رمد العيون في صفوف بعض الموقوفين.

بعد فترة من سجنه، أصيب رشاد بفطريات جلدية بسبب " البيئة الموبوءة" داخل الزنزانات التي تعاني من رطوبة عالية جدا وانعدام التهوية وعدم دخول أشعة الشمس، كما ساهم الاكتظاظ الشديد، في سجن صوّاف بولاية زغوان ، حيث يتواجد بين 130 و 150 سجينا في الغرفة الواحدة إلى جانب انعدام مواد التنظيف، في إصابته بالحساسية وانهيار جهاز المناعة لديه بمجرد دخوله السجن.
ومع غياب التهوية ونقص دورات المياه، تنعدم مقومات النظافة الأساسية، إذ لا توفر الإدارة مواد التنظيف والـمعقّمات كالـ "جافال" ولا توزع سوى ربع قطعة صابون كل عدة أشهر، مما يجبر السجناء على شرائها من أموالهم الخاصة.
في هذا الصدد، يؤكد القاضي، عمر الوسلاتي، أنه إلى جانب الرعاية الطبية تتحمل إدارة السجن مسؤولية توفير الخدمات المتعلقة بالنظافة والاستحمام وهي من الضروريات والمسؤوليات المحمولة على السجن والتي يجب ضمان توفيرها للحفاظ على صحة النزلاء.
وفقا للزيارات التي أجرتها الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، والمُضمنة في تقرير نشاطها الثاني من الفترة بين 2028 و 2021، تعاني غرف الاحتفاظ من القدرة الاستيعابية المحدودة وعدم ملاءمتها للعدد الكبير من المحتجزين. وتتفاقم الأوضاع بسبب ضعف التهوية وانتشار الروائح الكريهة واتساخ الأغطية وأدوات النظافة غير الكافية مثل الصابون والمطهرات.
تتفاقم هذه الأوضاع في بعض المناطق مثل إقليم الأمن الوطني بالقصرين، حيث توجد غرف الاحتفاظ في أقبية رطبة تفتقد الى ضوء الشمس، مما يزيد خطر انتشار الأمراض، حسبما جاء في تقرير الرابطة التونسية لحقوق الإنسان. كذلك تحولت الظروف المتردية داخل السجون الى عائق يمنع السجناء من أداء واجباتهم مثل تنظيف ثيابهم وأيضا غرف الإيداع والورش، كما جاء في الفصل 20 من قانون عدد 52 لسنة 2001 الذي ينص على عقوبات تأديبية يتعرض لها السجين في حال الإخلال بواجباته، أو المساس بحسن سير السجن، أو الإخلال بالأمن فيه. يحدث هذا لأن إدارة السجن لا تُوفر سوى كميات قليلة من المطهرات والصابون الأخضر لا تكفي لتنظيف البطانيات والأغطية التي لا يتم تغييرها بانتظام. ويزيد الوضع سوءا مشاركة الأغطية التي تجلبها العائلات بين السجناء لفترات طويلة، مما يزيد خطر انتشار الأمراض المعدية، خاصة الجرب، في ظل منع إستخدام مطهر "الجافال" في معظم السجون، باستثناء سجن النساء بمنوبة .
يُشير التقرير السنوي للحقوق والحريات للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، إلى أن الوضع الصحي داخل السجون التونسية يعاني من تدهور خطير، ويعود ذلك بالأساس إلى أزمة الاكتظاظ الحادّة. ويؤدي هذا التكدس البشري الى تردي الشروط الصحية والإنسانية ويُسهّل انتشار الأمراض المُعدية بين السجناء في ظل عدم توفير أسرّة ومراحيض بأعداد كافية، مما يجعل مستوى الرعاية الصحية داخل السجون التونسية أقل بكثير من المقاييس الدولية الدنيا ويزداد الوضع سوءا مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف. وهو ما أكده المحامي سمير بن عمر الذي يعتبر أن وضع السجون يزداد سوءًا نتيجة التواجد في فضاءات مُغلقة ينتشر فيها التدخين بكثافة، مما يضر بصحة غير المدخّنين. وبسبب العدد الكبير لللمساجين، تعجز الدولة عن توفير رعاية صحية كافية لهم "لتصبح المنظومة السجنية غير متوافقة حتى مع القوانين التونسية النافذة".
من جهته، يندد الناشط غيلان الجلاصي بغياب المساحات الشخصية في غرف السجن نتيجة الاكتظاظ بدرجات متفاوتة، حيث لوحظ انتشار العدوى وظهور طفح جلدي على عدد من المساجين. هذا إلى جانب تواتر الشكاوي من آلام الظهر نتيجة النوم على كرتون لعدم توفر حشايا كافية، وهناك من ينام في الممرات لعدم توفر أماكن في الغرفة. ويضيف الجلاصي أنه "توجد نوافذ وتهوية داخل الغرف لكن عددها غير كاف بالمقارنة بالمساحة التي تفرضها المعايير الدولية".

انتهاكات جسيمة للمواثيق الدولية
تشكل كل هذه الأشكال من التقصير انتهاكات جسيمة للمواثيق الدولية التي وقعت عليها تونس، وعلى رأسها المادة 12 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي صادقت عليه بلادنا سنة 1969، حيث تقرّ الدول الأطراف الموقعة عليه، بـحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه، والقاعدة 24 من قواعد "نيلسون مانديلا"، وهي قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، والتي تلزم الدولة بتوفير رعاية صحية للسجناء تُكافئ تلك المُتاحة في المجتمع الخارجي.
وتؤكد الانتهاكات المتكرّرة في السجون التونسية أنها ليست مجرّد حالات معزولة، بل تعكس ثقافة سائدة و"عقلية أمنية" تعتبر السجين مسلوب الإرادة ومُجرّدا من حقوقه الأساسية. وأمام هذا المشهد القاتم، يبرز مطلب ملحّ بضرورة صيانة السجون وتجهيزها بمراكز طبية متطورة، وتفعيل المتابعة الصحية الدورية للنزلاء للحد من سياسة الإفلات من العقاب وإنقاذ الأرواح خلف القضبان.
شدّد تقرير جمعية "تقاطع من أجل الحقوق والحريات" على أن عمل أعوان الأمن والسجون والإصلاح " يقتضي احترام منظومة حقوق الإنسان وتطبيق مقتضيات العمل المتعلقة بحقوق الأشخاص المحرومين من الحرية، بما في ذلك تمكينهم من حقهم في الرعاية الطبية والامتناع عن كل أشكال سوء المعاملة، والتعنيف والمعاملة المهينة والإنسانية."
من جهته، يرى المحامي سمير بن عمر أن معالجة أزمة نقص الرعاية الصحية داخل السجون التونسية تتطلب إصلاحا يشمل كامل المنظومة السجنية ومراجعة المنظومة الجزائية وتحديدا فيما يخص ترشيد إصدار بطاقات الإيداع بالسجن للتقليص من عدد المساجين قدر الإمكان. وهذا التوجه من شأنه أن يخفف العبء على السجون، مما يتيح للدولة القدرة على توفير مؤسسات سجنية تحترم وتوفر الحد الأدنى من المعايير الدولية المتعلقة بحقوق السجناء ورعايتهم.
تسجيل صوتي لـ الأستاذ سمير بن عمر
راسلنا وزارة العدل المشرفة على الإدارة العامة للسجون والإصلاح للاستفسار عن تواتر حالات الوفاة نتيجة نقص الرعاية الطبية وعدد الأطباء المخصصين للسجون وتوزيعهم على الجمهورية والاعتمادات المخصصة للنظافة، لكن لم نتلقّ الرد الى غاية نشر هذا التحقيق.
في الأثناء، يبقى وسيم الجزيري، محمد أمين الجندوبي، عبد السلام زياني وحازم عمارة وغيرهم عينات عن الإهمال الصحي داخل السجون التونسية الذي يُضاعف معاناة السجين إلى جانب عقوبة سلب الحرية. ورغم أن الحق في الصحة يكفله الدستور التونسي والمعاهدات الدولية، تغيب الإصلاحات الهيكلية للمنظومة السجنية وتتواصل انتهاكات الكرامة الإنسانية داخلها.

