بعد أيام قليلة من لقائه برئيسة الحكومة بقصر قرطاج يوم 27 أكتوبر 2025، جدّد رئيس الجمهورية قيس سعيّد التأكيد على أنّ تونس تعيش “مرحلة تاريخية فارقة”، وأنّ الخيارات الجاري إعدادها “لن تُخيّب آمال الشعب”، مشدّدًا على عدم التراجع عن الدور الاجتماعي للدولة وفتح آفاق جديدة لمن وصفهم بـ“ضحايا منظومة قامت على التجويع والتنكيل”.
بعد أسابيع، صادق مجلس نوّاب الشعب، يوم 4 ديسمبر 2025، على مشروع قانون المالية لسنة 2026، في جلسة اتخذت طابعا عاطفيا. إذ اعتبر رئيس المجلس إبراهيم بودربالة أنّ المصادقة تمثّل خطوة في مسار “القطع مع مخلّفات الحقبة السابقة” وتجسيدًا لـ“ثورة تشريعية” يُنتظر أن تنعكس على حياة المواطنين.
غير أنّ الاختبار الحقيقي لأي قانون مالية لا يكمن في الخطاب الذي يرافقه، بل في الأرقام التي يؤسّس لها: في كيفية تعبئة الموارد العمومية، وتوزيع النفقات، وأولويات الاستثمار، وطبيعة الخيارات الجبائية المعتمدة. من هذا المنطلق، تقدّم إنكفاضة قراءة تحليلية لقانون مالية 2026 من زاوية “الدولة الاجتماعية”، عبر تفكيك بنية الميزانية، ورصد مآلات الإنفاق الاجتماعي، وتقييم مستوى الاستثمار العمومي، وتحليل أبرز الآليات التي أُحدثت أو عُزّزت تحت عنوان العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة.
دولة المجبى: من يدفع كلفة الميزانية؟
تُقدَّر مداخيل الدولة لسنة 2026 بنحو 52,56 مليار دينار، مقابل 50,03 مليار دينار في 2025، أي بنموّ حقيقي محدود لا يتجاوز 0,23%. في المقابل، ارتفعت النفقات إلى 63,58 مليار دينار، مسجّلة نموًا حقيقيًا بنسبة 0,82%. ونتيجة لذلك، اتّسع عجز الميزانية ليبلغ 11,02 مليار دينار، مقابل 9,8 مليار دينار في السنة السابقة.
تعكس هذه الأرقام اختلالًا هيكليًا مزمنًا: نموّ بطيء في الموارد العمومية يقابله توسّع أسرع في النفقات، ما يدفع الدولة إلى تعميق العجز واللجوء المتواصل إلى الاقتراض.
وتُهيمن الموارد الجبائية على إجمالي مداخيل الدولة، في حين تبقى المداخيل غير الجبائية والهبات محدودة نسبيًا، ما يجعل المالية العمومية التونسية شديدة الارتهان للضرائب كمصدر شبه وحيد للتمويل.
يرفض أمين بوزيان، الباحث في مركز علي بن غذاهم للعدالة الجبائية، مقاربة تحليل الميزانية من زاوية “الضغط الجبائي”، معتبرًا أنّها تنتمي إلى منطق نيوليبرالي قديم:
“المسألة ليست في ارتفاع الضرائب من حيث المبدأ، بل في بنية اللاعدالة الجبائية. تاريخيًا، انتقل العبء من الفلاحين زمن انتفاضة علي بن غذاهم إلى العمّال والأجراء اليوم، في حين ظلّت فئات واسعة من أصحاب الثروات أقلّ مساهمة.”
ضرائب على الأجور… وأرباح أقلّ خضوعًا
تُظهر تركيبة المداخيل الجبائية اختلالًا واضحًا في توزيع العبء الضريبي. إذ تستأثر ضريبة الدخل على الأشخاص الطبيعيين بنحو 28,5% من إجمالي المداخيل الجبائية، وتشكل الضرائب على الأجور والمرتبات والجرايات وحدها قرابة 19%. في المقابل، لا تتجاوز مساهمة ضريبة الشركات 14,4%.
في صدارة الموارد الجبائية تأتي الضرائب على السلع والخدمات بنسبة تقارب 37,5%. ورغم حيادها الظاهري، تُعدّ هذه الضرائب من أكثر الأدوات الجبائية إجحافًا، إذ تُفرض بنفس النسبة على جميع المستهلكين دون اعتبار لقدرتهم الشرائية، ما يجعل أثرها أثقل على الأسر محدودة الدخل التي تخصّص جزءًا أكبر من ميزانيتها للاستهلاك.
ويُترجم هذا التوزيع إلى عبء جبائي أثقل على الأجراء والموظفين مقارنة بالشركات الكبرى والمجموعات الاقتصادية، التي تستفيد، وفق بوزيان، من آليات التهرّب أو “التحسين الضريبي”، بما يقلّص مساهمتها الفعلية في تمويل الميزانية.
مقارنة جداول الضرائب: الحالي 2025 / قبل 2025 / وجدول المعدلات الضريبية التي كانت سارية في تونس حتى نهاية الثمانينيات، مع نفس الشرائح الضريبية مُعدَّلة على أساس تطور الحد الأدنى للأجر (SMIC) ومعدل التضخم.
"تعد هذه النسب الضريبية الجديدة غير جريئة إذا اعتبرنا الدولة الاجتماعية نقطة الانطلاق، رغم أنّ الانتقال إلى عدد أكبر من الشرائح قد أفاد أصحاب الدخل المحدود"، حسب أمين بوزيان.
ومن جهة أخرى، يشهد مردود ضريبة الشركات فجوة متزايدة مقارنة بمساهمة الأسر في الضرائب المباشرة، فقد كان مردود ضريبة الشركات حتى عام 2014 مكافئًا تمامًا لمردود ضريبة الدخل، قبل أن تتسع الفجوة مع خفض معدل ضريبة الشركات من 30% إلى 25%. لتصل هذه الفجوة اليوم إلى نحو 97.22%، أي ما يقارب الضعف. في حين كانت 0.52% سنة 2014.
يعد الأداء على القيمة المضافة والاستهلاك أحد أبرز أشكال الضرائب غير المباشرة، التي تُفرض دون مراعاة القدرة الشرائية للمواطنين، ما يجعلها غالبًا "عمياء" و"غير عادلة". إذ تُعتبر ضريبة القيمة المضافة متساوية على الورق، لكنها تثقل كاهل الأسر ذات الدخل المحدود، التي تنفق نسبة أكبر من ميزانيتها على الاستهلاك، أكثر من غيرها. وتدفع الطبقات الشعبية نفس النسبة التي يدفعها الأثرياء، وهو ما يُعد غير عادل من منظور "العدل والإنصاف" المنصوص عليهما في الفصل 15 من دستور الجمهورية التونسية.
الدولة الاجتماعية في الإنفاق: أولوية مُعلنة واستثمار ضعيف
على مستوى النفقات، تتوزّع ميزانية الدولة أساسًا بين كتلة الأجور ونفقات التسيير والتدخل، في حين لا تتجاوز نفقات الاستثمار العمومي 10% من إجمالي الميزانية، مسجّلة تراجعًا مقارنة بسنة 2022 التي بلغت فيها 12,4%. وللمقارنة، تصل نسبة الاستثمار العمومي في المغرب لسنة 2025 إلى نحو 26%.
يرفض أمين بوزيان توصيف كتلة الأجور كعبء:
“لا يمكن الحديث عن إعادة تأهيل المرفق العمومي دون تعزيز الموارد البشرية. الدولة ما تزال في حاجة إلى انتدابات واسعة في الصحة والتعليم والنقل لضمان جودة الخدمات واحترام الحقوق الاجتماعية الأساسية.”
تمثّل نفقات الوزارات ذات الصلة بالدولة الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم والنقل والشؤون الاجتماعية، نحو 32% من الميزانية، مقابل قرابة 20% تُخصّص لوزارات الداخلية والدفاع والسجون والديوانة. ورغم هذا، تظلّ نفقات الاستثمار داخل هذه الوزارات محدودة، ما يحدّ من قدرتها على تحسين جودة الخدمات العمومية.
وفي المقابل، تهيمن كتلة الأجور في قطاعات الصحة والتربية والتعليم والتعليم العالي على إجمالي النفقات، وذلك على حساب نفقات الاستثمار التي ظلّت محدودة ومحتشمة، خاصة في مجالات التعليم والنقل والشؤون الاجتماعية.
كم تنفق الدولة اجتماعيًا فعلًا؟
لا يتجاوز الإنفاق الاجتماعي في تونس، عبر مختلف القطاعات الاجتماعية، نسبة 12% من الناتج المحلي الخام. وهي نسبة تظلّ دون مستوى دول كرّست الدور الاجتماعي للدولة في دساتيرها، مثل فرنسا (30%)، وإسبانيا (26%)، والبرتغال والنرويج (24%)، وحتى الولايات المتحدة (19%).
ويُحذّر بوزيان من أنّ هذا المستوى من الإنفاق يدفع عمليًا نحو خصخصة غير معلنة للخدمات:
“كلّ تقليص في الإنفاق العمومي يفتح المجال أكثر أمام السوق الخاصة، وهو ما يفسّر النزيف المتواصل نحو التعليم الخاص والمصحات الخاصة.”
إجراءات 2026: نقلة نوعية أم تصحيحات محدودة؟
يتضمّن قانون مالية 2026 جملة من الإجراءات ذات الطابع الاجتماعي، من بينها الترفيع الظرفي في المساهمة الاجتماعية للتضامن على الشركات، وإقرار أداء خاص دائم على أرباح البنوك، وتوسيع نطاق الضريبة على الثروة لتشمل الثروات العقارية والمنقولة.
غير أنّ هذه الإجراءات، رغم أهميتها الرمزية، تظلّ محدودة الأثر. فحسب بوزيان، “هناك تحسّن نسبي في تصاعدية النظام الجبائي، لكن استثناء بعض الأصول المالية يُضعف قدرة هذه الإجراءات على تمويل الدولة الاجتماعية بشكل فعلي”.
في مجال التشغيل، راهن القانون على تشجيع انتداب خرّيجي التعليم العالي في القطاع الخاص عبر تحمّل الدولة جزءًا من المساهمات الاجتماعية، والذي تلبغ نسبة البطالة بينهم قرابة 25% مع موفى الثلاثي الثالث لسنة 2025 من خلال تحمّل الدولة بصفة تنازلية ولمدّة خمس سنوات لنصيب المؤجّر من المساهمات الاجتماعية بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، انطلاقًا من تحمّل كامل بنسبة 100% في السنوات الأولى بالتدرج ليصل إلى 20% في السنة الخامسة. إضافة إلى انتداب اعوان الآلية 16 من غير المباشرين كما تقرّ الإجراءات الترفيع في الأجور والجرايات بعنوان سنوات 2026 و2027 و2028 وفق ما سيُضبط بأمر حكومي.
كما تم تخصيص اعتمادات إضافية لدعم مختلف الفئات الاقتصادية والاجتماعية، حيث بلغ الاعتماد المخصص لموارد الشركات الاهلية 35 مليون دينار، في حين خصص خط تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة بقيمة 10 ملايين دينار، وخط تمويل لدعم التمويل الذاتي لباعثي المشاريع الصغرى والمتوسطة بقيمة 23 مليون دينار.
كما تم إحداث خط تمويل لقروض دون فائدة لا تتجاوز 10 آلاف دينار للفئات الضعيفة محدودة الدخل بقيمة 20 مليون دينار، أي 2000 قرض, في حين تبلغ نسبة الفقر 16.4% حسب آخر مسح سنة 2021 مما يعادل قرابة المليوني مواطن.
رغم ما يحمله قانون مالية 2026 من مؤشّرات على رغبة في تعزيز الدور الاجتماعي للدولة، تكشف الأرقام أنّ هذه الإرادة تصطدم بحدود بنيوية عميقة: بنية جبائية غير عادلة، استثمار عمومي ضعيف، وإنفاق اجتماعي دون المستوى المقارن دوليًا. وبين الخطاب السياسي والميزانية، تظلّ الدولة الاجتماعية في تونس مشروعًا معلّقًا، لم يتحوّل بعد إلى سياسة عمومية متكاملة.

