الفصل 1 :

اللّغة والسّلطة : تفكير وتفكيك

توجد العديد من التعريفات للسلطة ولكن لا يوجد تعريف واحد يشمل كل المعاني والتشكلات التي يمكن لمفهوم السلطة أن يتضمنها. فمثلا، يتعامل علم الاجتماع وعلم النفس مع السلطة كمفهوم القدرة على السيطرة على الآخر، وكذلك قدرة الأفراد على تحقيق أهدافهم·ـن. وتبدو السلطة جلية في قدرة الأفراد أو المجموعات على فرض المخططات والتقييمات والخيارات على الآخرين والأخريات.  
18 دقيقة
reset
المحاور
من المؤكد أن اللغة أساسية لإحداث السلطة. وهي كذلك مكون رئيسي لبناء الواقع الاجتماعي. وعلى هذا الأساس، يصبح تعريف السلطة أيسر، إذا ما نقرن بينها وبين اللغة. وإذا ما وضعنا جانبا أشكال السلطة المادية، بما فيها من عنف جسدي - مثل العقاب والحروب والحبس وغيرها من أشكال العنف المادي، وفصلناها عن باقي أشكال السلطة، فإننا نلاحظ أن كل الأشكال الأخرى تمر ضرورة عبر اللغة، سواء عن طريق التوجيه (إعطاء الأوامر مثالا) أو الوساطة أو المقاومة. إذ يمارس البشر السلطة من خلال الكلمات والقنوات اللغوية في أغلب مهام الحياة اليومية.  

اللُّغَةُ وَالسُّلْطَة

اللغة هي الأداة التي تُستعمل لتحديد علاقات السلطة بين البشر، والتحكم فيها وتغييرها. ولقد أكدت عديد الدراسات في مجال الجندر وفي عدة مجالات أخرى، أن اللغة أداة للسيطرة والتسلط يستعملها بعض الأفراد والمؤسسات لفرض خطاب أو معايير معينة تخدم مصلحة فئة ما، وتحرم البقية من حقها في الاختيار. 

لا طالما ناقش·ـت الفلاسفة ورجال الدين والمفكرون·ـات عبر التاريخ دور اللغة وأصلها وعلاقتها بالسلطة. فيذهب ميشال فوكو، مثلا، الى تعريف اللغة كأداة للسلطة.

السلطة لا تقتصر على امتياز يمنح لشخص ما. بل تتكون من شبكة علاقات دائمة التوتر والتنازع، دائمة التواجد في النشاط، وهي أبعد من أن يمتلكها عدد من الأفراد. فتمارس السلطة عبر انتاج ومراكمة لعدة أنواع من الخطاب، متجاوزة بذلك كونها مجرد تعبيرات لنزاعات الهيمنة.

تساءل·ـت العديد من المفكرين·ـات عما إذا كانت للغة أي سلطة كامنة فيها. وقد أفادت العديد من الدراسات اللسانية أن اللغة لا تعكس فقط القوالب النمطية المتعلقة بأدوار الذكور والإناث بل تؤكدها وتنشرها بطريقة تضمن ديمومتها. وهي بذلك تعكس مواقف متحدثي اللغة ومتحدثاتها، دون أن يكون ذلك شرطا، عملا واعيا. وفي هذا، شكل من أشكال السلطة بدون وكيل (أو فاعل) واضح. وبذلك ننزع الى الاعتقاد أن للغة قوة متضمنة فيها. ذلك أنها تشكل هياكل الهيمنة وتعكسها وتؤكدها، دون وجود وكلاء فاعلين ظاهرين للعيان وراءها.

"السلطة موضوع النزاع البشري أكثر من النية أو القرار الواعي، فدراسة السلطة أحسن ما تكون عندما تتناول بالبحث نوايا أصحاب السلطة بالنظر الى ممارساتهم الفعلية على أرض الواقع. إن تطوير أشكال معينة من اللغة يستجيب لاحتياجات أصحاب السلطة ويعتمد على استعمال خاص للسلطة من خلال مختلف ممارسات الخطاب". ميشال فوكو.

ولكن إن ذهبنا في اتجاه هذا الاعتقاد، لا يجب أن ننسى أن اللغة في حد ذاتها، لا سلطة لها. فمتحدثو اللغة ومتحدثاتها، هم·ـن من لهم·ـن السلطة لاستعمال اللغة بطرق شتى. وبذلك، يُشكل الخطاب. ومن وراءه، تُشكل التمثلات والمواقف والرؤى التي تحدد التصرفات الاجتماعية واللسانية معا.

إن الوضعيات التي يمتلك فيها البشر السلطة ويستعملون اللغة ويستعملنها لغايات معينة، هي التي تعطي اللغة السلطة التي تفتقدها في غياب هذه الوضعيات. لا تتمظهر السّلطة في تجلّيات لغويّة واضحة، بل كثيرا ما تعمد إلى التّخفّي وراء مختلف القوالب اللّغوية والاجتماعيّة. نتيجة لهذا، تحتاج الدراسات العلمية الى النظر الى الوضعيات التي تنتج فيها التمظهرات اللغوية، لتكشف عن آليات السلطة المنتجة لها. ولذلك، يقوم المنهج الاجتماعي البنيوي مثلا، بتحليل كل محادثة تضم مجموعة، تحدث السلطة وتعيد إنتاجها وتقاومها، عبر استعمالها للخطاب وللاستراتيجيات التعاونية والقسرية معا.

وفي نفس سياق كشف جدلية السلطة والخطاب، يبين منهج التحليل النقدي للخطاب، أن أغلب المتحدثين والمتحدثات والكتاب والكاتبات يتبنون ويتبنّين التعريفات والقيم والمواقف التي تتخذها المجموعة صاحبة السلطة. ولهذا، وإن ادعت بعض التحاليل التزامها بالموضوعية، الا أنها تتبنى الايديولوجيا المهيمنة. كما أثبتت الدراسات في هذا المجال، الدور المهم الذي تلعبه اللغة في تشفير أو حياكة المسلمات التي تعتمدها المجتمعات، والتي تصنفها كأمر مفروغ منه، لتبعد عنها شبح المناقشة والتشكيك وتتخذها وسيلة لقمع التحديات واثباط التغيير.

منية بن حمّادي، مديرة تحرير موقع إنكفاضة.

دِرَاسَاتُ اللِّسَانِيَّاتِ الإجْتِمَاعِيَّة لِلْجَنْدَرْ     

تفيد مختلف الدراسات حول اللغة والجندر عبر الثقافات، أن اللغة تلعب دورا رئيسيا في البناء الاجتماعي للجندر. كما تشير أيضا الى الدور المحوري الذي تلعبه اللغة في التنشئة الاجتماعية للذكور والإناث منذ البداية. وقد تبين أن طريقة حديث الأكبر سنّا مع الأولاد تختلف عن طريقتهم·ـن في الحديث مع البنات. كما أن الرجال يتحدثون مع الأطفال بطريقة تختلف عن تلك التي تتحدثها النساء. فقد وجدت بعض الدراسات أن الآباء يقاطعون الأطفال أكثر مما تفعل الأمهات، ويقاطعون البنات أكثر من الأولاد. كما وجدت دراسات أخرى أن المعلمين الذكور يعطون أوامر للأطفال أكثر بكثير من زميلاتهم المعلمات. وبينت دراسات أخرى أن الأولاد في عمر الأربع سنوات يصدرون الأوامر أكثر من البنات في نفس العمر. إذن، فقد خلصت العديد من الدراسات والدراسات المقارنة الى أن الأولياء يلقنون ويلقنّ أولادهم·ـن وبناتهم·ـن الضوابط الاجتماعية لاستعمال اللغة منذ سنوات التنشئة الأولى، ويستعملون اللغة لتحقيق ذلك.

وقد لخص فيلبس وآخرون الأمر وببساطة كما يلي "يتحدث الأولياء بطريقة مختلفة عن بعضهم البعض، يتحدثون بطريقة مختلفة مع الأولاد عن تلك التي يتحدثون بها مع البنات ويتحدث الأولاد بطريقة مختلفة عن البنات".

أمال قرامي، جامعية وباحثة

تطور كل لغة في داخلها بعض الاختلافات التي تميز مجموعة عن أخرى مثل الاختلافات البسيطة في كلام الأصغر سنا بالمقارنة مع الشيوخ والإناث بالمقارنة مع الذكور وساكني منطقة جغرافية معينة وساكناتها مقارنة مع أخرى. قد تتصل هذه الاختلافات بطريقة النطق لبعض الأصوات أو في اختلاف المفردات وحتى في التركيبات النحوية. ومهما كان الاختلاف بين فئة وأخرى، ومهما كبر، فإن الاختلاف لا يتجاوز قدرة متحدثي اللهجة الواحدة ومتحدّثاتها على فهم بعضهم·ـن البعض، الفهم المتبادل¹ من دون أي صعاب أو مشقة. ويستعمل كل فريق هذه الاختلافات ليتميز به عن الفريق الآخر ويعلن عن هويته.

ويمكن أن نطبق نفس المبادئ على التباين اللغوي بين الإناث والذكور. فهنالك اختلافات بسيطة في اللغة للإعلان عن هوية المتكلم·ـة والمستمع·ـة وتبيان الجنس. وقد حدد النحويون قواعد التأنيث والتذكير بكل دقة ومن دون أي لبس. وأفردوا على سبيل المثال قواعد المفرد المذكر، والمفرد المؤنث، والمثنى المذكر، والمثنى المؤنث، والجمع المذكر السالم، والجمع المؤنث السالم، وجمع التكسير وغيرها من القواعد، إلا أن الفوارق بين طريقة كلام الإناث وكلام الذكور أعمق بكثير من القواعد النحوية. فمثلا لا تضبط القواعد النحوية مدى حرص الإناث عامة على احترام مبادئ التهذيب اللغوي في شتى المجتمعات، وإن فحصتها وأثبتتها العديد من الدراسات. كما سجلت دراسات أخرى استعمال الإناث لمفردات أو لطرق خاصة في الحديث يميزهن عن الذكور.

آمال قرامي، جامعية وباحثة

من الملفت للنظر أن اللسانيات الاجتماعية درست الفوارق الجهوية والطبقية سنوات قبل اهتمامها بالفوارق في منطوق النساء والرجال. كانت اللسانيات الاجتماعية تركز على المنطوق من الكلام، عكس اللسانيات النظرية، ولذلك حرصت على تسجيل ودراسة الفوارق في منطوق متساكني·ـات المدن بالمقارنة مع متساكني·ـات الريف، ثم فوارق المنطوق بين طبقة وأخرى. وكان الباحثون يعمدون الى تسجيل منطوق الرجال، فبدأوا بتسجيل الرجال الكبار في السن من سكان الريف، ثم غيروا عينات الدراسة لتشمل الرجال الشباب من سكان المدن، ومن أعراق مختلفة مثل الدراسات حول منطوق اليافعين السود في هارلم (لابوف 1972) معتبرين الرجال قلب المجتمع والنساء حواشيه غير المرئية. ولم تبرز الدراسات حول منطوق النساء الا في أواخر الثمانيات من القرن العشرين (انظر على سبيل المثال كوتس وكمرون، 1989).

هيكل حزقي، صحفي وناقد بموقع معازف

سرعان ما غيرت هذه الدراسات من كلمة الجنس الى الجندر باعتبار أن "الجنس" كلمة ترمز الى الفوارق الجسدية بينما ترمز كلمة "جندر" الى الفوارق الاجتماعية على أساس الجنس. بدأت دراسات اللسانيات الاجتماعية بضبط وتحليل الفوارق الجندرية بين جنسين اثنين فقط وسرعان ما أصبح الجندر لا يرمز فقط الى ثنائية الاناث والذكور بل يتعداها ليرمز الى تشكيلة من الذكورية والأنثوية تـ·يختار منهم المتكلم·ـة النوع الذي تـ·يبتغيه في أي لحظة تـ·يشاء. غير أن الترجمات إلى اللغة العربية تختلف من أدبيات إلى أخرى، مما يخلق نوعا من الإرتباك في التمييز بين المفاهيم من "جندر" و"جنوسة" و"جنسانية".

خُــوخَـة، ناشطة وكاتبة مستقلة

مَنَاهِجُ دِرَاسَة الفَوَارِقِ الجَنْدَرِيَّة

منذ أن نشرت روبن لاكوف كتابها الشهير "اللغة ومكانة المرأة" سنة 1975 طور·ـت اللسانيون·ـات أربعة مناهج لدراسة الفوارق الجندرية وهي كالآتي: (1) منهج العجز،(2) منهج الهيمنة، (3) ومنهج الاختلاف، (4) ومنهج البناء الدينامي أو الاجتماعي.

وأما المنهج الأول، منهج العجز (Deficit approach) فهو ما استعملته لاكوف في كتابها أين أرادت أن تجمع صفات ما أسمته بلغة النساء والتي وجدت أنها تتميز أساسا بالتميع والتهويل واستعمال كلمات جوفاء. ويصف هذا المنهج لغة النساء بالضعيفة لأنه يقارنها بلغة الرجال ولهذا نقده ونقدته كثيرون·ـات متهمين·ـات إياه بالاستناد إلى فرضية خاطئة والقائلة بأن لغة النساء أساسا معيوبة وأنه يتوجب على النساء أن يتعلمن كيف يتكلمن مثل الرجال إذا ما أردن أن يفرضن أنفسهن.

نسريـن الزهر، مختصة في اللسانيات وصحفية في الجمهورية.

أما المنهج الثاني، منهج الهيمنة (Dominance approach) فيعتبر أن النساء مجموعة مضطهدة ويتعامل مع الاختلافات اللغوية بين كلام النساء والرجال على أساس سيطرة الرجال وتبعية النساء. يركز الباحثون·ـات متخذو·ـات هذا المنهج على كيفية استعمال اللغة لتفعيل الهيمنة الذكورية وغالبا ما تتزامن السلطة والجندر معا. وغالبا ما يتواطأ النساء والرجال، عند استعمالهم·ـن للغة، في دعم وإدامة هيمنة الذكور وقمع الإناث.

منية بن حمّادي، مديرة تحرير موقع إنكفاضة.

وأما المنهج الثالث، منهج الاختلاف (Difference approach) فيطور الفكرة الأساسية وهي أن النساء والرجال ينتمون وينتمين الى ثقافات فرعية مختلفة. أتت هذه الفكرة كنتيجة ضجر النساء من معاملتهن كمجموعة تابعة وغير مرئية بما أن الثقافة هي أساسا ثقافة الرجال. ومع تنامي صوت المرأة، بدأت بفرض اختلافها وأصبحت تصدح بأنها تمتلك طريقة مختلفة عن الرجال في البيت والشارع والعمل. ويتميز هذا المنهج بأنه يسمح للدارسين·ـات بتناول منطوق النساء بعيدا عن أطر القمع أو العجز، والتركيز على مواضع القوة في كلام النساء والاستراتيجيات اللسانية التي تستعملها. وحذر·ـت النقاد والناقدات من عدم قدرة هذا المنهج عن الاستغناء عن منطق السلطة عندما يحلل الحوارات المختلطة بين النساء والرجال ولا يكتفي بتحليل لغة النساء فقط.

آمال قرامي، جامعية وباحثة.

أما المنهج الرابع والأخير، فهو أحدث المناهج ويسمى منهج البناء الدينامي أو الاجتماعي (the dynamic or social constructionist approach). يتناول هذا المنهج ديناميكية الحوارات وتـ·ينظر الباحثون·ـات الى كيفية بناء المتحدثين·ـات للجندر بطريقة ديناميكية متجددة. فلا تـ·يعتبر هؤلاء الباحثون·ـات الجندر كصفة ثابتة بل متحولة ومتغيرة تـ·يحققها المتحدثون·ـات كلما تكلموا وتكامن مع بعضهم·ـن البعض، سواء في حوارات تضم النساء فقط، أو تضم النساء والرجال، أو تضم أيا من المتحدثين·ـات الذين واللواتي يصفون أو يصفن أنفسهم·ـن خارج ثنائية الإناث والذكور.

منية بن حمّادي، مديرة تحرير موقع إنكفاضة.

سرعان ما بلغت نظريّة اضطهاد النّساء وسيطرة الرّجال حدّها حين تمّ التّفطّن إلى عدم إمكانيّة تطبيقها على كلّ السياقات التّفاعليّة، خاصّة تلك التي لا تضمّ إلّا المتحدّثين·ـات من نفس الجنس. كما تمّ انتقاد منهج الاختلاف لإهماله لهياكل السلطة التي بنيت على أساس الجندر. وبالرغم عن كل الانتقادات الموجهة لكلا المنهجين (منهج الاختلاف ومنهج الاضطهاد)، الا أنه كان لهما الفضل في تسليط الضوء على مفهومين مهمين وهما السلطة والاختلاف.

هذان المفهومان هما، الأساس في دراسة اللغة والجندر، وفي الاهتمام بالاختلافات الجندرية التي لم تدرس من قبل، وفي الكشف عن الترابط المتين الذي يجمع بين السلطة والاختلاف، وفي التأسيس لدراسات الجندر التي جعلت من الاختلافات اللسانية بين منطوق الرجال والنساء محل دراسة البناء المعياري كأضداد ثنائية.

وقد ابتعد المنهج الرابع وهو منهج البناء الاجتماعي عن استعمال الأضداد الثنائية لتفسير الاختلافات اللسانية بين النساء والرجال وحاول التخفيف من الادعاءات العامة التي أطلقها منهجا الاضطهاد والاختلاف، من خلال النظر إلى الجندر على أنه بناء لغوي يجب دراسته محليًا وفي الممارسات الفعلية (ايكرت ومككونل-جينات، 1992)،  محاولا، بذلك، إيجاد طرق لتجاوز التفكير الثنائي الصارم في بناء الجندر اللغوي (بينق وبرقفال 1996)، أو من خلال تقديم تحليلات نقدية للخطابات المعيارية المتعلقة بالجندر (بوشولتز 2003).

مِنَ الثُّنَائِيَّة نَحْوَ وَاقِعِ التَّعَدُّد

مهدت دراسات جوديت بتلر (1990، 1993، 1997، 2004) كثيرا لتأسيس نظرية "ما بعد البنيوي"(Poststructuralist) وجعلت الجسم البشري بناء خطابيا يمكن تصوره كخط تتعدد فيه الهويات الجندرية بعيدا عن الحدود المرسومة لاختلاف الثنائيات المتضادة: جسم الأنثى مقابل جسم الذكر. كما تنبه بتلر الى أن اقتصار تعريف الجنس على الذكر والأنثى فقط لا غير مفهوم غربي متجذر في المجتمعات الغربية يضع هذه التفرقة في خانة "الطبيعي" الذي لا يُناقش، وينفي نتائج العلوم البيولوجية التي تؤكد على التعدد لا الثنائية وبذلك يحجب التعددية في الجنس الواحد والاختلافات بين جنس وآخر.

وبالرغم عن كل هذه الاختلافات، يواصل الاستعمال اليومي للغة الإشارة الى جنسين فقط لا غير والاكتفاء بالتأكيد على الاختلافات بينهما منكرا كل الاختلافات الأخرى. ولا يكتفي الاستعمال اليومي للغة بتجسيد الجنس في كلمات وأشكال واضحة (هي/هو، بنت/ولد) بل ويذكر الناس "باحترام" الفوارق الجندرية والالتزام بالتصرف في حدودها.

وكلما حاول البعض بناء هوية خارج هذه الحدود كلما وقع الحط من هذه المحاولات ووصفها بغير العادية والشاذة لتنال غضب المجتمع وعقابه الذي قد يتخذ أشكالا متعددة وموجعة. فيحرم المجتمع، مثلا، هؤلاء "المارقين·ـات" من صفة العضو فيه ويسدل عليهم·ـن رداء يحجبهم·ـن ويفرض عليهم·ـن الصمت. كما يفرض المجتمع  التنميط على الذين يولدون واللّواتي يولدن بفوارق جسدية غير واضحة. ويتوقع منهم·ـن الخضوع لعمليات جراحية حتى يتمكن من تصنيفهم·ـن في أحد الجنسين، مما يعني أن المجتمع يفرض تغيير طبيعة الجسد حتى تتلاءم مع الخطاب الجندري المهيمن. ويتعرض الأشخاص الذين يرفضون واللّواتي يرفضن الانصياع للتصنيف الثنائي للكثير من الوصم الاجتماعي. وصم يتضح في كلمات شتى مثل المسترجلة، المخنث، المثليين·ـات، أو المتحولين·ـات جنسيًا. وبالرغم من وجود هذه الكلمات المختلفة للإشارة الى التعددية الجنسية إلا أن دلالاتها السلبية تحيلنا الى المعنى السائد وهو أن التعددية تعني أساسا الابتعاد عن الثنائية الأصل، الذكر والأنثى، وما تفرضه على المجتمع من وجوب احترامها والعمل على تطبيقها.

آمال قرامي، جامعية وباحثة.

30