شارك



أميرة، محاسبة في نزل، 730 دينارًا في الشّهر، تعطّلت عن العمل أثناء الكوفيد-19

03 سبتمبر 2020 |
أميرة، 27 سنة، تعملٌ محاسبة في فندق شامل الخدمات في جربة. مع وصول فيروس كورونا، توقف كل شيء بالنسبة لها. منذ بدء الحجر الصحي في شهر مارس وإلى حدود شهر أوت، لم تعمل ولم تتلق راتبها. الآن و قد بدأت قلّة من السّياح العودة بشكل طفيف لقضاء الصيف في تونس، عادت لوظيفتها، لكن وضعها لا يزال غير مستقرّ.

نشأت أميرة وسط قرية في الشمال الغربي لتونس، أين يعيشٌ والداها. بعد حصولها على شهادة الباكالوريا، انتقلت إلى ولاية المهدية لدراسة التصرف لمدة ثلاث سنوات، ثم تخصصت في مجال المالية. ترغبٌ أميرة في مزاولة الماجستير لكن وضعيتها الماديّة معقدة. تشرحٌ ذلك قائلة " في الوقت الذي أتممتٌ فيه الإجازة، كانت أختي قد بدأت دراستها. ولم يكن بإمكان والداي التكفل بمصاريفنا نحنُ الاثنتين معا".

عملت الشابَّة بعضَ الوقت في مركز نداء في العاصمة، والذي سرعانَ ما أفلسَ. ستةَ أشهر متتالية من البطالة قضَّتهم أميرة في منزل والديها. في حين تأتي بشكل منتظم إلى العاصمة لتقديم سيرتها الذاتية إلى وكالات أو وشركات ولكن يتم رفضها بشكل آلي. " يشترطونَ دائماً خبرةَ سنتين على الأقلّ، وهو ما لا أملكهٌ. ثم أنََه في تونس، يجبٌ عليكَ أن تكون صاحب علاقات نافذة حتى تجدَ عملاً".

" كانَ من الصعب جدًَا بالنسبة لي أن أكونَ عاطلةً عن العمل. لم يكن لديَّ المال لأشتري أبسطَ الحاجيات الأساسية مثل بطاقات شحن للهاتف أو تذاكر النّقل..."

طيلةَ أسابيع أٌصيبت أميرة باليأس من عدم الردّ. لكن في النهاية نجحت إحدى قريباتها في إيجاد عرض عمل لها لدى شخص يملكٌ عدَّة فنادق في المنطقة السياحية بمدينة جربة، كان بصدد البحث عن شخص يؤمِّنه على الحسابات. " كنتٌ سعيدةً جدَّا عندما حدَّثتني قريبتي بخصوص هذه الوظيفة! لكنَّ بُعد المسافة أخافني. لم أكن أعرفٌ أحدًا هناك".

سارت الأمور فيما بعد بشكل سريع. على أميرة الاستعداد لإجراء مقابلة في النزل بجربة. بدأت رحلتها بالذهاب إلى العاصمة رفقةَ أحد أقربائها وأولاده.  " ذهبناَ لزيارة مدينة الملاهي 'قرطاج لاند' في منطقة البحيرة لكننّي لم أحبّ ذلك اليوم كثيرا ولم أتوقف يومها عن البكاء لأنني كنت بعيدة عن أهلي و خطيبي...". 

في نفس اليوم حجزت أميرة مكانا في الباص الليلي المتجه إلى جربة. بعد قضاء ثمان ساعات في الطريق، استقبلتها أختٌ زوج قريبتها واستضافتها عندها. بعد يومين من وصولها ذهبت الشابة للنزل لتجري مقابلة مع مسؤول الموارد البشرية. تقول " أخبرني بأنه يدرك أنّي لا أمتلك الخبرة الكافية وأن هذا الأمر لن يكون عائقا، وأنه سيتم تكويني لمدة 10 أيام".

وسرعان ما أصبحت أميرة على دراية ببرامج المحاسبة و الأعمال الورقية في الفندق. تقومٌ الشابة بالعديد من المهام. تتابع الحجوزات والبيانات المالية والفوترة وما إلى ذلك.. " كنتُ سعيدةً لأنه كان مجالاً جديداً وفرصة للحصول على الخبرة".

في تلك الفترة كانت تتقاضى 500 د.ت. وتتمتع بعقد "الإعداد للحياة المهنية" (CIVP) : مبلغ 350 د.ت يدفعها المؤجر و150 د.ت المتبقية تتكفلُ بهم الدولة. وفي ظرف سنة من العمل أضيفت مهام أخرى لأميرة، حيث أصبحت مراقبة للعائدات المالية. و تغيرت صيغة عقدها مع النزل ليصل راتبها إلى 730 دينارا. " بدأتٌ العمل عن قرب مع مكتب الاستقبال و الحانة...باختصار باتَ عليّ مراقبة جميع الأموال المحصّلة في الفندق".

وفيما يلي لمحة عن مداخيلها و مصاريفها الشهرية:

حين تغيرت صيغة عقد أميرة، قررت الاستقرار في الغرفة الموفّرة لها من قبل الفندق. كانت الإدارة قد اقترحت عليها ذلك منذ وصولها لكنها رفضت، معلّلة ذلك برغبتها في البقاء مع أصهار قريبتها. لكنّها في هذه المرة قبلت تقاسم الغرفة مع زميلة لها. تضيفٌ مُرَحّبة بالفكرة " هذا الأمر سيسمح لي بالتقليص من مصاريف التنقل وسيتيحٌ لي مزيدا من الاستقلالية".

من خلال العيش هناك، توفّر أميرة الكثير من المال. إذ ليس لديها إيجار تدفعهٌ ومن ناحية أخرى تنفق مصاريف قليلة جدا. " أتناولُ الطعام في الفندق، ولستٌ مضطرة للدفع لسيارات الأجرة ... لقد بدأتٌ في إرسال الأموال إلى عائلتي و شراء أشياء صغيرة لنفسي ".

تسعى أميرة إلى توفير 150 دينارا شهريا على الأقل لأجل أمها و أبيها لأن مداخيلهما ليست قارة. والدها فلاح و يقوم أحيانا بأعمال صغيرة نظرا إلى أن والدتها ربَّة بيت. تضيف " أنا وأختي التي تعمل في العاصمة نتقاسم مصاريفهما". في بعض الأحيان عندما تمرض والدتهما أو عندما تطرأ أي مصاريف عاجلة، قد ترسل أميرة 500 دينار دفعة واحدة لأمها و أبيها.

بفضل المال الذي تدّخره أميرة تمكَّنت من شراء بعض المقتنيات لزفافها المقرّر خلال 2021 حيث اشترت الملابس، المواعين والأثاث لمنزلها المستقبلي. وتقدّر بأنها تنفق تقريبا 250 دينارا في الشهر على هذه الاستعدادات. كما تأمل " إذا سارت الأمور على ما يرام، كل شيء سيكون جاهزا للعام المقبل ولكن خطيبي يجبٌ أن يجد عملا في هذه الأثناء". عمل الشاب كنادل لبضعة أشهر لكنه فقدَ وظيفته خلال أزمة كوفيد-19. وحتى الآن، لم يتمكّن من إيجاد فرصة جديدة.

خلافا لذلك فإن أميرة قليلا جدا ما تنفق. حيث تشتري مواد التنظيف و العناية نظرا لأنها تأكل في الفندق. كما تتمتع فيه بخدمة الواي فاي المجانية ولا تستهلك إلا 10 دنانير في الشّهر لشحن هاتفها. أما بالنسبة لثيابها فهي تجدّدٌ خزانتها من فصل إلى آخر وتشتريها جميعها من سوق الملابس المستعملة "الفريب".

تؤكّد " ما يكلّفني المال حقّا هي المسافات التي أقطعها لرؤية عائلتي، ما بين سيارة الأجرة  ومحطة القطار، والحافلة إلى العاصمة، ومن ثمّ سيارة "النّقل الرّيفي" إلى بيتي..أصرفُ بسهولة 100 دينار في كل مرّة  بين ذهاب وإيّاب!"

عادة ما تقضِّي أميرة الليلة عند أختها في إحدى ضواحي العاصمة، حتى تستريحَ قليلا قبل الذهاب لرؤية أمّها و أبيها في اليوم الموالي. " عندما أذهبٌ إلى هناك أحاول الحصول على عطلة والبقاء لمدّة أسبوع. لذلك أذهب كل شهرين أو ثلاثة تقريبا".

فيما يلي تفاصيل نفقاتها و مداخيلها الشّهريّة :

المنطقة الرماديّة

عندما تفجّرت أزمة فيروس كورونا، تضرَّر قطاع السياحة كثيرا ولم ينجُ الفندق الذي تعمل فيه  من آثارها. تروي أميرة " الديوان الوطني التونسي للسياحة سرعان ما تواصل معنا حتى يشرحَ لنا التّدابير الصّحيّة التي يجب اتّخاذها. لكن مع نهاية شهر فيفري بدأنا بتلقّي إشعارات من الزبائن بإلغاء حجوزاتهم".

وسرعانَ ما بدأت تفرغ المؤسسة ولم يكن لأميرة شيئ تفعله. " بما أنه لم يكن لدينا زبائن، طلب منا رئيسنا في العمل توقيع إجازة بدون مرتب لأسبوع في الشهر". وعندما حان دور أميرة في الحصول على إجازتها "المُرغمة" مع منتصف شهر مارس، قررت الذهاب إلى قرية أمّها و أبيها. لكن بعد مدة قصيرة من وصولها تم الإعلان عن الحجر الصحي العام. بقيت محاصرةً هناك، وحتى الفندق الذي تعمل فيه قد أغلق أبوابه حتى إشعار آخر.

وعلى الرغم من تعليق العمل، كان من المفترض بها أن تتلقى راتبها. حيث تمَّ إقرار اتّفاق ثلاثي بين الدّولة والدّيوان الوطني التونسي للسياحة والفندق الذي تعمل فيه حتى تتحصّل على مدخولها: تمنحها الدّولة 200 د.ت كمساعدة في حين يجب على الفندق أن يدفع لها مجموعة المكافآت التي لم تتحصل عليها بعد.

تعلّق آسفة: " اتّصل بي رئيسي في العمل حتّى يشرح لي الوضعية،  مقترحا هذا الاتفاق. وافقت. وتلقّيت 200 د.ت من الدولة لكنني لم أتلقّ البتّة المبلغ المتبقّي من الفندق".

من خلال مبلغ 200 د.ت أمَّنت أميرة مصاريف البقالة خلال شهر رمضان لعائلتها. ومن ثمَّ كان عليها أن تعالج ألمها بالصّبر، راجية أن يُطلب منها العودة إلى العمل ويتمّ منحها ترخيصا حتى تتنقل في البلاد. خلال حديثها مع زملائها و زميلاتها كانت تعرف أن بعض الوظائف التي تعدّ أساسية هناك، كرؤساء المقابلات، وبعض الشّخصيات في الإدارة، وما إلى ذلك، قد تم الاحتفاظ بها. " كنت أعرفُ أن هناك عملا لي، الحسابات لا تتوقف فجأة! لكنهم كلّفوا فتاة أخرى بها كعبء جديد على مهامّها الأصليّة. كان من الأفضل بالنسبة لهم أن يقوم شخص واحد فقط بوظيفتين مقابل راتب واحد".

المستقبل

حتى بعد الحجر الصحي وإعادة فتح الفندق، بقيت وضعيّتها على حالها، إلى حدود شهر أوت، عندما تواصل معها مديرها. تقول " أخبرني بأنّه بدأ يتلقى فواتير أكثر تعقيدا لمجموعات من السّيّاح، وأنه في حاجة إليّ". لم تجرؤ أميرة على السّؤال عمّا إذا كانت ستتحصّل على راتبها خلال الأشهر الأربعة الماضية، لكنها مقتنعة بأنها لن ترى المال أبداً.

مرة أخرى تستعد الشابة للذهاب إلى جربة. وعلى الرغم من احتمال استعادتها لاستقلاليتها، إلا أنّها لا تبدو حقا سعيدة بالعودة إلى العمل. علاوة على أنها ستبتعد مرة أخرى عن عائلتها وخطيبها، كانت محبطة من تغير مسار الأحداث خلال الأزمة الصحية. لكن في نفس الوقت، حتّى   إذا ضمن لها رئيسها أنها ستعود إلى وظيفتها بشكل رسمي، يبقى لديها تخوّف من فقدان عملها مرّة ثانية في حالة عودة انتشار الوباء. وحتى تضمن استقرارا أفضل في المستقبل، بدأت أميرة البحث عن عمل في مكان آخر. " على الرغم من أنني أحب عملي كثيرا، لكن بالنظر إلى ما حدث سأضطر للبقاء في وظيفتي لحين إيجاد مكان أفضل".