حمروني وعزيز، ملامح عاملة وعامل بالجنس

تشترك حمروني امتهان العمل نفسه مع عزيز، دون أن يتمتعا بذات الحقوق. تعمل حمروني بالجنس المقنن أما عزيز فيعمل خارج إطار القانون. تختلف علاقة كلّ منهما مع الأمن، وحتى نظرات الناس إلى كلّ منهما لا تحمل أيّ قاسم مشترك.
بقلم | 10 مارس 2020 | 7 دقائق | متوفر باللغةالفرنسية
يعمل عزيز في المساء، بالشوارع والمقاهي وحتى بالحدائق. يسعى العامل بالجنس غير-المشرّع للحفاظ على سرّيته، فيتوارى عن أعين الشرطة، في نفس الوقت الذي يلوح فيه جليّا في أعين الزبائن. في المقابل، تعمل حمروني في وضح النهار، في زقاق من أزقة المدينة العتيقة بتونس، وعلى مرأى من الكلّ. محروسا بباب، يبقى عبد الله قشّ مكانا مرموقا لتوفير خدمات جنسية بتأطير من الدولة. منذ تسع سنوات، تزاول حمروني امتهان الجنس في هذا الزقاق.

الخطوات الأولى  

بدأت حمروني، أصيلة تونس الكبرى، ببيع الولاّعات على الأرصفة لتوفير مستلزمات بيتها وأطفالها الثلاثة. مضت تقريباً تسع سنوات منذ أن علمت بإصابة ابنتها بفيروس نقص المناعة البشري، عن طريق حقنها للمخدرات.

بين مصاريف الأدوية والعلاج، لم تعد حمروني قادرة على تولّي عبء النفقات بدخلها غير المستقر. مع أنها لا تعرف أحداً هناك، تبادر إلى ذهنها التوجه إلى عبد الله قش، لتطرق باب الزقاق طلبا لامتهان الجنس وبحثا عن رزق أوفر.

اتجهت ربّة العائلة إلى بلدية تونس. توضّح حمروني وجود "شرطة آداب تختص بمن يطلبن امتهان الجنس". هناك، أكّدت عزمها على اتّخاذ القرار وعدم ارتباطها بأحد، وهو شرط إلزامي للظفر بمكان بعبد الله قش.

"أما إذا رغبت يوما في الزواج، تتوجه العاملة بعبد الله قش بطلب لدى بوليس الآداب وتنقطع عن امتهان الجنس".  

فور وفودها، أقرضتها صاحبة الشقة ألفيّ دينار "كتشجيع". تسع سنوات مضت، ولازالت حمروني تسدد أقساط الدين، بضع عشرات من الدنانير تدفعها حمروني كلّ شهر.

على عكس حمروني، انساق عزيز إلى امتهان الجنس بمحض الصدفة. بينما كان في سن الثالثة أو الرابعة عشر، اعترض دربه رجل أجنبي. قال عزيز متذكراً، "على ما أعتقد، كان ذلك بالشارع أو على الشاطئ". انقضى على ذلك اللقاء أكثر من عشر سنوات، وأخذت بعض التفاصيل تتلاشى مع الوقت. يتذكر أن ذلك الرجل دعاه ليلعبا "لعبة الطبيب". رافقه الصبي عن طواعية، ولم يكن يعلم بما كان يخفي من نوايا. "لم أسع لشيء في البداية …"، هكذا باح عزيز.

بعد زمن قليل، شرع يمتهن الجنس. قال الفتى معلّلا، "حين تنتهج هذا الدرب، تصبح غير مبال. تحدّث نفسك قائلا: ما هو إلا دبر، ما هو إلا جسد، ما هو إلا فم…".

سرعان ما أصبح معتمدا على المال والهدايا التي تأتيه من شركائه، أصبح يتمشور كثيراً وينفق بلا حساب. قال في تفسيره الرصين، "كان ذلك سبيلا للحصول على أحدث والكمان على سبيل المثال، ربما يبدو الأمر تافها لكنه في أعين فتى لم يبلغ الثامنة عشر أمر عظيم".

الحياة اليومية

في عبد الله قش، تتقاسم حمروني شقة مع عدة زميلات. هكذا ينتظم كامل الزقاق، كلّ سمسارة تحوز عددا من الغرف في المساكن. تسعيرة الخدمات موحدة: "ثمان دينارات وخمس مائة مليم" كما تقول الفتاة. يقع توزيع المبلغ، فيما بعد، بين الفتاة وسمسارتها. من مجمل الأجر تظفر عاملة الجنس بثلاث دينارات، تنضاف إليها أحيانا بعض القطع النقدية من البقشيش.

أما عن حقوقهن، فعاملات المواخير لا يزاولن العمل أيام الجمعة، حينها تغلق أبواب الزقاق. تـ/يقوم طبيبـ/ـة بعيادتهن مرتين كلّ أسبوع قصد الفحص. أثناء الحيض، تُـ/يُبقيهن بمعزل عن العمل.

في المساء، عندما تغلق أبواب الزقاق، تسترسل العديد منهن في مزاولة العمل خارج إطار القانون. عندئذ، يتملصن من قانون الزقاق والخضوع لتعاليمه، فيحددن التسعيرة حسب العرض والطلب.

عزيز، لم يعش ذلك قطّ، فهو لا يعمل في إطار مقنن. حين كان يعمل بانتظام، كان يسعّر الخدمات من مائتي إلى ثلاثمائة دينار. معظم حرفائه من الأجانب، وبإمكانهم إنفاق مئات الدينارات لتقضية وقت معه، أحيانا، يقتصر ذلك على  العشاء. "ذلك أشبه بالمرافقة". لا يفاتح الشاب زبائنه في المال أبداً.

"لا يجب أن تبدي لهم أنك معهم من أجل المال، أو أنهم يدفعون مالا إزاء خدمات"، هكذا شرح الشاب. "أفضّل أن يكون ذلك من تلقاء أنفسهم".

لم يعد يمتهن الجنس منذ سنوات، قال عزيز مبرراً انقطاعه "أصبح ذلك مملاّ...، خِفت أن أُستهلَك. الحماس قلّ، ربمّا تغيرت حاجياتي مع تقدّم السن".

على الصعيد المالي، اهتدى عزيز إلى كسب رزقه بطرق أخرى بجانب الدراسة: يخصص وقتا كثيراً لبيع الاكسسوارات عبر النت. وقد ساعده هذا الشغف في تبرير مدخولاته المالية منذ صباه. يعتقد الشاب أن عائلته لا تستريب شيئا، عدا أمه التي لا ينطلي عليها الأمر.

الزبائن

عند تخطيه أبواب الزقاق، يجد الزبون نفسه إزاء جمع من النساء، ينتقى من بينهن من يريد جماعها. تعود الكلمة الفصل للعاملات، إذ يمكنهن الرفض إن استدعى الزبون شكوكهن أو ظهرت عليه أعراض إصابة. قالت حمروني ضاحكة "عاملات المواخير، قبل وقوع الجماع، يعرفن إن كان هناك شيء يستدعي الرّيبة!".

مع الوقت، يصبح بعض الحرفاء أوفياء. منهم من يهاتف حمروني قبل المجيء لتتحمم وتعدّ نفسها. أما الأغلبية فهم عابرون فقط. من حديثها معهم، علمت حمروني بأن معظمهم يأتون إلى العاصمة لأغراض مهنية، وعندما يفرغون "يعرّجون على الماخور".

أما بعمل الجنس غير المهيكل فتختلف العلاقة مع الزبائن. فإذا كان الحرفاء الجدد لا يقصدون عزيز إلا لنشاطات جنسية، فالمعتادون والأوفياء يُقبلون على خدمات المرافقة. 

على حد وصفه فـ"الأماكن السياحية هي الأشهر. هناك أماكن أكثر ارتياداً، كحديقة الباساج والبلفدير وحدائق أخرى". لكن تلك الأماكن يزداد بها خطر الاعتداءات لتواجد الأمن والمارّة.

المخاطر

زقاق عبد الله قش معروف لدى قوات الأمن، وهي التي تدخّلت لحمايته من محاولات الغلق إبان الثورة. مذّاك الحين وباب الزقاق يغلق كل ليلة، تفاديا لتسلّل أياً كان. علاوة على ذلك، يتضامن سكان الحيّ مع العاملات على صعيد يومي، ويحرسون/يحرسن تحركات المارة. حتى وإن وقع انفلات فإن قوات الأمن على مسافة ليست بعيدة.

من وجهة نظر وقائية، تتمتع عاملات المواخير بمراقبة صحية مرتين في الأسبوع. تـ/يمنحهن الطبيبـ/ـة بعض وسائل الوقاية، مع التأكيد على أهميتها في تفادي الإصابات والأمراض والحمل غير المرغوب. لكن تضطر حمروني من جهتها لشراء المزيد على نفقتها الخاصة. تحت إلحاح من بعض الزبائن ولرغبتها في توفير بضعة دنانير، تتخلّى حمروني عن الوقاية أحياناً.

أما عزيز فلم يكن يعتمد الواقي في علاقاته، "من المثير أن تركب المخاطر وتغامر…" في سن الثالثة والعشرين، يقصد مكتب الجمعية التونسية لمقاومة الأمراض المنقولة جنسيا والسيدا للفحص. أصيب بالدهشة حين اكتشافه عدم حمله للفيروس. تذكر قائلا، "لم أتمكن من استيعاب الأمر! حتى أعضاء وعضوات الجمعية ذهلوا/ذهلن". أما الآن فقد أصبح حذراً، يضع واقيا مع كل اتصال جنسي.

من المخاطر الأخرى التي تواجه عاملا بالجنس ينشط خارج إطار القانون، هي إيقافه من قبل الأمن. كان عزيز دائم الحرص في هذا الصدد. قال مصرحا "كنت أتفادى المرور بالنزل، أذهب إلى أماكن أخرى عدا النزل. لدى الأصدقاء/الصديقات، أو لدى الحريف…"

يشرح عزيز بأن تواجد عامل الجنس رفقة رجل متقدم بالسن "يجعلهم يحزرون، فهم ليسوا أغبياء. إنهم ذئاب، يريدون نصيبهم من الكعكة. هي فرصة بالنسبة لهم: إما يمارسون معك الجنس، أو يأخذون نصيبا من الأرباح" كثمن لصمتهم.

رغم حذره ومعارفه داخل سلك الأمن، لم ينجُ عزيز من الإيقافات. قبل الثورة، بينما كان ينتظر حريفا بمطار المنستير، استدعته الشرطة لاستجوابه عن سبب وجوده هناك، من ثم حولته إلى قسم الأمن. يتذكر عزيز قائلا،"قضّيت طوال الليل والنظرات ترمقني مع السخريات، 'آه، ميبون* تونس'...".

المستقبل

تدفع مشقة امتهان الجنس -إن كان مقننا أم لا- بالكثير من العاملات/ين إلى تغيير المهنة أو الحدّ من النشاط على الأقل.

على سبيل المثال، لا يحمل عزيز أملا في غد مهني أو عاطفي. وهو على اقتناع بحتمية إكمال حياته وحيداً. باح الفتى قائلا، "إن الأمر آيل للفشل لا محالة. لعلّي بالغت أو تخطيت الحدود". يشعر الشاب بالتمييز بسبب ميوله الجنسية، علاوة على عمله السابق بالجنس. حتى مع انسحابه من ذلك الوسط، بقي عزيز يلعب دور الوسيط بين الحرفاء وعاملي/ـات الجنس من صداقاته.

"دائما ما نُبقي ساقا داخل الوسط ونحتفظ بدائرة معارفنا. من يعلم؟ قد يكون ذلك مفيدا".

أما أولوية حمروني الآن فهي رعاية ابنها الذي يزاول الإعدادية. توفيت ابنتها المصابة بفيروس نقص المناعة في 2016، بينما تقبع ابنتها الصغرى خلف القضبان لتعاطي المخدرات. ترجو الأم تغيير مهنتها، لكنها تخشى مغبة الصعوبات المالية إذا اعتزلت عمل الجنس. تمكنت حمروني، بمساعدة الجمعية التونسية لمقاومة الأمراض المنقولة جنسيا والسيدا، من تعلم الحياكة وفن الكروشيه على أمل احترافهما. كما تمنحها الجمعية مبلغا ماليا لتستقل تدريجيا عن امتهان الجنس.