من المستفيد من مضامين صفحات الفايسبوك التونسية المرتبطة بإسرائيل؟

  أعلن فايسبوك يوم 16 ماي 2019، إغلاقه لـ265 حسابا مرتبطا بشركات إسرائيلية هدفها التأثير في الرأي العام، خاصة في عدد من الدول الأفريقية. كان لتونس نصيب من هذه الصفحات، حيث أُغلقت 11صفحة خاصة بها. تمكنت إنكفاضة من الولوج إلى أغلب المضامين المنشورة في تلك الصفحات، لتتسائل: مصلحة من تخدم تلك المضامين؟  لتتجه كل الشكوك نحو شخص واحد.   

بقلم | 19 جوان 2019 | 20 دقيقة | متوفر باللغةالفرنسية
  "تم اليوم إلغاء 265 حسابا وصفحة ومجموعة وحدثا في فايسبوك وإنستاغرام" وذلك إثر التأكد من أنها "مضللة" بشكل "منسق" لاستهداف الرأي العام والتلاعب به"، هكذا أعلن فايسبوك يوم 16 ماي 2019  في بيان له. وترتبط هذه الأنشطة المسيئة بشركة إسرائيلية تركز نشاطها أساسا على القارة الأفريقية، ومن بين الدول المذكورة من قبل فايسبوك، نجد نيجيريا، السينغال، الطوغو، أنغولا، النيجر وكذلك تونس.

  قبيل القيام بغلق تلك الصفحات، قام فايسبوك بإخطار مخبر البحوث الرقمية DFR Lab  التابع لمجموعة التفكير الأمريكية ATLANTIC COUNCIL، شريك فايسبوك في تعقب وتحليل مثل هذه النشاطات، وذلك لتمكينه من تسجيل القسم الأكبر من المضامين المستهدفة بالتحليل والتتبع. هكذا وبالتعاون مع مخبر البحوث الرقمية، تمكنت إنكفاضة من الولوج إلى محتويات الصفحات المتعلقة بتونس.

  إجمالا، تم رصد أحد عشر صفحة تونسية، من بينها "فضائح تونسLes scandales de Tunisie"، "صوت تونس La voix tunisienne"، " الكل إلا الشاهد  Tout sauf Chahed"فدينا من السياسة والسياسيين Marre des politiques et des politiciens"، وأيضا "طفيليات تونس les parasites de Tunis". جل تلك الصفحات استهدفت مباشرة العديد من الشخصيات التونسية، لكن شخصا واحدا بقي خارج دائرة النقد، بل استفاد من مضامين إيجابية، فيما يمكن أن يشبه مقدمة لحملة انتخابية معلنة.

جانفي 2019.. انطلاق الحملة   

في 17 جانفي 2019، تم بعث صفحة "L es parasites de Tunis" (طفيليات تونس) على موقع فايسبوك. كانت تُدار من قبل خمسة مشرفين ومشرفات موجودين في تونس. يُوجد في صورة الغلاف، رئيس الحكومة الحالي، يوسف الشاهد والدكتاتور السابق زين العابدين بن علي، وقد وضعت على الصورة كلمة "parasites de Tunis" (طفيليات تونس) ورسم لجمجمة، مما يعطي فكرة عن المحتوى.

تعرّضت حكومة يوسف الشاهد إلى نقد الشديد من قبل هذه الصفحة. فخلال أربعة أشهر، تم نشر 44 منشورا شهدت حوالي 167.000 تفاعل (بين إعجاب وتعليق ومشاركة). وتعلّقت المنشورات أساسا بفساد حكومة الشاهد وعدم قدرتها على التصرف في الشأن العام، كما شمل النقد أيضا الباجي قائد السبسي ومهدي جمعة وقيادات حزب النهضة.

يوم غلقها في 15 ماي 2019 ، كانت الصفحة تجمع 37.000 مشترك ومشتركة وكانت تعطي نوعا من المصداقية لرئيس الجمهورية السابق، منصف المرزوقي وتحتفي بالقيادات السابقة لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية مثل سامية عبو وعماد الدايمي، خاصة عندما يُدلون بتصريحات تنتقد الحكومة الحالية. كما تقوم الصفحة بمهاجمة النظام السابق ونشر مقالات متعلقة بالعدالة الانتقالية.

لكن وعلى رغم توجه هذه الصفحة إلى إطراء أنصار الحركات المتفرعة عن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، فإنها سعت في الوقت نفسه لتلميع صورة قناة نسمة، فقد قدمت هذه القناة التلفزية الخاصة على أنها وسيلة إعلامية معارضة لدكتاتورية بن علي، كما أنها ندّدت بقرار غلقها في أفريل 2019.

  "قناة نسمة تعارض بن علي في ديسمبر 2010"  

يوم 17 جانفي 2019، تم بعث صفحة أخرى باسم "La voix tunisienne" (الصوت التونسي). ويوم 15 ماي كانت تحتوي على أكثر من 24.000 مشارك ومشاركة. ولكن للأسف، لم تتمكن انكفاضة من الإطلاع سوى على المنشورات الأخيرة لهذه الصفحة قبل حذفها من قبل محرك غوغل.

ومن بين خمسة منشورات تم الاطلاع عليها، ظهرت ثلاثة فيديوهات تعارض كلّها غلق قناة نسمة، حظي كل واحد منها بما يقارب 2000 إلى 3000 تفاعل (إعجاب وتعليق). كما قامت صفحة "La voix tunisienne" عشية حذفها بانتقاد حالة المؤسسات في تونس ومستوى الفساد فيها والتهديدات التي تمس الديمقراطية، قبل أن تطرح سؤالا أخيرا:

  "ألا يمكن القيام بتحوير جذري للحكومة والتوجه نحو تنصيب مرشح جديد يكون أن أقرب لهموم التونسيين؟ ما رأيكم؟" 

   ملايين التفاعلات 

في الشهر الموالي، ما بين 7 و27 فيفري، تم بعث خمس صفحات أخرى وهي "Tout sauf Chahed"، و"فدّينا من السياسة والسياسيين" و" تونس Tunis 24" و" منظمة من أجل الحقوق والديمقراطية في المغرب    Organisation pour le droit et la démocratie au Maghreb" و"حبي تونس Tunisie mon amour"، وقد حظيت هذه الصفحات بـ240.000 مشارك ومشاركة في أقل من ثلاثة أشهر.

في حين تم بعث الصفحات الأربعة المتبقية خلال شهر مارس، وهي "الإنسان لأخيه الإنسان"، صفحة ذات أغراض إنسانية وصفحات "توقفوا عن التضليل والكذب في تونس  Stop à la désinformation et aux mensonges Tunisie " و"الثورة إلى القمامة" و"فضائح تونس". وقد تمكنت هذه الصفحات خلال شهرين من جمع 200.000 متابع.

  بُعثت الصفحات الإحدى عشر المسيئة بين 17 جانفي و12 مارس 2019 وقد جمعت ما يقارب500.000 متابع. 

يوم 15 ماي، وصل عدد المتابعين إلى 9083 لصفحة "منظمة من أجل الحقوق والديمقراطية في المغرب Organisation pour le droit et la démocratie au Maghreb" و104.268 لصفحة "فضائح تونس"، والتي عرفت تطورا ملحوظا في عدد المتابعين لها خلال شهرين فقط من بعثها يوم 12 مارس 2019.

  • تطور الصفحات
  • نوعية المحتوى
  • معلومات عامة
11 صفحة، 494865 إعجاب

بين 17 جانفي و15 ماي 2019، الصفحات التونسية الـ11 تحتوي على جملة 494.865 متابع.

حجم الدوائر المرتبطة بعدد المتابعين

25000 مشترك
10000 مشترك
1000 مشترك

تبين الألوان سرعة تطور عدد المتابعين والمتابعات في الزمن (المعدل اليومي "للإعجاب")

  • 2000
  • 1500
  • 1000
  • 500
  • 250
Mandatory

$2.5 trillion

About 70 percent of budgetary spending is controlled by existing laws, including entitlements like Medicare, Medicaid and Social Security.

Discretionary

$1.1 trillion

Only about 30 percent of the budget is controlled by the annual budget process. Last August, the White House and Congress agreed to a cap on this spending.

تم وضع الدوائر حسب تاريخ إنشاء الصفحات (المحور الأفقي) وحجمها بحسب عدد المشاركين (المحور العامودي). هذا الجرافيك يُبين سرعة تطور الصفحات. على سبيل المثال، تحتوي الصفحة الأخيرة على أكبر عدد من المشاركين والمشاركات (104.268) عند إغلاقها، يوم 15 ماي 2019.

test
Comparison Overlay
يرجى تكبير الصورة لرؤية أوضح على الهاتف
تحتوي المضامين التي تم تحليلها على 359 منشور حظيت بمليون تفاعل (إعجاب، تعليق، مشاركة) و36 فيديو حظيت ب8 ملايين مشاهدة.

  يشير حجم الالتزام والتفاعل الذي تم رصده على الصفحات والذي تجاوز المعدلات العادية، إلى أن المضامين التي وقع تداولها كانت ممولة بشكل كبير، وهو ما لاحظه فريق انكفاضة بالنسبة لصفحتين على الأقل من مجمل الصفحات خلال الأسابيع الأخيرة قبل الحذف. فيوم غلقها، كانت صفحة " الكل إلا الشاهد  Tout sauf Chahed" تحتوي على ثلاث حملات إشهارية نشطة بشكل متزامن. 

  المحتوى المدعوم يوم 15 ماي 2019 على صفحة " الكل إلا الشاهد Tout sauf Chahed"

وأشار فايسبوك في بيانه إلى أنه إجمالا تم إنفاق 812.000 دولارا ، ما بين ديسمبر 2012 وأفريل 2019 لدعم محتوى 265 صفحة وحساب مرتبطين بإسرائيل. وقد تم دفع ثمن الإعلانات بالريال البرازيلي والشيكل الإسرائيلي والدولار الأمريكي. قامت انكفاضة بالاتصال بالقسم الإعلامي لموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك، لكنه لم يشأ الإدلاء بمعلومات فيما يخص الصفحات التونسية.

وضّح فايسبوك أن "المشرفين على الصفحات وأصحاب الحسابات الافتراضية كانوا ينشرون بشكل دوري مقالات تتعلق بالأحداث السياسية، خاصة فيما يخص الاستحقاقات الانتخابية في عديد الدول، إلى جانب وجهات نظر المترشحين و انتقادات للمعارضين السياسيين".

في هذا السياق، لا تمثل الصفحات التونسية استثناءً، فأغلبها كانت تنشر مضامين ذات صبغة سياسية حول الأحداث في البلاد أو الشخصيات السياسية، في حين ركّزت صفحات أخرى على مواضيع بعينها مثل التشجيع على مبادرات ذات طابع إنساني أو السياحة في تونس.

  أعداء بالعشرات  

تنشر صفحة " الكل إلا الشاهد Tout sauf Chahed" التي أنشئت يوم 7 فيفري 2019، مضامين ذات طابع عدائي لرئيس الحكومة الحالي والمقربين منه. وحظيت الفيديوهات الـ35 التي تم نشرها عبر هذه الصفحة ب 7.6 مليون مشاهدة، وقد احتوت في أغلبها على انتقادات موجهة للنشاط الحكومي وتنديد بالفساد والحوكمة غير الرشيدة والتضخم.

في الأثناء، اتسعت رقعة الانتقادات الموجهة للحكومة لتشمل كل الطبقة السياسية تقريبا. في هذا الصدد، أنشئت يوم 12 فيفري صفحة "فدينا من السياسة والسياسيينMarre de la politique et des politiciens" لتصبح فاعلة بشكل سريع، حيث حظي منشورها الأول بأكثر من 13.000 تفاعل.

  صور مسجلة لصفحة "فدينا من السياسة والسياسيين" التي كانت تنشر صور مركبة معادية لأهم الشخصيات السياسية التونسية. مثلا المنشور الموجود على اليسار، يُهاجم كل الأحزاب السياسية. أعلى الصفحة وفي الوسط (في الأعلى)، يوجد مثال على منشورات تدعو إلى التسجيل ثم المشاركة في الانتخابات القادمة من أجل "تغيير النظام السياسي". في الأسفل على اليمين، صورة لقيس سعيّد وهو أحد المرشحين للرئاسية ومتقدم في سبر الآراء، متّهم بقربه من رئيس حزب التحرير، وهو حزب إسلامي متشدّد.   

قامت هذه الصفحة لمدة ثلاثة أشهر وبشكل دوري بنشر صور مركبة تُبيّن العديد من الشخصيات السياسية سواء من الأغلبية أو من المعارضة.

نذكر على سبيل المثال، يوسف الشاهد وحزبه وأعضاء حكومته، الباجي قائد السبسي ونداء تونس، راشد الغنوشي والنهضة، حمة الهمامي والجبهة الشعبية، مهدي جمعة، المنصف المرزوقي، سامية عبو، محسن مرزوق، ياسين العياري وكذلك عبير موسي وقيس سعيّد... كل هذه الشخصيات، رجالا ونساء، وأحزابا كانت هدفا لتلك المنشورات.

للتخلص من الطبقة السياسية "الفاسدة" و "الفاشلة" ومكافحة الفقر والتضخم، قامت صفحة "فدينا من السياسة والسياسيين" بحملة في أفريل 2019، لدفع متابعيها إلى التسجيل والتصويت في الانتخابات القادمة دون أن تُعلن عن دعمها لأية حركة سياسية بعينها

ولكن إذا ما قارننا السياسيين والسياسيات الذين ذكرتهم ثلاث شركات سبر الآراء* في الأشهر الأخيرة، فإننا نلاحظ أن هناك شخصيتين فقط لم تتعرض لهما هذه الصفحة التي وصل عدد المشاركين فيها إلى 100.000 متابع إلى حد 15 ماي 2019، وهما نبيل القروي، صاحب قناة نسمة والصافي سعيد، المعلق المثير للجدل والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية سنة 2014.

  قناة نسمة.. ضد التيار  

في أواخر شهر فيفري، ظهرت "منظمة من أجل الحقوق والديمقراطية في المغرب". وقد حظيت صفحة الفايسبوك الخاصة بها بـ10.000 متابع في اليوم، إلى حد حذفها في ماي 2019، رغم أنها لم تنشر أي مضمون. وترتبط هذه الصفحة بموقع إلكتروني تم إحداثه في ذات الفترة تحت عنوان" oddm.org".

تُعرّف "منظمة من أجل الحقوق والديمقراطية في المغرب" نفسها على موقعها الإلكتروني على أنها "منظمة غير حكومية متطوعة وغير ربحية".  وتضيف بفرنسية ركيكة، أنها "محايدة" و"موثوقة جدا" وغير خاضعة لأي تأثير خارجي. ومن الجدير بالذكر أن المنظمة لا تملك أية إجازة قانونية.

ثمانية من بين المقالات التسعة التي تم نشرها في موقع المنظمة، كانت عبارة عن مقالات أو بيانات صحفية منشورة من قبل ومأخوذة من منظمات فعلية تُعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية أو من وسائل إعلام إلكترونية مثل "هاف بوست المغرب". أغلب هذه المقالات منشورة بتواريخ تعود إلى ما قبل تاريخ إنشاء الموقع ـ في 26 فيفري 2019 ـ أو سابقة لتاريخ نشر المقالة المسروقة نفسها*.

  المنشور التاسع والأخير هو الوحيد الأصلي، حسب أبحاثنا. وهو يحمل عنوان "قناة نسمة: وجهة نظر ديمقراطية ضد التيار"  

يشيد المقال المنشور في الصفحة الأولى للموقع بقناة نسمة التلفزيونية وصاحبها نبيل القروي، ويخلص إلى "وجوب أن نكون كلنا  أحرارا في اختيار وجهتنا الخاصة. ومن الضروري أن تسود الديمقراطية ليحصل كل منا على هذا الحق الأساسي. ففي حين، تحتدم المعركة السياسية من أجل التفكير الحر، تتواصل معاناة الناس، والعالم شاهد على ذلك".

ترتبط صفحة "تونس 24" وهي واحدة من  بين الصفحات الـ11 المُجرّمة من قبل فايسبوك، بموقع على الواب يقوم بنسخ برقيات إخبارية ومقالات مرتبطة بالأحداث التونسية من مواقع إعلامية مثل موزاييك، دون أن تتوفر أية معلومات حوله. وعلى رغم حظر الصفحة من فايسبوك إلا أن الموقع Tunis24.net لا يزال قيد النشاط وذلك دون اتخاذ أي موقف من أي مرشح سياسي بعينه.

على الرغم من النسخ الآلي للمقالات من إذاعة موزاييك، إلا أن الصفحة لا تعتبر هذه الإذاعة  وسيلة إعلام ذات مصداقية. فصفحة "الكل إلا الشاهد Tout sauf Chahed" تُحذّر على سبيل المثال من القنوات التلفزية والإذاعية المساندة لرئيس الحكومة، وتذكر منها إذاعة موزاييك وإذاعة شمس وأيضا قناة الحوار التونسي وقناة التاسعة.

والملاحظ أن صفحة "توقفوا عن التضليل والكذب في تونس"  تهاجم بشكل خاص موقع Kapitalis.com ومالكه رضا الكافي الذي لا يخفي عداءه الواضح لنبيل القروي.

وتعبّر نفس الصفحة  عن تضامنها ودعمها لقناة نسمة ولمالكها على إثر قرار غلق القناة أواخر شهر أفريل الماضي.

  نظرة شاملة  

علاوة على اهتمامها بالسياسة والأحداث التونسية ووسائل الإعلام، تقوم الصفحات الـ11 التي تم حذفها من قبل فايسبوك بنشر مضامين متنوعة بهدف رسم صورة شاملة وموجّهة لواقع البلاد. كما أن تنوع المحتوى يستهدف أطرافا عديدة. فمثلا تنشر صفحة "Les parasites de Tunis" محتوى مناصرا للثورة ومعاديا للنظام السابق، مع التوجه أكثر نحو أنصار الحركات المتفرعة عن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية. في حين تعارضها في ذلك صفحة "l a révolution à la poubelle". نجد أيضا في هذه الصفحات منشورات جدية في ظاهرها لوسائل الإعلام أو لمنظمات تُعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان، بالتوازي مع صور مركبة سوقية واستعمال لغة تافهة. كذلك، فإن بعض الصفحات تنشر باللغة الفرنسية، في حين تفضّل صفحات أخرى النشر باللهجة التونسية.

شهدت صفحة "فضائح تونس Les scandales de Tunisie" وهي آخر صفحة تم إنشاؤها، تطورا كبيرا، حيث حظيت بأكثر من 100.000 متابع بعد شهرين فقط من بعثها. وتنشر هذه الصفحة المتخصصة أساسا في نشر الفضائح (اغتصاب، زنا المحارم، جرائم قتل وتحيل) مضامين تبعث على القلق وتُعطي صورة خطيرة عن وضع البلاد. وفي المقابل، تقوم صفحة "Tunisie mon amour" بالترويج للسياحة في تونس، وتُظهر جمال الطبيعة فيها (سواء كان ذلك حقيقيا أو افتراضيا).

ولتحسين صورة الوضع في تونس، تقوم إحدى الصفحات بالترويج لمبادرات تطوعية وإنسانية، من بينها "خليل تونس" وهي جمعية تعود لنبيل القروي، حيث تم الترويج لها مرتين، كما أنها حظيت بعدد كبير من التفاعلات، مقارنة بمنشورات أخرى للصفحة (أكثر من 40% من مجموع التفاعلات).

  الأفضلية لنبيل القروي

يُبيّن تحليل مضمون الصفحات التونسية الـ11 المحذوفة من قبل فايسبوك والمتهمة بأنها مرتبطة بشركات إسرائيلية أن هذه الصفحات تُؤيّد بوضوح أحد المرشحين. فهي تنتقد بشكل مباشر العديد من الشخصيات السياسية باستثناء نبيل القروي، علاوة على أن 5 صفحات نشرت مضامين تُلمّع صورته، بشكل مباشر، أو بتسليط الضوء على قناة نسمة أو جمعيته خليل تونس.

منذ بداية السنة، لا تتوقف وسائل الإعلام عن ذكر نبيل القروي، فقد وضعته مختلف شركات سبر الآراء على رأس النوايا الانتخابية ناهيك عن قرار غلق قناته التلفزية الذي أثار العديد من ردود الأفعال. وعلى رغم اتهامه باستعمال قناته وجمعيته لأغراض سياسية، إلا أن نبيل القروي لم يتوان عن التعبير عن عزمه الترشح للانتخابات الرئاسية وذلك يوم 27 ماي على قناته الخاصة.

وفي اتصال هاتفي معه، عبّر القروي عن انزعاجه من طلبنا تفاعله فيما يخص مضامين الصفحات التي حذفها فايسبوك، فالرجل يرفض معرفة أية تفاصيل: "لا أفهم لماذا تتصلون بي؟ هل لكم علاقة شخصية بي؟ لماذا لا تتصلون بالشركة التي تدير الصفحات؟".

  "لماذا الآن؟" "لماذا أنا؟" "لماذا لا تتصلون بعبير موسي مثلا؟" يتساءل المرشح، مضيفا "ليس لدي أي تفسير، ولا أرى أي داع للاتصال بي ولا أعرف من أرسلكم إلي". وفي نهاية المكالمة، أكد نبيل القروي أنه سيقوم بالرد على أسئلتنا عبر البريد الالكتروني، لكنه لم يفعل ذلك قط.   

  وسواء تم إطلاق هذه الحملة بشكل مباشر من قبل المرشح أو من قبل أشخاص أو كيانات مساندة له، فإن شركة بعينها، حسب فايسبوك، هي التي تقف وراء الحملة، وهي شركة إسرائيلية تُدعى Archimedes Group ، هدفها "تغيير الواقع" من أجل "الفوز في الانتخابات على مستوى العالم".

"تغيير الواقع"   

  تعمل شركة Archimedes Group أساسا في إفريقيا وكذلك في دول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، وقد كانت تعلن بوضوح توجهها على موقعها الإلكتروني، قبل أن يتم حذفه بعد أن كشف فايسبوك أساليبها.

تقول الشركة "لعب فريقنا دورا مهما في العديد من الحملات السياسية أو العامة، مثل الانتخابات الرئاسية ومشاريع أخرى على  وسائل التواصل الاجتماعي عبر العالم"   

  "صورة من صفحة "من نحن"في موقع شركة Archimedes Group  قبل حذفها  

  لهذا، أكّدت الشركة الإسرائيلية أنها طوّرت مجموعة من الأدوات والأساليب "المبتكرة" من أجل "تغيير الواقع وفقًا لرغبات عملائها". ومن بين هذه الأدوات، تقدم Archimedes Group لعملائها إمكانية الحصول على “Archimedes Tarva”، وهو عبارة عن  برنامج لإدارة الحملات.

"تم تطوير هذا البرنامج بواسطة كبار الخبراء في مجال وسائل التواصل الاجتماعي وكتابته من قبل كبار مطورينا في الواب، ويشمل أدوات للتصرف الأوتوماتيكي في الحملات على شبكات التواصل الاجتماعي وإنشاء منصات واسعة النطاق وعمليات غير محدودة لبعث حسابات على الإنترنت.

الحصول على ترخيص استعمال هذا البرنامج يتضمن أيضا دورة تكوينية وتشغيل البرنامج على الموقع وخدمة تقنية تستمر على مدى 24 ساعة طيلة كافة أيام الأسبوع"

ووفقا لعدة مصادر من بينها اللوبي الأمريكي القوي الداعم لإسرائيل AIPAC فقد تم تعيين إليناداف هايمان رئيسا مديرا عاما لمجموعة Archimedes Group. لكن من الصعب اليوم تتبع سيرته الذاتية على الإنترنت فقد تم حذفها من العديد من المواقع التي تذكرها، بعد أن تفطنت إدارة فايسبوك لأساليب الشركة. أحد تلك المواقع هو negociations.ch والذي يقدم المدير على أنه ضابط سابق في استخبارات سلاح الجو الإسرائيلي.

ليست هذه المرة الأولى التي يرد فيها اسم شركة إسرائيلية يديرها عملاء سابقون في الاستخبارات وتكون متورطة في هذا النوع من النشاط. ففي سنة 2016، وحسب نيويورك تايمز، قام ريك غايتس، مسؤول الحملة الانتخابية لدونالد ترامب، بالتعامل مع شركة Psy-Group المكونة من عملاء سابقين للاستخبارات الإسرائيلية، حيث تٌثبت وثيقة مفصلة لهذه الشركة وجود خطة عمل مفصلة لاستهداف والتأثير على ملايين الناخبين الجمهوريين.

ليس غريبا أن تكون هناك شركات إسرائيلية متخصصة في تقنيات التلاعب بالجمهور من خلال شبكات التواصل الاجتماعي. فلطالما شكّلت المهارات التكنولوجية التي طُوّرت داخل الجيش لأغراض الدفاع السيبراني ومكافحة التجسس، قاعدة للنموذج الاقتصادي الإسرائيلي المُوجّه نحو التقنيات الرقمية والتكنولوجيات الحديثة. في هذا الصدد، يؤكد فابريس إبلبوين، أستاذ في مخبر الميديا بكلية العلوم السياسية في باريس، أن العديد من الشركات الناشئة تم بعثها من قبل قدامى المحاربين في الجيش والمدربين في وحدات الاستخبارات الإسرائيلية.

والجدير بالذكر أن شركات مثل Archimedes Group، متخصصة في التلاعب بالجماهير على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف التأثير على الرأي العام بخصوص مواضيع سياسية، يمكنها أن تخدم دولا أو علامات تجارية كبرى وكذلك مجموعات سياسية، بطريقة لامركزية.

ولا يعني حذف الصفحات المرتبطة ب Archimedes Group  توقف المضامين المضللة في تونس. فيوم 31 ماي، نُشر على نطاق واسع استبيان كاذب نُسب لشركة فرنسية على فايسبوك قبل أن تتناوله بدورها وسائل الإعلام. سبر الآراء هذا وضع نبيل القروي في مقدمة نوايا التصويت للانتخابات الرئاسية. لكن انتشار هذه المعلومة المضللة دفع الشركة الفرنسية Visactu والتي تم إقحام اسمها في هذه القضية، إلى نشر تكذيب. ولئن تم كشف الخدعة بشكل سريع هذه المرة، إلا أن الحملة مازالت في بدايتها.