#أوراق بنما : محسن مرزوق في طريقه نحو عالم الشركات غير المُقيمة

في أوْج الحملة الانتخابية بين الدورتين الرئاسيتين موفّى 2014، وجد محسن مرزوق مدير الحملة الانتخابية للباجي قائد السبسي آنذاك، الوقت لربط الصلة بمكتب المحاماة موساك فونسيكا من أجل الاستفسار حول امكانية فتح شركة غير مقيمة.
بقلم | 28 أفريل 2016 | 15 دقيقة | متوفر باللغةالفرنسية
تتضمّن أوراق بنما المسرّبة من مكتب المحاماة المسمّى موساك فونسيكا اسم محسن مرزوق المديرالسابق للحملة الانتخابية للباجي قائد السبسي أثناء رئاسيات 2014 والعضو المؤسس لحركة نداء تونس، حيث قام بربط الصلة بمكتب المحاماة المذكور من أجل تأسيس شركة غير مقيمة “قصد استثمار أموال والقيام بصفقات على المستوى الدولي”.

حكاية محسن مرزوق مع مكتب موساك فونسيكا لئن تتيح لنا فهم سلسلة الاجراءات المتبعة لتأسيس شركة غير مقيمة فانّها تطرح تساؤلات تتعلّق أساسا بالجانب الأخلاقي : هل بامكان رجل سياسة مقيم في تونس خدمة المصلحة العامة بالتوازي مع “اخفاء” جانب من أنشطته الى خارج تونس ؟

قام محسن مرزوق بمكاتبة مكتب موساك فونسيكا طلبا لمعلومات حول كيفية تأسيس شركة غير مقيمة، وقد ردّ المكتب على استفساراته مرفقا ردوده بوثائق تشرح الاجراءات وتقدّم بسطة حول العروض المتاحة. عندئذ لم يبق للحريف سوى اختيار العرض الذي يتماشى مع رغباته من أجل تأسيس شركة “أوفشور” امّا في الجزر العذراء البريطانية أو في جزيرة أنغويلا البريطانية.

من النضال الطلابي الى القصر الرئاسي

خلال صائفة 2015 صنع محسن مرزوق الحدث في المشهد السياسي بعد انسحابه من حزب نداء تونس مصطحبا معه نحو 30 نائبا، آنذاك، ما تسبّب في تشظّي الحزب واضعاف النفوذ السياسي للرئيس قائد السبسي. هذه العاصفة السياسية أماطت اللثام عن الطبيعة السياسية لمنظومة الحكم التي حيكت على أساس التوافقات في خضم تقهقر البلاد نحو مستوى حرج من عدم الاستقرار السياسي والأمني.

انطلقت المسيرة السياسية لمحسن مرزوق، 50 سنة أصيل مدينة المحرس من ولاية صفاقس، خلال سنوات الثمانينات حيث كان أحد رفاق درب الزعيم اليساري شكري بلعيد وعاش تجربة السجن معه سنة 1987 الى حين عفى عليه بن علي الصاعد للحكم آنذاك.

كان مرزوق ناشطا يساريا ضمن الحركة الطلابية قبل أن يلتحق بالمعهد العربي لحقوق الانسان. وفي سنوات ال 2000 انضمّ الى المنظمة الحقوقية الأمريكية فريدوم هاوس حيث شغل منصب المشرف على منطقة شمال افريقيا.

ذُكر اسم محسن مرزوق في احدى وثائق ويكيليكس الصادرة بتاريخ 2006 حيث كان بصدد التوضيح للسفير الأمريكي بتونس بأنّه “من دون حوار سياسي مفتوح في تونس، لم يكن من الممكن تأمين ما بعد بن علي دون اشتباكات”. وفق تقديرات مرزوق، استنادا لما ورد في الوثيقة المسربة ذاتها، فانّه لن يتسنّى تحريك الساحة السياسية الجامدة ما لم يتمّ اعطاء تطمينات لأقارب بن علي حتى يحافظوا على امتيازاتهم الممنوحة لهم حتى بعد مغادرة بن علي الحكم. مرزوق اعترف في التسريبات ذاتها أنّ الأمر سيكون محرجا على المستوى الديبلوماسي بالنسبة الى الولايات المتحدة الأمريكة، غير أنّه أصرّ في السياق ذاته على أنّه لا وجود لأيّ حل آخر سوى هذه الفرضية.

بعد الثورة، عاد مرزوق الى تونس ليلتحق بالهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة التي ترأسها عياض بن عاشور.

خلال رئاسيات 2014 شَغل محسن مرزوق خطة مدير الحملة الانتخابية للرئيس الحالي الباجي قائد السبسي ليلتحق به، بعد الفوز في الانتخابات، الى القصر الرئاسي مستشارا سياسيا. لم يعمّر مرزوق في تلك الخطة طويلا حيث غادر القصر وتفرّغ لادارة حزب نداء تونس شاغلا خطّة الأمانة العامة ليستقيل بعد نحو ستة أشهر جراء خلافات حادة بينه وبين نجل الرئيس، حافظ قائد السبسي، ومضى نحو تأسيس جسم سياسي جديد يحمل اسم “مشروع تونس”.

طلب معلومات لانشاء شركة “أوفشور”

في خضم الحملة الانتخابية والسباق الشرس نحو قصر قرطاج بين كل من المنصف المرزوقي (الرئيس المتخلي) والباجي قائد السبسي (الرئيس الحالي)، كان محسن مرزوق -مثلما أسلفنا الذكر- مدير الحملة الانتخابية لقائد السبسي الذي فاز بمقعد الرئاسة.

وفي تلك الأثناء، استنادا الى الوثائق التي تسنّى لنا الاطلاع عليها، كان محسن مرزوق بصدد الاتصال بمكتب المحاماة “موساك فونسيكا” من أجل الاستفسار حول اجراءات فتح شركة غير مقيمة في تونس وفق ما كشفته مجموعة الرسائل الالكترونية التي تمّ تداولها بينه وبين المكتب المذكور. وقد طلب مرزوق معلومات حول تأسيس شركة في احدى الجنّات الضريبية وهي تحديدا الجزر العذراء البريطانية أو جزيرة أنغويلا البريطانية، مسترشدا في الآن ذاته حول الوثائق الضرورية لتأسيس الشركة، طالبا بشكل صريح الفاتورة التقديرية للأتعاب لقاء الخدمات المقدمة له. وتضمّنت المراسلات الالكترونية التابعة لمرزوق استفسارا حول تركيبة مجلس ادارة الشركة وحاملي الأسهم والوثائق الرسمية والأتعاب.

في المقابل، أجاب المكتب عبر الايميل طالبا من محسن مرزوق التعريف بنفسه وبشركة “آم آم بيزنس” فضلا عن تقديم بسطة عمّا يعرفه حول مكتب محاماة موساك فونسيكا وعن أنشطته وعن الطريقة التي تمكّن من خلالها من ربط الصلة بالمكتب المذكور. الايميل الصادر عن مكتب المحاماة استوضح في السياق ذاته عمّا اذا كان مرزوق مقيما في جينيف أم خارجها وعمّا اذا كان “شخصا منظّما” (المقصود هنا احتراف البزنس) أم لا.

اجابة محسن مرزوق جاءت بتاريخ 10 ديسمبر 2014. للاشارة فانّ MM هو الاسم المقتضب لمحسن مرزوق. وقد استعمل مرزوق هذا العنوان الالكتروني المهني من اجل التواصل مع مكتب المحاماة. وفي ما يلي فحوى الرسالة كما أرسلها باللغة الانقليزية :

MM stands for Mohsen Marzouk, ie myself, and this is the email I use for my business needs.
I am an individual who would like to incorporate a company for myself and I am a resident of Tunisia. The aim of the company being to hold financial investments as well as engage in international business.

يؤكد محسن مرزوق من خلال هذه المراسلة رغبته في خلق شركة “أوفشور” على ملكه الخاص، غير مقيمة في تونس، موضّحا أنه مقيم في تونس. معربا في الآن ذاته عن رغبته في “استثمار أموال والقيام بصفقات على المستوى الدولي”. ويوضّح مرزوق أنّه ليس وسيطا وليس عونا مكلّفا بل انّه المالك النهائي للشركة المُراد تأسيسها.

وردّا على سؤال مكتب المحاماة موساك فونسيكا حول الطريقة التي تمكّن من خلالها من معرفة المكتب وأنشطته، أجاب مرزوق انّه “تعرّف على المكتب عبر شخص في جينيف، فضلا عن أنه يعرف حريفا تمتّع بخدمات المكتب خلال تأسيسه لشركة في بنما”.

في تونس، يوجد عدد من مكاتب المحاماة المحلية التي توفّر لحرافائها بطريقة سرية امكانية تأسيس شركات من هذا النوع. وقد ثبت وجود أسماء لعدد من المحامين التونسيين، في الوثائق المسربة، بعضهم يمثّل شركات تونسية في حين يمثّل البعض الآخر شركات أجنبية.

في السياق ذاته، تقوم مكاتب محاماة شبيهة بمكتب موساك فونسيكا باعطاء عمولات لمحامين تونسيين من أجل أن يتكفّل هؤلاء بعرض خدمات تلك المكاتب على حرفائهم في تونس.

في ما يتعلّق بمراسلات محسن مرزوق، فقد أكّد هذا الأخير في أحد ردورده على مكتب موساك فونسيكا أنّه سبق له أن زار الموقع الالكتروني للمكتب غير أنّه يرغب في معرفة مزيد من التفاصيل خاصة في ما يتعلّق بالأتعاب التي يجب دفعها لقاء تأسيس شركة في الجزر العذراء البريطانية أو في جزيرة أنغويلا البريطانية.

في ما يلي نص المراسلة بالانجليزية كما ورد في ايميل محسن مرزوق :

“I have seen your online order form on the website but wanted to have an idea of the fees involved first. I would be interested to have a proposal for BVI or British Anguilla.”

مكتب موساك فونسيكا تفاعل، من جانبه، مع مراسلات مرزوق، موضّحا له في هذا السياق بأنّه ليس من الممكن التعامل معه مباشرة بصفته شخصا وليس مؤسسة، وبالتالي من الضروري المرور بشركة ثقة société de fudicie حتى يتسنّى توجيهه للمكتب. وطلب المكتب من مرزوق الاتصال بالمقر الاجتماعي لموساك فونسيكا بهدف الحصول على بقية المعلومات المتعلقة باجراءات خلق شركة غير مقيمة.

قائمة الأسعار المقترحة من قبل مكتب موساك فونسيكا لقاء توطين شركات غير مقيمة. (ملكية الصورة لموقع انكيفادا).

بعد جملة هذه المحادثات تمّ توجيه محسن مرزوق الى مستشار آخر تابع لمكتب المحاماة كي يتولّى الردّ على استفساراته مباشرة من بنما. هذا المستشار لم يكن سوى مساعدة أحد المحامين الذين يشتغلون في المكتب، وقد تمّ تكليفها بمرافقة محسن مرزوق الى حين تأسيس شركته. وعطفا على ذلك فقد أرسلت له في الايميل ذاته عددا من الوثائق الارشادية التي تحتوي على معلومات حول تأسيس شركات في الجزر العذراء البريطانية وجزيرة أنغويلا البريطانية.

بعد عدّة أسابيع، وتحديدا خلال الأسبوع الأول من شهر جانفي 2015، عادت مساعدة المحامي للاتصال من جديد بمحسن مرزوق بعد أن فقدت الاتصال به لفترة من الزمن جراء عدم مواصلته الرد على الايميلات. في الأثناء كان محسن مرزوق قد تمّ تعيينه مستشارا سياسيا لدى رئيس الجمهورية.

شخص معروف سياسيا

تواصل صمت محسن مرزوق من خلال عدم ردّه على ايمايلات مكتب موساك فونسيكا ما دفع بممثلة المكتب الى مراسلته مرة أخرى في شهر أفريل 2015 لتخبره بأنّها ماتزال دائما تحت تصرّفه في حال رغب في مواصلة اجراءات تأسيس الشركة.

اصرار ممثلة المكتب على مواصلة ربط الصلة بمحسن مرزوق، حتى بعد توليه المنصب السياسي الجديد، يُناقض تماما التوضيحات المقدّمة من قبل مكتب موساك فونسيكا والتي قال فيها مدير العلاقات العامة في تصريحات للمجمع الدولي للصحفيين الاستقصائيين، انّ “بحثا معمّقا يُجرى حول الحرفاء المحتملين للمكتب” وأنّ هذا الأخير “يأخذ احتياطات في ما يتعلّق بالشخصيات المعروفة سياسيا”. هذه الاجابة تلوح متناقضة تماما مع سلوك المكتب في ما يتعلّق بتعاطيه مع ملف محسن مرزوق.

تراتيب تأسيس شركة “أوفشور” في الجزر العذراء

في المراسلات السابق ذكرها نعثر على وثيقة تشرح كيفية تأسيس شركة “أوفشور” في الجزر العذراء.

هذه الوثيقة المعنونة بالانقليزية “مزايا تأسيس شركة في الجزر العذراء الريطانية” توضّح أنّ الشركة التي يتمّ تأسيسها في الجزر العذراء بامكانها اجراء معاملات في كل دول العالم وبكل عُملات العالم فضلا عن أنّ أنشطتها التي تتمّ خارج الجزر العذراء تكون معفية من الضرائب.

وفي ما يلي مقتطف من الوثيقة كما ورد باللغة الانجليزية :

BCs may engage in any lawful business in any country and may carry on transactions in whatever currencies they choose.


Any business activity or transaction carried out by a BC outside the British Virgin Islands is fully exempt from taxation.

من بين المزايا الأخرى التي تمّ تعدادها في الوثيقة الارشادية أنّ رؤساء الشركة أو المساهمين في رأس مالها يمكن أن يحملوا أيّ جنسية بلا استثناء ويمكن لهم أن يكونوا مقيمين في أي دولة في العالم. ما يعني أنّ طابع الشركة لا يأخذ بعين الاعتبار تشريعات الدول الأخرى. بعض المزايا الأخرى تلُوحُ كذلك بين طيات هذه الوثيقة وتتعلق أساسا بامكانية خلق شركة واجهة (وهمية) بالاضافة الى عدم اجبارية التصريح بالحسابات المالية السنوية للشركة.

وتضمّنت هذه المراسلة كذلك بسطة حول قيمة الأتعاب التي يجب دفعها لمكتب المحاماة لقاء الخدمات التي يوفرها لحرفائه. ويتبيّن من خلال التدقيق في الوثيقة أنّ انشاء شركة يكلّف الحريف 1350 دولار.

بالرغم من محاولاتنا العديدة ربط الصلة بمحسن مرزوق قصد مكافحته بجملة المعطيات التي بحوزتنا وتمكينه من حق الرد قبل النشر الاّ أنّنا لم نتلقّ أية اجابة. وقد قمنا بمراسلة مرزوق عبر العنوان البريدي الالكتروني المهني الذي استعمله خلال تواصله مع مكتب موساك فونسيكا، وراسلناه كذلك عبر صفحته الرسمية على فايسبوك وعلى حسابه الفايسبوكي الخاص وعبر رسالة أس أم أس ومكنّاه من كل الأسئلة التي نبحث لها عن اجابات الاّ أنّه لم يردّ على مراسلاتنا.

ولئن تبدو معرفة مصير النقاشات التي دارت بين مكتب موساك فونسيكا وبين محسن مرزوق أمرا صعبا فانّ الوقوف عند ما تمّ كشفه من مراسلات يَدفع بنا لطرح تساؤلات عديدة حول مسؤول سياسي شغل خطّة رسمية في أعلى الدولة وخلفيات سعيه لانشاء شركة غير مقيمة في احدى الجنات الضريبية خلال اشرافه على الحملة الانتخابية لأحد أبرز المرشحين للجلوس على كرسي رئاسة الجمهورية.