وفيات متواترة داخل السجون
بتاريخ 28 أوت 2026، توجهت عائلة سامي العربي العيادي إلى سجن المرناقية لزيارته كعادتها. كان سامي، البالغ من العمر 52 سنة، موقوفًا على ذمة قضية تتعلق بجنحة مصرفية وخطية مالية، وينتظر جلسة المحاكمة وعرض الصلح بعد انتهاء العطلة القضائية.
لكن العائلة لم تتمكن من رؤيته. تقول شقيقته فاتن العيادي لـ"إنكفاضة" إن الأعوان أعلموهم بأنه "تعب قليلا" وإنه يتعذر عليهم مقابلته، وطلبوا منهم العودة في الأسبوع الموالي. في ذلك الوقت، كان سامي قد فقد وعيه ونُقل إلى مستشفى شارل نيكول بالعاصمة، حيث وصل متوفيا، وفق إفادتها.
تقول فاتن إن شقيقها لم يكن يعاني من أمراض سابقة، لكنه كان يعيش ظروف احتجاز صعبة، في ظل ارتفاع درجات الحرارة والاكتظاظ داخل الغرف. وخلال الزيارات، كان، بحسب روايتها، يشير بيده إلى شعوره بالاختناق وصعوبة التنفس داخل الزنزانة، دون أن يشتكي صراحة حتى لا يقلق عائلته.
في اليوم الموالي، 29 أوت، أصدرت المنظمة التونسية للأطباء الشبان بلاغا تحدثت فيه عن ارتفاع "غير مسبوق" في الوفيات وحالات الإيواء بأقسام الاستعجالي جراء ضربات الشمس وارتفاع درجات الحرارة، مشيرة أيضا إلى تسجيل وفيات لسجناء داخل عدد من أقسام الاستعجالي.
لم يكن ذلك البلاغ المعطى الوحيد الذي صدر في اليوم نفسه. فقد أعلنت وزارة الصحة تسجيل 633 حالة استشارة وتكفل صحي مرتبطة بتداعيات موجة الحر بين 1 جويلية و29 أوت 2026. وقالت الوزارة إنها لم تسجل تعطلا في استمرارية الخدمات الصحية، وإنها فعّلت آليات التنسيق والمتابعة وتعبئة الموارد الضرورية، لكنها لم تنشر رقما رسميا إجماليا للوفيات المرتبطة بموجة الحر.
وبينما كانت المؤسسات الرسمية تتحدث عن تداعيات موجة الحر على المنظومة الصحية، كانت عائلات ومحامون ينقلون أخبار وفيات من داخل السجون.
في اليوم نفسه، نشرت المحامية سكينة الجمني تدوينة أعلنت فيها وفاة منوّبها سامي العيادي، وربطت وفاته، وفق ما نقلته، بارتفاع درجات الحرارة والاكتظاظ في سجن المرناقية. وكانت الجمني قد تقدمت سابقا بمطلب للإفراج عنه في قضية تتعلق بتهمة تبييض الأموال، قبل أن يُرفض المطلب رغم اعتبار دائرة الاتهام وجود شبهة جنحية ديوانية، وفق تدوينتها. وفي منشور لاحق، قالت إن الديوانة أرسلت لها عرض صلح وإن موكلها "عمرو تقصف على 6 ملاين"، بحسب تعبيرها.
لكن وفاة سامي لم تكن، وفق ما توفر من شهادات ومعطيات، حالة منفردة.
في قفصة، كان الوضع داخل السجن يثير بدوره مخاوف حقوقية. ففي 26 أوت، أعلن فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بقفصة وفاة أحد المودعين بالسجن إثر سكتة قلبية، رابطا الوفاة بظروف الاحتجاز الصعبة التي تفاقمت خلال موجة الحر والاكتظاظ.
وتقول عفاف زروق، رئيسة فرع الرابطة بقفصة، لـ"إنكفاضة" إن السجن تجاوز طاقة استيعابه بنسبة 200%، إذ يضم نحو 700 سجين مقابل طاقة استيعاب لا تتجاوز 400. وبحسب شهادات نقلتها عن عائلات سجناء، تزامن الاكتظاظ مع نقص المياه وتدهور البنية التحتية وارتفاع درجات الحرارة، ما تسبب، وفق هذه الشهادات، في معاناة سجناء من الإجهاد الحراري وصعوبات في التنفس وطفح جلدي.
وتعود إحدى الحالات التي نقلتها منظمات حقوقية إلى 22 جويلية 2026، حين توفي حمزة الدريدي، البالغ من العمر 33 سنة، بعد أكثر من سنة وتسعة أشهر من الإيقاف دون صدور حكم قضائي في حقه. كان ينتظر جلسة محاكمته المقررة في 21 أكتوبر، حسب جمعية تقاطع للحقوق والحريات.
وتنقل الجمعية عن عائلته أن حالته تدهورت قبيل وفاته، وأن انقطاع المياه عن زنزانته لمدة أربعة أيام متتالية، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة، صعّب عليه القيام بحاجياته اليومية. وكانت العائلة قد تلقت منه شكاوى بشأن هذه الظروف قبل وفاته.
وتأتي هذه الحالات في سياق صحي أوسع عاشته البلاد خلال صيف 2026. ففي 23 جويلية، تحدث رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان وجيه ذكار، في تصريح لإذاعة "إكسبراس أف أم"، عن تقديرات للمنظمة تتراوح بين 150 و200 وفاة ناجمة عن ضربات الشمس، استنادا إلى معطيات جمعتها من أكثر من 30 مستشفى جامعيا وجهويا.
وأوضح ذكار أن ضربة الشمس لا تعني بالضرورة التعرض المباشر لأشعة الشمس، بل قد تحدث عندما تتجاوز حرارة الجسم 40 درجة مئوية ويفقد قدرته على تبريد نفسه. وقد تصيب هذه الحالة أشخاصا بقوا داخل منازلهم في ظل غياب التكييف والماء وانقطاع الكهرباء.
داخل السجون، كانت الحرارة تتقاطع مع عوامل أخرى: الاكتظاظ، نقص المياه، وظروف الرعاية الصحية. وتظهر حالة محمد علي بن خميس، البالغ من العمر 31 سنة، جانبا آخر من هذه الأزمة.
كان محمد علي يعاني، منذ سنة 2018، من نوبات نفسية حادة، وتلقى العلاج في مستشفى الرازي وأقام فيه أكثر من مرة. وفي 14 أوت 2026، أُودع بالسجن المدني بالمرناقية. وتقول عائلته إنه لم يتلق العلاج والأدوية التي كان يحتاج إليها رغم وضعه الصحي.
وخلال إحدى الزيارات، وجدته عائلته، وفق إفادتها، في حالة نفسية وصحية متدهورة. كان يبكي ويطلب دواءه، قبل أن يفقد وعيه أثناء الزيارة.
وفي 26 أوت، توجهت العائلة مجددا إلى السجن لزيارته، فأُعلمت بأنه نُقل إلى مستشفى شارل نيكول في حالة صحية حرجة. وعند وصول أفرادها إلى المستشفى، لم يعثروا عليه في البداية، قبل أن تعلمهم إدارة السجن لاحقا بوفاته، وتطلب منهم التوجه إلى غرفة الأموات.
بعد تسلم الجثمان، تقول العائلة إنها لاحظت آثارا تشتبه في كونها آثار عنف، ما أثار لديها تساؤلات حول ظروف الوفاة، خاصة في ظل ما وصفته بتدهور حالته الصحية والنفسية خلال فترة الاحتجاز. كما أفادت بأن عدل تنفيذ حضر يوم الدفن لمعاينة الجثة، لكنه لم يمكّن العائلة أو المحامي من محضر المعاينة.
وأُبلغت العائلة بأن سبب الوفاة هو ضربة شمس، لكنها، إلى تاريخ توثيق هذه المعطيات، لم تتحصل على تقرير الطب الشرعي، ما يمنعها من التحقق بصورة مستقلة من سبب الوفاة والظروف المحيطة بها.
تتجاوز هذه الحالات قصص أفراد متفرقة. فبحسب الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، سُجلت أكثر من 20 حالة وفاة مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، فيما تعهد قاضي التحقيق بالمكتب 11 بالمحكمة الابتدائية بتونس بـ16 ملفا في هذا الخصوص.
وخلال فترة لا تتجاوز شهري جويلية وأوت، تكررت شهادات عن وفيات وتعكرات صحية داخل سجون مختلفة، في وقت ظلت فيه المعطيات الرسمية حول عدد الوفيات وأسبابها محدودة. وبينما تربط عائلات ومحامون ومنظمات حقوقية عددا من هذه الحالات بالحرارة والاكتظاظ ونقص الرعاية الصحية، يبقى تحديد الأسباب الطبية والقانونية لكل وفاة رهين نتائج التحقيقات والتقارير الطبية الشرعية.
تساؤلات حول المسؤولية
كشفت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عن تسجيل أكثر من 20 حالة وفاة مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة وقد تعهد قاضي التحقيق بالمكتب 11 بالمحكمة الابتدائية بتونس بـ 16 ملف في هذا الخصوص.
اثارت أعداد الوفيات داخل السجون خلال فترة وجيزة ارتبطت بشهري جويلية وأوت 2026، مخاوف بشأن مدى احترام الدولة التزاماتها تُجاه حقوق المساجين في الحياة والسلامة الجسدية والنفسية وحماية كرامتهم الإنسانية.
وفي هذا الاطار، أفاد الناشط الحقوقي وعضو جمعية تقاطع للحقوق والحريات، غيلان الجلاصي، في تصريح لـ ،انكفاضة، بأن "العدد التقريبي للوفيات المُسترابة داخل السجون التونسية بلغ قرابة 30 حالة وتتركز أغلبها في سجن المرناقية مع تسجيل حالات في سجون المنستير وقابس وصفاقس "، وهي نفس السجون التي تعاني نسب اكتظاظ مرتفعة بلغ البعض منها أكثر من 200 بالمائة وفق تقارير الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان ومنظمات حقوقية أخرى.
كما وثقت جمعية تقاطع للحقوق والحريات حالات تدهور الوضع الصحي لعشرات المساجين بسبب الاختناق جرّاء نقص التهوية وارتفاع الحرارة "وتعود أساسا الى حالة الاكتظاظ التي تعيشها السجون مع الظروف الأخرى المحيطة بعملية السًّجن"، وفق الجلاصي.
جمعت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب في تونس ووثقت في إطار برنامج "سند"، شهادات لعائلات سجناء تُفيد بـحدوث انقطاعات في الماء و الكهرباء وحالات توعك صحي وصعوبات في التنفس ونقل سجناء إلى المستشفيات. وازدادت خطورة الوضع وفق المنظمة مع تتالي حالات الوفاة أثناء الاحتجاز في ظروف لا تزال ملابسات عدد منها غير واضحة بما يكفي، منتقدة غياب بيانات رسميّة موحدة تتيح تقدير حجم الوفيات التي وقعت أثناء الاحتجاز مطالبة بنشر بيانات دقيقة حول الوفيات، وظروفها، وأسبابها الطبية المثبتة، أمرا ضروريا لضمان رقابة فعلية على ظروف الاحتجاز ولمنع تكرار أوضاع من شأنها تعريض حياة السجناء وسلامتهم الشخصية للخطر.
و قد عبرت المنظمة عن قلقها إزاء تدهور ظروف الاحتجاز المسجل في عدد من المؤسسات السجنية التونسية خلال أشهر صيف 2026، في سياق اتسم بموجات حر شديدة وصعوبات في الوصول إلى الماء والكهرباء والاكتظاظ فضلا عن نقص الرعاية الصحية.
يقول بسام الطريفي رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان: " تبلغ طاقة استيعاب بعض السجون نسبة 300% و فاقم ارتفاع درجات الحرارة معاناة السجناء وهي ظروف غير عادية ترتقي الى المعاملة المهينة والقاسية والتي ترتقي بدورها الى تعريف التعذيب".
تعتيم عن أسباب الوفاة
رافقت أخبار الوفيات داخل السجون المتزامنة مع موجة الحر غموضا بشأن حقيقة المساجين وظروف احتجازهم في غياب تفاعل رسمي من الجهات المسؤولة على غرار الإدارة العامة للسجون والإصلاح و وزارة العدل.
تؤكد فاتن العيادي شقيقة الضحية "سامي العيادي"، أن العائلة لم تتحصل الى غاية نشر التقرير على ملف طبي أو تقرير الطب الشرعي لمعرفة الأسباب الحقيقية لوفاة إبنهاّ. وهو ما أكدته رئيسة فرع الرابطة التونسية لحقوق الانسان بقفصة ،عفاف زروق، في حديثها لـ ،انكفاضة، التي أفادت بحجب التقارير الطبية عن الرّابطة والعائلات دون التّمكين من نسخ منها وإكتفاء السلطات بتعليل الوفاة بـ "سكتة قلبية" أو "وفاة طبيعية"، قائلة:"وتضيف "أن ملف الوفيات يظل لغزا غامضا في ظل الصمت الرسمي لوزارة العدل وعدم تعاطيها بجدية مع الأزمة او تقديم أسباب رسمية وشفافة".
اضافة الى التعتيم على الأسباب الحقيقية للوفيات، فإن اعلام العائلات بوفاة أبنائها يكون متأخرا وهو ما حصل مع عائلة ، سامي، الذي تم اعلامها رسميا بعد يوم من دفنه. تقول شقيقته ،فاتن، "عقب استكمال الإجراءات واستلام الجثمان ودفنه رسميا يوم الأحد تلقيتُ اتصالا من إدارة السجون والإصلاح يوم الاثنين لتخبرنا رسميا بوفاة أخي".
يؤكد غيلان الجلاصي عضو جمعية تقاطع نقلا عن شهادات عائلات المساجين بأن عملية الإعلام بوفاة أبنائها يتم بشكل متأخر أو يتم منعهم من الزيارات العادية ليعلموا بعد فترة بأن أبناءهم قد فارقوا الحياة.
انقطاع الكهرباء عمّق الأزمة
تواترت خلال الفترة الأخيرة أخبار عن تسجيل وفيات داخل السجون التونسية، في سياق يتسم بنقص الرعاية الصحية والاكتظاظ وارتفاع درجات الحرارة. وتزامن ذلك مع انقطاعات دورية للتيار الكهربائي، زادت من حدة التداعيات الصحية والنفسية على حاملي الأمراض والفئات الهشة من المودعين·ات بالسجون.
رغم نشر الشركة التونسية للكهرباء والغاز بلاغات تحدد المناطق المعنية بالانقطاعات، فإن انقطاعات أخرى مفاجئة وغير معلنة تسببت في تداعيات حادة على المواطنين، لا سيما بالتزامن مع موجات الحر القياسية التي شهدتها البلاد.
وفي تفسيره لهذه الانقطاعات، أفاد المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز، فيصل طريفة، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، أن ما تشهده البلاد من اضطرابات في التزود بالكهرباء يعود أساسا الى الاستعمال المكثف لمكيفات الهواء مع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة.
وأضاف أن استهلاك الكهرباء بلغ خلال فترة الذروة، الممتدة بين الساعة الثانية ظهرا والرابعة مساء، نحو 5 آلاف ميغاواط يوميا، بزيادة تقارب 30% مقارنة بالاستهلاك العادي، مشيرا الى أن الشركة تلجأ، عند الضرورة، إلى تخفيض الأحمال عبر قطع مبرمج ومؤقت للتيار الكهربائي بهدف المحافظة على التوازن بين الإنتاج والاستهلاك ومنع انهيار الشبكة الوطنية، مشيرا إلى أن مدة الانقطاع لا تتجاوز ساعة واحدة، مع استثناء المؤسسات الحساسة والإستراتيجية. وأكد أن هذا الإجراء يهدف إلى تفادي انقطاع شامل للكهرباء على مستوى البلاد.

