بالأرقام: صيف على شواطئ ملوّثة

مع بداية كل صيف، تتكرر المشاهد نفسها على الشواطئ التونسية. عائلات تبحث عن متنفس من حرارة المدن، وأطفال يركضون نحو البحر بمجرد وصولهم إلى الساحل. لكن في عدد متزايد من الشواطئ، لا تعني زرقة المياه بالضرورة أن المكان آمن للسباحة.
بقلم | 02 أوت 2026
10 دقائق
متوفر باللغة الفرنسية
في جوان 2026، نشرت وزارة الصحة قائمة تضم 49 نقطة يمنع فيها السباحة، موزعة على ثماني ولايات، بعد أن أظهرت التحاليل المخبرية عدم مطابقة جودة المياه للمعايير الصحية.
قد تبدو هذه القائمة حدثا موسميا يرتبط بفصل الصيف، لكنها تكشف في الواقع مسارا يمتد منذ سنوات. فبعض المواقع تعود إلى قوائم المنع عاما بعد آخر، بينما تظهر مواقع جديدة نتيجة ضغوط بيئية وبنى تحتية لم تجد طريقها إلى الحل.

49 نقطة... لكن ماذا تعني؟

تكشف المعطيات المتوفرة أن عدد نقاط السباحة غير الصالحة للسباحة لم يبق مستقرا خلال السنوات الأخيرة، بل عرف تغيرات متواصلة. ورغم اختلاف منهجية وزارة الصحة بين احتساب "الشواطئ" في بعض السنوات و"نقاط المراقبة" في سنوات أخرى، فإن الاتجاه العام يكشف استمرار وجود بؤر تلوث على امتداد الساحل التونسي، مع تسجيل سنة 2026 أعلى عدد من نقاط المنع خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى نجاعة الجهود المبذولة للحد من التلوث البحري.

ولا تعني نقطة المراقبة شاطئا مستقلا، بل موقعا محددا داخل الشاطئ تؤخذ منه عينات دورية لتحليل جودة المياه. وتضم الشبكة الوطنية حاليا 539 نقطة مراقبة موزعة على كامل الشريط الساحلي. وقد يضم الشاطئ الواحد أكثر من نقطة مراقبة، خاصة إذا كان يمتد على مسافة طويلة أو يقع بالقرب من مصبات أودية أو محطات تطهير أو قنوات تصريف. لذلك، فإن ارتفاع عدد نقاط المنع لا يعني بالضرورة زيادة عدد الشواطئ الممنوعة، لكنه يسمح برصد التلوث بدقة أكبر داخل الشاطئ نفسه.


ثلاث ولايات... وأكثر من نصف نقاط المنع

لا ينتشر التلوث البحري بالتساوي على طول الساحل. فالقائمة الصادرة سنة 2026 تكشف تمركزه في عدد محدود من الولايات. وتتصدر بن عروس القائمة بـ18 نقطة يمنع فيها السباحة، تليها بنزرت بـ11 نقطة، ثم ولاية تونس بـ8 نقاط، بينما لا تسجل ولايات أخرى سوى نقطة أو نقطتين فقط.

ويعني ذلك أن أكثر من نصف نقاط المنع تتركز في ثلاث ولايات، وهي مناطق تشهد كثافة عمرانية وصناعية مرتفعة، إضافة إلى وجود مصبات أودية ومحطات تطهير تصب مياهها بالقرب من الشريط الساحلي، كما هو الحال في شط رواد. ويعكس هذا التركز الجغرافي وجود بؤر تلوث مزمنة أكثر من كونه ظاهرة ظرفية مرتبطة بموسم الصيف.

التلوث يأتي من اليابسة

لا يرتبط منع السباحة في عدد من الشواطئ التونسية بتراكم النفايات على الرمال فحسب، بل يعكس أساسا تدهور جودة مياه البحر. وتعتمد وزارة الصحة في تصنيفها لنقاط السباحة على التحاليل الميكروبيولوجية لمياه البحر، ولا سيما قياس تركيز البكتيريا البرازية والمؤشرات الجرثومية التي ترتفع عند وصول مياه الصرف الصحي أو المياه غير المعالجة إلى الساحل.

وتعد مصبات الأودية من أبرز مصادر هذا التلوث، إذ تحمل معها خلال فترات الجريان ملوثات منزلية وصناعية وزراعية نحو البحر. كما قد تتسبب محطات التطهير وشبكات الصرف، عند تجاوز طاقتها الاستيعابية أو حدوث أعطال أو تصريفات استثنائية، في وصول مياه معالجة جزئيا أو غير معالجة إلى الساحل.

وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن خليج تونس ظل لسنوات من أبرز بؤر التلوث الساحلي في البلاد، إذ كانت قنوات مفتوحة تنقل المياه المستعملة من محطة التطهير بشطرانة إلى وادي الخليج، الذي يصب مباشرة في شاطئ رواد. وأدى ذلك إلى تدهور جودة المياه، وانتشار الروائح الكريهة، وحرمان السكان من السباحة، فضلا عن آثار صحية وبيئية مست نحو خمسين ألف ساكن بالمنطقة.

رواد: حين تغيّر أنبوب بحري مصير شاطئ

يقدم شاطئ رواد مثالا على العلاقة المباشرة بين البنية التحتية وجودة مياه البحر. فبعد سنوات من تصريف المياه المعالجة عبر وادي الخليج، أُنجز مشروع لتحويلها بواسطة قناة وأنبوب بحري بعيدا عن الشاطئ. وأظهرت نتائج مراقبة جودة المياه تحسنا واضحا، إذ بينت بيانات البنك الدولي أن 96 بالمائة من العينات المأخوذة سنة 2020 استوفت المعايير الصحية المتعلقة بالبكتيريا، ما سمح بإعادة فتح الشاطئ للسباحة لأول مرة منذ سنوات.

غير أن هذا التحسن لم يكن نهائيا. ففي سنة 2025، عادت المياه المستعملة إلى الشاطئ بسبب أعطال فنية، لتعيد إلى الواجهة هشاشة شبكات التطهير، وتؤكد أن معالجة التلوث لا ترتبط بإنجاز مشروع واحد، بل باستمرارية صيانة البنية التحتية ومراقبة مختلف مصادر التصريف.

ولا يقتصر التلوث في رواد على مياه الصرف الصحي. فقد خلصت دراسة علمية منشورة في مجلة Desalination إلى أن الجريان السطحي القادم من سبخة أريانة ومياه الأمطار ينقل كميات مرتفعة من مركبات النيتروجين والفوسفور إلى البحر، وهو ما يؤدي إلى ظاهرة الإثراء الغذائي (Eutrophication)، التي تساهم في اختلال التوازن البيئي للمياه الساحلية وتراجع جودتها. وتشير هذه النتائج إلى أن تحسين جودة مياه السباحة لا يقتصر على تطوير شبكات التطهير، بل يتطلب أيضا الحد من مختلف مصادر التلوث القادمة من اليابسة.

شواطئ أنظف... وبحر أكثر تلوثا

لا تتوقف جهود حماية الشريط الساحلي عند مراقبة جودة المياه، بل تشمل أيضا عمليات تنظيف دورية لإزالة النفايات المتراكمة على الشواطئ. وتظهر بيانات وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي لسنة 2023 حجم هذه التدخلات من خلال عدد مرات التنظيف، والمساحات التي شملتها، وكميات النفايات التي تم جمعها.

غير أن هذه المعطيات تكشف مفارقة لافتة. ففي الوقت الذي تتواصل فيه عمليات تنظيف الشواطئ، توسعت قائمة نقاط السباحة غير الصالحة للسباحة، إذ ارتفع عددها من 29 نقطة سنة 2023 إلى 49 نقطة سنة 2026، بزيادة تقارب 69 بالمائة خلال ثلاث سنوات فقط.

وتشير هذه المفارقة إلى أن نظافة الرمال لا تعني بالضرورة جودة مياه البحر. فمصادر التلوث التي تؤدي إلى منع السباحة تبقى في معظمها غير مرئية للمصطافين، إذ ترتبط أساسا بالمياه المستعملة، ومصبات الأودية، والبنية التحتية للتطهير، لا بالنفايات الظاهرة على الشاطئ.

تكشف بيانات صيف 2026 أن نقاط السباحة الممنوعة ليست مجرد مواقع حمراء على خريطة الساحل، بل مؤشرات على ضغوط بيئية متراكمة تواجهها المدن الساحلية منذ سنوات. وبينما تستمر حملات تنظيف الشواطئ في إزالة النفايات الظاهرة، تشير مؤشرات جودة المياه إلى أن معالجة التلوث البحري تبدأ قبل وصوله إلى البحر، داخل شبكات الصرف، ومحطات التطهير، والسياسات التي تحدد كيفية إدارة المياه المستعملة والتوسع العمراني والصناعي على الساحل.

Inkyfada Landing Image

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول