تعد الحرارة كافية لتفسير اندلاع الأزمة، إذ بلغت 48 درجة في بعض المناطق الداخلية، ورفع التكييف الطلب كل ظهيرة إلى ما يتجاوز 5,000 ميغاوات، بينما أدى عطل في الجزائر في الوقت نفسه إلى خفض الكهرباء المستوردة. هذه الظروف مثبتة، لكنها تترك السؤال قائما حول سبب وصول البلاد كل صيف إلى بعد بضعة ميغاوات من الانهيار. يوضح الإطار أدناه آلية القطوعات، بينما تفحص الرسوم البيانية الـ 13 التالية الأسباب الهيكلية، واحداً تلو الآخر.
كيف يتم ذلك؟
في كل لحظة، يجب أن يتساوى إنتاج الكهرباء مع الاستهلاك. وعندما يتجاوز الطلب ما يمكن للشبكة توفيره، ينخفض تردد التيار ويصبح النظام بأكمله عرضة للانهيار دفعة واحدة. ولتجنب ذلك، تقوم الشركة التونسية للكهرباء والغاز خيارياً بتقليص جزء من الحمل عبر قطع التغذية عن مناطق معينة بالتناوب لفترات قصيرة، مع الحفاظ على المنشآت الحساسة مثل المستشفيات.
وقارن الرئيس المدير العام للشركة الخطر الذي تم تجنبه بالانقطاع العام الذي شهدته إسبانيا عام 2025، والذي استغرق استعادته الكاملة يوماً كاملاً تقريباً. وفي عام 2026، تركزت القطوعات بين الساعة الواحدة ظهراً والخامسة مساءً، وهو الوقت الذي يصل فيه الطلب إلى ذروته بسبب التكييف. وقد تفاقم العجز بسبب عطل حدث في الجزائر، في منطقة سيدي عقبة، مما أدى إلى تقليل الكهرباء المستوردة في الوقت الذي كانت فيه تونس بأمس الحاجة إليها.
العرض والطلب
يتزايد استهلاك الكهرباء سنة تلو أخرى، بينما ترتفع قدرة الإنتاج ببطء أكبر وتعتمد بشكل شبه كلي على الغاز الطبيعي، الذي تستنزف موارده الوطنية.
نقاط رئيسية:
هامش الاحتياطي هو ما يتوفر لدى المشغل فوق الذروة القصوى للطلب. في عام 2022، كان أسطول الإنتاج يتجاوز الذروة بنسبة 28%. وفي عام 2026، لم تتجاوز هذه الزيادة حدود 20%. أما الفارق بالميغاوات فلم يتغير كثيراً، حيث يحوم حول الألف.
لكن احتياطياً قدره ألف ميغاوات يحمي بشكل مناسب نظاماً يطلب ثلاثة آلاف ميغاوات، بينما يحمي بشكل أقل بكثير نظاماً يطلب خمسة آلاف. كما أن خسارة مجمع كبير واحد للدورة المركبة (حوالي 450 ميغاوات) تستنزف الآن ما يقارب نصف هذا الاحتياطي.
يعتمد هذا الحساب على القدرة المركبة، والتي تظل أعلى من القدرة التي يمكن تعبئتها فعلياً في فترة بعد ظهر يوم شديد الحرارة. إذ يجب أن نخصم منها المجموعات التي تخضع للصيانة أو المعطلة، وفقدان كفاءة التوربينات الغازية تحت الحرارة العالية، وإنتاج الرياح الذي يكاد يكون منعدما أثناء الفترات المرتفعة جويا في وقت الذروة تحديداً.
وبالتالي، فإن الهامش الفعلي لشهر جويلية 2026 هو أقل من الـ 20% المعلنة. وهذا ما يفسر حدوث القطوعات في حين يبدو أسطول الإنتاج، على الورق، مصمماً لاستيعاب هذا الطلب.
نقاط رئيسية:
يأتي الكهرباء التونسي بأسره تقريباً من محطات تحرق الغاز الطبيعي. وتمثل الطاقات المتجددة حوالي 6% من الإنتاج. ويشكل هذا التركيز على وقود أحادي، مستورد في مجمله، نقطة الضعف الرئيسية للنظام، لأن أي صدمة في إمدادات الغاز تنعكس مباشرة على إنتاج الكهرباء.
نقاط رئيسية:
انخفض الإنتاج الوطني للغاز إلى النصف منذ عام 2010. حيث تتراجع الحقول الرئيسية (ميسكار، وحسدربعل، ونوارة) تباعاً.
وتوافق الارتفاع الخفيف لعام 2021 مع بدء تشغيل حقل نوارة دون أن يغير ذلك من الاتجاه العام. ومع تراجع الإنتاج الوطني، يتعين على تونس استيراد حصة متزايدة من الغاز اللازم لمحطاتها.
الاستثمار والدين والصيانة
تظل قراءة الأزمة من جانب الاحتياجات والموارد وحدها غير مكتملة. إذ تفسر ثلاثة عوامل هيكلية سبب عدم مواكبة العرض للطلب: تباطؤ الاستثمار في محطات جديدة، ومديونية المشغل العمومي، وتقادم أسطول الإنتاج الذي تزداد كلفة صيانته.
نقاط رئيسية:
بُني أسطول الإنتاج التونسي حول سلسلة من المحطات الكبرى ذات الدورة المركبة التي تم تشغيلها بنسق منتظم حتى بداية سنوات 2020. ودخلت المحطة الأخيرة، "رادس ج"، الخدمة عام 2022 بتأخير يقارب سنتين عن الجدول الزمني الأصلي. ومنذ ذلك الحين، لم تضف أي وحدة كبيرة. ولا يزال المشروع التالي، محطة الصخيرة 2، يبحث عن التمويل. وقد أشار دائرة المحاسبات في عدة مناسبات إلى عدم كفاية الاستثمار والصيانة، فضلاً عن تراجع كفاءة الأسطول.
نقاط رئيسية:
إلى حدود 23 جوان 2026، بلغت مديونية الشركة التونسية للكهرباء والغاز 7.36 مليار دينار، وبلغت الفواتير غير المدفوعة من قبل حرفائها (ومن بينهم العديد من المؤسسات العمومية) 6.06 مليار دينار.
وقبل عقد من الزمن، كانت المديونية تحوم حول 4 مليارات. إذ تبيع الشركة الكهرباء بأقل من تكلفته، وتراكم خسائر تغطيها الدعم الحكومي. كما أنها لم تعد قادرة على تمويل محطات جديدة من مواردها الذاتية. وتُقدّر كلفة إعادة هيكلة شاملة بـ 12 مليار دينار.
نقاط رئيسية:
في عام 2025، باعت الشركة الكيلووات/ساعة بسعر 291 مليماً في المتوسط، مقابل تكلفة إنتاج بلغت 456 مليماً. وبالتالي، فإن كل وحدة تباع توسّع الفجوة. وتفسر هيكلة الأسعار هذه، التي تقررت لأسباب اجتماعية، جانباً كبيراً من الخسائر والمديونية. وقد ارتفعت اعتمادات دعم الطاقة من 550 مليون دينار في 2011 إلى أكثر من 7,100 مليون في 2025، أي ما يعادل نحو 9% من ميزانية الدولة. وإن شركة في هذا الوضع لا تملك الوسائل للاستثمار.
التبعية للغاز الجزائري
يأتي الوقود الذي يغذي النظام بصلة أقل فأقل من الباطن التونسي، وأكثر فأكثر من الجزائر. وتحدد هذه التبعية في الوقت نفسه أمن الإمدادات والاستقلالية الطاقية للبلاد.
نقاط رئيسية:
في ظرف عقد من الزمن، انخفضت حصة الإنتاج الوطني في إمدادات الغاز من النصف إلى الربع. ويأتي الباقي من الجزائر في شكلين: الإتاوة المستوفاة عيناً على الغاز الذي يعبر الأراضي التونسية نحو إيطاليا، وخاصة الشراء التجاري من شركة سوناطراك.
وتضمن الإتاوة، المحددة بـ 5.25% من الغاز المنقول عبر أنبوب العبور العابر للمتوسط، اتفاقية تسري حتى عام 2029. وبما أن الغاز ينتج كل الكهرباء تقريباً، فإن الشبكة التونسية تعمل في جوهرها بالغاز الجزائري.
نقاط رئيسية:
ينخفض معدل الاستقلالية الطاقية سنة تلو أخرى. ويشمل المؤشر الرسمي الإتاوة المقتطعة من الغاز الجزائري العابر، وهو موارِد لا تتأتى من الباطن التونسي. وبمجرد سحب هذه الإتاوة من الحساب، تعود الاستقلالية الفعلية للبلاد إلى ما يزيد قليلاً عن الربع. وبالتالي فإن المورد الذي يدعم المؤشر هو نفسه ذو مصدر جزائري. وهذا مسار الإمداد هو الذي انخفض في جويلية 2026، عندما أدى عطل سيدي عقبة إلى تقليل المبادلات في أوج موجة الحر.
الانتقال إلى الطاقات المتجددة وعوائقه
تشكل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح المنفذ الرئيسي للأزمة. وقد وضعت البلاد أهدافاً طموحة، لكن تحققها يصطدم بتأخيرات متكررة وعوائق إدارية تكبح المشاريع الكبرى كما تكبح الإنتاج الذاتي للأسر والشركات.
نقاط رئيسية:
تهدف تونس إلى بلوغ 35% من الطاقات المتجددة في إنتاجها الكهربائي سنة 2030 ومنتصف سنة 2035. وهي حالياً عند مستوى 6% تقريباً، رغم أن البلاد تعد من بين أكثر دول المتوسط إشراقاً بالشمس. وتأخرت البرامج المطبقة منذ 2017 عدة سنوات. ولا تتجاوز القدرة المركبة سوى 500 ميغاوات قليلاً، في حين يتطلب الأمر نحو 4,800 ميغاوات للوفاء بأجل 2030. ويعود التأخير إلى أسباب مؤسسية لا جغرافية.
نقاط رئيسية:
تتزايد القدرة الكهروضوئية المركبة على أسطح المنازل، ولكن انطلاقاً من مستوى ضعيف جداً. حيث بلغت حوالي 420 ميغاوات في 2025، أي أقل من عشر هدف 2030. وعلى صعيد الشركات، لم ينجم عن نظام الإنتاج الذاتي في الجهد المتوسط والعالي سوى 300 اتفاقية بقدرة إجمالية 60 ميغاوات حتى نهاية 2022. ويبقى هذا النسق لا يتناسب مع الإمكانيات الشمسية للبلاد.
نقاط رئيسية:
يتيح كل كيلووات/ساعة مُستهلك ذاتياً تجنب ما يصل إلى 419 مليماً، وهو سعر الشريحة العالية من التعريفة المنزليّة. أما الكيلووات/ساعة نفسه الطي يتم ضخه كفائض في الشبكة، لا تشتريه الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلا بسعر يتراوح بين 69 و87 مليماً، وفي حدود 30% من الإنتاج السنوي.
وبالتالي يوجّه هذا الآلية إلى تحديد حجم المنشأة لاستهلاك المنزل فقط. وتقوم الشركة بالربط والشراء والبيع في الوقت نفسه، مما يضعها في موقع الحكم تجاه إنتاج ينافس مبيعاتها الخاصة.
الطاقة الشمسية الموجهة للتصدير
بينما يتقدم الإنتاج الذاتي المحلي ببطء، تحظى الإمكانات الشمسية في الجنوب التونسي باهتمام أوروبي بالغ. ويتضمن قانون 2015 مادة تسمح صراحة بتصدير الكهرباء المتجددة. وبناءً على هذا الأساس، طلبت أو حصلت مجمعات أجنبية متعددة على حق إنتاج طاقة في تونس مخصصة للأسواق الأوروبية.
نقاط رئيسية:
تقدم مشروع "تونور" (TuNur)، الذي تقوده الشركة البريطانية "نور إنرجي" مع مستثمرين مالطيين وتونسيين، بطلب ترخيص يخص 4.5 غيغاوات موجهة للتصدير عبر كابلات بحرية نحو مالطا وإيطاليا وفرنسا.
يقترب هذا المشروع الذي يظل في انتظار الترخيص بمفرده من حجم الأسطول الكهربائي الوطني بأكمله. بينما يظل الإنتاج الذاتي للأسر والشركات مجتمعة في حدود نصف غيغاوات. وقد يُخصص جزء من إنتاج "تونور" للسوق التونسية بحسب تقدير الحكومة، لكن غايته الأولى تبقى التصدير.
نقاط رئيسية:
تهدف الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين إلى إنتاج نحو 8.3 مليون طن سنوياً بحلول عام 2050. وسيكون نحو ثلاثة أرباعها موصولة إلى أوروبا عبر أنبوب الهيدروجين (SoutH2). وتجمع الاتفاقيات الرئيسية الموقعة منذ 2024 مجمعات أجنبية، من بينها "توتال إنرجيز" و"إيرين" مع "فيربوند" النمساوية، و"أكوا باور" السعودية، و"إتش دي إف" الفرنسية، إضافة إلى "أمارينكو" و"إتش 2 غلوبال".
وتجلب هذه المشاريع استثمارات ومواطن شغل، لكنها تثير تحفظات تتعلق بالمياه المحلاة التي تستهلكها، وبالأراضي في الجنوب التي تستحوذ عليها، وبمبدأ تصدير طاقة نادرة بينما تقنن البلاد استهلاكها. وفي قابس، أعرب السكان عن رفضهم للموقع النموذجي.
ما تظهره هذه البيانات
تصف هذه السلاسل الـ 13، عند تجميعها، الآلية ذاتها: الطلب يرتفع بانتظام، والعرض يركد لغياب الاستثمار. المشغل العمومي يبيع بالخسارة، ويتداين، ولا يقدر على البناء.
الموارد الوطنية من الغاز تستنزف، والتبعية للغاز الجزائري تصل إلى ثلاثة أرباع الإمدادات. والانتقال إلى الطاقات المتجددة يسجل تأخراً كبيراً.
وإلى هذا التوصيف، تضاف توترات خاصة: تكبح البلاد بفعل الثقل الإداري والموقع الهيمني للشركة التونسية للكهرباء والغاز الطاقة التي يمكن لسكانها وشركاتها إنتاجها. وفي الوقت نفسه، تفتح إمكاناتها الشمسية أمام مجمعات أجنبية لإنتاج كهرباء وهيدروجين موجهين إلى أوروبا. وهو توجه يطرح أسئلة تتجاوز الإطار التقني أو المالي الصرف.
لقد كانت موجة الحر لعام 2026 بمثابة الشرارة، لكن الصعوبات التي كشفت عنها كانت موثقة منذ مدة طويلة، بما في ذلك في تقارير المؤسسات التونسية نفسها.

