زلزال يتجاوز حدود المستطيل الأخضر
وكأن الأرض اهتزت تحت أقدام الجميع. ففي مباراتها الأولى ضمن كأس العالم 2026، سقط المنتخب التونسي بقيادة صبري لموشي سقوطاً مدوياً أمام السويد بنتيجة 5-1 في المكسيك.
لم تكن مجرد هزيمة رياضية، بل تحولت إلى أزمة ذات أبعاد مؤسساتية ورمزية وسياسية. وأمام أنظار ملايين المشاهدين حول العالم، ظهر «نسور قرطاج» بصورة منتخب يفتقر إلى الانسجام والتنظيم والروح الجماعية، في مشهد عكس حالة التصدع التي يعيشها المنتخب منذ أشهر.
وهي أزمة كانت إنكفاضة قد وثّقت ملامحها قبل أسابيع من انطلاق البطولة.
في نفس الموضوع
مؤشرات منذرة بالخطر
بعد أربعة أشهر فقط من الإخفاق في كأس أمم إفريقيا، لم تُغيّر الجامعة التونسية لكرة القدم شيئًا يُذكر في أساليب إدارتها. وكانت قائمة صبري لموشي المشاركة في كأس العالم تحمل منذ البداية آثار تلك الاختيارات: أسماء فُرضت من أعلى هرم الجامعة، ووعود قُطعت ثم تراجع أصحابها عنها، واستمرار منطق المحاباة الذي وثّقته إنكفاضة على مدى الأشهر الماضية.
حتى قبل صافرة البداية، كانت مؤشرات الخطر واضحة للعيان. فالهزيمة الثقيلة التي مُني بها المنتخب أمام بلجيكا بخماسية نظيفة في آخر مباراة تحضيرية كشفت هشاشة الخط الخلفي للمنتخب التونسي أمام أنظار الجميع. وبعد تلك المباراة، لم يُخفِ صبري لموشي استياءه، واصفًا أداء لاعبيه بـ"المخجل". غير أن هذا التصريح لم يُساهم في توحيد المجموعة أو تحفيزها، بل زاد من حدة التوتر بين المدرب ولاعبيه.
لكن الأزمة لم تبدأ في المكسيك، ولم تكن محصورة في الجوانب الفنية. فكما كشفت إنكفاضة سابقًا، لم تكن جميع اختيارات القائمة ثمرة رؤية الجهاز الفني وحده، بل تدخلت فيها أطراف من داخل الجامعة التونسية لكرة القدم. ووفق المعلومات التي حصلنا عليها، فُرضت سياسة محاصصة غير معلنة أشرف عليها بدرجة كبيرة نائب رئيس الجامعة حسين جنيّح، ما أدى إلى اختيار بعض اللاعبين على حساب الانسجام الرياضي للفريق، بهدف إرضاء الأندية الكبرى في البطولة المحلية وضمان استفادة كل منها من التعويضات والمنح التي يمنحها الاتحاد الدولي لكرة القدم للمشاركين في كأس العالم.
كما تلقّى عدد من اللاعبين وعودًا بالمشاركة والوجود ضمن القائمة النهائية، بعضها قُدّم خلال لقاءات مباشرة مع المدرب نفسه، قبل أن يتم التراجع عنها لاحقًا.
لموشي... أول من دفع الثمن
حتى أمام السويد، لم يخض صبري لموشي المباراة بالتشكيلة التي كان يرغب فيها بالكامل. فبحسب المعلومات التي حصلت عليها إنكفاضة، تم تعديل التشكيلة الأساسية مرتين تحت ضغط بعض المسؤولين داخل الجامعة التونسية لكرة القدم.
فخيار الاعتماد على دفاع ثلاثي مع لاعبين غير ملائمين لهذا الرسم التكتيكي، مثل يان فاليري، أو الدفع بإلياس سعد في مركز رأس الحربة، لم يكن نابعًا من قناعة المدرب وحده. وبعد الهزيمة الثقيلة أمام بلجيكا بخماسية نظيفة، تحوّل هاجس تجنّب إذلال جديد إلى عامل ضغط دفع نحو قرارات تكتيكية متسرعة، كان لزياد الجزيري دور مؤثر فيها.
لكن داخل المنتخب، كانت القطيعة بين المدرب والمجموعة قد بدأت قبل مواجهة السويد بوقت طويل. ووفقًا لمصادرنا، كان المدير الرياضي زياد الجزيري يدفع منذ الهزيمة أمام بلجيكا نحو الاستغناء عن لموشي والدخول إلى المونديال بوجه جديد على رأس الإطار الفني. وبمرور الأيام، تراجع الدعم الذي كان يحظى به المدرب إلى حد كبير، فيما ازدادت الخلافات بينه وبين الثنائي حسين جنيّح وزياد الجزيري.
أما قرار إقالته، الذي جاء غداة الهزيمة أمام السويد، فقد تم في ظروف غير مألوفة. إذ نشرت الجامعة التونسية لكرة القدم خبر رحيله على صفحتها الرسمية في إنستغرام من دون إعلامه مسبقًا، قبل أن تسارع إلى حذف المنشور بعد وقت قصير.
وفي الأثناء، كان لموشي يتوجه بشكل عادي إلى الحصة التدريبية رفقة لاعبيه، غير مدرك أن مسؤولي الجامعة كانوا يدرسون في الكواليس إمكانية تكليف منذر الكبير بالإشراف المؤقت على المنتخب.
غير أن المشهد تغيّر فجأة عند منتصف ليلة 16 جوان، عندما برز اسم جديد على طاولة المفاوضات.
هيرفي رينار... مهمة إنقاذ عاجلة
الاسم الذي برز فجأة لم يكن سوى هيرفي رينار. المدرب الفرنسي صاحب الخبرة الطويلة في القارة الإفريقية، والذي سبق له تدريب المنتخب المغربي، كما تُوّج بكأس أمم إفريقيا مع زامبيا سنة 2012 ومع كوت ديفوار سنة 2015. ويُعد رينار، البالغ من العمر 57 عامًا، دون ارتباط منذ مغادرته المنتخب السعودي في أفريل الماضي.
تمت العملية في غضون ساعات قليلة، بدعم من صديقه المقرب الإعلامي إسماعيل بوعبد الله، الذي أعلن الخبر بنفسه عبر قناة "إم 6" الفرنسية. وسرعان ما تبلورت ملامح اتفاق لتولي الإشراف على المنتخب خلال المباراتين المتبقيتين من دور المجموعات أمام اليابان وهولندا.
عقد قصير الأمد، أقرب إلى مهمة إنقاذ عاجلة، مع رغبة واضحة في إتمام الإجراءات بسرعة حتى يتمكن المدرب الجديد من مباشرة عمله دون تأخير.
لكن طرفًا آخر لعب دورًا حاسمًا في هذا الملف: رئاسة الجمهورية.
فمنذ البداية، كان لقصر قرطاج تأثير مباشر في بعض القرارات المتعلقة بالمنتخب، ومن بينها رفض التعاقد سابقًا مع المدرب الفرنسي فرانك إيز. أما الهزيمة القاسية أمام السويد بنتيجة 5-1، فقد اعتُبرت على أعلى مستوى في الدولة إهانة وطنية أمام أنظار العالم، وهو ما عجّل باتخاذ قرار إنهاء مهام صبري لموشي.
ولإقناع رينار بقبول المهمة، اضطرت الجامعة التونسية لكرة القدم إلى تقديم تنازل لم يسبق أن منحته لأي مدرب سابق، ويتمثل في السماح له باختيار عدد من أعضاء طاقمه الفني الخاص ومرافقته إلى المنتخب.
هذه المرة، لم يكن لحسين جنيّح أو وجيه الناصري أو زياد الجزيري دور في القرار. فبحسب مصادرنا، لم يشارك أي منهم في المفاوضات أو في ترتيبات التعاقد مع المدرب الفرنسي.
في المقابل، يواصل اللاعبون خوض البطولة في أجواء يصفها بعضهم بالمتوترة والمضطربة. ووفق شهادات جمعتها إنكفاضة، يشعر عدد منهم بأنهم ينتمون إلى مؤسسة تدار بمنطق لا يشبه المؤسسات الرياضية بقدر ما يشبه شبكات النفوذ والمصالح.
كما يصف بعض المطلعين هيكلة القرار داخل الجامعة بأنها قائمة على ثلاث دوائر: جهة تمسك بالخيوط من وراء الستار، وجهة تتولى التنفيذ، ومحيط من الموالين يدور في فلك أصحاب القرار.


