إعلام دون معلومة : واقع العمل الصحفي في تونس

إعلام دون معلومة : واقع العمل الصحفي في تونس

يُواجه الصحفيون والصحفيات في تونس اليوم واقعا مهنيا معقّدا تقوم ملامحه على التعتيم الممنهج على المعلومة، وتشريعات تُضيّق على العمل الصحفي، وإعلام عمومي وخاص يُستَخدم بشكل متزايد كأداة لتكريس سرديّة السّلطة. في ظلّ هذا المناخ، لم يعد النفاذ إلى المعلومة مسألة تقنية أو إجرائية فحسب، بل رهانًا سياسيا ينعكس مباشرة على حقّ الجمهور في الفهم والمحاسبة، وعلى قدرة الصحافة على أداء دورها كسلطة مضادة.
بقلم | 22 جانفي 2026
15 دقيقة

منذ صدور المرسوم عدد 54 لسنة 2022، تعمّقت أزمة العمل الصحفي عبر توسيع مجال التجريم فيما يتعلّق بالتعبير الرقمي، وخلق مناخ خوف ورقابة ذاتية داخل غرف التحرير. ترافق ذلك مع منظومة قوانين ومناشير وإجراءات عمليّة جعلت من البحث عن المعلومة الرسمية والدقيقة عملا شاقا ومحفوفا بالمخاطر؛ ليس فقط بسبب غياب الشفافية، بل أيضا بفعل استراتيجيات صامتة تقوم على التهميش، التأخير، أو الامتناع التام عن الإجابة.

في هذا السياق، تحوّلت الأحداث الأمنية والإنسانية الكبرى من عملية فريانة، إلى استهداف أسطول كسر الحصار عن غزة، مرورا بالفيضانات والكوارث الطبيعية إلى مؤشّرات واضحة على أزمة عميقة في منظومة “اتصال الأزمات”، وعلى تآكل شروط ممارسة الصحافة في الميدان، في ظل غياب آليات فعّالة للنفاذ إلى المعلومة واستمرار تعطيل الهياكل الضامنة لذلك.

أخبار بلا تغطية صحفية ولا نفاذ إلى المعلومة

يوم 3 جانفي 2026، أعلنت وزارة الداخلية عبر صفحتها الرسميّة على فيسبوك أنّ “الوحدات الأمنية، في إطار عمل أمني استباقي، تمكّنت من إحباط عملية إرهابية بعد تعقّب مجموعة من العناصر المتطرّفة، أسفرت عن القضاء على العنصر الإرهابي الخطير صديق العبيدي وإيقاف العنصر الإرهابي المرافق له، وذلك في محيط السوق الأسبوعية بفريانة من ولاية القصرين”. وأضاف البلاغ أنّ عون أمن تعرّض إلى إصابات بدنية بليغة استوجبت نقله إلى المستشفى، قبل أن تُعلن الوزارة، في بلاغ ثان مساء اليوم ذاته، عن “استشهاده متأثرا بإصاباته”.

بين البلاغين، كانت منصة فيسبوك تضج بصور وفيديوهات “ميدانية” تتداول معطيات متضاربة حول العملية، من بينها الحديث عن “إيقاف عنصر ثالث” من قبل الأهالي في زاوية سيدي تليل بفريانة. انتشرت هذه الروايات بسرعة دون تدقيق، في وقت حاول فيه الصحفيون التواصل مع مصادر رسمية في وزارة الداخلية أو في الجهات، لتأكيد أو نفي ما يُتداول. لكن هذه المحاولات قوبلت بالصمت أو بالتجاهل، ما ترك فراغا اتّسع فيه مجال الإشاعة والمعلومة غير الموثوقة.

في غياب أي توضيحات، اكتفت معظم وسائل الإعلام بإعادة نشر البلاغات الرسمية كما هي، دون طرح أسئلة إضافية، أو تقديم تحليل مبني على وقائع ومعطيات دقيقة، أو استحضار شهادات مستقلة من الميدان. وهكذا تحوّلت قضية تمسّ مباشرة سلامة المواطنين والأمن العام إلى خبر رسمي مغلق، تُدار تفاصيله خارج أي مساءلة، بينما تُترك مهمة “ملئ الفراغ” لوسائل التواصل الاجتماعي وخطاب العاطفة والغضب.

حادثة فريانة ليست استثناء. ففي الليلة الفاصلة بين 8 و9 سبتمبر 2025، وبينما كان “أسطول الصمود” العالمي الرابض في مرفأ سيدي بوسعيد يستعدّ للإبحار في محاولة لكسر الحصار المفروض على غزة، تحدّث نشطاء كانوا على متن سفينة “فاميلي – Family” عن طائرة مسيّرة ألقت جزءا متفجّرا أشعل حريقا جزئيا على متن السفينة. السلطات الأمنية، من جهتها، نفت فرضية الاستهداف، ورجّحت أنّ الأمر لا يتعدى “حريقا بسيطا”.

بالنسبة لعدد من النشطاء، لم تكن هذه الرواية مجرّد قراءة تقنية للحادثة، بل استمرارا لنمط تعامل تعتمده السّلطة: إمّا تهدئة لتفادي التصعيد، أو تعتيم عبر غياب التصريحات الرسمية المفصّلة، ورفض تحمّل المسؤولية الاتصالية في لحظات توتر حسّاسة. بالتوازي، قدّم المعلّق التلفزي المقرّب من السلطة رياض جراد الحادثة على أنّها “جلسة خمرية وبارباكيو حوت وبونطة سيقارو ولوبيات وراء حريق أسطول الصمود وهي خطة لإحراج الرئيس”، في قراءة تُجرّد الحادثة من بعدها السياسي والأمني وتحيلها إلى مشهد استهلاكي تهكّمي.

بالنسبة لزياد دبّار، نقيب الصحفيين، فإنّ هذا السياق يجعل من وسائل الإعلام، خاصة العمومية منها، “مجرد ناقل للبلاغات الرسمية”، بما يمنع “تقديم تحليلات واقعية تعبر عن هموم المواطن وتُبنى على أساسها السياسات العمومية”، ويُفرغ مفهوم “الإعلام العمومي” من دوره الرقابي لفائدة دور تبريري يُعيد إنتاج خطاب السلطة.

“أزمة” اتصال الأزمات: حين تغيب السردية الرسمية وتُترك الساحة للإشاعة

تتكرّر أزمة الاتصال الرسمي كلّما تعلّق الأمر بحدث جماعي ضاغط: كارثة طبيعية، حادثة مدرسية مأساوية، أو فيضانات تُخلّف خسائر بشرية ومادية.

تزامنا مع التغيرات المناخية وموجات الفيضانات التي شهدتها عدّة مناطق تونسية، والتي بلغ عدد الضحايا المعلن عنهم إلى حدود كتابة هذه الأسطر خمسة قتلى في منطقة المكنين من ولاية المنستير، بالإضافة إلى خسائر مادّية كبيرة في الممتلكات العامة والخاصة، ظلّ الحضور الرسمي الاتصالي محدودا. الإعلان عن تعليق الدروس أو انعقاد لجان مجابهة الكوارث اقتصر على بلاغات مقتضبة على صفحات بعض الولايات أو الهياكل منشورة في أوقات متأخرة، مع تصريحات قليلة للناطقين باسم الحماية المدنية، ودون استراتيجية تواصل موحّدة تُجيب عن أسئلة الناس، وتشرح الإجراءات، وتحدّد المسؤوليات.

في هذا المناخ، وصل الفشل الاتصالي حدّ منع صحفيين من ممارسة عملهم خلال زيارة رئيس الجمهورية للمناطق المتضرّرة. في مدينة قرمبالية من ولاية نابل، تعرّض الصحفي منتصر ساسي مراسل إذاعة IFM إلى محاولة اعتداء وسحب هاتفه من قبل أحد أعضاء الوفد المرافق للرئيس، بعد أن وجّه سؤالا إلى قيس سعيّد حول “الإجراءات المتّخذة إثر الفيضانات”، رغم أن الرئيس كان قد توقّف فعلا للإجابة.

ويصرح في تدوينة:

“ما شدّ انتباهي خلال زيارة رئيس الجمهورية إلى مدينتَيْ قرمبالية والحمامات، السماح للمواطنين بالتصوير بهواتفهم بينما يتم منعي من استعمال الهاتف رغم توقف رئيس الجمهورية للإجابة عن سؤالي”.

غياب “اتصال الأزمات” لا يرتبط فقط بالفيضانات. فالنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين كانت قد أدانت، في سياق آخر، “سوء إدارة أزمة فاجعة وفاة 3 تلاميذ، يوم 14 أفريل 2025، بعد سقوط سور المعهد الثانوي بالمزونة، وغياب سياسة اتصالية لتمكين وسائل الإعلام والمواطنين من المعلومة الدقيقة والآنية ضمانا لحق الرأي العام في المعرفة وتحديد المسؤوليات”.

في كلّ هذه الحالات، يتحوّل الصمت، أو الاكتفاء ببلاغات متأخرة وناقصة، إلى جزء من إدارة الأزمة، بما يسمح للمعلومة غير المؤكّدة بأن تسبق المعلومة الموثوقة، ويترك الصحفيين في وضعية مهنية هشّة بين واجب الإخبار، وخطر التسرّع أو الوقوع في فخّ الأخبار الزائفة.

واقع العمل الصحفي: تضييق يومي وتشريعات مقيّدة

مناخ العمل الصحفي في تونس بات يتسم بتدهور مستمرّ، يتجسّد في تعطيلات يومية، ومنع متزايد من التصوير في الفضاءات العامة، بما فيها شارع الحبيب بورقيبة، الذي كان يوما رمزا للتعبير العمومي.

تقرير شهر سبتمبر الصادر في أكتوبر 2025 عن وحدة الرصد بالنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين سجّل أربع حالات حجب معلومات، وأربع حالات منع من العمل، وحالتي مضايقة، في شهر واحد. أمّا التقرير السنوي لنفس الوحدة، فيشير إلى أنّ استمرار العمل بالمنشورين الإداريين عدد 4 و19 يحدّ بشكل واضح من حرية التواصل مع وسائل الإعلام، ويجعل العلاقة مع المؤسسات العمومية قائمة على المماطلة والانتقائية.

يطالب التقرير بإلغاء المنشورين عدد 4 و19 وكل القيود المفروضة على التصريحات الصحفية، من بينها استمارات طلب العمل الإعلامي التي فرضتها بعض الوزارات، والتي تحوّل الحق في المعلومة إلى مسار ترخيصي معقّد.

المرسوم عدد 54 لسنة 2022 عمّق الأزمة. فإلى جانب توسيع دوائر التجريم، خلق مناخا من الخوف والرقابة الذاتية، حيث بات الصحفيون يزنون كل كلمة في الفضاء الرقمي خشية الملاحقة. يتفاقم هذا الوضع مع استمرار تعطيل تطبيق المرسوم عدد 115 المتعلّق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، واللجوء المتكرر إلى المجلة الجزائية، وقانون مكافحة الإرهاب، ومجلة الاتصالات في قضايا الرأي.

زياد دبّار يلخّص الوضع في تصريح لـ “انكفاضة”:

“صعوبة العمل الميداني زادت بسبب البيروقراطية في الحصول على تصاريح، حيث يرفض المسؤولون المركزيون في وزارات معينة منح التراخيص التي يطلبها المسؤولون الجهويون أو المحليون. وعلى مستوى التشريعات، لا يُطبَّق المرسوم عدد 115 المتعلّق بحرية الصحافة، وبدل ذلك يتم اللجوء إلى المرسوم 54 والمجلة الجزائية وقانون مكافحة الإرهاب وحتى مجلة الاتصالات، خاصة في قضايا الرأي”.

تعطيل بطاقة الصحفي المحترف: تأخير إداري يتحوّل إلى أزمة قطاعيّة

مع انتهاء صلاحية بطاقة الصحفي المحترف لسنة 2024 دون تجديد، تعمّقت الأزمة الميدانية للصحفيين. يعود هذا التأخير إلى عدم سدّ الشغور في تركيبة الهيئة المستقلّة لإسناد بطاقة الصحفي المحترف من طرف رئاسة الحكومة، رغم المراسلات المتعدّدة من الهياكل المهنية.

هذا الفراغ دفع جامعة مديري الصحف إلى إصدار بيان يوم 10 جانفي 2026 عبّرت فيه عن “انشغالها العميق” من تواصل حرمان الصحفيين من بطاقاتهم للسنة الثانية على التوالي، وطالبت بالإسراع في إصدار الأمر الحكومي المتعلّق بتجديد تركيبة الهيئة، محذّرة من وضعية قانونية حرجة، باعتبار أن التمديد في بطاقة سنة 2024 استند إلى الأمر الحكومي عدد 229 لسنة 2021، الذي ينص على أن التمديد الاستثنائي لا يمكن أن يتجاوز سنة واحدة.

عمليا، لم تعد بطاقات 2024 صالحة، وهو ما يعطل التحركات الميدانية، ويحرم الصحفيين من حقوق بسيطة مثل إثبات الصفة المهنية عند تغطية الأحداث أو حتى عند القيام بإجراءات إدارية شخصية.

قيس بن مراد، كاتب عام جامعة مديري الصحف، يرى أنّه “لا وجود لمبرّر قانوني لعدم إصدار الأمر”، خاصة وأن الهيئة “لجنة مستقلة يرأسها قاضٍ إداري لضمان تطبيق القانون، وهي من مكاسب القطاع لضمان عدم تدخل الإدارة في إسناد البطاقات”. يضيف في تصريحه لـ”انكفاضة”:

“صحيح أنّه حدثت تأخيرات في البطاقة المهنية خلال سنوات الثورة بسبب إشكاليات التمثيلية النقابية، وحسمت المحكمة الإدارية الأمر إثر ذلك، لكن التأخير لم يصل أبدا إلى الشكل الحالي، ويُعتبر سابقة في تاريخ المهنة”.

ويتابع:

“هذه البطاقة حق مهني، وهي ضرورية حتى في الحياة الخاصة للصحفيين، مثل تغيير بطاقة التعريف الوطنية أو عند القيام بمهام تغطية ميدانية حيث يُطلب من الصحفي إثبات هويته المهنية. عدم وجودها يصعّب ممارسة المهنة ونيل أبسط الحقوق والامتيازات”.

في بيان آخر بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة للثورة، نددت النقابة الوطنية للصحفيين بحرمان ما لا يقل عن ألفي صحفي وصحفية من بطاقاتهم، معتبرة أنّ ذلك خلق عراقيل حقيقية أمام ممارسة المهنة والتنقل أثناء أداء المهام الصحفية، بما فيها التغطيات الميدانية المحلية والدولية.

زياد دبّار حمّل بدوره رئاسة الحكومة مسؤولية هذا الوضع بسبب “تقاعسها عن تطبيق القانون ونشر أسماء أعضاء لجنة إسناد بطاقة الصحفي المحترف”، بما أدّى إلى حرمان الصحفيين من بطاقاتهم المهنية وبطاقات الاعتماد وتراخيص التصوير، و”جعل أداء المهام مستحيلا للصحافة المحلية والدولية على حدّ سواء”.

اللجنة، كما يشرح دبّار، تتكوّن من سبعة أعضاء: قاضٍ إداري كرئيس، وممثل عن نقابة الصحفيين، وممثلين عن الإعلام العمومي، ومديري الصحف، والإعلام الخاص، “إلا أن الأعضاء الثلاثة الأخيرين لم يتم تسميتهم منذ قرابة السنة”. هذا التعطيل حوّل البطاقة من حقّ قانوني إلى “إمتياز” تُمسِك السلطة بمفتاحه.

قيس بن مراد يقترح مراجعة المرسوم 115 في اتجاه جعل بطاقة الصحفي المحترف تُسند مرة كل ثلاث أو خمس سنوات للصحفيين ذوي الخبرة التي تفوق خمس سنوات، مع إمكانية سحبها قانونيا عند خرق أخلاقيات المهنة، في حين يُعاد النظر سنويا في ملفات الصحفيين الجدد. هذا التعديل، حسب رأيه، يمكن أن يجنّب القطاع تكرار الأزمات الإدارية نفسها كل سنة.

غياب هيئة النفاذ إلى المعلومة: فراغ مؤسسي يفتح الباب للتضليل

رغم مرور قرابة عشر سنوات على صدور القانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 المتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة، تتواصل حالات الحجب والتضييق على الحصول على المعلومات، في ظلّ غياب فعلي لهيئة النفاذ، بعد إلحاق موظفيها بإدارات أخرى وتعطيل دورها كهيئة تحكيم بين الإدارة والصحفي أو المواطن.

المسألة تتعلق هنا بحقّ الجمهور في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالشأن العام، من سياسات حكومية، وتنفيذ الميزانيات، والمشاريع العمومية، إلى معطيات حول تسيير المنشآت والهيئات العمومية. نظريا، يكفل القانون للصحفيين والصحفيات إمكانيّة الحصول على هذه البيانات لأداء دورهم في إخبار الجمهور والتعليق على الأحداث بناء على معلومات موثوقة، مع احترام أخلاقيات المهنة والمعطيات الشخصية وتفادي تضارب المصالح.

غير أنّ الواقع، وفق ما يعاينه مجلس الصحافة، يظهر عراقيل متعدّدة: بطء شديد أو امتناع في الردّ على مطالب النفاذ، تعقيدات إدارية، وغياب تفعيل واضح لمسؤوليات المكلّفين بالنفاذ داخل الوزارات والإدارات. هذا التعطيل لا يمسّ فقط بحقّ الصحفي في العمل، بل يضرب حقّ الجمهور في المعلومة الحينية، ويُضعف منسوب الثقة في المؤسسة العمومية.

عمر الوسلاتي، عضو مجلس الصحافة، يوضح في حديث لـ “انكفاضة” أنّ غياب المعلومات الدقيقة “يفتح الباب أمام انتشار خطاب التضليل والأخبار الزائفة، حيث تتحوّل الاستنتاجات والتحليلات غير الدقيقة إلى معلومات تُبنى على أساسها ردود فعل شعبية مغلوطة”، وهو ما “يضرّ بحقوق المواطنين وبصورة السلطة نفسها، من خلال تعكير الصفو العام وتقويض جسور الثقة بين الحكومة والشعب، وتحويل المعلومة من أداة تنوير إلى مصدر قلق”.

يضيف الوسلاتي:

“الوضع الراهن يتطلّب تفعيل دور هيئة النفاذ إلى المعلومة وتمكين المكلّفين بالنفاذ في الوزارات المختلفة من القيام بمهامهم. الهدف ليس فقط تسهيل عمل الصحفيين، بل تجنيبهم أيضا المشاركة – ولو عن غير قصد – في نشر أخبار مضلّلة تخالف أخلاقيات المهنة وتُعدّ أفعالا مجرّمة بمقتضى المرسوم 115 لسنة 2011 المتعلّق بحرية الصحافة”.

الإعلام كأداة دعاية: سردية السلطة أولا

منذ 25 جويلية 2021، تغيّر موقع الإعلام العمومي في تونس، والتحق به جزء من الإعلام الخاص في لعب دور أكثر التصاقا بسردية السلطة. في عوض أن يكون فضاءً لتعدّد الرؤى والنقاش، تحوّل جزء من هذا المشهد إلى “بوق دعائي” يعيد إنتاج الرواية الرسمية، ويقصي الأصوات المعارضة أو الناقدة.

يوم الخميس 21 أوت 2025، نظّم الاتحاد العام التونسي للشغل تحرّكا وطنيا شارك فيه آلاف المواطنين والمواطنات. ورغم حجم الحدث ورمزيته، لم يحظ هذا التحرّك بالتغطية الإعلامية اللازمة من أغلب وسائل الإعلام العمومي. النقابة الوطنية للصحفيين وصفت ذلك في بلاغ لها بأنّه “تعتيم واسع وغير مسبوق وغير مبرّر على حدث وطني كان من المفترض أن يحظى بتغطية إعلامية شاملة”.

بالنسبة للنقابة، لا يتعلّق الأمر بهفوة مهنية معزولة، بل بـ “انحراف عن المبادئ الأساسية للعمل الإعلامي العمومي وخرق لحق المواطن في إعلام حر وشفاف”.

مجلس الصحافة من جهته ذكّر بحق التونسيات والتونسيين في المعلومة، ودعا الإعلام العمومي والخاص إلى الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية. في بيان له، عبّر المجلس عن “قلقه البالغ” إزاء التعتيم الذي رافق أحداثا وطنية عديدة، من تحركات المعارضة، إلى وقفات المجتمع المدني والاتحاد العام التونسي للشغل، ملاحظا “تخلّفا شبه كامل عن تغطية هذه الأحداث في عدد من وسائل الإعلام، أو تغطيات منحرفة عن جوهر الخبر مضمونًا وتعليقًا وصورة”.

هذا الانحراف، بحسب المجلس، يطرح أسئلة جدية حول الممارسات المهنية والأخلاقية لعدد من المؤسسات، ومدى التزامها بمواثيق التحرير ومدونات السلوك التي صاغتها بنفسها.

زياد دبّار يلخّص هذا الوضع بالقول:

“الإعلام العمومي يعاني من سحب المقالات والعودة إلى الرقابة والصنصرة، وفرض خط تحريري موالٍ للسلطة يعتمد البروباغندا ويفرض الرّأي دون حضور الرّأي الآخر”.

ويضيف:

“هناك تعليمات شفوية في الإذاعة التونسية تمنع تغطية مظاهرات المعارضة أو النقابيين، مع سحب تقارير واستبدالها بمواد ترويجية للسلطة”.

انحياز بعض المؤسسات الإعلامية لم يقف عند حدود التعتيم على الأحداث الوطنية أو تغييب الأصوات المعارضة، بل تجاوز ذلك إلى تبنّي خطاب يتماهى مع مواقف رسمية تعادي فئات هشّة، مثل مهاجري ومهاجرات إفريقيا جنوب الصحراء.

في ليلة 7 جانفي 2026، بثّت قناة “التاسعة” الخاصة، في برنامج “رونديفو 9”، مداخلة لإحدى المعلّقات دعت فيها حرفيا إلى “ضرورة منع المهاجرات الإفريقيات في تونس من الإنجاب”. اعتبر مجلس الصحافة هذا الخطاب “صادما وخطيرا ومرفوضا بشكل قاطع”، لأنّه يكرّس رهاب الأجانب، ويدعو إلى إقصاء ممنهج لفئات بشرية، ويشكّل اعتداء مباشرا على الكرامة الإنسانية، وانتهاكا لوظيفة الإعلام في حماية السلم الاجتماعي.

هذا الانزلاق التحريري دفع ناشطين وحقوقيين وإعلاميين إلى تنظيم وقفة احتجاجية أمام استوديو قناة التاسعة يوم 13 جانفي 2026، للتنديد بالتصريحات المعادية للمهاجرات وبالسياسة التحريرية للقناة، وبـ “التضليل الإعلامي في خدمة الاستبداد”، حسب تعبير منظمي الوقفة.

يعلّق نقيب الصحفيين على هذه الظاهرة قائلا:

“أصبح رأس المال يُسيطر على الخط التحريري في بعض المؤسسات، مما أدى إلى ظهور خطاب عنصري و’بروباغندا’ رديئة تجاوزت ما كان موجودا في العهد السابق. تتفاقم هذه الأوضاع مع هشاشة تشغيل الصحفيين التي تسمح بدخول المال السياسي الفاسد للتحكم بالقطاع، وهو ما يُهدّد أخلاقيات المهنة من الداخل”.

الصحافة بين واجب المقاومة وسلطة العبث الإداري

في هذه المرحلة الدقيقة التي تعيشها الصحافة في تونس، تبدو خطوط الأزمة متشابكة: تشريعات مقيّدة، قرارات إدارية تعطل الهياكل الضامنة لحرية العمل الصحفي، مناخ عام يُكرّس التعتيم في الأزمات ويُضيّق على الحق في المعلومة، وإعلام عمومي وخاصّ يُستَخدم جزء منه لتكريس سردية السلطة عوض مساءلتها.

رغم ذلك، تواصل هياكل المهنة من نقابة الصحفيين إلى مجلس الصحافة لعب دورها في التنديد والإنذار، عبر المراسلات، والوقفات الاحتجاجية، والتوجّه إلى البرلمان. لكن رئاسة الحكومة، كما يلاحظ زياد دبّار، “تستمرّ في رفض التجاوب حتى مع الأسئلة البرلمانية”، في ما يصفه بـ “حالة عبثية وسوء تنسيق بين الإدارات”.

بين منظومة قانونية تُلوّح بالعقاب، وإدارة تُسهم في التكبيل بالصمت والتأخير، وسوق إعلامية يتداخل فيها رأس المال بالقرار التحريري، تبدو المعركة من أجل صحافة حرة في تونس مرتبطة أساسا بإعادة تعريف المعلومة كحقّ جماعي، وليس كامتياز تمنحه السلطة أو تحجبه، وبقدرة الصحفيين والصحفيات على مواصلة العمل في ظروف صعبة، مع الإصرار على جعل الحقيقة أولوية، لا ترفا مهنيا.

Inkyfada Landing Image

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول