مسيرة 17 اكتوبر : الشباب التونسي أمام تحدي استعادة الفضاء العام

جمعت مسيرة السبت المنقضي بتاريخ 17 أكتوبر 2026 التي انطلقت من بطحاء محمد علي وصولًا إلى شارع الحبيب بورقيبة تسع منظمات نقابية وحقوقية ومدنية حول مطالب الشغل والحرية والكرامة الوطنية. وبين الشعارات المرفوعة وشهادات المشاركين، برزت تقاطعات المطالب الاجتماعية والحقوقية، إلى جانب انتقادات لأساليب التنظيم ومحدودية حضور الشباب في مواقع القيادة. مسيرة استمدّت أهميتها من قدرتها على جمع قوى مختلفة في الشارع، ومن إصرار المشاركين على استعادة الفضاء العام وجعله مجالًا للتعبير عن تطلعاتهم ومطالبهم.
بقلم | 24 أكتوبر 2026
10 دقائق

صبيحة السبت 17 أكتوبر 2026، استعادت بطحاء محمد علي الحامي بعضًا من ثقلها الرمزي في تاريخ الحركة النقابية التونسية. فمن هذه الساحة التي ارتبطت طويلًا بمحطات التعبئة والاحتجاج، انطلقت مسيرة باتجاه شارع الحبيب بورقيبة، بمشاركة آلاف المحتجين·ات. 

جاء التحرك في سياق تنسيق جمع تسع منظمات نقابية وحقوقية ومدنية، هي: الاتحاد العام التونسي للشغل، والهيئة الوطنية للمحامين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، والاتحاد العام لطلبة تونس، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والمنظمة التونسية للأطباء الشبان، واتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل.

في وسط العاصمة، انتشرت الوحدات الأمنية وأُقيمت الحواجز على امتداد إتجاه المسيرة، انطلاقًا من بطحاء محمد علي، مرورًا بنهج روما وشارع الحبيب ثامر وشارع باريس، وصولًا إلى محيط المسرح البلدي بشارع الحبيب بورقيبة . وأمام الانتشار الأمني والتضييقات التي حالت دون التحاق عدد من المواطنين بالمسيرة، واصلت الحشود طريقها، بمشاركة نقابيين·ات وشباب·ات وطلبة وأطباء وطبيبات ومعطلين·ات عن العمل، إلى جانب مواطنين·ات من فئات وأجيال مختلفة. وفي مشهد طغت عليه الأعلام واللافتات الاحتجاجية بدا الشارع مساحةً للتعبير عن مطالب تتجاوز الانشغالات المهنية المباشرة، لتلامس الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ومآلات الحريات في البلاد.

وفي المقابل، أشار الناشط شادي ميمونة عن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى أنّ المسيرة كان من الممكن أن تستقطب أعدادًا كبر لولا ما وصفه بـ«الهرسلة» والتضييقات التي طالت المشاركين القادمين من الجهات، إذ «تعرّض عدد من المسافرين إلى التفتيش والاستجواب بشأن أسباب توجههم إلى العاصمة»، في ممارسات اعتبرها «مساسًا بحرية التنقل ومحاولات لثني المواطنين عن المشاركة في الاحتجاج». وشملت هذه التضييقات، وفق شهادته، عاملات في قطاع النسيج بالساحل وعاملات فلاحيات بالقيروان، تعرّضن للتفتيش والمضايقات خلال رحلتهن إلى العاصمة، فيما مُنعت عاملات فلاحيات من جبنيانة من المشاركة في المسيرة التي كنّ يعتزمن الالتحاق بها كحركة إجتماعية. 

«هذه الممارسات تكشف خشية السلطة من عودة الشارع والحركات الاجتماعية إلى الفعل الاحتجاجي، ومحاولتها الحدّ من زخم المسيرة وتقليص حجم المشاركة فيها، وهي محاولات لم تنجح بالكامل، رغم تعذّر وصول عدد من المشاركين من الجهات». -شادي ميمونة.

وعكست الشعارات المرفوعة في المسيرة تعدّد المطالب ووحدة الغضب في آن واحد. فمن «شغل، حرية، كرامة وطنية» إلى « يا مواطن يا مقموع، زاد الفقر زاد الجوع» و «هايلة البلاد، قمع واستبداد»، حضرت المسألة الاجتماعية جنبًا إلى جنب مع الاحتجاج على التضييق على الحريات. كما ارتفعت أصوات تطالب برحيل الحكومة، مردّدةً «يا حكومة الفشل، الرحيل هو الحل» و «dégage»، فيما شدّد صحفيون وحقوقيون ومشاركون آخرون على ضرورة حماية حرية التعبير واستقلالية القضاء، من خلال شعارات من قبيل «الصحافة ليست جريمة» و «حريات، حريات، يا قضاء التعليمات»، إلى جانب هتافات ترفض ما وصفه المحتجون بدولة البوليس وتجريم العمل المدني والسياسي.

وبذلك، جمعت المسيرة بين المطالب الاجتماعية والدفاع عن الحريات العامة والاحتجاج على تدهور الأوضاع المعيشية، في تحرّك سعت من خلاله المنظمات المشاركة إلى إعادة فتح النقاش العام، وطرح قضايا الشغل والكرامة والمحاسبة السياسية في سياق اتّسم بتصحر سياسي متزايد، وعزلة الحركات الاجتماعية، وتشتّت تحرّكاتها وطغيان الطابع العفوي عليها، وذلك إثر صيف مضنٍ أثقل كاهل التونسيين والتونسيات.

تشخيص من على درج المسرح البلدي : كلمة الأمين العام

مع وصول التظاهرة إلى مقربة من المسرح البلدي، اعتلى الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، صلاح الدين السالمي، الدرج ليلقي كلمة مكتوبة باسم الإطار التنسيقي الموحد، صاغت موقف المنظمات التسع تجاه المشهد الوطني.

جاء الخطاب مشحوناً بتشخيص سياسي مباشر يضع السلطة الحاكمة في صدارة المسؤولية، معتبراً أن الأزمة التونسية ليست مجرد أزمة أرقام أو شح موارد، بل هي «بالأساس وفي المقدمة من ذلك كله، أزمة التفرد بكل السلط، وأزمة خيارات سياسية خاطئة وشعبوية رعناء ومتعالية، أنتجت أسوأ ما فيها بأن قسمت الشعب بخطاب الحقد والكراهية».

وقد توقف الخطاب عند حصيلة أكثر من خمس سنوات مرت على مسار 25 جويلية 2021، مشيراً إلى أنها «خمس سنوات لم تحمل معها إلا الشعارات التي صمت الآذان... إلا أنه وفي الواقع المرير تلاشت كل هذه الشعارات وبان زيفها»، ليحل محلها «تجريف الحياة السياسية والمدنية وتهميش الأحزاب والمنظمات الوطنية والجمعيات، واعتبار الاختلاف تهديداً والمعارضة خيانة».

كما تطرقت كلمة الإطار التنسيقي إلى انحراف المرفق القضائي وتوظيفه لتصفية الحسابات وإلغاء قرينة البراءة، معتبرة أن «الإيقاف التحفظي يمثل أحد أهم عناوين التعسف في استعمال القانون، في ظل الفراغ الذي خلّفه المجلس الأعلى للقضاء لتستأثر بمهامه وزارة العدل»، فضلاً عن النكث بالعهد في إرساء المحكمة الدستورية. وعلى المستوى الخارجي والسيادي، شدد الخطاب على رفض حصر العلاقات الدولية في ترتيبات غامضة أو تحويل تونس إلى « حارس لحدود الآخرين» في ملف الهجرة.

وربطت الكلمة بين انسداد الأفق السياسي وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مستشهدة بتآكل القدرة الشرائية، والغلاء، وتردي قطاع الصحة العمومية والنقص الفادح في الأدوية، واهتراء البنية التحتية للمؤسسات التربوية والجامعية، وتراجع خدمات المرافق العامة من كهرباء وماء. واختتم الأمين العام كلمته بالتأكيد على أن مسيرة 17 أكتوبر ليست تجميعاً عابراً أو تظاهرة ظرفية، بل هي «بداية ملحمة وطنية متواصلة» تهدف إلى إرساء برنامج نضالي سلمي وتوسيع الإطار التنسيقي ليشمل القوى الوطنية الحية

أصوات القطاعات الشابة: المطالب الاجتماعية في قلب المعركة 

امتدّت التعبئة إلى مطالب قطاعية عكست انشغالات القواعد المهنية والطلابية، ولا سيما الشباب منها، وربطت بين الأوضاع داخل المؤسسات الجامعية والصحية والإعلامية وبين الأزمة الاجتماعية والسياسية الأوسع في البلاد.

من جهته، اعتبر شادي ميمونة، عن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أنّ المسيرة «تجاوزت التوقعات واستقطبت عددًا مهمًا من المشاركين، رغم بعض النقائص التنظيمية»، معتبرًا أنّ عودة الشارع إلى الاحتجاج «تمثّل خطوة ذات دلالة سياسية، لا سيما أنّها شهدت، وللمرة الأولى منذ 25 جويلية، إعلان الاتحاد العام التونسي للشغل معارضته الصريحة لسياسات السلطة، بعد فترة طويلة من تفادي الصدام المباشر معها». وأضاف أنّ تحرّك الاتحاد، إلى جانب بقية المنظمات الوطنية، وإن جاء متأخرًا، يمثّل خطوة مهمة في مواجهة السياسات الحالية. 

في صفوف الصحفيين، أكدت حبيبة العبيدي نائبة رئيس النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين أن مشاركة النقابة في الإطار التنسيقي جاءت للدفاع عن جملة من المطالب، في مقدمتها «إطلاق سراح الصحفيين القابعين خلف القضبان، ورفع اليد عن حرية التعبير، وحق خريجي معهد الصحافة وعلوم الأخبار في التشغيل والانتداب، إضافة إلى الحق في النفاذ إلى المعلومة». وشدّدت على أن الرسالة التي حملتها النقابة إلى الشارع تقوم على الترابط بين الشغل والحرية والكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية.

من جهته، اعتبر منتصر سالم، رئيس الاتحاد العام لطلبة تونس، أن المسيرة تمثّل محطة أولى في مسار نضالي مشترك، يرمي إلى توسيع التعبئة ومراكمة التحركات الميدانية في مواجهة التضييقات والانتهاكات. وربط منتصر بين أوضاع الطلبة والأزمة العامة التي تعيشها البلاد، مشيرًا إلى الصعوبات التي تواجه الجامعة التونسية على مستوى التعليم والبحث العلمي والخدمات الجامعية. ورأى أن مواجهة هذه الأوضاع تقتضي تنظيم التحركات داخل الجامعة وتوسيعها نحو الشارع، للمطالبة بتغيير السياسات العمومية.

وفي السياق نفسه، شدّد لواء الدين النابلي، نائب الأمين العام لاتحاد الطلبة، على أهمية المسيرة في كسر حاجز الخوف والصمت، وجمع قوى اجتماعية ووطنية وتقدمية حول مطالب مشتركة. واعتبر أن التحرك أتاح فرصة لتوعية المواطنين بما وصفه بحقيقة الأوضاع في البلاد، مؤكدًا أنه لا يندرج ضمن رهانات سياسية ضيقة، ولا يقتصر على المطالبة بحرية شخص بعينه. وبحسب النابلي، تكمن أهمية المسيرة في كونها من بين التحركات التي أعادت طرح مطالب جامعة تتجاوز حسابات الفاعلين السياسيين لتشمل مشاغل المواطنين اليومية.

أما الأطباء الشبان، فحضروا بدورهم في المسيرة، حاملين مطالب تتصل بأوضاع المنظومة الصحية وبحق التونسيين في العلاج. وأكد بهاء، نائب رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان، أن التحرك نجح في إيصال «رسالة قوية لإعادة تعديل موازين القوى في البلاد»، وفي التأكيد على وجود مجتمع مدني قادر على التعبئة والتحرك.

وردًّا على الانتقادات التي تتهم الأطباء الشبان بممارسة السياسة، اعتبر بهاء أن الدفاع عن الصحة العمومية لا يمكن فصله عن الشأن السياسي، قائلًا: «نقد السياسات العمومية للصحة هو سياسة، والحديث عن المستشفى العمومي ونقص الأدوية هو سياسة... نحن نرفع مطالب اجتماعية ذات صلة بصحة التونسيين، وهذا يدخل بطبعه في إطار السياسة العمومية»  وبهذا المعنى، لا يرى الأطباء الشبان في المطالبة بتحسين الخدمات الصحية خروجًا عن دورهم المهني، بل امتدادًا له، في ظل ما تطرحه أوضاع المستشفيات ونقص الأدوية من أسئلة تتعلق بحق المواطنين في العلاج.

من جهته، عبّر سامي قطوفي، وهو طبيب شاب شارك في المسيرة، عن ارتياحه لحجم الحضور، قائلًا: «يكفي تطبيعا مع مظاهر البؤس سواء في المستشفيات أو في النقل العمومي أو في الشارع».

  «نحن كأطباء لسنا منغلقين على الجانب الطبي الصرف؛ فالجانب الاجتماعي يهمني كثيرًا. حين أصف دواء للمريض ثم لا يجده لعدم قدرته على الشراء، أجد نفسي معنيًا بالدفاع عن حقه الاجتماعي والصحي». 

وتكشف هذه المواقف، على اختلاف القطاعات التي صدرت عنها، عن تقاطع واضح بين المطالب المهنية والمشاغل الاجتماعية الأوسع. فبالنسبة إلى الصحفيين والطلبة والأطباء الشبان والمنتدى، المشاركة في المسيرة مناسبة لطرح قضايا التشغيل والحريات والتعليم والصحة العمومية باعتبارها مسائل تتجاوز حدود كل قطاع، وتتصل مباشرة بحقوق المواطنين وشروط عيشهم.

نقد الهيكلة وأسئلة التنظيم: انطباعات الشباب المستقل

خلف مشهد التضامن بين المنظمات التسع، برزت قراءات نقدية صاغها مشاركون شباب ومستقلون، أعادت طرح أسئلة تتعلق بطبيعة التنظيم، وحدود مشاركة القواعد الشبابية في صياغة الخطاب وتحديد مسار التحركات. وبين الإقرار بأهمية جمع قوى نقابية ومدنية مختلفة في الشارع، والاعتراض على هيمنة القيادات التقليدية على المنصة والقرار، برز توتر بين أساليب تنظيمية عمودية وتطلعات إلى تحركات أكثر أفقية، تتيح للشباب والمشاركين مساحة أوسع للتعبير والمبادرة.

بالنسبة إلى محمد (23 سنة، طالب قانون) مثّلت المسيرة إعلانًا واضحًا عن موقف المنظمات الوطنية من قضايا الحقوق والحريات، ودعمًا لدولة القانون والمؤسسات العمومية. ورغم تقييمه الإيجابي لهذه الخطوة، رأى أن التحرك طغى عليه طابع أقرب إلى الفلكلور منه إلى مسيرة ذات أفق سياسي واضح. معتبرا أن : «الهدف الذي جاء من أجله التحرك تحقق بجمع الناس من بطحاء محمد علي إلى المسرح البلدي وإقامة الموقف بشكل واضح».

أما أمين (25 سنة، طالب فلسفة) فاعتبر أن جمع تسع منظمات وطنية وفئات عمرية مختلفة في تحرك واحد يمثّل مكسبًا على المستوى الرمزي، لكنه انتقد حضور القيادات الأكبر سنًا في الصفوف الأمامية، مقابل محدودية مساحة الشباب في الواجهة. وقال: «الصفوف الأولى يفترض أن يمسكها الشباب.. بالرسمي يزي! أعطونا المنبر والكلمة». ولم ينصبّ اعتراضه على مبدأ التنسيق بين المنظمات بقدر ما تعلّق بمن يتولى تمثيل هذا التنسيق، ومن تُتاح له فرصة مخاطبة الشارع.

وكانت مسألة احتكار المنبر أكثر وضوحًا في شهادة غازي (34 سنة، مهندس)، الذي عبّر عن أسفه لعدم إفساح المجال أمام ممثلي المنظمات والجمعيات المشاركة، من بينها الأطباء الشبان وحركة «Stop Pollution»، لإلقاء كلمات قصيرة. وقال: « تمنيت لو ترك المنظمون الفرصة لبقية المنظمات للحديث لبضع دقائق، بدلاً من ترك الميكروفون لشخص واحد يتكلم لـ 40 أو 50 دقيقة»، مشيرًا إلى أن بعض الحاضرين طالبوا بالحد من طول الكلمة.

وتتقاطع هذه الملاحظة مع انتقاد الشاب بلحسن (27 سنة، باحث) لطريقة تنظيم التحرك وإدارة الخطاب. فقد رأى أن المسيرة اتخذت منحى عموديًا، تُوجَّه فيه الرسائل من المنصة إلى الحاضرين من دون إتاحة مساحة كافية للتفاعل معهم. وقال إن «اتُّخذ التحرّك منحًى عموديًا، إذ جرى التواصل مع الناس من موقع فوقي، كما استُخدمت لغة عربية فصحى في الخطاب لم يستوعبها جزء واسع من الحاضرين». وبذلك، لم يقتصر اعتراضه على توزيع أدوار الكلام، فحسب ليشمل أيضا اللغة المستخدمة ومدى قدرتها على التواصل مع مختلف المشاركين.

وفي المقابل، تحفّظ بلحسن على شعارات «Dégage» التي رفعها بعض المحتجين في مواجهة الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، معتبرًا أن توجيهها إليه لا يعالج جوهر الخلاف. 

«شعار Dégage نرفعه في وجه قيس سعيّد، لا في وجه الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل. علينا أن نتعلّم من أخطائنا، وأن نبني تحرّكات أفقية تعبّر عن الناس وتتيح لهم المجال للتعبير عن غضبهم». - بلحسن.

وفي قراءته لما جرى في ختام المسيرة، أشار قيس (20 سنة، طالب)، إلى التباين بين الانطباع الذي تركه التحرك في بدايته وما رافق لحظاته الأخيرة من توتر وتكسير للشعارات، بما كشف، بحسب قراءته، عن تمايز بين القواعد النقابية والشباب المشاركين. واعتبر أن تلك اللحظات الأخيرة أظهرت قدرة الشباب على فرض صوتهم داخل التحرك، في مواجهة أساليب العمل التقليدية، معتبرا: «اللقطة الأخيرة تظهر أن الصوت الحي والمؤثر في النهاية هو صوت الشباب على حساب البيروقراطية القديمة. يجب إصلاح العلاقة بين الطرفين وإدماج الشباب بشكل أكبر في القيادة».

وفي ختام هذه الشهادات، شدّد لواء الدين النابلي على أن ما شاب المسيرة من نقائص على مستوى التواصل وبعض الإشكالات التنظيمية لا يحجب أهمية ما حققته في جوهرها. «ففي سياق سياسي يتّسم بتراجع الفضاءات المتاحة للتعبير والعمل السياسي، يصبح مجرّد النزول إلى الشارع ورفع المطالب والمواقف خطوة أساسية في مسار التعبئة والمراكمة النضالية».

فبالنسبة إلى لواء لا يتوقف الرهان عند نجاح تحرّك واحد، بل يتعلّق «بقدرة الشباب على استعادة مكانهم في الفضاء العام، وانتزاع حقهم في التعبير والمشاركة، وعدم ترك الشارع فارغًا مهما كانت الصعوبات. فالأخطاء التنظيمية، وإن وجب تجاوزها، لا ينبغي أن تتحوّل إلى ذريعة للتراجع أو الانكفاء، بل إلى مناسبة لمراجعة أساليب العمل وبناء تحركات أكثر انفتاحًا وقدرة على استيعاب مختلف الأصوات.»

«إنّا للشارع وإنّا إليه راجعون، بل وقادرون». تختزل هذه العبارة الرهان الذي عبّر عنه أغلب الحاضرين من الشباب : أن يظل الشارع فضاءً للفعل الجماعي، وأن تكون العودة إليه فعلًا متواصلًا، لا مجرّد استجابة ظرفية، في سبيل استعادة المبادرة وفتح المجال أمام جيل يسعى إلى إسماع صوته وصياغة مطالبه بنفسه.

Inkyfada Landing Image

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول