من معتمدية حاسي الفريد وسط غربي تونس، تنطلق سلمى (26 سنة) على الساعة الرابعة فجرا من منزلها نحو المستشفى الجهوي بدر الدين العلوي بالقصرين لإجراء حصة تصفية الدم في رحلة تمتد على مسافة 40 كيلومتر، وتتكرّر ثلاثة أيام في الأسبوع.
بدأت سلمى تصفية الدم منذ سنة 2017. تعمّقت أزمتها الصحية بعد إصابتها بمرض السكري الذي أفقدها بصرها وأجبرها على مغادرة مقاعد الدراسة من السنة التاسعة أساسي.
لا توجد احصائيات دقيقة صادرة عن وزارة الصحة لعدد المصابين بأمراض الكلى في تونس، لكن وفق رئيس الجمعية التونسية لأمراض الكلى وتصفية الدم وزرع الكِلى الدكتور، الحبيب السخيري، يوجد في تونس أكثر من 14 ألف مصاب بالقصور الكلوي المزمن يحتاج الى عملية تصفية الدم أو تركيب "الصفاق البريتوني". ويقول السخيري أن نسبة الإصابة بمرض الكلى تصل الى 10 بالمائة من مجموع السّكان "وهو لا يعني بالضرورة الإصابة بالقصور الكلوي المزمن في كل الحالات".

أدوية مفقودة ومواعيد بعيدة
في ظلّ الأزمة التي يعيشها القطاع الصحي في تونس والمتعلقة بفقدان أنواع عديدة من الأدوية - خاصة منها أدوية الأمراض المزمنة - لم يكن مرضى الكلى في منْأى عن تأثيرها، حيث شملت عديد الأنواع المخصصة لهذه الفئة إضافة الى أدوية أمراض أخرى تصيبهم جرّاء مضاعفات طول مدة تصفية الدم.
حاتم السعدي (53عاما)، ناشط جمعياتي أصيل إحدى مناطق العاصمة. بدأت معاناته مع مرض القصور الكلوي منذ سنة 2005. يشترك مع "سلمى" في التعب النفسي والجسدي الذي يتضاعف بحثا على الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية. يصل هذا النقص أحيانا الى 50 بالمائة ويتعلّق أساسا بحُقَن الحديد، والدواء المخصص لخفض مستوى مادة البوتاسيوم في الدم.
يتّبع حاتم نظاما غذائيا يمنعه من استهلاك أغلب المأكولات. يمتدُّ ما وَصَفَهُ بـ"الحرمان" ليشمل شرب الماء والسوائل بجميع أنواعها، حيث تخضع الكميات المُستهلكة الى ميزان دقيق بهدف منع تراكم السموم والشوائب في الجسم و أي زيادة بسيطة في الوزن قد تتسبب في ضغط على عضلة القلب أثناء عملية التصفية ما يُمكن أن يؤدي الى مضاعفات خطيرة تصل حدّ الوفاة المفاجئة.
يقول حاتم لـ "انكفاضة": "أعجزُ عن توفير كل الأدوية. فقدانها المستمر يجعلني في حالة بحث دائم وشاق للحصول عليها من الصيدليات".
تؤكد ألفة معلّى رئيسة الجمعية التونسية لأمراض الكلى أن مرضى القصور الكلوي يواجهون نقصا حادّا ومتكرّرا في الأدوية الأساسية بما في ذلك الفيتامينات وأدوية فقر الدم، والأخطر من ذلك انقطاع أدوية المناعة المخصّصة لزراعة الكلى.
تتنزل ظاهرة فقدان الأدوية في إطار أزمة استمرت لأشهر من غياب الأدوية الحياتية شملت مُسكّنات الآلام لمرضى السّرطان (المورفين)، وأدوية مثبّطات المناعة وأدوية الغدّة وغيرها من الأنواع، وذلك نتيجة نقص السيولة لدى الصيدلية المركزية باعتبارها المورّد الحصري للأدوية في تونس. هذه الأزمة دفعت التنسيقية الوطنية لنقابات مُسدي الخدمات الصحية إلى إصدار بيان، يوم 18 ديسمبر 2025، دعت فيه سلط الاشراف الى الجلوس مع كل الهياكل المعنية في أقرب الآجال، لإيجاد الحلول بخصوص العلاقة مع الصندوق الوطني للتأمين على المرض معتبرة إياه عاجزا عن الإيفاء بتعهّداته المالية إزاء مسدي الخدمات الصحية، ممّا ألحق ضررًا المضمونين الاجتماعيين .
هشاشة اجتماعية وتكاليف باهظة
لا تقتصرُ معاناة مرضى القُصور الكلوي على التأثيرات الجسدية فحسب بل عمّقتها وضعيات اجتماعية متردية وتكاليف مالية مرتفعة أثقلت كاهل الباحثين على العلاج السريع والناجع بعيدا على الانتظار الطويل والمرهق في طوابير المنظومة العمومية.
رغم أن الفصل الثالث والأربعين من الدستور التونسي لسنة 2022 ينصُّ على "أن الدولة تضمن الوقاية والرعاية الصحية لكل مواطن وتوفر الامكانات الضرورية لضمان السلامة وجودة الخدمات الصحية"، إلا أن الواقع يتناقض مع ما حملته الترسانة القانونية الضامنة لحق الصحة في تونس.
يُعاني قيس الصالحي (37 سنة) من مرض القصور الكلوي منذ سنة 2001. تسببت طول فترة تصفية الدم في مضاعفات صحية خطيرة لديه انعكست على وظائف القلب وعدم انتظام دقّاته، كما أدت الى إصابته بمرض هشاشة العظام وضعف المناعة، إضافة إلى شعوره الدائم بالتعب.
يضطرّ قيس لشراء دواء مخصّص لتسييل الدم بتكلفة تصل إلى 90 دينار شهريا وهو مبلغ يثقل كاهله خاصة وأن المرض قد حدَّ من قدرته على العمل كمصوّر صحفي بسبب الإرهاق المستمر ومنعه من الخروج لفترات طويلة، ما اضطرّه للانطلاق في العمل بشكل مستقلّ.
زادت وضعيته المادية تعقيدا في ظل ارتفاع تكاليف متطلبات مرضه والمضاعفات الناجمة عنه. يقول قيس لـ "انكفاضة": " تتطلّبُ حالتي متابعة دورية دقيقة خاصة من أطباء القلب لتفادي الجلطات والمخاطر الصحية المستمرّة. لا تتكفّل الصناديق الاجتماعية بمصاريف علاج الأمراض المتأتية من مضاعفات غسيل الكلى".
لا تتعلّق التكلفة الباهظة بغلاء ثمن أدوية القصور الكلوي فحسب، بل تمتد الى الاجراءات المتعلقة بعملية تركيب "الفيستول" (الوصلة الشريانية الوريدية). ففي ظل المواعيد البعيدة جدا في المستشفيات العمومية التي قد تتجاوز أحيانا ستة أشهر يضطرّ المرضى الى اللجوء الى المصحّات الخاصة حيث يتم تركيب "الفيستول" بأسعار غير موحدة تصل أحيانا الى عشرة ألاف دينار وهي مرتفعة جدا مقارنة بالقدرة المادية للمريض.
يعتبر قيس صالحي أن معضلة إجراء عمليات "الفيستول" لا تكمن في تكلفتها المادية الباهظة التي قد تصلُ الى عشرة الاف دينار في المصحّات الخاصة فحسب، بل في استنزاف الأعصاب والانتظار الطويل في المستشفيات العمومية الذي قد يتجاوز ستة أشهر بينما يجد المريض نفسه هو الحلقة الأضعف ماديا وجسديا ومعنويا، وفق قوله.
يُشير التقرير التاسع والعشرون للهيئة العليا للرقابة المالية والإدارية الصادر خلال سنة 2024، إلى ضعف التنسيق بين مصالح التفقد التابعة لكل من وزارتي الصحة والتجارة حول متابعة المخالفات التي تمت معاينتها من قبل التفقدية الطبية على مستوى 6 مصحات خلال الفترة بين 2016 و2018 والمتمثلة أساسا في عدم إشهار أسعار وتعريفات المواد والخدمات بفضاءات المصحة و الترفيع في أسعار بعض الأدوية الممسوكة من طرفها من خلال توظيف هوامش ربح غير قانونية ومشطة بالنسبة لبعض المستلزمات الطبية وفوترة مبالغ إضافية دون وجه قانوني فضلا عن الفوترة المشطة للمرضى الأجانب بالمقارنة مع المرضى التونسيين.
كما تطرّق التقرير الى تطبيق المصحات الخاصة هوامش ربح مُشطة لبعض المستلزمات الطبية الحياتية منها للمريض وصلت أحيانا إلى حدود 300 % على غرار ما تم تسجيله بمصحّتين إحداهما بولاية تونس والأخرى بولاية المنستير، وتسجيل تجاوزات في خصوص فوترة بعض الأدوية من قبل عدد من المصحات الخاصة تتعلق بالترفيع في أسعار بعض الأدوية وتوظيف هوامش ربح غير قانونية تراوحت بين 26% و 160% عوضا عن 10% وفقا للفصل 108 من کراس الشروط على غرار ما تم تسجيله بمصحّتين بولاية تونس، وعدم اتخاذ وزارة التجارة في المقابل الإجراءات قانونية في شأن المصحات المخالفة.
يُجبر هذا الوضع العديد من المرضى على القيام بعملية القسطرة في الرقبة وهي بمثابة حلّ مؤقت رغم ما تسببه من آلام مبرحة والتهابات مستمرّة وصعوبة بالغة في الحركة أو الاستحمام. يقول حاتم:" تَحرِم "القسطرة" في الرقبة المريض من كل أساسيات الحياة اليومية. يتابع:" أتمنى الشعور بدفء ماء الاستحمام الذي حُرمتُ منه لتسببه في التهابات خطيرة".
مرضى المناطق الريفية … الأزمة أعمق
في المناطق الريفية، تتضاعفُ الأعباء على المرضى وتتعمق أزمتهم المادية أكثر . رغم حالة الفقر والخصاصة التي تعيشها عائلة "سلمى"، فهي تضطرّ لكراء سيارة مقابل 150 دينار أسبوعيا، بمعدل 50 دينار لكل حصة،نظرا لعدم توفر سيارة مخصصة لمرضى الكلى تتكفّل بنقلها مباشرة من منزلها البعيد عن مركز مدينة حاسي الفريد وتُعيدها إليه.
تقول لـ "انكفاضة": اضافة الى عدم ملاءمة تكاليف التنقل ومصاريف المرض مع مقدرتنا المالية فإننا في الشتاء نواجه البرد وانقطاع الطرقات جراء الأمطار والسيول، ونحترق خلال فصل الصيف تحت حرارة الشمس المرتفعة وسط غياب وسائل نقل تنقلنا في ظروف إنسانية".
يتعمّق الإرهاق النفسي والبدني لمرضى الكلى من متساكني المناطق الريفية بعد الانتهاء من كل عملية غسيل بسبب طول المسافة بين مركز التصفية او المستشفى وأماكن إقامتهم من جهة وطول الوقت الذي يقضيه المريض الذي لا تتوفر له سيارة خاصة في انتظار سيارات النقل الريفي من جهة أخرى .
تعيش سلمى حالة من الخصاصة تتقاسمها مع عائلتها التي يرزح مُعيلَها الوحيد، الأب المسنّ، تحت وطأة المرض ويقتصر دخلُه الشهري على جراية لا تتجاوز 250 دينار.
في ظل غياب التغطية الاجتماعية تجد نفسها مضطرّة لتوفير ثمن أدوية الكالسيوم والغُدد بإمكانياتها الخاصة معتمدة على مساعدات بعض من أفراد عائلتها الموسّعة وما يُحصّله شقيقها من العمل اليومي. جعل هذا الوضع المادي المتأزم تكلفة المرض فاتورة باهظة تفوق طاقة الأسرة وحوّل حياتها اليومية إلى صراع يومي من أجل تأمين لقمة العيش والدواء في آن واحد.
تبرُزُ إشكاليات المرضى من غير المتمتعين بتغطية صحية، مثل، سلمى،في إجراء عملية "الفيستول" حيث تتوفر في المصحات الخاصة أكثر مما تتوفر في المستشفيات العمومية. أما في المستشفيات العمومية فتتم عملية تركيبها في المستشفيات الجامعية التي يتواجد بها مختصو جراحة القلب والشرايين.
هذا الاختلاف في جودة البنية التحتية الصحية وتوفر أطباء الاختصاص، يعكس التباين في نوعية الخدمات الصحية وجودتها بتغير منطقة السكن بين الريف والمدينة وفجوة في توفر أطباء الاختصاص بين المناطق الداخلية من جهة والمناطق الساحلية وتونس الكبرى من جهة اخرى.
تُظهر إحصائيات الخارطة الصحية لسنة 2024، الصادرة عن وزارة الصحة، تفاوتا صارخا في التوزيع الجغرافي لأطباء الاختصاص في تونس. يتركز أغلبهم في إقليم تونس الكبرى والولايات الساحلية. وتستحوذ ولاية تونس بمفردها على 2588 طبيب إختصاص، مسجلة بذلك أعلى كثافة طبية على المستوى الوطني بـ 24.7 طبيب لكل 10 آلاف ساكن.
ويبرز هذا التركز أيضا في ولايات الشريط الساحلي، حيث تضم ولاية صفاقس 1444 طبيب اختصاص، و ولاية سوسة 991 طبيبا الى جانب ولاية المنستير التي يتوفر بها 574 طبيب اختصاص مما يجعل مناطق الساحل والعاصمة تستأثر بالنصيب الأكبر من عدد الأطباء المختصين.
في المقابل تعاني الجهات الداخلية من نقص حاد في أعداد أطباء الإختصاص مما يعكس فجوة عميقة في التغطية الصحية. ولاية مثل القصرين لا يتجاوز عدد أطباء الاختصاص فيها 88 طبيبا فقط في القطاعين العام والخاص مُجتمعين بكثافة ضعيفة جدا لا تتجاوز 1.79 طبيب لكل 10 آلاف ساكن.
قامت سلمى بإجراء عملية تركيب "الفيستول" بإحدى مستشفيات العاصمة التي تبعد حوالي 400 كلم عن منزلها،لعدم توفر هذه الخدمة بولاية القصرين وفي أغلب الجهات الداخلية الأخرى.
تُجرى 70 بالمائة من عمليات تركيب "الفيستول" في المصحات الخاصة مقابل 30 بالمئة في المستشفيات العمومية، وفق ما أفاد به الدكتور الحبيب السخيري رئيس جمعية طب الكلى والتبرع بالأعضاء والقصور الكلوي.
تعتبر ألفة معلّى رئيسة الجمعية التونسية لمرضى الكلى بأن حالة الفقر التي يعيشها بعض مرضى القصور الكلوي وخاصة في المناطق الداخلية تعني حُكمًا بالموت على بعضهم". قائلة: "غياب جراحي الشرايين في الولايات الداخلية مثل جندوبة والقصرين عمّق صعوبة وضعيتهم الصحية والاجتماعية".
عدم نجاعة التغطية الصحية في الكثير من المناطق دفع الجمعية التونسية لمرضى الكلى الى تنظيم قوافل للمناطق الداخلية لإنقاذ حياة المرضى خاصة وأن الكثيرين منهم يفتقرون للوعي بالإجراءات القانونية والطبية في بداية رحلة العلاج وكيفية التكفل بالمصاريف.
تقول ألفة معلى رئيسة الجمعية التونسية لمرضى الكلى:" في بعض المستشفيات الجهوية تعاني البنية التحتية من نقص فادح في المستلزمات البسيطة مثل "البنج" أو عدم توفر تقنيين أو مختصين قادرين على تشغيل واستخدام الآلات المتوفرة".
"التقصير" في مراكز تصفية الدم
لا تقتصرُ الصعوبات التي تواجه مرضى القصور الكلوي على الإمكانيات المالية، بل تمتد الى الظروف المحيطة بعملية التصفية داخل مراكز تصفية الدم.
وديع، ناشط بالمجتمع المدني من مواليد 1981. عانى من ظروف قاسية وإهمال طبي أثناء فترة علاجه في أحد مراكز تصفية تصفية الدم بمدينة القصرين. كان المركز يفتقر إلى الأدوية الأساسية مما كان يضطرّ المرضى للذهاب الى ولاية سوسة لجلب أدويتهم بأنفسهم. "كان وديع يتكفل بجلب الأدوية له و لزملائه"، تقول شقيقته سعاد. واجه عدة تجاوزات انعكست سلبيا على وضعيته الصحية منها عدم تغيير فلاتر التصفية بشكل دوري والقيام بتحاليل طبية شهرية غير دقيقة كانت تُجريها المصحة وتوهمه أنه في حالة صحية جيدة. لم تكشف هذه التحاليل تدهور حالة قلبه حتى توجه لفتح ملف لزرع الكلى في أحد مستشفيات لاية سوسة ليُصدم بانسداد ثلاثة صمامات في قلبه وضعف شديد في عضلة القلب اليُسرى.
استغرب أطباء المستشفى العسكري وصوله الى هذه الحالة المتأخرة دون ان يتم التفطن لها مسبقا عبر تحاليل التصفية الدورية ما ادى الى إجرائه عملية قلب مفتوح سنة 2020 لإنقاذ حياته.
تقول "سعاد" شقيقة "وديع"لـ"انكفاضة": "ظهر الفرق الشاسع في جودة العلاج عندما قام بتصفية الدم لاحقا في المستشفى العسكري، حيث كانت صحته تتحسّن ووجهه يستردُّ عافيته بشكل ملحوظ مقارنة بتدهور صحته في مصحة القصرين بسبب غياب المواعيد الدقيقة و تقليص عدد ساعات التصفية ونقص الأدوية".
يوم 14 مارس 2025، توفي وديع جرّاء سكتة قلبية داخل مركز التصفية.
تروي "سعاد" لـ "انكفاضة" ماحصل ذلك اليوم. تقول "أنه أكمل جلسة تصفية الدم في المصحة وكان يستعدّ للمغادرة بعد ارتداء ملابسه، لكن فجأة أصيب بدُوار وسقط على السرير ليفارق الحياة إثر سكتة قلبية. مازاد الحادث مأساوية هو غياب طبيب مباشر داخل المصحة لحظة إصابته بالنوبة ما أدى الى حالة من الفوضى والبلبلة لعدم وجود تدخل طبي لإنقاذه".
ورغم اعداد تقرير طبي "غير مفهوم" في اليوم التالي يَذكُر أن سبب الوفاة هو توقف عضلة القلب إلا أن الرعاية الطبية الفورية في تلك اللحظة وتراكمات الإهمال الطبي وسوء ظروف التصفية طيلة السنوات السابقة جعلت من وفاته صدمة مضاعفة وتركت حسرة كبيرة في قلوب أفراد عائلته.
تقول سعاد لـ "انكفاضة" : كان شقيقي يبذل جهدا للتّوعية بشأن مرض القصور الكلوي ويُدافع عن ضعاف الحال ممن لا تتوفر لديهم الإمكانيات اللازمة للعلاج وأريد أن أكمل ما بدأه لإنارة الرّأي العام ومدّ يد المساعدة لبقية المرضى عبر الحديث عن الاخلالات والنقائص التي واجهتها خلال مرافقة شقيقي في رحلة علاجه".
وجّه حاتم السّعدي نداءً لوزارة الصحة والصندوق الوطني للتأمين على المرض بضرورة استعادة الرقابة الصارمة على مصحات تصفية الدم الخاصة التي اتهم بعضها بتقليص مدة حصص الغسيل من أربع إلى ثلاث ساعات فقط لزيادة الربح ما ينعكس على جودة العلاج بترك "السّموم" في دم المريض، وفق تعبيره. كما طالب بضمان مجانية عمليات "الفيستول" وتوفير الأطباء المختصين في الساعات الأولى من الصباح حيث من المفترض انطلاق حصص التصفية عند الخامسة فجرا لكن الأطباء لا يحضرون إلا في الساعة الثامنة.
" مطلبنا الأساسي هو حماية حقوق المرضى العاجزين صحيا وماديا ونفسيا وضمان معاملة إنسانية تليق بوضعهم الحرج".
يُشاطر "قيس" رأي "حاتم"، ويرى أن غياب التنظيم والرّقابة على مراكز تصفية الدم جعلت من المريض الحلقة الأضعف ويدفع الثمن مضاعفا من ماله وصحته، ويظهر ذلك من خلال استعانة بعض المراكز بمساعدين صحيين غير مؤهلين قانونيا بمهام الممرضين المختصين، او في
تقليص مدة حصص الغسيل من أربع ساعات الى ثلاث لزيادة الأرباح على حساب جودة العلاج.
أظهر تقرير الهيئة العليا للرقابة المالية والإدارية، تجاوز طاقة إشغال أكثر من 95 بالمائة من مراكز تصفية الدم الخاصة نسبة 200 بالمائة خلال الفترة بين 2014 و2019، مما أدى الى تولي بعض المراكز إجراء حصة تصفية يومية ثالثة دون الحصول على التراخيص المستوجبة وبالرغم من عدم مطابقة محلات البعض منها لشروط حفظ الصحة وعدم احترامها عدد الساعات المستوجبة للتصفية لكل مريض.
كما كشف التقرير عدم برمجة بحث تقييمي شامل من قبل وزارة الصحة حول مدى احترام مراكز تصفية الدم لمقاييس الأعوان خاصة وأن ما يعادل 90 % من مراكز تصفية الدم ال تحترم المقاييس المتعلقة بعدد الأطباء المستوجب بالنسبة إلى عدد المرضى المتعهد بهم وعدم احترام 5 مراكز تصفية دم لشروط توفير العدد الأدنى من الإطارات شبه الطبية لكل 3 آلات تصفية دم.
وأكد انتداب 17 مركزا لعدد من الأعوان شبه الطبيين دون تكوينهم في تصفية الدم أو دون إدلاء المركز في شأنهم بـشهائد تكوين أو تمتعوا بفترة تكوين تقلّ عن تلك المنصوص عليها بمقتضيات الأمر الذي ينص على ضرورة القيام بتربص تكويني لا يقلّ عن 3 أشهر بمؤسسة استشفائية عمومية، إضافة الى غياب المتابعة الضرورية للرقابة على الحماية الطبية للأعوان في شأن 9 مصحات و17 مركز تصفية دم لم تلتزم بتلقيح الأعوان العاملين لديها ضد مرض التهاب الكبد صنف "ب".
تقول هاجر معلّى:" تأثّرت جودة الرعاية الصحية بـ "هجرة الأدمغة" حيث غادر الكثير من الأطباء والممرّضين الأكفّاء نحو الخارج ما أدى الى اعتماد بعض المصحات على إطارات غير مؤهلة للعمل وتتسبب أحيانا في "تلف عروق" المرضى خلال عملية التصفية.
أما نداء "قيس" فهو ليس مجرد شكوى بل "صرخة انسان أمضى عقودا مرتبطا بآلة الغسيل ليؤكد أن المريض ليس مجرد رقم أو عبْء بل هو إنسان له حقوق مشروعة في منظومة يجب أن تحترمه وتضمن له العلاج بكرامة بدْءًا من توفير العدد الكافي من الأطباء خلال ساعات انطلاق عملية التصفية وصولا الى تهيئة ظروف إجراء العمليات "، وفق قوله.
تقرير هيئة الرقابة المالية والإدارية كشف عدم تثبت مصالح الوزارة من تأشير العمادة على عقود واتفاقيات عمل الأطباء الصيادلة المتعاقدين والأطباء الصيادلة الاستشفائيين العاملين في 9 مصحات، الأطباء في 17 مصحة ومركز تصفية دم والأطباء المديرين والمديرين الفنيين المباشرين في 5 مصحات. كما أظهر استغلال مراكز تصفية الدم لتجهيزات حياتية لمرضى القصور الكلوي الحاد دون التأكد من مدى جاهزيتها وجودتها الفنية، حيث تجاوز مدة استغلال 61 % من التجهيزات المركزة لدي 5 مراكز ما يزيد عن 40 ألف ساعة، وتقادم مركزية معالجة المياه المخصصة آلات تصفية الدم وتجاوز فترة استغلال البعض منها 20 سنة دون تعويضها.
كما تم تسجيل تدنٍّ في ظروف حفظ الصحة ببعض مراكز تصفية الدم الخاصة وارتفاع نسبة التعفنات الاستشفائية عبر فيروس التهاب الكبدي الفيروسي "ج" ( Hepatite C)، بسبب ارتفاع طاقة الإشغال داخل بعض المراكز على غرار ما تم تسجيله من قبل التفقدية الطبية ببعض مراكز ولايات قفصة والقصرين وجندوبة خلال سنة 2016 دون اتخاذ الإجراءات الضرورية في الإبان لإيقاف نشاطها.
وسجل التقرير ضعف الرقابة الدورية والمتابعة المنجزة من قبل مصالح وزارة الصحة على المصحات ومراكز تصفية الدم الخاصة مما ترتب عنه عدم تجديد شهادة الوقاية من قبل 41 مصحة و 36 مركز تصفية دم خاص إلى غاية شهر فيفري 2020، وعدم مطالبتها بتجديدها بالرغم من انقضاء مدة صلوحية البعض منها منذ ما يزيد عن عشر سنوات لبعض المصحات والى ما يزيد عن 20 سنة بالنسبة إلى 7 مراكز تصفية دم.
أما نسبة مراكز تصفية الدم التي لا تحترم مقاييس طاقة الاستيعاب فتصل الى 73 بالمائة، الى جانب تركيب واستغلال 698 آلة تصفية دم دون الحصول على التراخيص المستوجبة ودون إثارة أي تحفظ من التفقدية الطبية خلال مهام التفقد وعدم مطالبة المراكز المخالفة بسحب التجهيزات غير المرخّص فيها مع استعمال تجهيزات مجهولة المصدر بمركزين متواجدين بجهتَيْ طبرقة وتونس دون الإدلاء بفواتير اقتنائها والوثائق المثبتة لـخاصياتها الفنية.
وفق نفس التقرير لم تُبرمج مصالح وزارة التجارة مُهمّات رقابة دورية على المصحات الخاصة خلال الفترة بين سنة 2015 وأفريل 2020 من أجل التثبت من شفافية ونزاهة المعاملات ومراقبة أسعار الخدمات الصحية والفوترة المعتمدة من قبلها واقتصر دور الوزارة على معالجة العرائض والشكايات الواردة على مصالح الأبحاث الاقتصادية وفتح بحث اقتصادي في شأنها.
تُطالب رئيسة الجمعية التونسية لمرضى الكِلى، ألفة معلى، بتوفير "حق الصحة" للجميع دون تمييز مادي وتوفير الأدوية المنقطعة بصفة منتظمة. و دعت الى تحسين الرعاية الصحية لتأمين المضاعفات الجانبية الناتجة عن السنوات الطويلة للتصفية التي قد تمتد الى 30 سنة وما يرافقها من هشاشة العظام وتصلب في العروق. وتؤكد على ضرورة التكفل بعمليات "الفيستول" وتقليص المواعيد الطبية، خاصة وأن المرضى في المناطق المُهمّشة يعانون معاناة مضاعفة بسبب الفقر وضعف البنية التحتية الصحية ما يتطلب استراتيجية وطنية واضحة وشاملة لإنقاذ هذه الفئة .

