ويكلو" حتى إشعار آخر، تفاصيل منع الجماهير "من التنقل" في تونس

بعد سنة 2011، وفي سياق الوعود بقطيعة مع المقاربة الأمنية التي ميّزت مرحلة ما قبل الثورة، بدا وكأن الفضاء الرياضي، بما فيه الملاعب، مرشّح بدوره ليشهد تحوّلا في طريقة إدارة الجماهير، يقوم على الثقة والتنظيم بدل المنع والضبط الصارم. إلا أنّ هذا المسار لم يدم طويلا، فسرعان ما عادت المقاربة الأمنية لتفرض نفسها، ليس بوصفها خيارا استثنائيا تفرضه ظروف معينة، بل كحل جاهز وسريع للتعامل مع كل ما يُصنَّف ضمن مخاطر الجماهير.
بقلم | 02 أفريل 2026
15 دقيقة
"منذ أن بدأت ارتياد الملاعب، لم أعرف مدرجا يجمع جماهير الفريقين في مشهد واحد. ظلّ ذلك حكرا على الذاكرة المصوّرة أو المباريات الدولية.. السفر مع فريقي خارج البلاد أسهل من التنقل بين ولايات تونس لمتابعته"، يخبرنا أحد المشجعين بسخرية تختزل هذا الواقع.
ما تخفيه هذه السخرية هو تحوّل تدريجي في طبيعة الملاعب نفسها، إذ لم تعد مجرد فضاءات للتشجيع، وإنما أماكن تدار بمنطق أمني واضح.

ذاكرة المدرجات، حين كان التنقل جزءا من التجربة

سابقا، كانت الملاعب تجمع الجماهير من مختلف المدن، وكان التنقل خلف الفرق جزءا لا يتجزأ من تجربة المشجعين. القطار أو الحافلة أو حتى السيارات الخاصة كانت وسيلة لنقل آلاف المشجعين الذين يحملون ألوان فرقهم ويملأون المدرجات بطاقتهم، وعليه كان التنقل الجماهيري وراء الفرق الرياضية عنصرا أساسيا في ديناميكات المجتمع الرياضي التونسي.

24 جوان 2012، آخر شباك تذاكر مغلق

بتاريخ 24 جوان 2012، خلال مباراة النجم الرياضي الساحلي ضد الترجي الرياضي التونسي في سوسة، شهدت المدرجات اشتباكات بين بعض الجماهير، لتصبح هذه المباراة الشرارة التي استخدمت لتبرير سياسة منع حضور الجماهير وتنقلها.

رد الدولة كان فوريا، إذ تم منع جماهير الفرق الزائرة من التنقل لأي مباراة خارج ولاياتهم. ومنذ ذلك الحين تحوّل إلى قاعدة تُطبَّق على جميع المباريات تقريبا، دون أن يمر عبر أي تقييم رسمي، أو تنشر أرقام ودراسات توضح مدى نجاعته في الحد من العنف.

فعقب تقدم فريق الترجي بهدفين مقابل لا شيء، اقتحم عدد من جماهير النجم الساحلي أرضية الملعب الأولمبي بسوسة، ما دفع الحكم لإيقاف المباراة قبل نحو عشرين دقيقة من نهايتها، وسط حالة من الفوضى في المدرجات وعلى أرضية الملعب. وحين حاولت الجماهير دخول أرضية الملعب تدخلت قوات الأمن باستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريقها، بحسب ما وثّقت تقارير صحفية آنذاك في محاولة لإعادة السيطرة على الوضع الذي خرج من السيطرة.

لم يكن هذا التدخّل في حدّ ذاته فريدا، لكن سرعة ردّ الدولة الرسمي لما جرى أُخذت كإشارة قوية على تغيير شامل في إدارة العلاقة بين الجماهير والملاعب. في أعقاب تلك المواجهات صدر قرار من وزارة الداخلية يقضي بمنع جماهير الفرق الزائرة من التنقل لحضور أي مباراة خارج ولاياتهم، وهو قرار لم يتطلب وقتا طويلا بعد انتهاء اللقاء.

مع عودة الملاعب للعمل بعد فترة الحظر شبه الكامل، في سبتمبر 2013 أعلنت الجامعة التونسية لكرة القدم بالتنسيق مع وزارة الشباب والرياضة السماح بعودة الجماهير، لكن بشكل محدود حيث اقتصر الحضور غالبا على جماهير الفريق المضيف وتحت رقابة أمنية مشددة. هذه العودة الجزئية أظهرت بوضوح استمرار اعتماد المقاربة الأمنية كأساس لإدارة الملاعب، بدل تطوير استراتيجيات شاملة للتنقل الجماهيري وتأطير الحشود.

في سنة 2015، شددت السلطات القيود بشكل أكبر وصدرت قرارات بمنع جماهير الفرق الضيفة من حضور جميع المباريات حتى نهاية الموسم، وهو ما تجسّد عمليا في موسم 2015–2016 حين مُنع جمهور الترجي من دخول ملعب الطيب المهيري لمباراة الكلاسيكو ضد النادي الصفاقسي بتاريخ 22 ماي 2016. إجراءات أظهرت كيف بدأ المنع يتحول تدريجيا من إجراء مؤقت استثنائي إلى ممارسة شبه روتينية داخل النظام الرياضي والأمني.

وبعد أعمال العنف التي شهدتها بعض المبارايات في ماي 2017، أكدت وزارة الداخلية استمرار سياسة المنع حتى نهاية الموسم، مما عزز تثبيت المنع كأداة شبه دائمة لإدارة الجماهير. وحتى بعد مرور سنوات، بقيت القيود الأمنية مستمرة مع استمرار منع جماهير الفرق الضيفة في جل المباريات، بينما جاءت جائحة COVID‑19 في 2020 لتضيف بعدا جديدا على المنع، إذ أسهمت الإجراءات الصحية والأمنية في تعميق حالة غياب الجماهير عن الملاعب، وهو ما ساهم في تحويل الحضور المحدود إلى وضع شبه طبيعي ومستمر.

في سبتمبر 2019، نظم عدد من جماهير النادي الرياضي بجبنيانة وقفة احتجاجية أمام مقر المعتمدية، احتجاجا على قرار منعهم من حضور مباريات فريقهم خلال هذا الموسم.

ووفق ما نقل مراسل الديوان بالجهة، فؤاد لحول، اعتبرت الجماهير أن القرار الصادر عن رابطة كرة القدم ولجنة صلوحية الملاعب، والذي يحرم الفريق من جمهوره، غير مبرر ولا يخدم مصلحة النادي.

يُشار إلى أن الملعب كان يحتضن لقاءات الفريق خلال الموسم المنقضي في الرابطة الثانية بحضور الجمهور.

وفي السنوات الأخيرة، وحتى الموسم الرياضي الحالي 2025/2026 ظلت السياسات الأمنية تفرض قيودا كبيرة على تنقل الجماهير خارج نطاق الفريق المضيف، في محاولة لتقييد الحريات الرياضية للجماهير تحت شعار "الحد من العنف"، ما يعكس استمرار اعتماد الدولة على المقاربة الأمنية كحل بديل عن معالجة الأسباب البنيوية للعنف وتطوير استراتيجيات أكثر نجاعة لإدارة الجماهير الرياضية.

تواصل مشهد المنع خلال المباراة التي جمعت الملعب التونسي بنجم المتلوي في فيفري 2026 على أرضية ملعب المتلوي بولاية قفصة، حيث تحوّلت رحلة التشجيع إلى تجربة أخرى من الإقصاء الجماهيري. فقد أفاد عدد من أنصار الملعب التونسي بأنّ مجموعة تُقدَّر بحوالي ستين مشجعا تنقّلوا إلى ولاية قفصة لمساندة فريقهم، بعد أن قطعوا مسافة طويلة وتحمّلوا مشقة السفر، غير أنهم فوجئوا بمنعهم من دخول الملعب ومتابعة اللقاء

ويقول أحدهم في شهادة تختزل حجم التذمّر: “من غير المعقول أن نكون في سنة 2026، نحمل بطاقة تعريف وطنية صادرة عن نفس البلد، ثم نجد أنفسنا محرومين من الدخول فقط لأننا قدمنا من ولاية أخرى لمساندة فريقنا".

-وصف مرفق لأغنية " سيب الجمهور" لمجموعة Dodgers Clubistes. 

"نحن أيضا نتحمل جزءا من المسؤولية. حين قبلنا بمنع التنقلات، واعتبرناها أمرا مؤقتا، كنا نمهّد الطريق لتثبيتها. الجماهير، بخنوعها أو بصمتها، ساهمت دون أن تشعر في خلق مناخ يسمح بعودة أشكال من الاستبداد داخل الفضاء الرياضي. اليوم، ندفع ثمن ذلك".

- “م”، عضو سابق في مجموعة ألتراس.

منع دون سند قانوني

يطرح منع تنقّل الجماهير الرياضية إشكالا قانونيا أساسيا يتمثّل في غياب نصّ تشريعي صريح يؤطّر هذا الإجراء ويحدّد حدوده وضوابطه. فباستثناء الإطار العام الذي يتيحه الأمر عدد 50 لسنة 1978 المؤرخ في 26 جانفي 1978 والمتعلّق بتنظيم حالة الطوارئ، لا يوجد نص قانوني واضح ينصّ بشكل مباشر على إمكانية منع تنقّل الجماهير بين المدن.

هذا الأمر، الذي تمّ بموجبه إعلان حالة الطوارئ وتمديدها بصفة شبه متواصلة منذ 24 نوفمبر 2015، يمنح وزارة الداخلية صلاحيات استثنائية لتقييد حركة الأشخاص والمركبات. غير أن توظيفه في سياق المباريات الرياضية يظل استعمالا عاما لنص وُضع أصلا لظروف استثنائية، لا لتنظيم الحياة الرياضية في وضع عادي، وهو ما يخلق حالة من الالتباس القانوني.

في هذا السياق، يبرز مبدأ التناسب المنصوص عليه في الفصل 55 من دستور 2022 كمعيار حاسم لتقييم مشروعية هذه القيود، إذ يفرض أن تكون أي قيود على حرية التنقل ضرورية، محدودة زمنيا، ومتناسبة مع الخطر المراد تفاديه، دون المساس بجوهر الحق. غير أن الممارسة تكشف عن توسيع متواصل لهذه القيود خارج إطارها الاستثنائي، ودون رقابة قضائية فعّالة أو تبرير معلن يثبت ضرورتها في كل حالة، مما يجعل هذه الإجراءات أقرب إلى قرارات عامة منها إلى تدابير دقيقة ومؤقتة.

"لا وجود لأي سند قانوني صريح يجيز منع تنقل الجماهير الرياضية، ما يُطبّق في الواقع لا يتجاوز كونه قرارا إداريا صادرا عن وزارة الداخلية يُفعَّل خارج إطار قانوني محدد وواضح".

تصريح المحامي رافد رباح.

من جهته، يوضح المحامي أنس الكدوسي أن "منع تنقل الجماهير بصيغته الحالية لا يستند إلى أساس قانوني دقيق ومحدد، بل يُطبَّق في إطار عام وفضفاض"، وهو ما يطرح وفق تعبيره إشكالا حقيقيا من زاوية احترام مبدأ التناسب وضمان الحقوق والحريات. ويضيف أن الاعتماد المتكرر على آليات استثنائية دون تأطير قانوني خاص أو رقابة قضائية واضحة، يفتح الباب أمام قرارات إدارية قد تتجاوز حدود الضرورة وتتحول من تدابير ظرفية إلى ممارسات شبه دائمة.

من المنع إلى إعادة تشكيل المشهد

ولم تقتصر التدابير على منع التنقلات بين الولايات، بل شملت آنذاك أيضا تغييرات في أماكن إيواء الجماهير وتوزيع المقاعد، وتقليص سعة المدرجات المخصصة للفرق الزائرة. فقد شهدت مباراة النادي الإفريقي ضد الملعب التونسي في جويلية 2013 ضمن منافسات مرحلة التتويج منع الجماهير من دخول ملعب رادس بقرار أمني، في إطار سلسلة مباريات أقيمت آنذاك دون حضور جمهور أو بحضور محدود جدا، نتيجة المخاوف الأمنية المرتبطة بفترة عدم الاستقرار السياسي التي كانت تمر بها البلاد. 

تكرر هذا النمط في مباريات لاحقة، مثل مباراة الترجي ضد النادي الصفاقسي في أكتوبر 2014، ما جعل الإجراءات الأمنية ركنا من التجربة المعتادة للجماهير، وحوّل حضور المدرجات من حق طبيعي إلى فعل مراقب ومقيد، يعكس استفحال سياسة التضييق على الجماهير وعدم إعطاء الأولوية لحقها في التشجيع والتنقل بحرية.

صورة لمباراة اتحاد بن قردان والنادي الإفريقي في 2022 من الصفحة الرسمية للفريق الضيف، حيث يعرض جماهيره لخطر جسدي من أجل متابعة المباراة. 

هذا المنع، بعيدا عن معالجة الأسباب البنيوية للعنف أو تحسين التجربة الرياضية، عمل في المقابل على تطبيع منطق التضييق، وجعل من الاستثناء قاعدة. كل حضور جماهيري أصبح مقيدا، وكل سفر لمتابعة الفريق يشبه تحديا يوميا. وهنا يكمن جوهر الأزمة في أن المنع لا يعالج المشكلة، وإنما يُحوّلها إلى مسرح رمزي يعبّر عن علاقة أوسع بين السلطة والمواطن، بين السيطرة وبين حرية التعبير، ليصبح الجمهور مجرد موضوع خاضع للمراقبة أكثر من كونه شريكا في صناعة أجواء اللعبة.

كيف أصبح المنع قاعدة لا حياد عنها؟

تحوّل منع تنقّل الجماهير من إجراء ظرفي إلى ممارسة شبه دائمة تُعتمد بشكل متكرر ودون مراجعة جدّية. فقد أفضى غياب النقاش العمومي والتقييم المؤسسي إلى تكريس هذا الخيار، إلى أن أصبح يُتخذ بشكل شبه آلي في كل مناسبة تقريبا دون مساءلة فعلية حول جدواه أو مدى نجاعته في الحدّ من العنف داخل الملاعب. وفي هذا السياق، حاولنا التواصل مع المكلف بالإعلام بوزارة الداخلية للحصول على توضيحات بشأن الأساس القانوني والمعايير المعتمدة في اتخاذ قرارات المنع غير أننا لم نتلقَّ أي ردّ، وهو ما يعمّق منسوب الغموض ويكرّس غياب الشفافية في إدارة هذا الملف.

وبالتالي يفقد “الاستثناء” معناه الأصلي حين يتكرر إلى الحد الذي يصبح فيه القاعدة. فالإجراء الذي يُقدَّم في البداية كحلّ مؤقت يتحوّل تدريجيا إلى وضع مستقر يُنظر إليه وكأنه أمر لا غنى عنه. وهنا تحديدا تكمن الإشكالية: ليس فقط في المنع ذاته، بل في الطريقة التي يتم بها تطبيعه إلى أن يصبح أمرا بديهيا لا يثير التساؤل، رغم ما يحمله من دلالات واضحة على عودة منطق إدارة الجماهير عبر التضييق والمراقبة بدل الإدماج والتنظيم.

عوامل ميدانية: البنية التحتية والمقاربة الأمنية

إلى جانب الفراغ القانوني، لعبت عوامل ميدانية جوهرية دورا في ترسيخ قيود منع تنقل الجماهير. فقد كشفت التجربة العملية عن محدودية البنية التحتية الرياضية، سواء من حيث قدرة الملاعب على استيعاب أعداد كبيرة من المشجعين، أو ضعف تجهيزاتها حيث يستمر غلق المدارج العلوية للمنعرجين الشمالي والجنوبي بملعب حمادي العقربي برادس، مع اقتصار الاستغلال على المدارج السفلية، بسبب اهتراء البنية التحتية وضرورة صيانة الكراسي لتأهيله قاريا.

 هذه القيود التقنية، رغم أنها تهدف للحفاظ على السلامة، تُضاف إلى القيود الإدارية لتقليص أعداد الجماهير، ما يجعل حضور المدرجات تجربة محدودة ومقيدة، ويحوّل الفضاء الرياضي إلى مساحة مراقبة أكثر من كونه متنفساً للجماهير.

تداخل بين اعتبارات قانونية فضفاضة، وضغوط أمنية وميدانية، ساهمت مجتمعة في تحويل المنع إلى خيار أوحد. وبين منطق الضرورة الأمنية وغياب بدائل تنظيمية فعالة وجد الجمهور نفسه أمام واقع تُقيَّد فيه تنقلاته، في ظل غياب ضمانات واضحة توازن بين متطلبات الأمن واحترام الحقوق الأساسية.

تعامل الهياكل الرياضية مع المنع

الأخطر من ذلك أن هذا المنع لم يُواجه بالقدر الكافي من الرفض، لا من قبل الهياكل الرياضية ولا من قبل الجماهير نفسها التي قبلت تدريجيا بمنطق "الضرورة الأمنية"، حتى أصبح الاستثناء قاعدة يقاس عليها. هذا القبول الصامت، المبهم، أو المفروض، خلق أرضية مريحة لتمدد مقاربات أمنية تعيد إنتاج نفس آليات الضبط التي سبق وانتفضت ضدها الجماهير. 

يخبر مشجع للترجي الرياضي التونسي إنكفاضة، أن إدارة فريقه لم تلعب الدور المنتظر منها في الدفاع عن حقوق جماهيرها، بل بدت في كثير من الأحيان كحلقة وصل تنفّذ إملاءات وزارة الداخلية. 

"لم نلمس أي موقف واضح أو مبادرة فعلية للدفع نحو رفع منع التنقلات، بل على العكس تعمّق هذا الشعور مع اعتماد منظومة الاشتراكات الكاشفة للمعطيات الشخصية، والتي تحوّلت إلى أداة إضافية لإحكام السيطرة على الجماهير ومراقبتها".

يواصل، وحتى عندما نحاول التنقل لمساندة فريقنا ونجد أنفسنا في مواجهة مباشرة مع قوات الأمن، لا نجد أي دعم من الإدارة وغالبا ما يتم التنصّل منا وتركنا نواجه المصير وحدنا. وقد خلق هذا الواقع فجوة حقيقية بين الجماهير وإدارات أنديتها، وجعل الإحساس بالانتماء الذي يفترض أن يكون مصدر قوة ووحدة يقابَل بشعور متزايد بالتخلّي والخذلان.

الإدارة لا تتردد في التدخل في مسائل تتصل بالجوانب التنظيمية والأمنية، من قبيل قرارات غلق المنعرج الجنوبي أو اتخاذ إجراءات تبدو أقرب إلى الأدوار الأمنية منها إلى المهام الرياضية والإدارية. غير أنّها حين يتعلّق الأمر بدورها الطبيعي في الدفاع عن حقوق الجماهير ومساندة مطالبها المشروعة، سرعان ما تنسحب وتتخلّى عن مسؤوليتها.

هذا التناقض يثير شعورا متزايدا بأن الإدارة تنخرط بيسر في كل ما من شأنه تشديد القيود على الجمهور لكنها تغيب تماما عندما يُطرح ملف التنقلات أو حق الجماهير في الحضور والتشجيع، وكأن دورها يقتصر على تنفيذ ما يملى عليها لا على تمثيل من يفترض أنها تتحدث باسمهم.

لم يعد من الممكن قراءة منع تنقل الجماهير في تونس باعتباره إجراء أمنيا ظرفيا ليضحي أقرب إلى سياسة قائمة بذاتها تعكس تصورات أوسع لإدارة الفضاء العام يقوم على التحكم والاحتواء بدل التنظيم والانفتاح. فالجماهير التي كانت في قلب المشهد الكروي تحوّلت تدريجيا إلى عنصر يُنظر إليه بريبة، يُراقَب، يُقمع ويقصى. 

المدرجات في تونس لم تكن مجرد فضاء للتشجيع، قدر تشكيلها لسنوات مساحة للتعبير، أكثر حرية من الفضاءات السياسية التقليدية. لذلك فإن التضييق على الجماهير لا يمكن فصله عن رغبة أوسع في تقليص هذه المساحات، ضبطها، وربما تفريغها من مضمونها.

السياق بين 2012 و2013 اتسم بأبعاد سياسية قوية. في مصر، كانت المظاهرات ضد محمد مرسي قبل سقوطه يقودها بشكل بارز اتحاد جماهير الألتراس لناديي الأهلي والزمالك. في تونس، كانت حركة النهضة تخشى في ذلك الوقت سياسات الألتراس وتحويلهم إلى قوة سياسية قادرة على تجاوز الإطار الرياضي. وقد تجسّد هذا الخوف في تشديد الإجراءات الأمنية، من خلال تكثيف منع تنقل الجماهير واللجوء المتكرر لإقامة المباريات خلف أبواب مغلقة.

"لم يكن الأمر يوما يتعلق بكرة القدم فقط. حين يُمنع مشجع من التنقل مع فريقه، فهو لا يُمنع من حضور مباراة فحسب بل يُمنع من حقه في الفضاء العام. ما حدث بعد الثورة أننا قبلنا تدريجيا بما لم نكن لنقبله سابقا إلى أن أصبح المنع أمرا عاديا ومتبنى. هذا القبول هو أخطر ما في الأمر لأنه يفتح الباب لعودة نفس الممارسات التي اعتقدنا أننا تخلصنا منها بمرور الزمن".

- حسام، 32 سنة، مشجع من العاصمة مجموعة التراس المكشخين.

ويذهب مشجع آخر إلى أبعد من ذلك، رابطا بين ما يحدث في الملاعب وما يحدث خارجها

"في المدرجات تعلّمنا معنى الحرية قبل الثورة، وتعلمنا أيضا معنى القمع في السنوات التي تلتها. حين ترى الأمن يحدد لك أين تجلس، ومتى تدخل، وهل يمكنك التنقل أم لا، تفهم أن المسألة أكبر من مباراة. كرة القدم كانت دائما متنفسا، واليوم يتم التحكم فيه بنفس المنطق الذي يُدار به الشارع".

-صلاح، 27 سنة، سوسة.

عوض الاستثمار في تأطير الجماهير وتحديث البنية التحتية وتطوير أدوات التنظيم، تم اللجوء إلى الخيار الأسهل: المنع، حتى وإن كان ذلك على حساب روح اللعبة وحقوق جمهورها.

أما الكلفة، فهي لا تُقاس فقط بالخسائر الاقتصادية للأندية أو بتراجع مداخيل المباريات، بل أيضا بتآكل الدور الاجتماعي لكرة القدم كفضاء جامع. فحين تُفرغ المدرجات من مرتاديها، أو تمنع من التنقل، لا نخسر الأجواء، حجم خسارة جزء من الرابط الاجتماعي الذي كانت تصنعه هذه اللعبة، ونحوّلها تدريجيا إلى منتج معزول بلا معنى ولا امتداد شعبي.

كرة القدم ليست مجرد لعبة… بل جمهور يتنقل، يهتف، ويصنع في المدرجات أجواء لا يمكن للسلطة أن تختزلها أو تسلُبها.

وكما تُردّد إحدى جماهير كرة القدم في تونس بصوت يضم إليه جماهير بقية الفرق: " يا الحكومة أعتقني"

Inkyfada Landing Image

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول