مؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل: رهانات ترتيب الدّاخل واستعادة الدور الوطني

أُسدِل الستار على المؤتمر العادي للإتحاد العام التونسي للشغل بانتخاب  "صلاح الدين السالمي" أمينا عاما جديدا يُنتظر منه إعادة ترتيب البيت الداخلي و "رأب صدع" المنظمة الشغيلة بسبب خلافات داخلية حادة من جهة وتطويقه من السلطة المواصِلة في تضييقها على العمل  النقابي. 
بقلم | 31 مارس 2026
10 دقائق
  أُعلن السبت 28 مارس 2026، عن أسماء الفائزين في المؤتمر السادس والعشرين للاتحاد العام التونسي للشغل المترشحين للمكتب التنفيذي الوطني الجديد ولجنة النظام ولجنة الرقابة المالية. فاز كل أعضاء قائمة "الثبات والتحدي" التي قادها  صلاح الدين السالمي وهم: صلاح الدين السالمي وعثمان جلولي وطاهر المزي البرباري وجبران بوراوي وصلاح بن حامد وسلوان السميري وأحمد الجزيري وسليم البوزيدي وفخر الدين العويتي ووجيه الزيدي وسامية عميّد الحاجي ونهلة صيادي وبولبابة السّالمي والطيب بحري ومبروك التومي.  

يرى الدكتور في تاريخ تونس المعاصر والراهن محمد ذويب أن تحالفات المكاتب التنفيذية داخل المنظمات النقابية عادة ما تُبنى على ثلاث مقاربات رئيسية: المقاربة الأيديولوجية، والمقاربة الجهوية، والمقاربة القطاعية. وعند تفكيك تركيبة المكتب التنفيذي المنبثق عن المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل، تبرز جملة من الملاحظات التي تعكس تحولات لافتة في موازين التمثيل داخل المنظمة.

أولا, في ما يتعلق بالتمثيلية النسائية، تكشف معطيات المؤتمر العام السادس والعشرين للاتحاد العام التونسي للشغل، المنعقد أيام 25 و26 و27 مارس 2026 بالمنستير، عن حضور محدود للنساء داخل هياكل القرار. فقد شاركت 46 نائبة فقط من مجموع 614 نائباً، أي بنسبة لا تتجاوز 7.5 بالمائة.

وتتواصل هذه المحدودية في تركيبة المكتب التنفيذي الجديد، حيث اقتصر التمثيل النسائي على عضوتين فقط من أصل 15 عضواً، وهو ما يعكس استمرار الفجوة الجندرية داخل أعلى هياكل القيادة النقابية، رغم الحضور المتزايد للنساء في مختلف القطاعات المهنية.

على المستوى القطاعي، يُلاحظ حضور قوي للقطاع العام، مقابل تمثيلية محدودة للقطاع الخاص. فقد ضمّ المكتب التنفيذي ممثلين عن عدد من الجامعات العامة الكبرى، على غرار النفط والمواد الكيميائية، والبنوك والمؤسسات المالية وشركات التأمين، والكهرباء والغاز، والنقل. كما حظيت الوظيفة العمومية بتمثيلية وازنة، خاصة من خلال قطاعات التعليم الأساسي والثانوي، إضافة إلى القيمين والقيمين العامين وقطاع الصحة. في المقابل، سُجّل غياب لقطاع التعليم العالي، في حين اقتصر تمثيل القطاع الخاص على عدد محدود من الأعضاء، خصوصاً من قطاعي البناء والأخشاب والمعادن والإلكترونيك.

جهوياً، تعكس التركيبة الجديدة نوعاً من إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل المنظمة. فقد برز حضور لعدد من الجهات مثل صفاقس وقابس والقصرين والقيروان، التي حازت على تمثيلية مزدوجة.

 في حين تراجع حضور جهات أخرى كانت تاريخياً ممثلة بشكل لافت، خاصة في الشمال الغربي، حيث اقتصر التمثيل على عضو واحد عن جندوبة. كما سُجّل غياب بعض المناطق التي لعبت أدواراً تقليدية داخل هياكل الاتحاد، على غرار باجة وسليانة ( جهة الطبوبي ) وسليانة ( سامي الطاهري) وسيدي بوزيد وقفصة. في المقابل، حافظت العاصمة وبعض الجهات الساحلية على تمثيلية مستقرة نسبياً.

ويُلاحظ أيضاً تواصل حضور جهة القيروان في موقع الأمانة العامة منذ سنة 2011 على غرار حسين العباسي.

أما على المستوى السياسي يرى الكاتب والمؤرخ محمد ذويب  "تراجع النفس الإيديولوجي وتفوق البيروقراطية" فيُلاحظ تراجع حضور التيارات السياسية التقليدية التي ميزت تاريخياً تركيبة الاتحاد، بما في ذلك التيار الوطني الديمقراطي والتيارات القومية، مقابل حضور محدود لبعض الانتماءات السياسية الأخرى;  "الإسلاميين" في شخص الطاهر البرباري المزي و"حزب العمال" في شخص مبروك التومي. وظهور عدد من الأعضاء دون انتماء أيديولوجي معلن.

من جهة أخرى، تُظهر التركيبة الجديدة حضوراً لافتاً للأعضاء المتقاعدين، حيث يمثلون 4 من أصل 15 عضواً، وهي نسبة مرتفعة نسبياً. كما يبرز في المقابل تجديد واسع داخل المكتب التنفيذي، إذ لم يحافظ سوى عدد محدود من أعضاء التركيبة السابقة على مواقعهم.

ويتعلق الأمر بكل من عثمان الجلولي، الذي تولّى سابقاً مسؤولية قسم الحماية الاجتماعية، والطاهر البرباري المزي، المكلّف سابقاً بالقطاع الخاص، وصلاح الدين السالمي، الذي أشرف في السابق على قسم الدواوين والمنشآت العمومية.

في المحصلة يرى محمد ذويب أن: "المكتب التنفيذي مبني على تحالفات عشوائية لا انسجام قطاعي ولا جهوي ولا أيديولوجي فقط توافقات بين أشخاص يرتكزون على بعض القطاعات ذات العدد الكبير من النيابات".

صلاح الدين السالمي - الأمين العام المنتخب

 وفق اللوائح الداخلية للاتحاد، كان يُفترض أن ينعقد المؤتمر سنة 2027 بعد انتهاء عُهدة الخمس سنوات للمكتب التنفيذي المتخلي بقيادة الأمين العام "نور الدين الطبوبي" المنتخب في شهر فيفري سنة 2022.  إلا أن خلافات حادة بين القيادة النقابية من جهة وبين نقابيين سابقين وحاليين دفعت إلى تقديم موعد المؤتمر كطرحٍ لاحتواء الأزمة. 

أصل الأزمة  

شرارة أزمة اتحاد الشغل انطلقت بتوتر علاقته مع الرئيس قيس سعيّد على خلفية رفض الأخير دعوات الحوار الوطني التي نادى بها الاتحاد سنة 2022، إثر إجراءات 25 جويلية 2021، تاريخ دخول البلاد في مرحلة سياسية جديدة تتسم بتهميش دور الأجسام الوسيطة من بينها النقابات. أدى ذلك الى "تحجيم" دور الاتحاد حَدَّ إقصائه من المشاركة في الحياة السياسية وفقدان دوره في إدارة الملفات الإجتماعية. 

تعزّز  العنصر الخارجي المتعلق بالاتحاد والسلطة التنفيذية بعناصر أخرى ضمن المنظمة ذاتها. وكان تعديل الفصل 20 من القانون الأساسي للإتحاد أحد الأسباب الرئيسية لهذا التصدع. تم التعديل خلال المؤتمر الاستثنائي غير الانتخابي المنعقد في مدينة سوسة في  شهر جويلية 2021 خلال انتشار فيروس الكورونا. شرّع الفصل لبعض قيادات الاتحاد المُتخلية ممّن قضوا المدة النيابية الثانية الترشح لمدة نيابية ثالثة أو أكثر، خلافا لما ينصّ عليه الفصل 10 سابقا من القانون الأساسي لاتحاد الشغل  بأن " أعضاء المكتب التنفيذي الوطني يُنتخبون خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. 

مكّن هذا التعديل المتعلق بإلغاء سقف الترشح، الأمين العام المتخلي نور الدين الطبوبي  من عهدة نيابية ثالثة بعد دورتين متتاليتين في عضوية المكتب التنفيذي الوطني  والأمانة العامة للاتحاد، لـتتأجّج الخلافات بين أعضاء  المكتب التنفيذي ومع نقابيين سابقين وتتشكل معارضة نقابية طَعنت في شرعية المكتب التنفيذي وقراراته وما سينبثق عن المؤتمر العادي 2026.

رضا بن زين، نقابي ينتمي إلى قطاع السكك الحديدية وعضو الهيئة الإدارية للاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس، يرى أن أصل الخلاف يعود الى  ما اعتبره " الاعتداء على قانون المنظمة في مؤتمر الكوفيد (مؤتمر 2022) " بإنشاء جسم مُسقَط يتمثل في مؤتمر غير انتخابي يُعَدُّ  تنظيمه سابقة في تاريخ الاتحاد والمنظمات الوطنية الكبرى. 

يقول لـ "انكفاضة": " لا وجود لهيكل غير انتخابي, عندما يتعلّق الأمر بالمؤتمر فانه يتضمّن بالضرورة التصويت على التقريرين المالي والأدبي و إجراء العملية الانتخابية".  

في إطار المواصلة للموقف الذي تم إصداره خلال شهر أوت 2025 بعد قرار الهيئة الإدارية صلب الاتحاد انعقاد المؤتمر الذي تعتبره القيادة الإدارية حلّ لأزمة الاتحاد، أصدرت المعارضة النقابية داخل الاتحاد موقفها بأن أي مؤتمر في ظل المعطيات والنيابات والمسار والتصور الموجود لدى التيار البيروقراطي لن يحل الأزمة بل سيعمّقها، وفق منسق المعارضة النقابية الديمقراطية عضو المكتب التنفيذي للاتحاد طيب بوعائشة. 

لم تنحصر الأزمة الداخلية للاتحاد عند انعكاسات تعديل الفصل 20 على وحدة الصف النقابي، بل تعمقت مع رفض  السلطة التنفيذية التحاور مع المنظمة و المضي في تهميش دورها عبر  الغاء التفرغ النقابي. 

وفي تطور آخر، شهدت بطحاء محمد علي بداية من 25 جانفي 2025، اعتصامين أحدهما لـ معارضين نقابيين والآخر لعدد من أعضاء المكتب التنفيذي، او ما يُعرف بـ "مجموعة الخمس" المطالبة برحيل الطبوبي وعقد مؤتمر استثنائي، في سابقة تعكس حجم الانقسام داخل المنظمة وسط سياق سياسي اتسم بممارسة ضغوط ومحاولة اقتحام المقر المركزي واتهامات بمحاولة ضرب الاتحاد من قبل السلطة. 

 يوم 14 أوت 2025 ، أصدرت رئيسة الحكومة منشورا  بالموقع الرسمي لرئاسة الحكومة وجّهته الى الوزراء وكتّاب الدولة ألغت فيه كل التراخيص المتعلّقة بالتفرّغ النقابي ابتداء من تاريخ إصدار المنشور. رئيسة الحكومة دعت إلى ضبط الأعوان بالوزارة التي يشرفون عليها وبكل المؤسسات والمُنشآت والهياكل العمومية الموضوعين على ذمة المنظمات النقابية، ودعوتهم للالتحاق فورا بمراكز عملهم الأصلية واتخاذ الإجراءات الإدارية والقانونية اللازمة في صورة عدم احترام الأعوان المعنيين بهذا المنشور.

منشور لرئاسة الحكومة وجّهته الى الوزراء وكتّاب الدولة ألغت فيه كل التراخيص المتعلّقة بالتفرّغ النقابي

وفي خطوة مفاجئة ، أعلن المتحدث باسم الاتحاد العام التونسي للشغل سامي الطاهري يوم 23 ديسمبر 2025، تقديم الأمين العام للاتحاد نورالدين الطبوبي، الذي يشغل هذا المنصب منذ سنة 2017،  استقالته دون الإعلان عن الأسباب. وهو ما تسبب في الى إلغاء الإضراب العام المقرّر يوم 21  جانفي 2025 ، قبل تراجع الطبوبي عن الاستقالة يوم 14 فيفري 2026 والعودة لمباشرة مهامه في المقر المركزي للمنظمة. 

نور الدين الطبوبي، الأمين العام السابق  لاتحاد الشغل، يؤكد بأن  المُلمّ بدواليب المنظمة والمطلع على عقلية النقابيين  يعلم أن قوة المنظمة تكمُن في الاختلاف في الرّأي وتنوعها.  وإذا تعلق الأمر بمصلحة الاتحاد ومصلحة الوطن "ستذوب كل الخلافات". 

يقول الطبوبي لـ "انكفاضة":من الطبيعي الاختلاف في وجهات النظر من أجل إثراء وصياغة المضامين لكن نحاول الوصول الى التوافق الإيجابي… وعند استحالة الأمر يتم المرور الى الممارسة الديمقراطية"، في اشارة الى المؤتمر.  يتابع:" من حق الأقلية تسجيل مواقفها،  بالمقابل يجب أن تنضبط لقرار الأغلبية، ومن طبيعة أبناء الاتحاد وثقافتهم العمل في أطر هذا الهيكل  وضمن مؤسساته" . 

 صلاح الدين السالمي و نورالدين الطبوبي

تتالي الأزمات والانقسامات الحادة داخل الاتحاد تسبب في مزيد اضعافه وتمهيد الطريق لاحتوائه من قبل السلطة. إذ لم تقف  محاولات انهاك المنظمة النقابية عند هذا الحد. فقد أوقفت الحكومة اعتبارا من شهر فيفري 2026 العمل بآلية الاقتطاع الآلي المباشر لـانخراطات الاتحاد العام التونسي للشغل من أجور الموظفين، ممّا أثار احتجاجات المنظمة النقابية التي وصفت الإجراء  بـ"العقاب السياسي" و "التضييق". و يهدف هذا القرار الى  إنهاء التمويل التلقائي للمنظمة مما وضع الإتحاد أمام أزمة مالية حادّة وفرض عليه  تحديات هيكلية لتغيير نموذج تمويله. 

صلاح الدين السالمي، الأمين العام الجديد للاتحاد، اعتبر في تصريح اعلامي عقب انتخابه، أن إيقاف آلية الاقتطاع كان قرارا "مُفاجئًا" ومن شأنه أن يفتح  الباب لـحوار جِدّي ومسؤول بين السلطة التنفيذية والاتحاد. قائلا أن المكتب التنفيذي سيعقد في القريب العاجل لقاء  لمعالجة الصعوبات المالية التي يواجهها الاتحاد بعد ايقاف الاقتطاع الالي، خاصة بعد ان اختارت  الهيئة الادارية السابقة الانخراط المباشر لكافة الشغالين في الوظيفة العمومية في القطاع العام والقطاع الخاص،  وسيستمر العمل  بهذا الشكل من الانخراط في  انتظار ما ستؤول اليه  الامور على مستوى الاقتطاع الآلي "إن وُجد حوار حول هذه المسألة"، وفق قوله. 

مؤتمر 2026…  بين طَرح الإنقاذ ورفض المعارضة النقابية

الكلمة الافتتاحية للمؤتمر - نور الدين الطبوبي

مع انطلاق أشغاله، سادت على  مؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل المنعقد في  مدينة المنستير أيام 25 و26و27 مارس 2026، الأجواء المشحونة بسبب احتجاج المعارضة  النقابية و "دعوتها للطعن في شرعية المؤتمر "، وفق منسق المعارضة النقابية طيب بوعائشة. 

يعتبر بوعائشة في حديثه لـ "انكفاضة"، أن" انقلاب" سنة 2022 على الفصل 20  يمثل العودة بخطوة الى الوراء، اما  مؤتمر 2026 فهو العودة بخطوتين، وإذا تواصل انعقاد المؤتمر فسيؤدي ذلك الى امكانية حدوث انقسام صلب الاتحاد.  يقول: "تصدّينا الى انعقاد المؤتمر ودعونا الى إيقاف أشغاله…".

من جهته اعتبر النقابي رضا بن زين أن ما أطلق عليه إسم "مؤتمر عادي" هو في الحقيقة غير عادي لعدم انطباق مواصفات المؤتمر العادي عليه قانونا، خاصة وأنه " جاء بعد انقسام كبير صلب المكتب التنفيذي بعد أن كان ينادي بمؤتمر سنة 2027 و" راوغ" في إصدار برقية الإضراب العام الذي كان مبرمجا  يوم 21 جانفي "، وفق تعبيره. 

بالمقابل،  أقرّ المؤتمر جملة من التعديلات  في النظام الداخلي أبرزها الغاء الفصل الفصل 20 الذي كان السبب الرئيس في الخلافات داخل المنظمة الشغيلة واعتبره عديد الأطراف أنه قد مسّ من وحدة الاتحاد، والعودة إلى العمل بالفصل 10 من القانون الأساسي الذي  ينص على حصر ترشح أعضاء المكتب التنفيذي، بما في ذلك الأمين العام، في دورتين متتاليتين فقط بعد أن كان الفصل 20 يسمح بالترشح لثلاث دورات متتالية. 

وتم التوافق خلال أشغال المؤتمر على تركيبة المكتب التنفيذي الوطني حيث تقرر أن يتكون من 13 عضوا مع تحديد سقف أقصى للمتقاعدين لا يتجاوز 4. كما نص الاتفاق على أن تكون العضوية قابلة للتجديد مرة واحدة فقط مع تحديد تمثيلية المرأة لا تقل عن إمرأتين. 

كما أقرّ المؤتمر تجديد الترشح لقيادات الجامعات المهنية والاتحادات الجهوية لثلاث دورات متتالية في خطوة تهدف الى "تحقيق التوازن بين الاستمرارية والتجديد"، وفق ما جاء في جريدة الشعب الناطقة باسم الاتحاد.  

ورغم ذلك، يرى عبد الجليل البدوي، أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية والخبير السابق لدى الاتحاد العام التونسي للشغل أنه كان من الأجدى تأجيل موعد المؤتمر لمدة شهرين أو ثلاثة  أشهر أخرى، بسبب ماوصفه  بـ"الأزمة الكبيرة  وغير المسبوقة"  في تاريخ المنظمة. 

يقول البدوي لـ "انكفاضة":اعتاد الاتحاد في أزماته السابقة على الإنتهاء  دائما بـوفاق ووحدة، إلا أن الوضع الرّاهن يتطلّب  وقتا أطول وتشكيل لجان تفكر في الأسباب العميقة التي أدت الى تراجع إشعاع المنظمة ومصداقيتها".

شعارات المعارضة النقابية أثناء المؤتمر

الاتحاد والدور الوطني 

رغم الازمة الراهنة التيّ أفقدت الاتحاد وزنه وأضعفت موقفه تجاه القرارات السياسية والقضايا الوطنية، والتي عزاها  عبد الجليل البدوي إلى "انحرافات كبيرة" وقعت فيها القيادات، وخصّ بالذكر محاولة التمسك بالمواقع وتغيير الفصل 20 من القانون الأساسي للاستمرار في المنظمة. ومع استغلال السلطة لهذا الضعف في تمرير رؤيتها التي تهمش دور النقابات في معالجة الملفات الوطنية، فان الاتحاد العام التونسي للشغل لعب  منذ تأسيسه دورا كبيرا خلال محطات تاريخية هامة  في تاريخ تونس. 

ومن أهم المحطات على سبيل الذكر لا الحصر، أحداث ما يُعرف بـ" الخميس الأسود" يوم 26 جانفي 1978، حين خرج النقابيون من مختلف القطاعات احتجاجا على الأوضاع والسياسات الاقتصادية والتي رافقها إضراب عام ومواجهات مع قوات الامن ما أدى الى مقتل المئات من العمال واعتقال وتعذيب المئات الآخرين. 

كما شاركت قواعد الاتحاد في الاحتجاجات التي شهدتها تونس في جانفي 1984 والتي تعرف بـ "أحداث الخبز"، بعد قرار الحكومة رفع الدعم عن الحبوب والارتفاع الحاد  في أسعار الخبز  وانتهت بالتراجع عن الترفيع في أسعار هذه المادة.

وفي ثورة 2011، كان لقواعد الاتحاد وفروعه الجهوية دور مهم مع باقي القوى في دعمها والمشاركة بها وصولا الى الاطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي . 

ومع دخول البلاد في منعرج سياسي خطير اثر اغتيال السياسي وعضو المجلس الوطني التأسيسي محمد البراهمي في جوان 2013، شارك الاتحاد في رباعية الحوار الوطني لإنقاذ عملية الانتقال السياسي وساهم في نزع فتيل الانفجار وإنجاح عملية الانتقال الديمقراطي ، وهو ما مكّن الاتحاد مع باقي أعضاء الرباعي الرّاعي للحوار الوطني من الفوز بجائزة نوبل للسلام .

"جسم وسيط" وسلطة متجاهلة 

ملفات متراكمة على طاولة المكتب التنفيذي المُنتخَب في الاتحاد العام التونسي للشغل انطلاقا  من الملفات الاجتماعية العالقة وصولا لضرورة توضيح علاقة المنظمة بالسلطة في ظروف سياسية دقيقة تمرّ بها البلاد لا تعترف فيها السلطة التنفيذية بالعمل النقابي منذ الغائها دور الأجسام الوسيطة وتجاهلها وعلى رأسها الاتحاد الذي تم تغييبه خلال إقرار الزيادة في أجور العمال في قانون المالية.

منذ تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1946، كان أحد أعمدة الدولة التونسية الى جانب الاتحاد الوطني للمرأة التونسية والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية لأنه يمثل النسيج العمالي في تونس. لكن الصراع وفق بن زين "يدور حول الاعتداء على قانون المنظمة مع جيل جديد دخل الاتحاد بالابتزاز والمصالح الشخصية مما يثير تساؤلات عن وزنه الحقيقي دوره في المفاوضات الاجتماعية. 

يتابع رضا بن زين:" يجب على الحركة النقابية الدفاع عن العمل اللائق والسيادة الوطنية، ودعم ما يخدم البلاد دون ان تكون "ذيلا" للسلطة بل شريكا ينتقد الخيارات الخاطئة ويحارب الإمبريالية". 

الأمين العام المتخلّي ورئيس المؤتمر، نور الدين الطبوبي، أكد على دور المنظمة النقابية المتمثل أساسا بالاعتناء بالجانب الاجتماعي والوطني الشامل لكل مكوناته، بالمقابل تنتظر القيادة الجديدة للاتحاد  تحديات وتعقيدات كبيرة. قائلا:" على يقين بأن أبناء وبنات الاتحاد لهم من القدرة والوعي الكبيرين لإيجاد الحلول الملائمة لكل التعقيدات وحلحلة كل الملفات". 

فيما يرى رضا بن زين  أن المكتب الجديد تنتظره محطات كبرى في علاقة بالسلطة في ظل "العقم" الذي تعيشه الأحزاب السياسية حاليا. وغياب النقد أمام إجراءات السلطة، تُبقي المنظمة ان كانت قوية علاقتها مع السلطة تتراوح بين ثنائية التوافق عندما تقوم السلطة السياسية بعمل اجتماعي يُرضي النقابيين ومتطلبات الحركة النقابية والصراع في حال قيام  السلطة بإجراءات تمسّ من السيادة الوطنية أو بتجاوزات  تجاه العمال. 

الأمين العام المُنتخب، صلاح الدين السالمي، أكد على دور التوازن  الذي يلعبه اتحاد الشغل في البلاد باعتباره مؤسسة  من مؤسسات الدولة مع ضرورة التفريق بين الدولة والسلطة،  وبالتالي فإن هذا الدور الذي تلعبه المنظمة مبني أساسا على حوار اجتماعي، والعلاقة الاجتماعية بين كل الأطراف تُبنى على حوار مسؤول وبنّاء، وفق تعبيره. 

يقول السالمي:" كل الأيادي ممدودة على مستوى  هياكل الاتحاد  لحوار بنّاء من أجل الشغالين ومن أجل الشعب التونسي".

كما دعا السلطة التنفيذية لاعادة الحوار الاجتماعي الى مساره الطبيعي كما كان قبل سنوات وهذا " من أجل  مصلحة البلاد والعمال  وعموم الشعب التونسي ".  

يرى  أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية والخبير السابق لدى الاتحاد العام التونسي للشغل، عبد الجليل البدوي، ان قدرة الاتحاد العام التونسي للشغل على إعادة ترتيب بيته الداخلي ممكنة لكنها مشروطة بمدى وعي قياداته بخصوصية المرحلة  خاصة وان المنظمة الشغيلة تتمتع بـ "شرعية تاريخية" لدى الرّأي العام رغم تراجع الثقة في القيادة المُتخلية. 

"لا تُستمدّ قوة الاتحاد فقط من قوته الداخلية بل من قدرته على كسب الرّأي العام الوطني"، وفق البدوي، الذي يعتبر أن الأزمة الحقيقة هي" فقدان هذا الإلتفاف لأول مرة منذ تأسيس المنظمة".  

فـإلى أي مدى يمكن للاتحاد العام التونسي للشغل النجاح في تجاوز أزمته الداخلية غير المسبوقة، وتفنيد دعوات اكتفائه بالدور الاجتماعي والنقابي والتخلي عن دوره الوطني (السياسي) خاصة مع تراجع "إشعاع "المنظمة وقدرتها على التأثير في القرارات الوطنية؟ 

Inkyfada Landing Image

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول