"لم نكد نبحر حتى غَرِق القارب!".. عندما تتحول القوارب المعدنية إلى توابيت عائمة

في منطقة صفاقس، أصبحت القوارب المعدنية يدوية الصنع الوسيلة الرئيسية لعبور البحر الأبيض المتوسط. تكشف تسريبات لوثائق من الاتحاد الأوروبي عن دور هذه القوارب في زيادة أدفاق الهجرة من تونس والمخاطر التي تشكلها على المهاجرين·ـات، دون مساءلة دور السلطات المحلية والأجنبية ومسؤولياتها.
بقلم | 28 مارس 2025
15 دقيقة
متوفر باللغة الفرنسية
على بُعد نحو ثلاثين كيلومترًا شمال صفاقس، عند مدخل ميناء الصيد الصغير "اللوزة"، يظهر مشهد لافت للانتباه: عشرات القوارب المعدنية المهشمة أو المثقوبة مكدسةً فوق بعضها البعض على الحاجز البحري. وسط الميناء، يقع مركز للحرس الوطني أين يراقب بعض الأعوان رادارًا بحريًا، ويرفض رئيس النقطة الإدلاء "بأي تعليق". أما الصيادون في اللوزة، فيؤكدون أن هذه القوارب هي نفسها التي يستخدمها المهاجرون·ـات لعبور البحر، حيث تعترضها قوات الأمن ثم تحطّمها لمنع إعادة استخدامها.

تنتشر قوارب مشابهة على طول السواحل في شمال صفاقس إذ يتم تحطيمها في ذات الموقع الذي تم اعتراضها فيه. على الشاطئ، يؤكد سكان اللوزة الذين قابلناهم أنهم لا يعرفون شيئًا عن مصدر هذه القوارب المعدنية. لكن أهمية هذه القوارب في ظاهرة الهجرة المنطلقة من تونس تكشفها تسريبات وثائق سرية واتصالات صادرة عن جهاز العمل الخارجي الأوروبي (EEAS).

ورد في تقرير مصنف " وثيقة حساسة" صادر عن المفوضية الأوروبية* في أكتوبر 2024 حول اتجاهات الهجرة في منطقة وسط البحر الأبيض المتوسط أن "القوارب المعدنية لا تزال وسيلة النقل الرئيسية عبر هذا المسار وتُستخدم في نحو 50٪ من عمليات العبور".

"بالفعل لاحظنا انتشار استخدام هذا النوع من القوارب منذ صيف 2022"، تقول صوفي-آن بيزيو، الباحثة وعضوة مشروع "آلارم فون" الذي يرصد الحوادث المتعلقة بالمهاجرين·ـات في البحر المتوسط. هذه المعلومات تؤكدها أيضا مذكرة صادرة عن جهاز العمل الخارجي (EEAS)، والتي رصدت لأول مرة استخدام القوارب المعدنية "في المسار التونسي" في أوت/أغسطس 2022. وترى بيزيو أن هذه القوارب "خطرة" و"عرضة للغرق"، وهو تقييم تؤكده الوثائق السرية لجهاز العمل وشهادات المهاجرين·ـات، ومع ذلك، لا يبدو أن هناك ما يمكن أن يكبح استخدامها.

شبكات تصنيع مشتتة

في غابات الزيتون، وجد المهاجرون·ـات من دول إفريقيا جنوب الصحراء، ملجأً لهم بعدما تم طردهم من صفاقس خلال أحداث العنف في صائفة 2023، وتتوزع المخيمات المقامة على طول "طريق المهدية" (C82) وتحمل أسماءً مستمدة من العلامات الكيلومترية الواقعة عندها. أحد هذه المخيمات، الواقع في معتمدية العامرة، معروف بأنه "نقطة انطلاق نحو كيلومترات أخرى" قضى فيه مئات المهاجرين·ـات فصل الشتاء في خيام مؤقتة، وهم الآن يستعدون لعبور البحر. وخلف المخيم نرى نفس حطام عشرات القوارب المعدنية على الأرض.

"الحرس الوطني هو من قام بذلك، لقد جاؤوا بجرافة كبيرة"، يروي أحد سكان المخيم مفضلًا عدم الكشف عن هويته.
قوارب معدنية أتلفتها قوات الأمن وسط مخيم للمهاجرين·ـات بمعتمدية العامرة، مارس 2025.

وفقًا له، وقعت عملية الإتلاف "قبل عدة أشهر"، ومنذ ذلك الحين، أصبح المهاجرون·ـات يخزنون القوارب في مكان آخر ولا يقبلون الحديث عن كيفية تصنيعها إلا قلة منهم. تقول صوفي-آن بيزيو عن هذه القوارب أنها "تتكون من صفائح حديدية رقيقة ملحومة معًا، وهي بمثابة استجابة للمداهمات على ورشات صناعة القوارب الخشبية التي وقعت مؤخرا ". في ديسمبر 2023، أوضحت مذكرة داخلية صادرة عن وكالة فرونتكس الأوروبية أن متوسط طول هذه القوارب يبلغ سبعة أمتار، وأن "عدد المهاجرين على متنها يصل في المتوسط إلى 41 شخصًا".

تلخص الباحثة: "نلاحظ ذلك في مناطق أخرى مثل مضيق المانش: عندما تستهدف السلطات من يُوصفون بـ'المهربين'، يكون المهاجرون هم من يدفع الثمن".

أحد المهاجرين·ـات من غينيا والملمّ بأساليب تنظيم رحلات العبور، يوضح لإنكفاضة أن العملية تتطلب "إجراء عدة مكالمات للحصول على المعدن، ثم تجميعه، ثم تسليم القارب 'إلى العنوان المطلوب'". وعلى عكس الصورة النمطية عن شبكات التهريب المنظمة والمستقلة، يبدو إنتاج القوارب المعدنية على العكس من ذلك معتمدا على عدد كبير من الوسطاء، من تونسيين ومهاجرين·ـات من دول إفريقيا جنوب الصحراء على حد سواء.

وتفيد مذكرة داخلية صادرة عن يوروبول في أكتوبر 2024 بأن هناك "حالة واحدة على الأقل طلبت فيها شبكة تهريب (تتكون أساسًا من تونسيين) من مجموعة من المهاجرين غير النظاميين من غينيا تصنيع قوارب معدنية لاستخدامها في العبور إلى إيطاليا".

ورشات تصنيع القوارب المعدنية لا تتواجد بالضرورة في المناطق التي ينطلق منها المهاجرون·ـات. حيث اكتشفت الشرطة، في شهر نوفمبر الماضي، ورشة يديرها مهاجرون من إفريقيا جنوب الصحراء في ضاحية رواد بتونس العاصمة. كما يؤكد أحد صيادي اللوزة أيضًا أن "القوارب تُنقل ليلًا بالشاحنات من المنستير". أما صوفي-آن بيزيو، فتوضح أن "جودة هذه القوارب تدهورت مع تصاعد تجريم الورشات والمُصنّعين، حيث صارت تُصنع على عجل وبمواد رديئة".

مخاطر الغرق

جويل*، شاب كاميروني، وصل إلى تونس عبر الحدود الجزائرية في جوان/يونيو 2024. توجه الشاب العشريني، في أواخر شهر أكتوبر، إلى مخيمات المهاجرين·ـات في العامرة للمشاركة في ما يُصطلح عليه بكلمة "حركة": أي محاولة اجتياز البحر إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية. انطلق القارب ليلًا من شاطئ قريب من اللوزة، يروي جويل أن منظمي الرحلة، وهم مهاجرون·ـات يشاركون في العبور بأنفسهم، أصعدوا الركاب على متن "قارب بطول 5 أو 6 أمتار".

يستحضر جويل: "بدأنا نبحر وكنا 80 شخصًا على القارب بمحرك قوته 75 حصانًا. لم نكد ننطلق حتى بدأنا نغرق! ثم فجأة دهمت الشرطة".

ووفقه فإن هذا النوع من الحوادث "يحدث دائمًا تقريبا" مع القوارب المعدنية. من جانبها، تؤكد صوفي-آن بيزيو: "إنها [أي القوارب] غير مستقرة تمامًا ويمكن أن تمتلئ بالماء وتنقلب في أي لحظة". وتضيف الباحثة في شؤون الهجرة، أن هذه القوارب تشكل أيضًا خطرًا على فرق الإنقاذ نفسها "بسبب عدم استقرارها وحوافها الحادة، التي قد تتسبب في إتلاف القوارب المطاطية المستخدمة في عمليات الإنقاذ".

قوارب معدنية تم اعتراضها وإتلافها من قبل الأمن على الشاطئ جنوب اللوزة، جانفي 2024.

في ديسمبر 2023، أشارت مذكرة داخلية لـ فرونتكس بعنوان "تنبيه تحليلي" إلى أن "استخدام القوارب المعدنية المصنوعة يدويًا يزيد من احتمالية وقوع الحوادث". ومن بين العوامل التي أوردها خفر السواحل الأوروبيون، نذكر "ضعف قابلية الطفو" و "الاكتظاظ المفرط بالركاب".

وبالرغم هذه المخاطر، استُخدمت القوارب المعدنية في 77% من عمليات عبور البحر المتوسط خلال عام 2023، وفقًا لعدة وثائق صادرة عن جهاز العمل الخارجي الأوروبي. والأهم من ذلك أن المصالح الأوروبية لاحظت مرارًا أن ركاب هذه القوارب هم "في الغالب مواطنون من دول إفريقيا جنوب الصحراء".

خفض التكاليف والمسؤولية الأوروبية

في المقابل، يفضل المهاجرون·ـات التونسيون·ـات القوارب المصنوعة من الخشب أو الألياف الزجاجية، على غرار قوارب الصيد التقليدية. وفي مخيم العامرة، يؤكد مهاجر إيفواري قضى عدة أشهر في طرابلس، أنه "لم يرَ أبدًا قوارب معدنية في ليبيا". علاوة على أن مذكرة فرونتكس الداخلية بتاريخ ديسمبر 2023 تكر تزايد استخدام "قوارب صيد كبيرة" للعبور، وهي أقل عرضة للغرق بكثير.

تتفق جميع المصادر على نقطة واحدة هي أن المهاجرين·ـات من دول إفريقيا جنوب الصحراء يستخدمون القوارب المعدنية بشكل متزايد بسبب تكلفتها المنخفضة. ففي الفترة المتراوحة بين ديسمبر 2023 وأكتوبر 2024، أوردت عدة وثائق صادرة عن جهاز العمل الخارجي الأوروبي أن سعر الرحلة عبر هذه القوارب يتراوح بين "300 و800 أورو" أو "350 و900 أورو" (أي ما يعادل 1000 إلى 3000 دينار تونسي) للشخص الواحد انطلاقا من صفاقس. لكن جويل، المهاجر الكاميروني، يوضّح أن "الأسعار تبدأ من 500 دينار، ولا يمكن أن تتجاوز 1500 دينار".

"يستمر الممر التونسي في جذب المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء إلى حد كبير لأن المهربين يقدمون تكاليف عبور منخفضة باستخدام القوارب المعدنية المصنوعة يدويًا" -  لتقرير المفوضية الأوروبية الصادر في أكتوبر 2024 .

وقد يبدو هذا المبلغ زهيدًا مقابل ما يوفره من فرصة الولوج إلى أوروبا لكن تجميعه يبقى "صعبا جدًا ويستغرق وقتًا طويلًا"، وفقًا لجويل. أما صوفي-آن بيزيو فتؤكد أن المهاجرين·ـات من إفريقيا جنوب الصحراء في تونس يعانون من "أوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة"، لا سيما منذ شهر فيفري/فبراير 2023، عندما تنامت "السياسات المعادية للأجانب والممارسات العنصرية" في البلاد، على حد تعبيرها. عمليات الطرد من المنازل، فقدان الوظائف، تجميد التحويلات المالية الدولية، واستحالة تسوية الوضع القانوني… تشير الباحثة إلى أن "تجريم المهاجرين السود وخطر الترحيل يدفعانهم إلى العيش في الخفاء، محرومين من أي موارد اقتصادية".

مهاجرون·ـات في قارب معدني ليبي. المصدر: فرونتكس

تدين الباحثة ومعها مشروع آلارم فون الذي تنتمي إليه "سياسات مكافحة 'المهرّبين' التي أصبحت في السنوات الأخيرة الهوس الحقيقي للدول الأوروبية".

 وتستخدم الوثائق الصادرة عن جهاز العمل الخارجي الأوروبي والتي اطلعت عليها إنكفاضة، عبارات مثل "شبكات التهريب" و"المجموعات الإجرامية" بشكل شبه منهجي للإشارة إلى صانعي القوارب المعدنية، الذين يتم تحميلهم المسؤولية الكاملة عن حوادث الغرق.

كما تذكر التقارير الأوروبية بشكل متكرر أن "جهود الوقاية" و"حملات الأمن" التي نفذتها السلطات التونسية ساهمت في الحد من موجات المغادرة من صفاقس بين عامي 2023 و2024، دون الإشارة إلى أن هذه العمليات أدت أيضًا إلى تردّي ظروف تنقّل المهاجرين·ـات عبر البحر المتوسط.

تلخّص صوفي-آن بيزيو: "بعد أكثر من عشرين عامًا من السياسات ضد المهرّبين المزعومين، وتفجّر أعداد الوفيات على الحدود، لا يمكن لأحد أن يتجاهل بعد الآن كون هذه السياسات، بدلاً من حماية المهاجرين، تؤدي فقط إلى تفاقم أوضاعهم".
Inkyfada Landing Image

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول