منظومة الألبان: لوبيات تصنيع الأعلاف تعمّق هشاشة صغار الفلاحين·ات

علت أصوات الفلاحين·ات المحتجين·ات على ارتفاعٍ صادم لأسعار الأعلاف، وصل إلى 300 دينار للطن الواحد. موجة الاحتجاجات توسعت رقعتها لتشمل غالبية المناطق المنتجة للألبان في الأسبوع الفاصل بين 6 و14 ماي 2022، إلى أن قرّرت وزارة التجارة تجميد الأسعار خلال شهر ماي. إنكفاضة التقت بالفلاحين·ات. روبرتاج
بقلم | 20 ماي 2022 | reading-duration 12 دقيقة

متوفر باللغة الفرنسية
تفاجأ رؤوف أحد الفلاحين الصغار في ولاية المهدية، كغيره من مربي·ات الماشية مطلع شهر ماي، بزيادة "مشطة" كما وصفتها وزارة التجارة في بيان لها، على أسعار العلف إذ ارتفع سعر الكيس الواحد بوزن 50 كغ من 48 دينارا إلى 79 دينارا مسجلة يوم 5 ماي. يقول رؤوف إن الوضع كان صعبا منذ مدة، لكن الارتفاع الأخير لسعر الأعلاف "كارثي". ويضيف: "حتى لو حلبنا من البقرة الواحدة 30 لترا في اليوم فلن تكفي ولن تغطي على الزيادة التي حصلت." كان هذا الارتفاع موحدا من قبل معظم الشركات المصنعة للعلف المركب لإنتاج الحليب، إضافة إلى جميع أنواع العلف المركب الأخرى.

تحصلوا وتحصلن على أفضل منشورات إنكفاضة مباشرة على البريد الالكتروني.

اشترك واشتركي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتك آخر المقالات !

يمكن إلغاء الاشتراك في أي وقت.

كان سينتج عن التغير الذي طرأ على أسعار الأعلاف لو تم تفعيله ارتفاع بحوالي 200 مليم في سعر الأربع بيضات للمستهلك، وبنحو 400 مليم في سعر لتر الحليب، ودينار واحد في سعر لحوم الدواجن، حسبما صرح به رئيس المنظمة التونسية لحماية المستهلك لطفي الرياحي لإذاعة شمس أف أم. وأعلن وزير الفلاحة محمود إلياس حمزة في مقابلة للتلفزة الوطنية، أمرا من نفس القبيل، حين وضح بأنه ستقع مراجعة سعر البيع، بما يضمن هامش الربح بالنسبة للمنتج، قائلا: "سيقع الإعلان عن قرارات جديدة يوم 12 ماي، المطابق ليوم الجلاء الزراعي ومن جملتها سعر البيع." وعن تأثير هذه الزيادة على سعر استهلاك المواد الأساسية، دعا الوزير المستهلكَ والمستهلكة إلى مساندة الفلاح التونسي في هذا الوضع الدقيق.

فضيلة، فلاحة من سيدي البشير، جندوبة

"لماذا الزيادة في سعر الاستهلاك؟ هل يستطيع المواطن ذو الدخل المنخفض شراء البيض والحليب بأسعار مرتفعة؟" ينتفض نزار التيساوي 42 سنة، وهو مربّي ماشية في أحد أرياف جندوبة الشمالية معلّقا على تصريح الوزير. ويرى نزار أن الفلاح هو أيضا مستهلك، والأولى ألا تكون هناك زيادة على ثمن العلف من الأساس، بل ينبغي أن يكون السعر مناسبا للفلاح ما يضمن بالتالي عدم ارتفاع أسعار الحليب على المستهلك.

موجة احتجاجات الفلاحين·ـات في مناطق إنتاج الألبان

على الطريق المؤدية لجندوبة من بوسالم، تجمهر الفلاحون وأغلقوا الشارع احتجاجا على ارتفاع أسعار الأعلاف، أما جهة المهدية، اعتصم صغار الفلاحون أمام مصنع فيتالي، أين سكبوا الحليب وقضوا ليالي أمام المصنع في ظروف صعبة، رافضين مبارحة المكان إلا بتحقيق مطالبهم. في سجنان اصطحب المربّون مواشيهم وقطعوا الطريق، متوعدين بتخصيص محصولهم من القمح هذا العام لإطعام أبقارهم بعد هذه الزيادة. وفي غضون أسبوع واحد، تعددت وقفات الفلاحين·ات الاحتجاجية وأيام الغضب أمام مقرات العديد من الولايات.  

يشارك خالد 35 عاما في الاعتصام أمام مركزية الألبان في المهدية، وهو مربي ماشية من منطقة أولاد جاب الله. قرر الفلاّح الشاب الانخراط في حركات احتجاجية مختلفة مع الفلاحين، واتخاذ خطوات تصعيدية في حال لم تتم الاستجابة لهم، إذ تشكل تربية الأبقار مصدر رزقه الوحيد هو وشقيقه ووالديهما. "لا يعلم بحالنا إلا الله، يأتون بين ليلة وضحاها بزيادة قدرها 15 دينارا على الكيس، فماذا عساي أفعل؟ هذا مورد رزقنا الوحيد. ليس منا من هو موظف، ولا رواتب شهرية قارة أو أي مورد آخر أو حتى فِلاحة أخرى." يقول الفلاح. 

يروي حمدي قيزة، عضو تنسيقية صغار الفلاحة بأولاد جاب الله كيف بدأ التحرك "بغلق الطرقات محلّيا، على مستوى الطريق بين جبنيانة وقصور الساف. ثم اتّخذ التحرّك منحى جهويا فوطنيّا". وتم الترتيب - كما يوضح الفلاح الشاب - مع تنسيقيات صغار الفلاحين·ات في المنطقة وفي جهات الشمال، والشمال الغربي في غضون الأيام الأولى التي تلت الزيادة. يروي حمدي: "دعونا الفلاحين في الجهة لاجتماع. وأجمع كلّهم على التصعيد في الاحتجاج. تم فقط الاتفاق على الدخول في اعتصام كأنجع وسيلة." 

لا يختلف الحال كثيرا بالنسبة إلى نزار في منطقة بني البشير في جندوبة، إذ بدأ ببيع أبقاره منذ حوالي 3 سنوات حسبما حدّث إنكفاضة. ولكنه اضطر لبيعهم مع الارتفاع التدريجي لسعر العلف، "فليست هذه الزيادة هي الأولى من نوعها ولكنها الأعلى من بين جميع الزيادات"، حسب روايته. ذلك أنّ تربية أبقاره "تأثرت بارتفاع ثمن التكلفة وأصبح العمل بالخسارة". ولا يخفي نزار حسرته "إذا ما استمر الوضع على حاله، سأبيع أيضا البقرة الوحيدة التي بقيت لدي." 

اتخذ الاحتجاج خطوات تصاعدية سريعة، خاصة لدى فلاحي المهدية. قرر فلاحو أولاد جاب الله والمناطق المجاورة لها عدم بيع الحليب للمجمّعين، ليشمل هذا القرار كامل ولاية المهدية وعددا من مناطق ولايتي المنستير وصفاقس. وقاطع الفلاّحون في بعض المناطق شراء العلف أيضا.  

 "اتخذنا القرار بسكب الحليب عوض بيعه، كحركة احتجاج رمزية لأننا نبيع بخسارة من قبل، وكنا نأمل أن تتحسن الوضعية لكنها زادت سوءا" رؤوف، أولاد جاب الله 

تتلخص مطالب الفلاحين·ات المعتصمين·ات في مطلبين أساسيين، أولهما إدراج الأعلاف المركّبة ضمن المواد الأساسية والمسعّرة، وتحديد هامش الربح بنسبة لا تتجاوز 5%، وثانيهما إرساء قانون يقضي بالزيادة في سعر إنتاج الحليب والبيض كلما ارتفعت تكلفة الإنتاج. 

من جانبها، أوردت شركة فيتالي في بيان أصدرته إثر هذا الاعتصام أن "مركزية الألبان بالمهدية ليست من يقرّر الزيادة في سعر الحليب عند الشراء، لأن مادة الحليب كما يعلم الجميع مسعّرة من قبل الدولة، وتقتني الشركة هذه المادة من الفلاحين مقابل الأسعار المعمول بها." 

قطع صغار فلاحي·ـات أولاد جاب الله الطريق تعبيرا عن احتجاجهم·ن.

 بعد أيام من إعلان الاعتصام، اتّصل رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، بممثلين عن الفلاحين المعتصمين وأخبرهم وفق روايتهم "أنه يراهم ويتابعهم" ووعدهم بـ"التصدّي لشركات الاحتكار ومحاسبتها". 

"تكلفة الإنتاج محررة وسعر الإنتاج محدد"

تٌشكّل الأعلاف المركّبة حوالي 70 أو 80% من كلفة الإنتاج لمواد مثل الحليب وبيض الاستهلاك وفق تصريح وزير الفلاحة. ولذلك يعتبر ارتفاع أسعارها مفصليّا في منظومة إنتاج الحليب. يؤكّد بلال، فنّي في مركز تجميع الحليب في بوسالم أن "ارتفاع أسعار العلف يزيد من تكلفة الإنتاج التي لم تعد تقابل سعر العلف وبالتالي أصبحت تكلفة لتر الحليب مرتفعة جدّا ". 

ارتفع سعر الطن بحوالي 300 دينار بين 30 أفريل 2022 و 5 ماي 2022 - جندوبة

في الواقع، يرى الفنّي الشاب أنّ منظومة إنتاج الألبان بدأت بالانهيار منذ منذ ثلاث سنوات بسبب الارتفاع التدريجي في سعر العلف المركب. "سنة 2017، كانت أربع مراكز تجميع في المنطقة تستقبل حوالي 70 ألف ليتر من الحليب يوميّا. واليوم، تراجعت الكمية إلى النصف أو أكثر، ولا تتعدى 30 ألف لتر أحيانا. صار الفلاحون يبيعون مواشيهم ولا يريدون الاستمرار في تربيتها." 

"نقتني الكيلوغرام الواحد من العلف بـ 1340مليم بينما نبيع لتر الحليب بـ1140مليم. كيلو العلفة أغلى من لتر الحليب، وهذا غير معقول " نزار التيساوي
تراجع الإنتاج اليومي من الحليب بسبب ارتفاع سعر العلف المركب، جندوبة

من أجل السبب ذاته، اندلعت منذ حوالي سنة، انتفاضة لصغار الفلاحين·ات بمنطقة أولاد جاب الله في المهدية. يروي بلال المشري الناطق الرسمي باسم تنسيقية صغار الفلاحة بأولاد جاب الله: "تفاوضنا السنة الفارطة مع وفد من وزارة التجارة، منهم الوزيرة الحالية باعتبارها كانت مديرة عامة، حول سنّ قانون لإدراج الأعلاف المركبة في المواد الأساسية المسعّرة. بلغنا منهم أنّ مشروع القانون كان متوقفا على إمضاء رئيس الحكومة السابق، هشام المشيشي". يتهم بلال في هذا الصدد "لوبيات تصنيع وتوريد العلف التي تلجأ إلى الاحتكار والضغط على رئاسة الحكومة من أجل إلغاء إمضاء هذا القانون". 

 حاولت إنكفاضة مرات عدة التواصل مع إحدى الشركات المصنعة للأعلاف التي ورد ذكرها على لسان الفلاحين، إما من خلال البريد الإلكتروني أو الهاتف لكن لم تتلقَّ أي إجابة. 

فسّرت نفس هذه الشركات التي يتّهمها الفلاحون بالاحتكار، في بلاغ صادر عن الغرفة النقابية لمصنعي الأعلاف وموردي المواد الأولية، الزيادة الأخيرة بارتفاع أسعار المواد الأولية في الأسواق العالمية، بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا. وأرجع عضو هذه الغرفة النقابية، أمين مرابط، في تصريح لإذاعة شمس آف، حجم الزيادة إلى انخفاض سعر صرف الدينار أمام الدولار الأمريكي علاوة على ارتفاع تكلفة الشحن والتزويد نظرا إلى ارتفاع أسعار المحروقات. "صحيح أنّ الزيادة التي قمنا بها مؤخّرا، أي 300د، كانت كبيرة لكنّها لن تمكّننا من تحقيق الأرباح. هناك زيادة أخرى في الإبان ستكون حتمية لو بقي سعر صرف الدينار نفسه مقارنة بالدولار" يقول مرابط. 

من جهته، يُرجع وزير الفلاحة ارتفاع أسعار العلف المركب إلى غلاء أسعار المواد الأولية الناتج عن الحرب الأوكرانية، بنسب تتراوح بين %40 و%60 تضخم في الأسعار بالنسبة للسنة الفارطة. في المقابل، لم تشهد أسعار الذرة وفيتورة الصوجا ارتفاعا كبيرا مقارنة بالعام الماضي وفق بلال المشري. علما أنّ قانون المالية لسنة 2022 كان قد ضمّن في فصله 36 إعفاءً من المعاليم الديوانية المستوجبة على توريد بعض مدخلات الأعلاف منها الصوجا، وفيتورة الصوجا والذرة. 

يعتبر بلال المشري، الإعلان عن رفع ثمن الاستهلاك للحليب تضامنا مع الفلاحين في يوم الجلاء ملغوما للغاية. "نحن لم نطالب بالزيادة في سعر الحليب عند الاستهلاك، لأننا نعلم أن شركات الأعلاف ستقوم بالترفيع في أسعارها بصفة متتالية وستسلبنا هذه الزيادة ولو بلغت 10 دنانير. من غير المعقول أن تكون تكلفة الإنتاج محررة بينما سعر الإنتاج محدد". 

أوعية الحليب المجهز للسكب إثر مقاطعة مراكز التجميع، أولاد جاب الله

من الترفيع في الأسعار إلى تجميدها

وصفت وزارة التجارة الزيادة الأخيرة بالـ"مشطة والمتزامنة" في بيان أصدرته، بعد أيام من انطلاق الاحتجاجات. كما أعلنت في ذات البيان عن فتح بحث اقتصادي في الموضوع، أفضى إلى الكشف عن جملة من المؤشرات لممارسات مخلة بالمنافسة، تتعلق بتحديد الأسعار خارج السير الطبيعي لقاعدة العرض والطلب، واستغلال المتدخلين في إنتاج وتوزيع هذه المواد وضعية الهيمنة على السوق. 

في ذات السياق قال نصر الدين النصيبي الناطق الرسمي باسم الحكومة في 12 ماي، إن وزارة التجارة تولت رفع قضايا استعجالية، أمام مجلس المنافسة في الأصل ضد كل من المذابح ومنتجي الأعلاف. كما نفى النصيبي قرار الزيادة في الأسعار، وقال إن الأولوية الآن هي الضغط على التكلفة قدر الإمكان، وأن هذا هو الخيار الرئيسي والوحيد بالنسبة للحكومة في الوقت الحالي. 

تواصلت إنكفاضة مع وزارة التجارة للاطلاع على مستجدات سير البحث، وفي ذات الموضوع صرح حسام الدين التواتي مدير عام المنافسة والأبحاث الاقتصادية بأن "سير البحث جار لدى مجلس المنافسة"، كما أكد على أن سعر بيع اللتر الواحد من الحليب هو 1140 مليم في كل البلاد. 

واصل فلاّحو المهديّة الاعتصام متشبّثين بمطالبهم المركزيّة، بالتخفيض في سعر العلف المركب وإلغاء الزيادة الصادمة التي طرأت على الأسعار. إلى أن علموا أن الزيادة ستلغى. يروي بلال المشري: "أطلعنا والي المهدية على مراسلة من وزارة التّجارة تفيد بإلغاء الزيادة الأخيرة.". حينها فض المحتجون الاعتصام، واحتفلوا بالقرار قبل صدوره رسميا يوم 16 ماي، حين أعلنت وزارة التجارة عن قرار "تجميد الزيادات المسجلة في أسعار الأعلاف خلال شهر ماي 2022، وتحديد أسعار بيع العلف المركب في حدود المستويات المطبقة لكل مؤسسة، قبل الزيادات الأخيرة التي تمت معاينتها بداية من يوم 05 ماي 2022." حسب بلاغ الوزارة. 

على الرغم من قرار تجميد الزيادة على أسعار الأعلاف، إلا أن تخوفا مازال يسكن الفلاحة الصغار من مصير هذا التجميد بعد موفى شهر ماي، خاصة وأن هذه الأزمة ليست جديدة وأن التجميد قد يحمل معه تلاعبا بتركيبة الأعلاف وجودتها والتي يعاني منها الفلاحون·ات حتى قبل الزيادة. 

بسام، مربي ماشية بمنطقة بني بشير، جندوبة.

يقول حمدي "ليس هناك أحد أقوى من الدولة، وإن مَنَحَت هذه الشركات الرخص ليستوردوا مدخلات الأعلاف، فلا ضير بأن يتدخل قليلا ديوان الحبوب لينظم الأمر." ويتساءل لماذا لا تضع الدولة يدها على استيراد الصوجا والذرة وتوزعها على الفلاحين·ات بدل أن تتركهم محل تحكم من الخواص والمحتكرين.  

ولئن فض الفلاحون الاعتصام إثر التراجع عن الزيادة الأخيرة، إلا أن مطالبهم بتحديد هامش ربح الشركات وإدراج العلف ضمن المواد الأساسية مازالت قائمة.