مع عودة المفاوضات: ماذا يعني الذهاب الى صندوق النقد الدولي؟

أعلن صندوق النقد الدولي منذ منتصف شهر نوفمبر  الماضي تلقيه طلبا للمساعدة من الحكومة التونسية الجديدة. جاء هذا الإعلان بعد تأكيد محافظ البنك المركزي التونسي كذلك عودة المفاوضات الرسمية التي انطلقت مع حكومة المشيشي للحصول على قرض بقيمة 4 مليار دولار. تخضع الموافقة على القرض إلى مدى التزام تونس بتطبيق حزمة إصلاحات اقتصادية تقشفية. فيمَ تتمثل هذه الإصلاحات؟ وماذا يعني فرض سياسات اقتصادية تقشفية على التونسيين والتونسيات اليوم؟ 
بقلم | 16 ديسمبر 2021 | 10 دقائق | متوفر باللغة الفرنسيةالإنجليزية
قالت رئيسة الحكومة نجلاء بودن في الـ10 من ديسمبر الجاري أثناء افتتاح "أيام المؤسسة" عن شروع حكومتها في إعداد مشروع اتفاق مع صندوق النقد الدولي حول برنامج جديد "متكامل" على حد تعبيرها، إلا أنه لم يقع نشر أو مناقشة خطة الحكومة السابقة ولا الحالية. إذ يذكر أن المحادثات مع صندوق النقد الدولي FMI بخصوص حزمة الإصلاحات/ الشروط الاقتصادية التي لا تحظى بتأييد في الأوساط المتابعة، قد توقفت في 25 جويلية عندما أقال الرئيس قيس سعيد الحكومة وعلق عمل البرلمان وتولى السلطة التنفيذية.

من المعلوم أن قيس سعيّد يرى في التقشف ترشيد الاستيراد والتخفيض في الإمتيازات الممنوحة للموظفين السامين فيما يفرض صندوق النقد الدولي لتمويل تونس اليوم كما سابقا تقشفا في الإنفاق الحكومي الموجه للدعم والأجور خصوصا. لكن الوضعية المالية الحالية التي سجلت مع قانون المالية التعديلي لسنة 2021 عجزا بأكثر من 9 مليار دينار باتت مرتبطة وفق صنّاع القرار بضرورة الاقتراض لسد هذا العجز.

 وهو ما يجعل من شروط صندوق النقد الدولي تحديا للحكومة الحالية بين حاجتها للاقتراض ومدى قدرتها على الامتثال لهذه الشروط، في ظل ما تحمله من آثار اجتماعية واقتصادية على الطبقات محدودة الدخل.

  هبوط اقتصادي هو الأعلى منذ الإستقلال  

عانى الاقتصاد التونسي وفق صندوق النقد الدولي من انكماش إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة قدرها 9,2% في عام 2020، مع قفزة في معدل البطالة ببلوغها 16,2% في نهاية سبتمبر 2020، حسب ما جاء في  البيان الذي نشره صندوق النقد الدولي بعد اختتامه لمشاورات المادة الرابعة مع تونس في موفّى فيفري الماضي.

أكد الصندوق أيضا أن الهشاشة الاجتماعية-الاقتصادية في تونس قد تفاقمت وذكر أن مديريه يعتقدون في هيمنة مخاطر التطورات السلبية على الأوضاع رغم توقعات تعافي النمو بدرجة محدودة في 2021. 

رغم تأكيد الصندوق على تعمق الهشاشة الاجتماعية في تونس، جاءت توصياته بخصوص خفض العجز المالي مشدّدة على خفض فاتورة الأجور والحد من دعم الطاقة مع إعطاء أولوية للإنفاق على الصحة العامة والاستثمار وحماية الإنفاق الاجتماعي الموجه للمستحقين. وأشار مديروه إلى أن الدين العام التونسي من الأرجح أن يبلغ مستوى غير مستدام، أي أن يتحول "من غير الممكن تسديد الديون"، "ما لم يُعتمَد برنامج قوي وموثوق للإصلاح يحظى بتأييد واسع النطاق". 

كما دعا الصندوق الحكومة التونسية إلى تعزيز عدالة النظام الضريبي وجعله أكثر دعما للنمو. ويشترط الصندوق كذلك للموافقة على تمويل تونس ضرورة تنفيذ هذه الأجندة كاملة بالإضافة إلى اعتماد خطة للحد مما اعتبروه "مخاطر المؤسسات العمومية على المالية العمومية والنظام المالي، التي تحتاج إلى تعزيز حوكمتها، وتحسين إعداد التقارير المالية والشفافية الخاصة بها"، وفق نص البيان.

  مقارنة الدين من صندوق النقد الدولي بإجمالي رصيد الدين الخارجي 

  المصدر: أرصدة الدين الخارجي،البنك الدولي  

  كيف ستتعامل حكومة بودن مع شروط صندوق النقد؟   

في الوقت الذي لا تتوفر فيه رؤية شاملة حول خطة حكومة نجلاء بودن في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، ولكنه لا ينتظر أن تختلف كثيرا عن الخطة الأخيرة لحكومة هشام المشيشي التي تعود لشهر ماي الماضي، نظرا إلى أنّ أي خطة ستوضع استجابة إلى شروط الصندوق التي لم تتغير.    

يستند هذا الإنفوغرافيك على رسم بياني من إنتاج البوصلة ومرصد ميزانية متوفر هنا .

علمت إنكفاضة أن لجنة مكونة من البنك المركزي ومجموعة من الوزارات منها وزارة المالية ووزارة الخارجية ووزارة الاقتصاد والتخطيط وغيرها من الوزارات تجتمع خلال الفترة الحالية لصياغة خطة الحكومة المتعلقة بالتفاوض مع صندوق النقد. ويدور النقاش حول عشرة محاور تقريبا، لا تبتعد كثيرا عن سابقاتها وتتمحور أيضا حول كتلة الأجور والدعم وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية ورقمنتها.

وكانت رئيسة الحكومة نجلاء بودن قد أكدت في الندوة الخاصة بأيام المؤسسة يوم 10 ديسمبر الجاري، عمل الحكومة على توفير المناخ الملائم لتطوير الإطار التشريعي والترتيبي لممارسة الأنشطة الاقتصادية لتبسيط الإجراءات الادارية وتسريع نسق إلغاء التراخيص الإدارية المعطلة للاستثمار.

ويبدو أن موضوع رقمنة المؤسسات يتموقع جليا في خطة الحكومة الجديدة أيضا، حيث أشارت بودن في ذات التصريح إلى أن الحكومة تعمل حاليا على تطوير الإدارة العمومية من حيث الهيكلة وأساليب العمل واستخدام التكنولوجيا الرقمية. 

في السياق ذاته كانت رئيسة الحكومة قد أشارت ضمن موضوع إطلاق "الإصلاحات الضرورية" التي تحاول الحكومة القيام بها، إلى أن إصلاحات الوظيفة العمومية ستشمل تكريس آليات التصرف حسب النتائج في الموارد المالية والبشرية فضلا عن تحسين أداء وحوكمة المؤسسات العمومية.

بناء على تبني الحكومة الحالية صياغة خطة جديدة إزاء شروط صندوق النقد، لم يعد برنامج الحكومة السابقة أي حكومة المشيشي معتمدا. ولكن خطة حكومة المشيشي تظهر في الواقع الخط العام لصندوق النقد الدولي في تمويل الحكومات والذي لا يتغير لأنه مبنيّ على قواعد يراها مديروه "إصلاحات إقتصادية لضمان استدامة الدين". فإجابة حكومة المشيشي إزاء شروط الصندوق تهدف فعلا إلى تغيير بعض التوجهات الهامة للسياسات العمومية الاقتصادية والاجتماعية للدولة وفق برنامج يرتكز على 5 محاور أساسية. 

كيف تعاملت الحكومة السابقة مع صندوق النقد؟

يتعلق المحور الأول ضمن خطة الحكومة السابقة بتحرير الاقتصاد من الممارسات المنافية لقواعد المنافسة وتحسين مناخ الاستثمار، واقترحت حينها الحكومة لتحقيق ذلك إزالة التراخيص وتبسيط الإجراءات الإدارية ورقمنة العمليات المختلفة التي يواجهها المستثمرون والمستثمرات في مسارهم وتعميم المعاملات الإلكترونية في جميع المراحل. كما تعهدت بتبسيط الحوكمة العامة للاستثمار وتحسين أداء الوكالات العامة من خلال مراجعة أدوار المؤسسات القائمة.

 فيما يتعلق بمنطق الإصلاحات الذي اقترحته الحكومة السابقة، يرى تحالف حملة "يزي ما رهنتونا" الذي تقوده منظمات مدنية على غرار البوصلة وأوكسفام ومحامون بلا حدود: "إن الحكومة السابقة لم تقدم أي تقييم نقدي للمنوال الإقتصادي للدولة وأسسه المهترئة باستثناء إشارة متواضعة إلى نظام التراخيص، بل إنها أثنت على اليد العاملة التونسية المؤهلة واعتبرت تكلفتها التنافسية نقطة قوة في إطار "السباق نحو القاع" متناسية أن هذه التنافسية لا يمكن أن تشكل في حد ذاتها حلاً للأزمة. بل أكثر من ذلك، فإن الافتخار بهذا الوضع يكشف غياب الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وفكرة تحسين الظروف المعيشية للمواطنين والمواطنات عن أولويات الحكومة."

في النقطة الأساسية الثانية و كاستجابة للصندوق بخصوص تحسين النظام الجبائي رأت الخطة الحكومية السابقة أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تحسين الجباية وتحديث الإدارة الضريبية وتعزيز الرقمنة. وقد أبدت  استعدادها للعمل على تعزيز الضرائب التي تحفز الاستثمار الخاص وتضمن رؤية أفضل للمشغلين الاقتصاديين على المدى المتوسط ​​والطويل. مؤكدة على أنه قد ُحدّدت بالفعل مجموعة من التدابير للانتقال إلى نظام ضريبي أكثر كفاءة بما يوسع القاعدة الضريبية. 

تتألف هذه التدابير كما جاء في الوثيقة الرسمية من تجانس الأسعار وتثبيتها من أجل رؤية أكبر مع  تغيير ضريبة الشركات إلى 15٪. من جهته ينتقد الخبير في الجباية والناشط في منظمة البوصلة أمين بوزيان في حوار لإنكفاضة هذا الإجراء بالقول"الخطة تنص على عفو عن الخطايا الجبائية وجمعها مع دفع 20٪ من مبلغ التعديل الجبائي'"، وهي خطوة تكرس التقاليد التشريعية القائمة منذ عهد بن علي والتي تتمثل في زيادة عدد تدابير العفو بينما لم تخضع أي من هذه التدابير لأية دراسة مسبقة أو تقييم لاحق لتحديد آثارها".

في المقابل، يقوم المحور الثالث على إصلاح سياسة الدعم وآليات التعويض، باعتبار أن صندوق التعويضات " يثقل كاهل ميزانية الدولة بشكل متزايد".  ويغطي نطاق الإصلاح  المعلن عنه سابقا المواد الغذائية الأساسية وغاز البترول المسال، كما سيتوسع ليشمل الكهرباء والغاز السائل كخطوة ثانية. يخطط هذا الإصلاح لرفع الدعم على مدى عامين وفقًا لأربع موجات من تعديلات الأسعار. وفي كل مرة، سيتم إعادة تقييم مبلغ التحويل النقدي بهدف تحقيق صفر دعم والتحول إلى "الأسعار الحقيقية" بحلول عام 2024 واستبدال نظام دعم الأسعار القديم بالتحويلات النقدية للأسر. 

اقترح معدو الخطة في سياق المحور الرابع وهو إعادة تعبئة الوظيفة العمومية وتحسين أدائها عدة مسارات تقوم أساسا على التحول من إدارة الموارد البشرية إلى إدارة المهارات، وهو ما عنته بودن أيضا بحديثها عن تكريس آليات التصرف حسب النتائج في الموارد المالية والبشرية . وكان من المقرر  كذلك التفاوض على تدابير أخرى تشجع على تقليص عدد الموظفين والموظفات وبالتالي كتلة الأجور. 

في المقابل أكد الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، يوم الثلاثاء 14 ديسمبر 2021 خلال المؤتمر العادي للاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس، أن البرنامج الاقتصادي الذي قدمته حكومة نجلاء بودن خلال اجتماع مع  الإتحاد، يقضي بتقليص 10% من كتلة أجور  الوظيفة العمومية وتجميد الأجور لخمس سنوات قادمة، ورفع الدعم عن المواد الأساسية والتفويت في عدد من مؤسسات القطاع العام. وهو ما يبيّن تماهي الحكومة الحالية كما سابقتها في المضي في طريق القبول بشروط الصندوق.

في ما يتعلق بالمحور الخامس من خطة حكومة المشيشي فهو يقوم على إدخال تغييرات جذرية على الشركات والمؤسسات العمومية وإصلاح طرق حوكمتها، من خلال "تعديل القانون 89-9 المتعلق بالمساهمات والمنشآت العمومية، واستمرار مراجعة تشكيل مجالس الإدارة ومراجعة صلاحيات مديريها ودعم تحول الشركات العمومية مع التركيز على فكرة إنشاء وكالة مساهمة عمومية".

إصلاحات اقتصادية مقابل ضغط أكبر على الفئات الأكثر هشاشة

في الوقت الذي لا تتوفر فيه رؤية شاملة على تفاصيل الخطة الحكومية الحالية، حاولت إنكفاضة التواصل مع وزارة المالية عبر الهاتف في أكثر من مناسبة ولكنها لم تتحصل على أي رد. وهو ما يحيلنا إلى العودة على خطة الحكومة السابقة التي شارك فيها البنك المركزي الحاضر أيضا في المفاوضات الحالية.

في الحقيقة، جاءت خطة المشيشي استجابة لشروط الصندوق الـ5 الأساسية والتي تقوم على تحرير الاقتصاد من الممارسات المنافية لقواعد المنافسة وتحسين مناخ الاستثمار، ثم التخفيض في كتلة الأجور، مع إعادة هيكلة أو خوصصة المؤسسات العمومية المفلسة واعتماد سياسة جبائية تنافسية، إضافة إلى اتفاق كل الأطراف الاجتماعية بما يعنيه ذلك ضرورة موافقة كل من منظمة الأعراف والإتحاد العام التونسي للشغل. وهو شرط مستجد ويُظن أن غيابه كان أحد الأسباب الرئيسية في عدم تنفيذ تونس للإصلاحات الاقتصادية سابقا مع حكومة يوسف الشاهد.

في ما يتعلق بتحرير الاقتصاد وتحسين مناخ الاستثمار، يرى أمين بوزيان أن خطط الصندوق المعتمدة غالبا ما تأتي لصالح الأثرياء على حساب الفئات الأقل دخلا والأفقر، موضحا: "اقترحت الحكومة  السابقة إلغاء نسبة 35٪ كضريبة على دخل الشركات التي تطبق بشكل أساسي على القطاعات الريعية (البنوك والتأمين والاتصالات والصناعات الاستخراجية)، واعتماد معدلي 10٪ و15٪. وهذا يدل على أن الإصلاحات المقترحة جاءت لتخدم مصالح الشركات الكبيرة والأثرياء، حيث تهدف نفس الإصلاحات وفي نفس الوقت إلى زيادة العبء الضريبي على الأسر، ولا سيما من خلال الضريبة على القيمة المضافة."

المداخيل الجبائية بين 2010 و2020

  المصدر: وزارة المالية

رغم مرور أكثر من شهر على عودة المفاوضات الرسمية مع صندوق النقد إلا أن الحكومة لم تتواصل بخصوص تقدم المفاوضات من عدمها. وفيما ينتظر أن تترجم خيارات الحكومة الاقتصادية في قانون المالية 2022 لم ينشر كذلك مشروع القانون الذي لم يقع النقاش العام حوله في غياب البرلمان رغم تنصيص الدستور على أن آجال المصادقة على قانون المالية للسنة القادمة يجب أن لا تتجاوز الـ 10 من ديسمبر.

إضافة إلى مراجعة القوانين الجبائية التي سيحددها قانون المالية 2022 يطالب صندوق النقد الدولي  الحكومة التونسية بخفض  كتلة الأجور العمومية من 17.4٪ إلى 15٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2022. في هذا السياق يقول سيف بن تيلي عن منظمة أوكسفام  "هذا التخفيض كبير للغاية خلال فترة زمنية قصيرة، وأن هذه التدابير معظمها خطط لفرض وظائف هشة، خاصة وأن القطاع الخاص فشل حتى الآن في خلق وظائف لائقة وقارّة".

ويضيف سيف: "سيؤدي ذلك إلى الزجّ بالموظفين العموميين الى الهشاشة، بعد أن يصبحوا ضحية "الإجراءات المبتكرة الهادفة إلى تقليص كتلة الأجور"، وما يعنيه ذلك من تفاقم الآثار الاجتماعية للموجات الجديدة والأزمات الصحية وغيرها من المشكلات التي قد تواجهها تونس في المستقبل".

وعن اشتراط الصندوق لتمويل تونس ضرورة مراجعة سياسة الدعم على المواد الغذائية والمحروقات، يقول نبيل عبدو كبير مستشاري السياسات في مكتب منظمة أوكسفام الدولية بواشنطن في حوار لإنكفاضة: "صحيح أن دعم الطاقة تنازلي، نظرًا لأن قسطا كبيرًا من الدعم تستفيد منه الشركات الكبيرة والأسر الثرية، لكن استبداله بتعويض انتقائي سيؤثر بشكل غير متناسب على الطبقات الوسطى."

ويستدرك عبدو الذي يركز عمله على صندوق النقد الدولي وسياسات عدم المساواة: "اعتماد هذه الطريقة الانتقائية سيجعل الطبقات الوسطى تدفع تكلفة أعلى للطاقة والغذاء كما أنّ قدرتها الشرائية ستتأثّر أكثر فأكثر، خاصة مع التدابير الأخرى المقترحة."

يرى نبيل عبدو أن على الحكومة استبدال نظام الدعم بنظام حماية اجتماعية شامل وليس بمنهج خيري أو امتياز لفائدة من يستحق الحماية الاجتماعية. يفسر عبدو ذلك بأن أسعار المواد الأساسية مرتبطة بأسعار مواد أخرى وهنا يصعب تحديد كلفة التعويض حيث تخضع الأسعار لمتغيرات شديدة التبدل والأثر مثل الاحتكار وشبكات التوزيع وغيره.

أية مكانة لحقوق الإنسان في المفاوضات؟

انتقد الائتلاف المدني تعامل صندوق النقد مع حكومة المشيشي فيما يتعلق باحترامها لحقوق الإنسان وسيادة القانون. واستشهد في ذلك بتقرير الخبير المستقل، بخصوص آثار الديون الخارجية والالتزامات المالية الدولية على احترام حقوق الإنسان، والذي تمت إحالته إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في جويلية 2019.  وقد نص حينها على أنه "يمكن تحميل المؤسسات المالية الدولية مسؤولية التواطئ في فرض إصلاحات اقتصادية تنتهك حقوق الإنسان".

في حديثه لإنكفاضة، يقول المحامي والناشط ضمن منظمة محامون بلا حدود الأمين بن غازي: "إن الحكومة (يقصد حكومة المشيشي) التي اقترحت من قبل خطة إصلاح على صندوق النقد الدولي هي الحكومة التي لاحظت منظمات المجتمع المدني في ظلها انتهاكات حقوق الإنسان ، وغالبًا ما تتخذ هذه الانتهاكات شكل عنف الشرطة المسلط على المتظاهرين والمتظاهرات والشباب المحرومين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وهو ما تنتهجه أيضا الحكومة الحالية التي استأنفت المفاوضات بقمعها احتجاجات أهالي منطقة عقارب وتضييقها على النشطاء والناشطات وكل الأصوات المعارضة."

 ويواصل: "غياب الصبغة التشاركية يضعف هيكلة سيادة القانون في تونس، وقد أصبح من المرجح جدا أن تتدهور وضعية حقوق الإنسان بشكل حاد في جميع أنحاء البلاد طوال فترة تنفيذ خطة الإصلاح المنصوص عليها في الاتفاقية المستقبلية بين تونس وصندوق النقد الدولي".

 تونس وصندوق النقد الدولي 

يعود تاريخ التداين من صندوق النقد الدولي في تونس إلى سنة 1964، ولكن وتيرة الإقتراض ارتفعت بعد 2011 بمجموع قرضين في 3 سنوات فقط: في 2013 مع حكومة علي العريض التي اقترضت من الصندوق 1.7 مليار دولار. فيما يعود القرض الثاني إلى عام 2016 مع حكومة الحبيب الصيد. بلغت قيمة القرض حينها 2.9 مليار دولار، وبعد موافقة الصندوق كان هناك 9 سحوبات حيث بلغت قيمة الدفعة الأولى 319.5 مليون دولار في 2016 وباقي الثماني دفعات تم سحبها مع ختام التحويلات نصف السنوية.

لم تتغير شروط صندوق النقد منذ 2013 و 2016  تقريبا حيث ظلت الخطوط العريضة هي نفسها، أي تأكيد خفض كتلة الأجور ومعالجة وضعية المؤسسات العمومية إضافة إلى مراجعة مخصّصات الدعم والإنفاق الاجتماعي.

يعلق  مهدي برهومي عن منظمة أنترناشيونال ألرت التي انضمت أيضا إلى تحالف "يزي ما رهنتونا" على شروط صندوق النقد بخصوص الإنفاق الإجتماعي وتعزيز الخدمات الإجتماعية، " لم تذكر أية أهداف أو إجراءات محددة بخلاف الإصلاحات الخاصة بالدعم. وهذا يدل على أن الخطة تفتقر إلى الجدية في هذه النقطة، خاصة وأن الإصلاحات تتجه نحو خفض الإنفاق العمومي واتخاذ تدابير مالية من شأنها تخفيف العبء عن الأثرياء وزيادته على الأسر." 

ويعتقد برهومي "أن أية خطة للإصلاح لا تضع ضمن أهدافها تحسين الخدمات العمومية، لا سيما الصحة والتعليم، والزيادة الكبيرة في الإنفاق الاجتماعي، لا يمكن أن تشكل أرضية للانتعاش الاقتصادي الشامل بل ستفتح الطريق للتوترات والانفجارات الاجتماعية في المستقبل." 

عرف الاقتصاد التونسي كذلك انكماشا غير مسبوق عقب أزمة كوفيد -19، نتيجة للأزمة العالمية الطارئة، وافق على إثرها مجلس إدارة صندوق النقد الدولي في أفريل 2020 على صرف 745 مليون دولار لصالح تونس بموجب أداة التمويل السريع. موارد افترض أنها ستساعد في تلبية الاحتياجات المالية العاجلة للميزانية وميزان المدفوعات بسبب الجائحة.

و كانت المؤشرات الإقتصادية قد عرفت منذ 2011 تراجعا متواصلا رغم عناوين الإصلاح التي رفعتها الحكومات المتعاقبة. إذ تضاعف الدين العام المستحق 4 مرات في 10 سنوات فيما تضاعفت حصة الدين من الناتج المحلي الإجمالي من 40.7 % في عام 2010 إلى 84.3٪ في عام 2020. فيما بات الدين الخارجي للبلاد  في عام 2020 يمثل 55.6٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

  تطور الدين العام المستحق بين 1986 و2021 

أدّى هذا التأزم الاقتصادي المتنامي إلى تراجع التصنيف الائتماني لتونس من B2 إلى B3 مع آفاق سلبية، حسب ما جاء في تقرير لوكالة الترقيم موديز في 23 فيفري 2021. ثم عاد تصنيف تونس ليتراجع إلى Caa1 حسب تقرير موديز في 14 أكتوبر 2021 مع آفاق سلبية. تصنيف يعكس مكانة ضعيفة والتعرض لمخاطر ائتمانية عالية حسب موديز.

وفيما يتشبث سابقا رؤساء الحكومات المتعاقبة بإرجاع أسباب التأزم الاقتصادي إلى الاضطرابات الاجتماعية والإرهابية، باتت مؤخرا أزمة كوفيد-19 شماعة تردي الوضع الاقتصادي، رغم أن التونسيّين والتونسيات كانوا قبل ذلك يحتجون في الشوارع على غلاء الأسعار وانتشار الفقر وارتفاع معدلات البطالة وفق التقارير الشهرية للمنتدى التونسي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية. 

في تقرير نشرته منظمة أوكسفام المهتمة بالعدالة الإجتماعية، تراجعت مساهمة الشركات من إجمالي الإيرادات الضريبية بنسبة 37٪ بين عامي 2010 و 2018، في حين ازدادت نسبة مساهمة الأسر بنسبة 10٪ خلال نفس الفترة. على الرغم من ذلك، تصر حزمة الإصلاحات المقترحة إلى مزيد الضغط على الفئات الأقل دخلا. 

لم تتغير نسبة الديون الخارجية من التعاون متعدد الأطراف كثيراً بين 2017 و2020، لكن يُلاحظ أن تغيرا طرأ على تركيبة الدين الخارجي بين العام 2017 و2020.

  المصدر: وزارة المالية

في المقابل، تظهر الأرقام أن القروض الخارجية في إطار دعم الميزانية كان مصدرها بالأساس 7 جهات دولية تأتي في صدارتها المملكة العربية السعودية بـ1495 مليون دينار ثم الإتحاد الأوروبي بـ 800 مليون دينار سنة 2019. وفي الوقت الذي يتم الحديث فيه عن شروط صندوق النقد الدولي، لا تتوفر أية معلومات عن شروط المملكة العربية السعودية مثلا ولا يتم الإعلام بخصوصها بذات القدر.

 قد يعود السبب إلى أن صندوق النقد الدولي يعد جزءا من منظومة الأمم المتحدة، حيث أن موافقته على منح أي بلد قروضا يعد بمثابة الضوء الأخضر للبلدان المانحة بتقديم المساعدات المالية. ولذلك يتحتم على الحكومة الحالية المرور بالصندوق لإقناع بقية المانحين الدوليين.

  المصدر: وزارة المالية

مع الغموض الذي مازال يحيط بخطة الحكومة الحالية باستثناء بعض النقاط العامة التي ألمحت إليها نجلاء بودن في تصريحاتها، وكما يشير إليه الواقع الحالي فلا يبدو أن الخيارات الاقتصادية العامة ستختلف عن الفترات السابقة التي ظلت رهينة سياسة التداين لسد العجز المالي المتفاقم، والتعويل أكثر على الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة. ما يجدر ذكره أيضا أنه ليس هناك أي ضمانات حتى في حال خضوع الحكومة لإملاءات الصندوق أن هذا الأخير سيوافق على تمويلها خاصة وأن هناك شرطا واضحا يتعلق بوجود خطة طريق سياسة واضحة للفترة القادمة.