شارك



صلاح، 70 سنة، متقاعد ويعمل كحارس ليلي، 1450 د في الشهر

كعادته كل ليلة، يتبوأ صلاح* البالغ من العمر 70 سنة مقعدا على آجرة قبالة مبنى بحي العوينة. يُحيّي السبعيني المقيمين والمقيمات تارة ويتفحص الغرباء أخرى ويتبادل أطراف الكلام مع البعض ويستعلم عن أحداث اليوم… وكل يوم، بداية من الساعة الخامسة مساءً، يتخذ مكانه كحارس الليل.

وُلد صلاح في الجزائر لأم وأب يعملان بالفلاحة على الحدود مع الجزائر قبل أن ينتقل إلى القصرين حيث ترعرع وحيث اضطر لترك مقاعد الدراسة حين كان طفلا.

"كنا معدمين". لم يكد صلاح يبلغ سن المراهقة حتى شرع في العمل لإعانة أسرته في سن 14 سنة. تمثل عمله آنذاك في قطع الحطب في الغابة وتحميله في قطار بير القصعة لحساب شركة صفاقسية أين أصبح ناقل حمولات لما بلغ 18 سنة من العمر. يتذكر الرجل التسعة دنانير التي تلقاها كمرتب أول : "كان الفخر يغمرني وأنا جالس وراء مقود شاحنتي، لقد نجحت في حياتي !"

ظل صلاح في صلب نفس الشركة مدة 36 عاما، ليبلغ مرتبه في نهاية المطاف 970 دينارا أو 1100 دينار باحتساب المنح. مكنه هذا من شراء أرض وبناء منزل في دار فضال بضاحية تونس العاصمة. بالتالي لا يثقله عبء كراء ولا تسديد قروض بناء المنزل : "آنذاك، كلفتني أرض تمسح 136 مترا مربعا 6000 دينار في حين أن المتر اليوم يقدر بـ500 دينار".

وفي سن الـ55 عاما، أُحيل على التقاعد بمنحة تبلغ 450 دينارا.

يروي : "حينما تقاعدت عن العمل ظننت أنني سألزم الراحة أخيرا ولن أفعل شيئا. لكن 450 دينارا لم تكن كافية. كما تفطنت أنني لا أقدر على الخمول".

لم يطل الأمر حتى سمع بحملة توظيف واسعة النطاق لحراس في الإقامات المبنية حديثا ناحية العوينة برواتب تبلغ 300 دينار. سرعان ما تقدم للوظيفة، وهو الآن يعمل بالليل ويجني 500 دينار كراتب غير مصرّح.

يستمتع صلاح بعمله هذا لما ربطه خلاله من علاقات طيبة مع زملائه حراس اليوم وسكان وساكنات الإقامة الذين واللواتي لا يتوانون أو يتوانين عن المرور لإلقاء التحية وسؤاله عن أحواله. لكنه يعترف أن قضاء الليل ساهرا في سيارته ليس بالأمر الهين، ذلك أنه ينبغي عليه لزوم اليقظة والحذر لأنه يرى أن في فترة الأزمة الحالية "يمكن للناس أن يصبحوا عنيفين وفعل أي شيء".

فيما يلي لمحة عن مداخيله ومصاريفه :

أنجب صلاح خمس بنات وابنا واحدا، ثلاثة من بناته تزوجن وتعيش واحدة منهن في المملكة العربية السعودية. ذهبت في البدء لتعمل ثم قررت البقاء والعيش هناك برفقة زوجها بعد أن طال بها الأمد وهي تنتظر عملا في القطاع العمومي في تونس إثر تحصلها على شهادة في علوم الفلاحة. والآن، أصبحت تعين أسرتها بمبلغ 500 دينار ترسلها شهريا.

يتذكر صلاح والفرحة تغمره : "في 2018، أهدت لنا ابنتي عمرة، كانت تلك هدية حياتنا !"

أما ابنته الصغرى فلا زالت تقطن معه بالبيت. يروي الأب عنها : "نجحت ابنتي في مناظرة الحرس الوطني، ولكن استحوذ أحدهم على مكانها بفضل ما له من واسطات ! هي تقبع الآن بالمنزل وتمارس الرياضة يوميا لتحافظ على لياقتها البدنية". يتولى صلاح من جهته مصاريفها اليومية من هاتف وملبس وغيره، ما يكلفه قرابة 50 دينارا في الشهر، بينما يساعدها أخوها وأختها فيما تبقى من نفقات.

وأما ابنه فهو يعيش في الطابق العلوي للمنزل الأسري الذي رُفع "حين كنا نستطيع أن نأمل في البناء بإمكانيات ضئيلة". يشتغل الشاب كعامل توصيل إلى جانب بعض الأعمال الصغيرة الأخرى التي تسمح له بجني بعض المال إضافة إلى مرتبه الشهري.

يساهم الابن في كبرى النفقات المنزلية خاصة حين تكون معاليم الماء والكهرباء أغلى من المعتاد. كما يسدد نصف معلوم الجولان لسيارة والده لأنه يستعملها من حين إلى آخر. ووقت الحاجة، يعين والده حين ينفد ماله في آخر الشهر أو لما تعترضه نفقات غير متوقعة : "يمد يد العون قدر المستطاع، ولكن له أسرة يرعاها هو الآخر".

فيما يلي تفصيل مداخيله ومصاريفه الشهرية :

لصلاح وتيرة يومية لا يحيد عنها. حين يعود من عمله الليلي، يمر لقضاء الحوائج وفق قائمة تعدها له زوجته في اليوم السابق، ثم ينغمس في لذيذ النوم إلى أن يحين وقت الفطور.

الحاجيات المنزلية تترأس قائمة أكبر تكاليفه، تليها مباشرة نفقات الوقود لأنه وابنه يستعملان السيارة بصفة يومية.

ينفجر السبعيني ساخطا : "سعر الوقود لا يكلّ عن الزيادة ! يوما ما سيكلفني خزان وقود ما كلفتني سيارتي ذاتها !"

دعاه ابنه عديد المرات لبيع السيارة حتى يحدّ من مصاريفها ولكن صلاح رفض رفضا قاطعا، خاصة وأنه يستعملها كملجأ له خلال ساعات عمله بالليل. وحين يذهب إلى القصرين لزيارة ما تبقى له من أقارب وقريبات هنالك، يتحيّل للسفر بأقل التكاليف. "آخذ معي بعض البضائع حتى أعوّض ثمن الوقود تقريبا".

أما فيما يخص ملابس كل أفراد الأسرة وما يحتاجه البيت من أغطية وستائر، فتتولى ابنته الصغرى شراءها من سوق الملابس المستعملة أو محلات الحي. يعطيها والدها 150 دينارا شهريا، وأحيانا، بمناسبة حدث مهم، أو حين ترسل لها أختها بعض المال من السعودية، لا تتوانى الفتاة عن تمتيع نفسها بشراء ملابس جديدة من محلات وسط العاصمة أو المغازات الكبرى. يرى صلاح أن هذا "يجلب لها الكثير من الفرح، أما بالنسبة لي ولزوجتي، فسوق الملابس المستعملة تكفي".

يؤكد صلاح أنه بعد أن قضى حياته في العمل والكفاح، ليست له عادة الخروج والترفيه عن نفسه ذلك أن "تسليتي الوحيدة هي المشي، وهو لا زال مجانيا !" مثلما يقول ضاحكا. عوض الذهاب إلى المقهى، يخيّر الرجل القيام بجولة حول الحي والاستعلام عن أخبار مقيميه ومقيماته، ثم المرور لجلب حفيده من روضة الأطفال قبل أن يقفل راجعا. وعموما، يشغل وقته ببعض الأعمال اليدوية أو برفقة أسرته في انتظار بدء ساعات عمله، يقول مفسرا : "أتولى بنفسي الاعتناء بالمنزل لتفادي نفقات زائدة"، الأمر الذي دفعه إلى الشروع في طلاء بعض أجزاء البيت.

المنطقة الرمادية

منذ عشر سنوات مضت، تعرضت زوجته إلى نوبة قلبية تركت نصفها الأيمن مشلولا. منذ ذلك الوقت، أصبحت بحاجة إلى أدوية تتكلف 90 دينار شهريا وعيادة الطبيب مرة كل شهرين. تنتفع الزوجة بدفتر أبيض ومجانية العلاج في المستشفيات نظرا لضآلة منحة تقاعد زوجها. ولكنها تضطر كذلك للذهاب لدى مقوم الأعضاء مرة في الأسبوع بمبلغ يقدر بـ25 دينار للحصة الواحدة. بفضل تأمين زوجها، ينزل ثمن الحصة إلى حدود 10 دنانير.

"منذ اندلاع وباء الكورونا، لم أعد أصطحبها إلى المستشفى خوفا عليها من العدوى هناك، ولكنني أداوب على شراء الأدوية وأخذها لدى مقوم الأعضاء".

 المستقبل

حين يُسأل صلاح عن المستقبل، أول ما يتبادر لذهنه ذريته، وخاصة ابنته الصغرى التي يقلق بشأنها ولكنه يأمل أن "تتزوج بشخص حسن، ولكن خاصة أن تنخرط في الحرس الوطني".

أما فيما يتعلق به شخصيا، فليس لديه أي مشروع يُذكر. "في سن السبعين لم تعد لدي أية مشاريع عدا صحتي. الحمد لله، لي سقف فوق رأسي وقد قمنا بعمرتنا، كل ما أريده الآن هو أن يعيش أبنائي عيشا كريما وأن يربوا ذريتهم مرفوعي الرأس".