جانفي 1984، انتفاضة الخبز. التّاريخ المنسي للمحكومين بالإعدام.

سُجن حسن السنوسي، 16 سنة ونصف، في أعقاب الانتفاضات الشعبية في جانفي 1984. في 3 جانفي، اليوم الذي اكتسب فيه حراك التمرّد زخماً في العاصمة وضواحيها، اقتيد الشاب من منزله في حيّ الملاسين قسراً. وعدت الشرطة أسرته بأنهم سيعيدونه قريبًا. لكن الشّابّ لم يعد إلا بعد 14 عامًا …
بقلم | 31 جانفي 2021 | 20 دقيقة | متوفر باللغة الفرنسية
اندلعت أحداث الخبز في 29 ديسمبر 1983 عندما أعلنت حكومة محمد مزالي، بضغط من صندوق النقد الدولي الذي طالب تونس بتطبيق خطّة تقشّف، خفض الدعم على منتجات الحبوب، وهو الدعم الذي يشكل 10٪ من الموازنة العامة للدولة. ارتفع سعر منتجات الحبوب (المعكرونة والدقيق وما إلى ذلك) بنسبة 110٪ وانتقل ​​سعر الخبز على الفور من 80 إلى 170 مليمًا.

في ذات اليوم، انتفض·ـت سكان وساكنات مدينة دوز ضد هذا الإجراء. وسرعان ما اجتاحت الثورة عدة مناطق قبل أن تبلغ العاصمة. تواصلت الاحتجاجات رغم حالة الطوارئ وإعلان حظر التجول في 3 جانفي. وفي يوم 6 جانفي، تراجع الرئيس بورقيبة عن هذا الإجراء. هذا ما أطلق عليه التاريخ الرسمي اسم "أحداث الخبز".  

ماضِِ محجوز، ذاكرة تحت إعادة البناء

في وقت الأحداث، أخفت الصحافة التابعة للسلطة خبر إطلاق الذخيرة الحية على المتظاهرين والمتظاهرات والقمع الدموي للحركات الاحتجاجية والإرهاب الذي مورس في منازل المعتقلين·ـات. وبدلاً من ذلك، سعت الصّحافة إلى تجسيد صورة بلد ابتُلي بـ "العصابات"*، والمنحرفين والوحشية المزعومة النّابعة من أحياء الطبقة العاملة. "الفوضى"، "الجرائم"، "التدمير"، "الخراب"، "التخريب"، "البربرية"... ترسانة معجمية كاملة تخلّلت عناوين ومقالات الصحف مثل لاكسيون L'Action، لابريس La Presse، الإعلان، لو تون Le Temps، الأنوار Al Anwâr ... من جهتها، لم تحرم وسائل الإعلام الدولية نفسها من مقاربة متعالية وفلكلورية بعناوين مثل "كسكسي الغضب" (القناة السويسرية RTS) أو "صبّار في الياسمين" (لو بوان، 18 جوان 1984).  

عناوين الصّحافة لجانفي 1984، المركز الوطني للتوثيق : "الشعب التونسي ساخط ومستاء"، يوم الحزن، لمذا تُغتال الدّيمقراطيّة"، "الحفاظ على الجمهوريّة"، "إجرام !"، "كسر، نهب، حرق.. ومشاهد الخراب"...

بعد أن جاء لتبديد "الصخب" المحيط، وفي لحظة من السخاء الغامر والشفقة على "رعاياه"، قرّر الرئيس تلقائيّا إلغاء الإجراء الذي ضاعف سعر الخبز. وهكذا، وضعت العناوين الرئيسية هذا البطل في دائرة الضوء:  

"قائد الشّعب يحمي خبزة الشّعب"(الأنوار،8 جانفي)

"تكلّم بورقيبة، فعاد الوعي"(البيان)

"الشعب التونسي يجدّد امتنانه واعترافه بالجميل ووفاءه لبورقيبة"(لاكسيون، 7 جانفي)

في حين عبّرت الجرائد عن ارتياحها أمام البهجة الجماعيّة التي أعقبت هذا الإجراء، لم تتوانَ عن تمجيد بطلِِ خانه الشّعب عندما خرج للشارع تمرّداً وعصيانا :

"من ثورة الخبز إلى ثورة الفرح"(الإعلان، 10 جانفي)

"من الغضب إلى النّشوة"(المغرب، 15 جانفي)

عناوين الصّحافة لجانفي 1984 : المركز الوطني للتوثيق : "الشارع يحتفل"، "من أعماق قلبه، ينشد الشعب التونسي : 'يحيا بورقيبة' "، "مظاهرات البهجة تجتاح البلاد"، "في غضون 5 دقائق، تغيّر كلّ شيء"، "انفجار من الغبطة، يوم مشهود"، "امتنان من أعماق تونس للمجاهد الأعظم"، "مكانة بورقيبة خالدة في قلوبنا"...  

افتقرت هذه النسخة المهيمنة للصّحّة، ذلك أنّ بورقيبة كان مفتقرا هو الآخر للقوة في ذلك الوقت من نهاية رئاسته. كما أضعف الصراع على السلطة مجال المناورة للرئيس الثمانيني، الذي قلّت أنشطته وتضاءل بروزه علنا.  

سلّطت هذه السرديّة الرسمية الضوء على ملكة الاستشراف لدى الرئيس بورقيبة، وقدمته باعتباره الفاعل الوحيد الذي يستحق الذّكر. كما محت تجارب أولئك الذين واللواتي عاشوا وعشن هذه الأحداث من الداخل. بمنطق ساخر، تغاضى الخطاب الرّسمي للسّلطة عن عنف الشرطة وتداعيات هذه القرارات على حياة الأكثر ضعفا. وبمنطق التلخيص، رسمَ تقييمًا باردًا للأحداث : حوالي مائة حالة وفاة ومئات الجرحى والمعتقلين·ـات.  

رغم هذه الذاكرة العمياء وتعريف ما حدث بمصطلح "أحداث"، ورغم غياب تقييم مكتمل إلى حدّ الآن، فقد ظهر شكل من أشكال الاعتراف في السنوات الأخيرة حيث تمّت تسمية نهج في تونس باسم فاضل ساسي، الذي سقط شهيدا تحت وقع الرّصاص في 3 جانفي 1984. إنه ليس شارع باريس الذي رآه يموت، ولكنه شارع آخر أكثر سريّة في وسط المدينة *.  

سلط عمل هيئة الحقيقة والكرامة (IVD) الضوء على مجالات مهمة من الذاكرة المخفيّة. وساعدت شهادات المعتقلين السابقين وأقارب ضحايا قمع انتفاضة الخبز على وضع الكلمات على المعيش. لم يعد الناس أرقامًا أو خيالات مجهولة على قصاصات الصحف، وتردّد صدى أصواتهم·ـن لتشهد على معاناتهم·ـن الجسديّة تحت وطأة جهاز أمن الدّولة.  

لكن عمل الهيئة بلغ حدوده أيضًا، حيث لم تـ·ينجح جميع الضحايا في الإدلاء بشهاداتهم·ـن. من بين السّرديّات المرتبطة بشهر جانفي 1984 والمودعة لدى هيئة الحقيقة والكرامة، توجد تلك الخاصة بأولئك المحكوم عليهم بالإعدام في أريانة، وقد تم القبض عليهم وإدانتهم بقتل سائق سيارة على هامش المظاهرات. في نفس الوقت، غابت شهادات المحكوم عليهم بالإعدام في الملّاسين، على الرغم من إدانتهم في قضية مماثلة وفي نفس السّياق، ولم يتحصّلوا على تعويض.  

"كانت الأصفاد أكبر من معاصمنا الصّغيرة"

في 3 جانفي 1984، عندما بلغت الاحتجاجات أوجها في العاصمة، توفي سائق برفقة زوجته في سيارته من جرّاء ضربة حجر في رأسه. جرت الحادثة على الطريق من مفترق السّيّدة في اتّجاه كلية الآداب 9 أفريل. اعتُقل ستة شبان من سكان حيّ الملّاسين مساء اليوم نفسه دون أدلة، للاشتباه في مشاركتهم في الاحتجاجات وقتل السائق. حُكم على خمسة منهم بالإعدام شنقا في 26 ماي 1984. وحُكم على السادس بالأشغال الشاقة المؤبدة.  

في 19 جوان من العام نفسه، تم العفو عن المحكوم عليهم بالإعدام وتغيير الحكم إلى السجن المؤبد. في عهد الرئيس بن علي، خُففت هذه العقوبة إلى 20 عامًا وأُطلق سراحهم في نهاية المطاف قبل بضع سنوات. خرج أربعة منهم من سجن الناظور عام 1994، وهم : كمال مرزوق، والعيد الفطناسي، وعباس الماكني، ولطفي الجلاصي. آخرهم حسن السنوسي الذي أطلق سراحه في نوفمبر 1997.  

في مقابلة مع حسن السنوسي وكمال مرزوق في مطلع شهر جانفي في حي الملاسين، يستحضر صديقا الطّفولة ظروف اعتقالهما حين كانا يبلغان من العمر 16 عامًا ونصف. في غياب شقيقه حبيب الذي كان من الواضح أنه الهدف الأوّل للشرطة، تم القبض على حسن السنوسي بدلاً منه. وجد حسن وكمال نفسيْهما محبوسيْن دون أدنى فهم لما يحدث، وتعرّضا للتعذيب بانتظام رغم صغر سنهما :  

رسوم : نضال الشّامخ

تحت وقع التعنيف والإهانة، ظلّ الشّابان ينتظران محاكمتهما التي انطلقت بعد خمسة أشهر في ماي 1984. وعلى عقب المحاكمة اضطلعت العديد من الصحف بنشر صور المعتقلين وأسمائهم وإعادة بناء "مسرح الجريمة" وتقرير المحاكمة المفصّل.  

عُرّف حسن السنوسي على أنه زعيم عصابة من المجرمين الخطرين وزُعم أنه مسؤول عن الرّمية القاتلة ليُتّهم فيما بعد بالقتل العمد. استغلّت السلطات لقبه "كلب السبخة" لتصنع منه مجرما ذائع الصّيت، رغم عدم وجود سجل إجرامي له ورغم تأكيده على أنّه "لقب طفولته". وفي التقرير التفصيلي للمحاكمة الذي نشرته صحيفة العمل، توجّه له القاضي الأخضر عبد السلام قائلا :  

"بطّال [...] وأنت لا تحب العمل، وناقم على أصحاب السيارات وتريد قتلهم [...]. الأمريكان ذهبوا لأمريكا وهي قاع صفصف فكونوها وكونوا أنفسهم، أنت تريد البقاء في السبخة بلا عمل، حاسد غيرك، فليست الحكاية حكاية خبز". (العمل، 25 ماي)

في هذا المناخ حيث يتم احتقار الشباب وإدانتهم مسبقًا، اعتبرت النيابة بقية المعتقلين مذنبين لا لشيء إلّا لكونهم شركاء حسن السنوسي، ولأنهم قصدوا إيذاء الغير من خلال الخروج للتظاهر وإلقاء الحجارة على السيارات ومحاولة حرق السيارة المتضرّرة.  

يتذكر حسن السنوسي وكمال مرزوق تناقض الأدلة ضدهما، وإعراض المحكمة عن الأخذ برواية زوجة سائق السيارة المتوفى، والضغط على الشاهدة نورة عرفاوي.  

يشير تقرير المحاكمة المفصّل الذي نشرته صحيفة العمل (25 ماي 1984) إلى أن المحامين·ـيات حاولوا وحاولن وضع الإصبع على التناقضات التي شابت القضية واستنكروا واستنكرن محاكمة تشوّه الواقعَ حسب تعبيرهم·ـن :  

إن فشل النيابة العامة في إثبات أن هؤلاء الشباب مذنبون يؤدي إلى عقاب جماعي لا أساس له.

لم تؤخذ بعين الاعتبار شهادة زوجة الضحية القائلة بأن الحادث وقع عند مفترق السيّدة بينما كان المتهمون يعيشون في الملاسين. وفقًا للادعاء، فإن هذه الشهادة لا قيمة لها لأن الكارثة كادت تفقد الزوجة عقلها، وهي غير قادرة على تذكر المشهد جيدًا، بعد أن فقدت كل ملكاتها. علاوة على ذلك، يعيد التحقيق بناء المشهد بالقرب من معبر الملاسين وليس بالقرب من المفترق المذكور.

تم إبطال شهادة أقارب المعتقلين الذين قدموا ذريعة، بتعلّة الروابط الأسرية القوية. على سبيل المثال، رواية عائلة لطفي الجلاصي التي تدعي أنه في يوم الحادث كان يبحث عن شقيقه في المستشفى لأنه أصيب بجروح خطيرة نتيجة قمع حركات الاحتجاج، لم يتم سماعها بكلّ ببساطة، في حين كان بإمكانها تبرئته.

على العكس من ذلك، فإن الاتهام يتمسّك بصحة الشهادات الضعيفة ضد المعتقلين، بما في ذلك شهادة جارة حسن السنوسي، نورة عرفاوي التي يُزعم أنها قدمت شهادتها تحت التأثير.

"حكم الإعدام يسكنني إلى الآن"

كانت بشرى بالحاج حميدة محامية متدربة في ذلك الوقت، وكانت من بين المحامين·ـات المعيّنين·ـات تلقائيّا للدفاع عن متّهمي الملّاسين. تبلورت حجة الدفاع آنذاك حول إثبات السخافة القانونية المتمثّلة في المحاكمة الجماعيّة للمعتقلين الستة بتهمة قتل سائق السيارة. تشرح بشرى بالحاج حميدة خلال مقابلة : "لا توجد مسؤولية جنائية جماعية، كلّ شخص يُدان على الفعل الذي ارتكبه، وبالتالي دارت المحاكمة برمتها حول 'من ألقى بالحجر' [...]".  

لكن لدهشة الجميع، حكم القاضي بعقوبة الإعدام. تتذكر المحامية السّخط الذي تملّكها عند سماع الحكم :  

"في البداية لم ندرِ أن القضية ستأخذ هذا المنعطف، اعتقدنا أنهم سيحكم عليهم بالسجن لمدة 20 عامًا لكن ها هو يعلن عقوبة الإعدام [...]. جرفني الغيض، ولم أستطع تحمل الأمر أكثر من ذلك، واستطشتّ غضبا. لم أعش شيئا مماثلا مطلقاً، وبدأت أصرخ : 'يا للعار، هذه تمثيليّة سخيفة' [...]. "

إلى جانب مظهر القاضي الذي بدا لها "مقتنعًا وهادئًا"، أدركت بشرى بلحاج حميدة أن الحكم كان جاهزًا بالفعل، وأن القرار تم اتخاذه قبل الحكم أصلاً. كانت محاكمة سياسية بالفعل : "تلك كانت أول تجربة لي، كنت شابّة، وكانت الصدمة الأولى" على حدّ تعبيرها.  

على الرغم من صعوبة الاتفاق على أن جميع المتهمين كانت لديهم الرغبة في القتل، وبعد خمسة أشهر مضنية في سجون القرجاني، أُدين الشباب الستّة على معنى الفصول 32 و 59 و 205 و 204 و 304 و 307 من المجلّة الجنائية بتشكيلة من التّهم المتنوّعة. أتى الفصل 204 ليختم مذكّرة الإعدام ووقع عليهم الخبر وقع الصّاعقة في موفّى شهر ماي.  

ما زال كمال مرزوق يتذكر الحُمّى التي كانت تصيبه دون إنذار كل ليلة منذ اللحظة التي علم فيها بموته القادم. "لأنهم كانوا يقومون بالإعدام عند حلول الظلام"، يوضّح حسن السنوسي، مستحضرا الحكم الذي لا يدع للوصف مجالا :  

هكذا، قضّى المعتقلون شهر رمضان مصفّدين في رواق الموت يقتاتون على حساء يُقدّم في أوعية بلاستيكية، في انتظار الإعدام.  

رسوم : نضال الشّامخ.

"عدالة تحت الأوامر"

أدى حكم الإعدام الصادر في شباب الملاسين (بالإضافة إلى السجناء الشباب في أريانة)، إلى حملة للتنديد بهذا الحكم في الفترة الممتدّة بين ماي و جوان 1984.  

مع مجموعة مؤلفة من صحفيين·ـات وباحثين·ـات ومعلمين·ـات من بين آخرين وأخريات، أطلقت بشرى بالحاج حميدة حملة توعية ضد عقوبة الإعدام وشجبت ما اعتبرته "محاكمة غير عادلة" و"عقوبة نموذجية" و "عدالة تحت الأوامر". كما تم إنشاء لجنة أصدرت عرائض وصيحات الإنذار. من جهتها، شاركت العديد من المنظمات في التعبئة، بما في ذلك النواة الأولى لمنظمة العفو الدولية في تونس والرابطة التونسية لحقوق الإنسان (LTDH). كما لم تخفِ الصحف المعارضة بما في ذلك "المستقبل" و "الطريق الجديد" معارضتها الشديدة للحكم.  

شكّلت أمهات المحكوم عليهم جزءا من هذه الحركة الاحتجاجية وسجّلن حضورهنّ في مختلف الاجتماعات. تتذكّر بشرى بالحاج حميدة "قوّتهن"، ولكنها تتذكّر أيضا التفاوتات في درجة يأسهنّ.  

"هناك منهن من بحثن عن تبرير، وقلن أنهم أبرياء، وأخريات فهمن أن أبنائهنّ قد قُضي أمرهم، وأنهم قد أدينوا مقدّمًا، وأن الدولة هي نفسها التي أدانتهم".

حاولت لجنة مناهضة عقوبة الإعدام التماس العفو من مختلف الفاعلين·ـات السياسيين·ـات. إلّا أنّ النّقاش مع رئيس الوزراء محمد مزالي كان مستحيلا بحسب بشرى بالحاج حميدة. تقول : "كان لغته خشبيّة، كان مفتقرا للمرونة ومتمسّكا بموقفه وبصرامة الدولة، إلخ. كان يريد أن يُحكم عليهم بالإعدام لمجرد التمسّك بموقفه".  

على العكس من ذلك في القصر الرئاسي، لاحظت اللّجنة شكلا من أشكال التأثّر لدى زوجة الرئيس. حيث ذكرت وسيلة بورقيبة الرّسائل العديدة التي تلقاها الحبيب بورقيبة من جميع أنحاء العالم، ودهشته لرؤية مثل هذه التعبئة.  

يرجع الموقفان في واقع الأمر إلى استراتيجيّتيْن متضادّتين، ذلك أن محمّد المزالي كان يعمل على تعزيز شرعيته السياسية بعد الرجّة التي تسببت فيها انتفاضة جانفي 1984، بينما حاولت وسيلة بورقيبة تشويه مصداقيّته من خلال دفع الرئيس للعفو عن المعتقلين*.  

بالتظافر مع عمل النشطاء والنّاشطات ضد عقوبة الإعدام، أدّى تدخّل وسيلة بورقيبة إلى إصدار العفو في 19 جوان 1984. ومرة ​​أخرى، سلّط الإعلام كلّ أضوائه على الرئيس. أشاد خطاب السّلطة القائم على المغالاة والتّكرار بـ "الرحمة" و "الرأفة السيادية" وتغنّى بـ"هذا التساهل النبيل من لدنّ بورقيبة" (لاكسيون، 20 جوان).  

بعد أن تمّ التّركيز على دور بورقيبة في الابتهاج الشعبي الذي أعقب إلغاء الإجراء الخاص بخفض الدعم على منتجات الحبوب، وجد الرّئيس نفسه مصدر غبطة أسر المعتقلين. وهكذا، في غضون بضعة أشهر، تمّ إعادة تأطير الفوضى وما تبعها من ابتهاج بنفس الطّريقة، في خليط مشبع بالثّناء والتّمجيد للوضع القائم، مثلما يتبيّن من جريدة الصّباح التي كرّرت دون هوادة : "كابوس بدّده الرئيس"؛ "فرحة عظيمة جلبها للعائلات"؛ "أمهات سعيدات ومرتاحات بعد قرار الحكومة" (الصباح 24 جوان).  

نفس الصحافة التي أعلنت قبل ذلك بشهر دعمها لعقوبة الإعدام بعبارات من قبيل "لجريمة لا تغتفر، عقوبة مثالية" (لاكسيون، 16 ماي) أو في عقب المحاكمة "للتخريب المجنون، عقوبة واحدة : صرامة القانون" (لاكسيون، 27 ماي)، ها هي ذا تمجّد السلطة بغضّ النّظر عن قراراتها.  

Crédits : Nidhal Chamekh

"نحن تاريخ تونس"

في أعقاب عفو رئاسي جذبهم من بين مخالب الموت ليلقي بهم في بهجة السّجن المؤبّد، أُرسل كلّ من حسن السنوسي وكامل مرزوق إلى سجن الناظور حيث التقيا بمعارضين سياسيين وسجناء رأي.  

ورغم أنّ هذه الفترة من حياتهما تبدو بالنسبة لهما قريبة وبعيدة على حد السّواء، إلّا أنّ آثارها على حاضرهما لا تُحتمل: مشاكل صحية وهشاشة وحقوق اجتماعية غير نافذة. يتنهّد حسن السنوسي قائلا: "دخلت السجن أمرداً، وغادرته عجوزًا بلا أسنان".  

"لماذا كنت مضطهداً في عهد القمع، ولماذا أنا مضطهد الآن في عصر الحرية؟ انتُهكت حياتي أوّلا والآن تُنتهك حقوقي".

يشاركه صديقه كمال مرزوق إحباطه النّاجم عن شبابه الضّائع ويكشف عن ساقه المشلولة قائلا بابتسامة : "هذا ما تركه لي السجن".  

لم يتمكن حسن السنوسي وكمال مرزوق من إدلاء شهادتهما لدى هيئة الحقيقة والكرامة رغم محاولاتهما. ويتذكر الرجلان أشكال الترهيب العديدة التي تعرضا لها عند مدخل مقر هيئة الحقيقة والكرامة، حيث مُنعا من النفاذ إلى الدّاخل وبالتالي حُرما من إمكانيّة إدراجهما في قائمة ضحايا قمع جانفي 1984.  

يروي الرّجلان كيف تمسّك طاقم الأمن بثنيهما عن إيداع ملفّهما بتعلّة الإجراءات المضجرة والتي تتطلب الكثير من المستندات، بما في ذلك الملف القانوني للقضيّة.  

في هذا الصّدد، اتّصلت إنكفاضة بسهام بن سدرين، الرّئيسة السّابقة للهيئة، التي أكّدت أنّ الهيئة لم تطالب يوما بتوفير ملفّات، وأنّ شهادة شخصيّة معزّزة بشهادات الأقارب تُعتبر كافية للتّسجيل في قائمة الضّحايا وإدلاء الشّهادة في جلسة سماع. ومع ذلك، تستذكر سهام بن سدرين ترهيب الشرطة الذي مورس بالقرب من مقرّ الهيئة ضد الشهود والشّاهدات وأعضاء الهيئة، طيلة مدّة عملها.  

من جهته، لم يتمكّن حسن السنوسي من الحصول على بطاقة تعريف وطنيّة إثر خروجه من السجن رغم محاولاته المتكررة، الأمر الذي جعله يشعر بالتّهميش ويتخلّى عن الإجراءات لدى الهيئة. أخيرا، في سنة 2018، عندما تسلّم بطاقته، كانت الهيئة قد أغلقت بالفعل ملفّ قضية جانفي 1984.

غير مرئي حتى في أعين هيئة المغيّبين والمغيّبات عن التّاريخ، محروم من حقوقه حتى بعد إطلاق سراحه من السجن، لا يكاد جانفي 1984 يغيب لوهلة عن ذهن حسن السّنوسي. يتذكّره في الإدارات، في جسده، في كيانه، كل شيء يعود به إلى نفس المكان ونفس اللحظة. وعلى أمل العثور على ملفّ قضيته في المحكمة كي يتسنّى له السعي لتحقيق العدالة لنفسه، ذهب حسن إلى هناك مرّات عدّة، لكنه انقطع فجأة عن الذهاب عندما وجد نفسه ذات يوم في نفس القاعة التي أُدين فيها.  

  

يقتات حسن السنوسي وكمال مرزوق من أرباح بيع النّفايات التي يجمعانها، "نحن حرفيّاً في قلب الزبالة" على حدّ تعبيرهما. بعد مرور أكثر من عشرين سنة على إطلاق سراحهما، لا تتوانى البيروقراطيّة الفاقدة للذّاكرة عن تذكيرهما بوضعهما المهمّش ما بين متاهات الإدارات اللّامتناهية وغياب التّعويضات. ورغم كلّ ذلك، يقول حسن السّنوسي: "نحن تاريخ تونس".  

خفايا التّاريخ هي سلسلة مقالات تهتمّ بتواريخ رئيسيّة ضمن تاريخ تونس المعاصر. تحاول السّلسلة إعادة بناء سرديّة للذاكرة الفرديّة والجماعيّة، من خلال منظورِ سياق معيّن أو حدث مهمّ على النّطاق الوطني