شارك



لـَـيـْلى و الهشاشة في وقت كوفيد-19، 700 دينار في الشّهر

10 جوان 2020 |
تعيش ليلى* في الضّاحية الجنوبية لتونس، لكنها تعمل بشكل رئيسي في حي النّصر وضفاف البحيرة وسكرة. منذ أن كانت في العشرين من عمرها، اشتغلت كمعينة منزليّة أو طاهية أو مربّية حسب احتياجات الأسر التي وظّفتها. رأت الأطفال يكبرون، و رافقت المتزوّجين/ات وطبخت للجنازات. منذ الإعلان عن الحجر الصّحيّ توقّيا من كوفيد-19، اضطرّت إلى تعليق كلّ شيء.

تبلغ ليلى من العمر 52 عاما، وقد عملت لمدة 20 سنة في عيادة طبّيّة كمعينة نظافة، دون أن يتمّ تسجيلها لدى الصّندوق الوطني للضّمان الإجتماعي على الإطلاق. في عام 2019، قررت رفع شكوى وتوقّفت عن العمل هناك. كان من المقرّر أن تجري المحاكمة في مارس 2020، ولكنّها تأجّلت بسبب الحجر الصّحّي.

في الأوقات العاديّة، إلى جانب هذا العمل، تؤدّي ليلى مهامًا أساسيّة في المناسبات المهمّة لدى العائلات المتوسّطة والأكثر ثراءً وغالبًا ما توصف بأنها امرأة طيّبة واجتماعية وتحبّ الحديث.

غادرت ليلى المنزل العائليّ في سنّ الـ21 لتتزوّج شابًا قدّمه لها والدها في إطار "زواج مدبّر". بعد عام وهي حامل، تقدّمت بطلب الطلاق لأنّها وجدت زوجها "كسولًا و وقحا". وبعد بضع سنوات، تزوجت للمرّة الثّانية بجارها عَـلي* و أنجبا معاً ثلاثة أطفال.

بعد سنوات عديدة من الخبرة وشبكة حرفاء متّسعة وجدت ليلى هذه الوظيفة الجديدة في عيادة طبّية. "كان هذا العمل مثاليّا لتحسين وضعي و قد شعرت بتقدير أكبر من قبل مَن حولي." في ذلك الوقت، لم تكن تدري أنّ وضعها غير قانونيّ حيث اعتبرتها فرصة مهمّة قبل كلّ شيء.

بطبْع إيجابيّ و طاقة لا تنفذ، تناضل ليلى من أجل مستقبل أفضل. من خلال الجمع بين عملها في العيادة الطبيّة و وظائف أخرى مثل الطّهي ومجالسة الأطفال، تمكّنت من بناء منزل صغير على رقعة أرض تركها لها والدها في منطقة شعبيّة في الدّندان من ولاية منّوبة.

  "أولويّتي كانت دراسة أطفالي و توفير سقف فوق رؤوسنا."  

بدأت الإجراءات المرفوعة ضدّ صاحب العمل منذ ثلاث سنوات عندما حضرت ممثّلة عن مكتب الشغل إلى العيادة لإجراء تفقّد. حينها، ردّت ليلى بصراحة على الإستجواب واغتنمت الفرصة للمطالبة بحقوقها : "لقد حان الوقت للتفكير في مستقبلي و تقاعدي".

عرض عليها الطّبيب المسؤول وقتها اقتراحا: أن يسجّلها في منظومة الضّمان الإجتماعي ابتداءً من ذلك اليوم دون أن يأخذ بعين الإعتبار الثّمانية عشر سنة التي مضّتها في العمل عنده. رفضت ليلى ذلك و دخلت في صراع ضدّه. استشارت الخدمات الاجتماعيّة التي ساندتها في قضيّتها وقرّرت تقديم شكوى بمساعدة محام عيّنته المحكمة. و رغم أملها في الحصول على حقّها إلّا أنّ مدخول ليلى قد انخفض بشكل ملحوظ منذ ذلك الحين.

بفضل أعمالها المتفرّقة، تكسب ليلى حاليّا 450 دينارا شهريّا بدلا من الـ 700 دينارا المعتادة  حين كانت تعمل في العيادة، أي بفارق 250 دينارا. يتمّ تعويض هذا النّقص الآن براتب زوجها علي، الذي يمنحها حوالي 250 دينارًا لتغطية نفقات المنزل. لا تعرف ليلى كم يكسب زوجها الذي يعمل في مصنع لتقطير زهر البرتقال: "زوجي لا يريد أن يخبرني عن راتبه الحقيقي".

فيما يلي لمحة عامّة عن مدخولها و مصاريفها الشّهريّة:

حتّى تكسب 450 دينارا في الشّهر، تعمل ليلى كمعينة منزليّة لدى الأسر التي تعرفها منذ زمن طويل بمقابل 30 دينارا لليوم. "حين لا يتبّقى في جيبي شيء، أقوم بإجراء مكالمات هاتفيّة لإيجاد عمل. بشكل عامّ أنا محظوظة لأنّني أعرف الكثير من النّاس".

تتمسّك ليلى بإعانة ابنتها الكبرى المتزوّجة بـ100 دينار في الشّهر بالإضافة إلى 150 دينارا تعطيها لابنها منذ تعرّضه لحادث درّاجة ناريّة. من أجل زواج ابنها البكر، تحصّلت ليلى على قرض. و نظرا للحجرالصّحّي لم يعد يطلب البنك دفع أقساط لهذه الفترة.

لكنّ هذا القرض لم يكن كافيا ما دفع ربّة البيت لاقتراض مبلغ من جارتها التي أرجأت طلب الخلاص نظرا للوضع الصّحّي. تنوي ليلى دفع ضعف ما اعتادت دفعه شهريّا لجارتها بمجرّد تحسّن الأوضاع. حتّى الآن، تبقّى لها ما يعادل 1200 دينارا لتسديدها. و كما هو الحال دائما، تظلّ ليلى متفائلة و تعوّل على شبكة علاقاتها.

"أقوم بتسديد ديوني بأقساط صغيرة، إنّ النّاس يثقون بي".

تتمثّل النفقات المنزليّة أساسا في الكهرباء و البقالة. أتمّت ليلى بناء منزلها لذا لم يعد لديها إيجار لدفعه. و مع ذلك، فإنّ بيتها ليس متّصلا بشبكة توزيع المياه لذا تعتمد على بئر الجيران للاستحمام و تنظيف المنزل و غسل الأطباق. بالنسبة إلى مياه الشرب، عادة ما تشتري عبوة سعة 5 لتر كلّ يومين بـ2.5 دينار من بائع مياه ينابيع متجوّل. منذ الحجر الصّحّي، لم يعد الرّجل يجول في الحيّ.  

"الآن، أنا مضطرّة لشراء قارورات بلاستيكيّة باهظة الثّمن".

للإستحمام، عادة ما تفضّل ليلى أن تنفق 5 دنانير في الأسبوع للذهاب إلى الحمّام. في الوقت الحالي، ليس لديها خيار سوى تسخين مياه البئر في وعاء.

تنفق ليلى القليل على ملابسها اليوميّة. رغم اعتنائها بمظهرها و ملابسها، تتمكّن عادة من العثور على ما يلائمها في أسواق الملابس المستعملة أو لدى صديقاتها وربّات البيوت التي تعمل فيها. "بما أنّهنّ يعرفن كم أحبّ ارتداء الملابس، فإنهنّ يهدينني ملابس قديمة لم يعدن يحتجن لها، ولكن ليس أيّ ملابس".

خلال هذه الفترة الإستثنائيّة، لا تستخدم ليلى وسائل النّقل العمومي للتنقّل. و لكن في الأشهر السّابقة، عادة ما تنفق 80 دينارًا شهريًا لركوب المترو الخفيف.

فيما يلي تفاصيل نفقاتها و مداخيلها الشّهريّة :

المنطقة الرّماديّة

بناء منزل لعائلتها يمثّل مصدر فخر ليلى. لكنّها تعترف بأنّها لا تمتلك سند ملكيّة للشقّة : "إنّها قصّة طويلة، إجراءات لم يستطع والدي القيام بها في ذلك الوقت". ترك لها والدها قطعة الأرض دون رسم عقاري، غير أنّها تفضّل عدم الخوض في هذه المسألة في الوقت الرّاهن. ليس لديها الإمكانيّات الماليّة للقيام بالإجراءات اللّازمة.

نهايات الشّهر عسيرة : "لحسن الحظّ، يقبل البقّالون و التّجار و الجزّارون البيع مع تأجيل السّداد". منذ بدء الوباء، تعيش ليلى و عائلتها كلّ يوم بيومه. خلال الشّهر الأوّل، تحصّلت على ما يعادل دخلها كاملا من قبل إحدى ربّات الأسر التي تعمل عندها. لا تعلم ليلى إن كان هذا سوف سيتكرّر لذا قرّرت أن تبدأ في الصّلاة : "علينا أن نتوكّل على الله، ثمّ إنّ الصّلاة تلهيني و لا أشعر بمرور الوقت". 

تحاول ليلى ألّا تفقد روحها المرحة، و هي متيقّنة بأنّ الأمور ستتحسّن، مفضّلة رؤية الجانب المضيء.

  "إنّه شعور رائع أن أخلد للنوم دون أن أستيقظ في الخامسة صباحا لتنظيف منازل الغير. أظنّ أنّه نظرا للحياة التي خضتها، هذه فترة راحة أستحقّها عن جدارة".  

عدا عن ذلك، تحبّ ليلى تمضية الوقت مع عائلتها : "أقضّي الوقت مع أطفالي الذين كنت بالكاد أراهم و قد علّمت ابنتي الصّلاة أيضا". 

حاليّا، تقضي أيّامها في إرسال أدعية على الانترنت و مشاهدة المسلسلات التّركيّة و متابعة الإحصائيّات الرّسميّة لكوفيد-19.

المستقبل

شيء واحد يؤرّق ليلى. "في الأحياء الشّعبيّة، احترم النّاس الحجر الصّحّي في أوّل 15 يوما، ثمّ نسوا، و الآن أصبحوا يمرحون و هذا يجعلني أخشى العواقب".

تعترف بأنّها اتصلت مرّة بالشرطة لتعلم عن تجمّع أشخاص: "اتّصلت بهم وطلبت منهم التدخّل و إلّا فإنّ كل الجهد الذي نقوم به سيذهب سدى. أعطوني أرقاماً أخرى لأتّصل بها فتخلّيت عن الأمر". كما تتخوّف ليلى من قدوم شهر رمضان و عواقبه. "خلال شهر رمضان، في الأحياء الشعبيّة، ينشغل النّاس بلعب الورق في جماعات طوال الليل. إذا فعلوا ذلك خلال هذه الجائحة فإن ذلك سيدمّر عائلات بأسرها."

في الأسبوع الماضي، استأنف زوجها عمله في مصنع التّقطير وهو يعمل ليلا دون أيّ حماية.

"لا أعرف بالضبط تحت أيّ ظروف يعمل وما إذا كان هذا معقولاً".

  لتلبية احتياجات عائلتها في حالة استمرار هذا الوضع، تضع ليلى الأشياء في منظورها ضاحكة: "علبة من الطماطم المركّزة، علبة من الهريسة، بعض التّوابل من أجل طبق من المعكرونة و ها نحن ذا على قيد الحياة!"