شارك



بــيّـــة: العمل عن بعد في الحجر الصّحّي، 1100 دينار في الشّهر

10 جوان 2020 |
في العادة، تقضي بيّة أيّامها خلف شاشة الحاسوب في مكتبها، و سمّاعة الهاتف في يدها، تحدّد المواعيد الواحد تلو الآخر. مع الإعلان عن الحجر الصّحّي الشّامل توقّيّا من وباء كوفيد-19، اضطرّت بيّة للعمل عن بعد و انتهزت الفرصة للعودة إلى منزل والديها قرب نابل. "لم أرد البقاء وحدي في الاستوديو الخاصّ بي. هنا، يمكنني الاستمتاع بعائلتي أثناء العمل.

ابنة لمعلّمة و رجل أعمال، كانت بيّة تطمح لمهنة أكثر ابداعا. بناءً على قدراتها في الرّسم و التّصوير الفوتوغرافي، قرّرت مغادرة منزل العائلة بمجرّد حصولها على شهادة الباكالوريا لدراسة التّصميم في العاصمة. 

غير أنّ التّكوين لم يلبّ توقّعاتها و تركت الدّراسة بعد سداسيّ واحد لتبدأ في تعلّم اللّغة الألمانيّة بهدف الذهاب إلى ألمانيا. تقول الشّابّة: "في ذلك الوقت، كان لديّ العديد من الأصدقاء الذين كانوا سيدرسون في الخارج. أقنعت نفسي أنّه بالسفر لألمانيا سأؤمّن لنفسي مستقبلا أفضل".

بدعم من والديها، نجحت في استكمال كلّ الخطوات اللّازمة. و مع ذلك، عندما حان وقت المغادرة، تراجعت عن قرارها. تقول بيّة دون أيّ شعور بالنّدم : "كنت أبلغ من العمر 19 عاما فقط، و لم أجرؤ على الذّهاب. كنت خائفة من العيش بعيدا عن عائلتي".

تتذكّر بيّة الفترة الصعبة التي مرّت بها بعد ذلك: "أحسست بالضّياع تماما، لم أكن أدري إلى ماذا أتّجه."بناءً على بنصيحة والدها، انضمّت في نهاية المطاف إلى دورة إدارة الأعمال في جامعة ناطقة باللّغة الإنجليزيّة في العاصمة. "كان من المهمّ جدًا بالنسبة لي اختيار مسار عامّ يفتح الكثير من الأبواب. اتّضح في الأخير أنه الخيار الأصوب ".

بعد التحصّل على الإجازة، عادت بيّة إلى نابل في انتظار العثور على وظيفة. لكن في منزل والديها سرعان ما شعرت بالملل. "كان لي أصدقاء في تونس، كنت معتادة على الخروج و الحركة… أخبرني والدي أن أتحلّى بالصّبر و أنّه سيساعدني في الحصول على وظيفة ما.. غير أنّي لم أعد أريد الانتظار، أردت إيجاد عمل مهما كان الثّمن!"

بعد شهرين فقط من البحث، تحصّلت بيّة على وظيفتها الأولى في مركز لغات بتونس العاصمة.

  "لقد كنت محظوظة جدّا. بصفة عامّة، إذا لم يكن لديك واسطة فسوف تتعذّب."   

تعمل بيّة هناك منذ ستّة أشهر كـ"مسؤولة حرفاء". تشمل مهامّها الوساطة بين الطلبة و الأساتذة و الأستاذات، برمجة الدّروس و الإمتحانات و تأمين متابعة الطّلبات و تقديرات التّكلفة كما تجمع الشّكاوى الوافدة و تدير دراسات استقصائيّة بشأن رضا العملاء.

بالنسبة لها، فإن الجانب العلائقي هو أكثر ما يجلبها في عملها إذ تقول "أتيحت لي الفرصة للتّعامل مع الأولياء و التّلاميذ و مقابلة الأساتذة من كلّ الجنسيّات وهذا دفعني للخروج من خجلي واكتساب ثقة في نفسي". ومع ذلك، تأسف بيّة من وجود "ضغط كبير و قليل من العرفان".

في إطار هذه الوظيفة الأولى، استفادت بيّة من عقد SIVP (عقد الإعداد للحياة المهنيّة). بهذه الصّيغة، تكسب 1100 دينار شهريّا منها 900 دينار تدفعها الشّركة و 200 دينار من قبل الدّولة.

  غير أنّها تؤكّد بامتعاض أنّه : " هكذا يجب أن تكون الأمور نظريّا، و لكنّني لم أتحصّل سوى على دفعة واحدة من الدّولة !"  

تعمل بيّة 40 ساعة في الأسبوع من الاثنين إلى الجمعة و "عادة كلّ ثالث يوم سبت". كما تضيف : "نظرا لأنّا نفتقر لمندوب مبيعات، فإنّ معدّل التّناوب أصبح أكثر تكرارا حيث نعمل الآن يوم سبت واحد كلّ أسبوعين".

منذ أن انتقلت للعيش في العاصمة، أصبحت بيّة لا تتردّد في الخروج مع أصدقائها و تذهب بانتظام إلى قاعة الرّياضة وصالون التّجميل. غير أنّها خلال الحجر الصّحّي الذي قضّته في نابل، انخفضت بعض نفقاتها.

فيما يلي لمحة عامّة عن مداخيلها و مصاريفها : 

بعد تعيينها، انتقلت بيّة مع عمّتها قبل أن تعثر على استوديو للكراء في العوينة بمساعدة من والدها. "بما أنّه يعرف المالك فإنّ الإيجار يكلّف 450 دينارا فقط و إلّا فإنّه كان سيكلّف أكثر…" يتكفّل والدها بدفع الإيجار و الفواتير وعليها ببساطة أن تدفع 25 دينارا شهريّا مقابل اشتراكها في الهاتف الذي تستخدمه أيضا للإنترنت.

تضيف بيّة :" والدي أهدى لي سيّارتي وهو الذي يتكفّل بمصاريف التأمين". وتستخدمها للذهاب للعمل والخروج مع الأصدقاء و زيارة عائلتها كل أسبوعين. و تمثّل تنقّلاتها اليوميّة حوالي 250 دينارا شهريّا.

تقوم بيّة عادة بالتسوّق في المغازات وتنفق حوالي 100 دينار في الأسبوع. كما تحاول إحضار وجباتها للعمل لتجنّب تناول الغداء في الخارج، مفضّلة الاحتفاظ بأموالها للترفيه.

تتمتّع بيّة بطبيعة اجتماعيّة و تحبّ قضاء الوقت مع أصدقائها. تخرج من مرة إلى ثلاث مرات في الأسبوع سواء للمطعم أو المقهى أو السينما وتنفق حوالي 250 دينارًا شهريًا، يضاف عليها اشتراك شهري في قاعة الرّياضة يكلّفها 150 دينارًا. وتصرّ على أنّ "الرّياضة مقدّسة بالنّسبة لي. أحاول أن أذهب كلّما أمكنني ذلك لأنني أحتاج حقًا للتّرويح عن نفسي بعد العمل".

تحبّ بيّة الإعتناء بنفسها و بملابسها، و تخصّص على الأقّلّ 150 دينار شهريا لشراء الملابس. منذ بدأت العمل، لم تعد تجد الوقت الكافي للذهاب إلى أسواق الملابس المستعملة. "هنا أيضا والدي هو الذي يساعدني. فهو يتابع العروض التّرويجية للعلامات التّجاريّة الكبرى على المواقع الفرنسيّة ويجلبها إلى تونس لجميع أفراد الأسرة". حتّى خلال الحجر الصّحّي، لم تحرم بيّة نفسها من طلب الملابس عبر الإنترنت في انتظار أن يجلبها أقاربها الذين/اللّواتي يعيشون/ـن في فرنسا لاحقا.

و أخيرا، فيما يتعلّق بالجمال و الرّفاهيّة، فإنّ بيّة لا تتردّد في شراء مساحيق التّجميل بأنواعها و إزالة شعر جسدها في مراكز مختصّة. و تقول بابتسامة تعلو محيّاها : " أنفق 100 دينار شهريّا… أعرف جيّدا كيف أرضي نفسي و لكنّني أعدّل مصاريفي وفقا لما بقي لي في حسابي البنكي".

بعد أن عادت حذو والديها أثناء الحجر الصّحّي، انخفضت نفقات المرأة الشابّة بشكل كبير: لا مزيد من الخروج مع أصدقائها، لا مزيد من الرّعاية في صالون التّجميل ولا مزيد من الرّياضة. اقترحت على والديها المساهمة في نفقات الأسرة ولكنّهما رفضا ولم تعد تنفق أي شيء على حاجيات المنزل. هذه الوضعيّة تسمح لها بتوفير أموالها ولكن بيّة تعرف نفسها و تعلم أنّها ستنفقها سرعان ما يعود الوضع إلى طبيعته.

فيما يلي تفاصيل مداخيلها و نفقاتها الشّهريّة :

المنطقة الرّماديّة

رغم تخرّجها و توظيفها، مازالت بيّة تعتمد على والديها لترقيع الفارق في نفقاتها خاصّة بالنّظر لدفوعات الدّولة العشوائيّة و غير المنتظمة. تعتبر بيّة نفسها ممتنّة جدّا لعائلتها التي تدعمها في رحلتها. "دون والدي، لا أعرف كيف كنت سأتصرّف !"

لتجنب البقاء بمفردها في الاستوديو الخاص بها، اختارت العودة إلى عائلتها في نابل، حيث تواصل العمل عن بعد. مع الإغلاق المؤقت لمركز اللغات في مارس، اضطرّت هي وزملاؤها وزميلاتها لمواجهة قدر كبير من العمل. "بين إلغاء الدورات وإعداد الدّروس الافتراضية، كان علينا التّعامل مع جميع الحرفاء في آن واحد". رغم انخفاض النّشاط بشكل ملحوظ منذ ذلك الحين تقول مازحة "ليس هناك فرصة للرّاحة حيث تتّصل بي رئيستي في العمل عدّة مرّات في اليوم".

تعتبر الشابّة نفسها محظوظة وتدرك أن الأزمة لم يكن لها أيّ عواقب ضارّة على نمط حياتها. "يؤلمني التّفكير في كلّ أولئك النّاس الّذين لا يستطيعون تلبية حاجياتهم. الأمور صعبة في الأوقات العادية، فما بالك في الوضع الحاليّ ...".

"هنا، إذا لم تعمل، فسوف تتضور جوعًا!"

المستقبل

بعد هذه الفترة الطّويلة من الحجر الصّحّي، تحتفظ بيّة قبل كلّ شيء بالخلاصة التي استنتجتها حاليّا من تجربتها المهنيّة. بالنّظر إلى هذه الوظيفة الأولى كنقطة انطلاق فإنّها تخطّط لإعادة االتّفكير في هدفها الأوّل: الذّهاب إلى أوروبا و مواصلة دراستها هناك.   

  "في تونس، هناك دائما فكرة أنّ الشّخص الذي درس بالخارج هو الأكثر كفاءة".  

تقول بيّة بكلّ ثقة: "لدى العديد من الجامعات التونسية شراكات مع إسبانيا. ربما يمكنني أن أتحصّل على درجة الماجستير في برشلونة... أو ربّما ذات يوم يمكنني إنشاء مشروعي الخاص، من يدري؟ على كلّ حال يشجّعني والدي في هذا الاتّجاه وقد طمأنني بالفعل أنه سيساعدني".