المؤتمر السابع لنقابة الصحفيين التونسيين: تحت شعار "الصحافة ليست جريمة"

اختُتمت مساء الأحد 11 أكتوبر 2026 بتونس العاصمة أشغال المؤتمر السابع للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والتاسع والعشرين للمهنة، بعد يومين من النقاش والتصويت تحت شعار "الصحافة ليست جريمة". وأفرز المؤتمر مكتبًا تنفيذيًا جديدًا تصدّره الرئيس المتخلّي زياد الدبار بـ336 صوتًا. وقد انعقدت هذه المحطة النقابية في ظرف دقيق يشهد فيه القطاع تصاعدًا في الملاحقات القضائية للصحفيين وتفاقمًا للأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالمؤسسات الإعلامية، فجاءت أشغاله أقرب إلى وقفة وطنية للدفاع عن حرية التعبير منها إلى استحقاق تنظيمي عادي.
بقلم | 13 أكتوبر 2026
10 دقائق

مكتب تنفيذي جديد بتسعة أعضاء

تنافس خمسة عشر مترشحًا على عضوية المكتب التنفيذي، وأسفرت الانتخابات، التي أُجريت وفقًا للقانون الأساسي للنقابة ونظامها الداخلي، عن تصدّر زياد الدبار النتائج بـ336 صوتًا، ليتولى رئاسة المكتب التنفيذي. وحلّت جيهان اللواتي ثانيةً بـ299 صوتًا، وتولت أمانة المال، تلاها أمين الضبايبي بـ290 صوتًا، الذي أُسندت إليه مهمة العضو المكلّف بالشؤون الاجتماعية، ثم عادل الرياحي بـ265 صوتًا، الذي تولّى مهمة العضو المكلّف بالنظام الداخلي.

وتقاسمت سوار عمايدية، المكلّفة بالعلاقات الخارجية، وحبيبة العبيدي، نائبة الرئيس، المرتبتين الخامسة والسادسة بـ263 صوتًا لكلّ منهما. وحلّ عبد الرؤوف بالي سابعًا بـ255 صوتًا، ليتولى مهمة العضو المكلّف بالشؤون المهنية والقانونية، يليه كريم وناس بـ242 صوتًا، المكلّف بالثقافة والاتصال والعلاقة مع المجتمع المدني. أمّا بشرى السلامي، التي تحصّلت على 241 صوتًا، فكانت آخر الفائزين بعضوية المكتب التنفيذي، وتولّت مهمة العضو المكلّف بالتطوير المهني والتدريب والسلامة المهنية.

وإلى جانب الأعضاء القارّين، انتخب المؤتمرون أربعة أعضاء مناوبين، هم عواطف الجبالي بـ222 صوتًا، ونور الدين أحمد بـ216 صوتًا، وسليم بوخذير بـ160 صوتًا، ونادرة بن رجب بـ95 صوتًا.

وبلغ عدد أوراق التصويت 521 ورقة، أُلغيت منها 21 ورقة، ليستقرّ عدد الأصوات الصحيحة عند 500 صوت. 

"الحرية معركة لا تنتهي بانتهاء العهدة"

في كلمته الافتتاحية، التي ألقاها بحضور ممثلي المنظمات الوطنية والهيئات المهنية والحقوقية والنقابية وعدد من نواب البرلمان، أكّد زياد الدبار أنّ " معركة الدفاع عن حرية الصحافة وكرامة الصحفيين لا تنتهي بانتهاء عهدة انتخابية". ودعا إلى أن يكون المؤتمر محطة جديدة لتعزيز وحدة الصحفيين وتوسيع دائرة التضامن دفاعًا عن صحافة مهنية حرة ومستقلة، وعن حق كلّ تونسي في الإعلام.

ورأى دبار أنّ هذا الموعد لا يُعدّ شأنًا قطاعيًا، بل لحظةً لتجديد الالتزام بحرية الصحافة واستقلالية المهنة والعمل النقابي، مؤكدًا أنّ " الصحافة الحرة ليست امتيازًا للصحفيين، وإنما هي حق للمجتمع كله". وأوضح أنّ استقلالية الإعلام لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن استقلالية الصحفي وضمان حقوقه المهنية والاجتماعية، ولا سيما في ظل الأزمات الاقتصادية التي تمرّ بها مؤسسات إعلامية عديدة. وجدّد في هذا السياق الدعوة إلى إطلاق سراح الصحفيين مراد الزغيدي وبرهان بسيّس وزياد الهاني ومحمد اليوسفي.

وشدّد رئيس النقابة على استقلالية الهيكل عن كلّ المساعي الرامية إلى "تحويله إلى أداة أو جهة لأي طرف"، غير أنه نبّه إلى أنّ الاستقلالية لا تعني العزلة، إذ أثبتت التجربة أنّ حماية حرية الصحافة تحتاج إلى أوسع تحالف مدني واجتماعي، وهو ما تجسّده الشراكات التي أرستها النقابة مع المنظمات الوطنية والهيئات الحقوقية. وختم بالتأكيد على أنّ " النقابة ليست أشخاصًا ولا مكاتب متعاقبة، وإنما هي البيت المشترك لأجيال من الصحفيين"، داعيًا إلى نقابة تتّسع للاختلاف، وتنفتح على الأجيال الجديدة، وتحافظ في الآن ذاته على ثوابتها واستقلالية قرارها.

حرية الصحافة ومساءلة السلطة: مواقف مساندة من المحاماة والبرلمان

وفي الاتجاه ذاته، أكّد عميد الهيئة الوطنية للمحامين بوبكر بالثابت مساندة قطاع المحاماة للصحفيين وللتضحيات التي يبذلونها من أجل صحافة حرة ومستقلة، معتبرًا أنه لا وجود لمجتمع ديمقراطي دون صحافة تتوفّر لها الظروف الملائمة للاضطلاع بدورها. كما أشاد بمستوى الكفاءات التونسية في مجال الإعلام، وطنيًا وعربيًا وفي المؤسسات الأممية والدولية.

ومن جهته، اعتبر النائب ثابت العابد، رئيس لجنة الحقوق والحريات بمجلس نواب الشعب، أنّ الدفاع عن حرية الصحافة مسؤولية عامة، وأنّ تولّي المناصب يقتضي حتمًا قبول حق الصحافة في النقد، لأنّ المنصب يمنح صاحبه سلطة القرار ويضعه في الوقت نفسه تحت المساءلة والرقابة. وأبرز مسؤولية البرلمان في مراجعة النصوص التشريعية، والاستماع إلى المعنيين بها، وفتح نقاش علني حول ما يستوجب الإصلاح، محذّرًا من أنّ تهميش دور الصحفي وتعطيل أدواته يُضعفان قدرة الدولة نفسها على معالجة مشاكلها. وعبّر العابد عن تضامنه مع الصحفيين الموقوفين، داعيًا إلى الإفراج عنهم واحترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة، ومؤكدًا أنّ " كلّ إيقاف يطال إنسانًا يجب أن تحكمه الضرورة والضمانات والتناسب".

الحقوق والحريات معركة واحدة

ومن زاوية حقوقية، رأت رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات رجاء الدهماني أنّ المؤتمر ليس مجرد استحقاق تنظيمي لتقييم المسار وتجديد الهياكل، بل محطة نضالية لتجديد العهد مع حرية الصحافة وحق التونسيين في المعلومة والاختلاف. وانتقدت تتبّع الصحفيين بسبب مواقفهم أو عملهم في كشف الحقيقة، مؤكدة أنه " لا يمكن الدفاع عن حقوق النساء ومواجهة العنف والتمييز والإفلات من العقاب في ظل إعلام يخشى كشف الحقيقة".

واستحضر الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل صلاح الدين السالمي العلاقة التاريخية التي تربط المنظمة الشغيلة بنقابة الصحفيين منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى أنّ هذه العلاقة تكرّست مؤخرًا بتوقيعهما على البيان المشترك الصادر عن عدد من المنظمات والجمعيات، والذي دعا إلى تنظيم مسيرة اجتماعية سلمية يوم 17 أكتوبر الجاري. وانتقد السالمي ما وصفه بغياب الحوار مع الاتحاد بشأن عدد من الإضرابات الأخيرة، على غرار إضرابي قطاعي البنوك والمناجم، مؤكدًا استعداد الاتحاد للحوار، باعتبار أنّ الحق النقابي حق دستوري ومكسب تاريخي يرتبط بالدفاع عن سائر الحريات.

وتقاطع رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بسام الطريفي مع هذا الطرح، إذ أكّد أنه لا يمكن الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وكرامة المواطن وقوته اليومي دون صحافة حرة ومستقلة، معتبرًا أنّ المعركة من أجل الحقوق والحريات معركة واحدة تهمّ كلّ فئات المجتمع، وأنّ الظرف الراهن يفرض وحدة الصف والعمل المشترك. وشاطره الرأي رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أيوب الغدامسي، الذي وصف المؤتمر بأنه محطة وطنية وليس شأنًا نقابيًا خاصًا، داعيًا إلى تحسين أجور الصحفيين والحدّ من التشغيل الهشّ، وتجنّب غلق المؤسسات الإعلامية وتسريح العاملين فيها.

وشملت الكلمات الافتتاحية كذلك الأمين العام للاتحاد العام لطلبة تونس، وممثلين عن اللجنة الوطنية للدفاع عن نشطاء أسطول الصمود والحق الفلسطيني، وحركة " Stop Pollution"، والمنظمة التونسية للأطباء الشبان، إضافة إلى كلمتين مسجّلتين للأمين العام للاتحاد الدولي للصحفيين أنطوني بيلانجر ونقيب الصحفيين الفلسطينيين ناصر أبو بكر. وقد أجمع المتدخلون على دعم النقابة في دفاعها عن الحريات عمومًا وحرية الصحافة بشكل خاص.

محمد اليوسفي، حاضر من وراء القضبان

وجه الصحفي السجين محمد اليوسفي رسالة من سجن المرناقية بتاريخ 8 أكتوبر لزملائه وزميلاته الصحفيين والصحفيات. 

إذ وصف اليوسفي الظرف الذي ينعقد فيه المؤتمر ببالغ الصعوبة، تتراجع فيه الضمانات الديمقراطية وتتّسع دائرة التضييق على الأصوات المستقلة، عبر الملاحقات القضائية وحملات التشويه والتحريض. ولفت إلى أنّ عددًا من الصحفيين باتوا خلف القضبان، فيما اضطر آخرون إلى مغادرة البلاد، مؤكدًا أنّ الإعلام العمومي "ليس ملكًا للحكومة، بل هو مرفق للمجتمع" يستمدّ مشروعيته من المال العام.

وروى اليوسفي مشهدًا قال إنه آلمه وهو في سجنه زميلة شابة كانت تقدّم النشرات الإخبارية وتحاور المسؤولين، فإذا بها تعرض الأواني المنزلية ومواد التجميل للبيع. ووصف المشهد بـ"الكافكاوي"، لا لأنّ في العمل الشريف ما ينتقص من الكرامة، بل لأنه يختزل واقعًا يهمّش الكفاءات ويدفع الصحفيين، طوعًا أو اضطرارًا، إلى مغادرة المهنة، بما يهدّد الصحافة ذاتها ويحوّل الصحفي إلى مجرد ناقل للتعليمات.

وتمسّك اليوسفي ببراءته في قضية وصفها بالكيدية، معربًا عن أسفه لغيابه عن مؤتمر النقابة لأول مرة منذ سنة 2011، حين استعادت النقابة استقلالية قرارها بانتخاب الراحلة نجيبة الحمروني على رأسها. ووجّه الشكر إلى المكتب المتخلّي برئاسة زياد دبار على دفاعه عن صحفيي موقع "الكتيبة" وعنه شخصيًا، قبل أن يختم رسالته بعبارة تردّد صداها في القاعة: "فاستقلالية الخط التحريري شرف لا أدّعيه، وجريمة لا أنكرها".

أولويات اللائحة المهنية العامة الصادرة عن المؤتمر

تواجه الصحافة التونسية، خلال السنوات الأخيرة، تحديات متزايدة مرتبطة بالملاحقات القضائية للصحفيين·ـات وتعدد النصوص القانونية التي تستخدم في قضايا تتصل بحرية التعبير والعمل الصحفي. وتشمل هذه النصوص الفصل 86 من مجلة الاتصالات، والمرسوم عدد 54 لسنة 2022، إلى جانب أحكام من المجلة الجزائية وقانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال. وقد أثار تطبيق بعض هذه النصوص نقاشًا بشأن مدى توافقها مع ضمانات حرية الصحافة والتعبير، خاصة في القضايا المتعلقة بالنشر والعمل الصحفي.

وتندرج هذه الإشكاليات ضمن جملة من الانشغالات المهنية التي عبّر عنها الصحفيون·ـات خلال المؤتمر، والتي شملت أيضًا ظروف ممارسة المهنة وما يرتبط بها من تهديدات ومخاطر على السلامة الشخصية والمهنية.

تجسدت المطالب المهنية والاجتماعية للصحفيين·ـات في اللائحة المهنية العامة الصادرة عن المؤتمر بتطرقها إلى  التدهور الخطير في واقع الحريات، ما يفرض على المكتب التنفيذي المنتخب التجند من أجل التصدي للتضييقات التي تقوم على الترهيب والمحاكمات والتهديد وتعريض سلامة الصحفيات والصحفيين إلى الخطر،  إضافة الى التتبعات القضائية والملاحقات البوليسية في حقهم على خلفية آرائهم ومواقفهم وادائهم لمهنتهم.

 "تخوض الصحافة التونسية معركة الوجود والبقاء في هذا السياق السياسي دفاعا عن حريتها وإستقلاليتها ضد كل أشكال الهيمنة". 

-عن اللائحة المهنية العامة للمؤتمر

في هذا السياق، يعتبر الصحفي في جريدة الشعب الصادرة عن الاتحاد العام التونسي للشغل، صبري الزغيدي، أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تكامل تام مع الحقوق السياسية لضمان حرية العمل الصحفي ونجاعته، مشيرا الى ان تنفيذ قرار الإضراب العام يرتبط بموازين القوة وتجاوز ضعف التعبئة في المؤسسات الإعلامية ولاسيما العمومية منها التي تعاني " التدجين والمراقبة بسبب ارتفاع منسوب الخوف"، مما يستوجب تسبيق الإضراب بتحركات ميدانية ضاغطة ومُحرجة للسلطة باعتباره وسيلة للضغط والدفع نحو التفاوض وليس هدفا بذاته.

"تتطلب المرحلة القادمة ترسيخ البناء النقابي الداخلي عبر إعادة الاجتماعات العامة بالمؤسسات والجهات وتحقيق الترابط بين القيادة والقواعد عبر الوحدة بين أبناء القطاع وتجميع الصفوف بالتوازي مع تعزيز العمل المشترك والتنسيق مع باقي المنظمات ومكونات المجتمع المدني لمواجهة التضييقات".

وتتزامن هذه الملاحقات، في عدد من الحالات، مع حملات تشهير وانتقادات على شبكات التواصل الاجتماعي تستهدف للصحفيين·ـات على خلفية أعمالهم أو مواقفهم المهنية. وقد تساهم هذه الحملات في التأثير على صورتهم لدى الرأي العام، قبل صدور أحكام قضائية في القضايا المتعلقة بهم، بما يطرح تساؤلات حول احترام قرينة البراءة وظروف ممارسة العمل الصحفي. وفي هذا السياق، تبرز تحديات تتعلق بضمان استقلالية الصحافة وحماية الصحفيين·ـات، إلى جانب مراجعة الإطار القانوني المنظم للمهنة. وهي ملفات تندرج ضمن أبرز القضايا المطروحة أمام المكتب التنفيذي الجديد للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين.

وفي هذا الإطار، تمثلت المطالب الواردة في اللائحة في الدعوة الى وقف العمل بالقوانين والمراسيم المهددة للحريات وعلى رأسها المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والإتصال، وإيقاف التتبعات القضائية ضد الصحفيين على خلفية ادائهم لمهامهم. واعتبار تعديل المرسوم 54 من قبل رئاسة الجمهورية " تلاعبا" خاصة مع تواصل إحالة وسجن الصحفيات والصحفيين على معنى فصول زجرية أخرى.

كما شملت المطالب المتعلقة بالإطار التشريعي اعتماد المراسيم الخاصة بحرية الصحافة لمقاضاة الصحفيين والصحفيات ومحاسبتهم حصرا بالمرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، بالإضافة الى المرسوم عدد 116 لسنة 2011 المتعلق بتنظيم القطاع السمعي والبصري، إضافة إلى إعادة تفعيل دور الهيئات الوطنية المستقلة على غرار الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري (الهايكا) وهيئة النفاذ للمعلومة.

بين نتائج الصندوق ورسائل التضامن، يبدو أنّ المكتب التنفيذي الجديد يتسلّم مهامه أمام اختبار مزدوج يجمع بين الدفاع عن الصحفيين الملاحقين وتحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية من جهة، وصون استقلالية النقابة ووحدتها في ظرف عام مشحون من جهة أخرى.

Inkyfada Landing Image

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول