من استدعاء إذاعي إلى الاحتفاظ
مساء 4 سبتمبر 2026، كان محمد اليوسفي متوجهاً إلى مقر إذاعة «إكسبراس أف أم» للمشاركة في برنامج حول أزمة المياه في تونس، عندما أوقفته فرقة أمنية واقتادته إلى إدارة الجرائم المالية المتشعبة ببنعروس التابعة للحرس الوطني.
وبإذن من القطب القضائي الاقتصادي والمالي، تقرر الاحتفاظ به على ذمة البحث. ويأتي ذلك بعد تحرك قضائي بدأ في اليوم نفسه، وفق الوثائق الرسمية المتعلقة بالملف.
يكشف الإقرار في إجراء بحث المؤرخ في 4 سبتمبر 2026، عن وجود ما وصفته النيابة بـ«معلومات متواترة ومعطيات متظافرة» بشأن شبهات تتعلق بمحمد اليوسفي.
وتتضمن الوثيقة إشارات إلى شبهات اندماجه في تنظيم يُشتبه في اعتياده غسل الأموال وتلقي تمويلات من جهات أجنبية، إضافة إلى شبهات تتعلق بالتهرب الجبائي والإثراء غير المشروع. لكن الوثيقة لا تكتفي بذكر هذه الشبهات، بل تسوق مجموعة من المعطيات التي اعتُبرت أساساً لفتح البحث.
من بين هذه المعطيات، يستعرض التقرير المسار المهني لمحمد اليوسفي، مشيرا إلى عمله في عدد من المؤسسات والمنصات الإعلامية، من بينها موقع «الكتيبة»، وإذاعة «الديوان»، و«حقائق أون لاين»، وجريدة «المساء»، وقناة «قرطاج +»، إضافة إلى معهد الصحافة وعلوم الإخبار.
منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي كانت منطلقا لفتح البحث
تستند الوثيقة، في ما يتعلق بالمعطيات المرتبطة بالوضع المالي لمحمد اليوسفي، إلى تدوينة نشرتها الصحفية السيدة الهمامي بتاريخ 31 أوت 2026، قبل أقل من أسبوع من إيقاف الصحفي، تضمنت اتهامات "لمجهول" بالحصول على تمويلات من أطراف سياسية، من بينها حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي.
كما يشير التقرير إلى تعليق منشور على حساب يحمل اسم «حسان جربوعي»، تحدث صاحبه عن «تنامي ثروته» وامتلاكه، وفق ما ورد في التعليق، لعقارات وهنشير زيتون في منزل شاكر بصفاقس.
لا يرد اسم محمد اليوسفي صراحة في أي من النصين. كما لا يوضح التقرير الأساس الذي استند إليه في ربط المنشور والتعليق بالصحفي، ولا يورد معطيات مستقلة أو إجراء محددا يبين كيفية تحديد هوية الشخص المقصود فيهما.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة بالنظر إلى خطورة الأفعال التي أُسندت إلى اليوسفي في التكييف القانوني للملف، والتي تشمل، من بين أمور أخرى، الإثراء غير المشروع وغسل الأموال وأفعالا مرتبطة بقانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال.
غير أن الوثيقة التي اطلعت عليها إنكفاضة لا تورد، في ما يتعلق بادعاءات الإثراء الشخصي ومصادر التمويل، إلى جانب هذه المنشورات، معطيات مالية أو سجلات ملكية أو نتائج تدقيق أو وثائق إدارية تثبت حصول اليوسفي على أموال أو ممتلكات بطريقة غير مشروعة. كما لا تتضمن، في هذا الجزء منها، معطيات مستقلة صادرة عن جهة مختصة تسند ما ورد في المنشورات.
وبالتالي، فإن إحدى النقاط اللافتة في الملف تتعلق بطبيعة الأساس الذي بُنيت عليه هذه الشبهات، أي اتهامات بالغة الخطورة تتعلق بالثروة والتمويل وغسل الأموال، في مقابل معطيات أولية مصدرها منشورات وتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويشمل التكييف القانوني الوارد في الوثائق فصولا تتعلق بتكوين وفاق، وغسل الأموال، والإثراء غير المشروع، وغيرها من الأفعال التي لا يثبت قيامها بمجرد إثارة الشبهة، وإنما يتطلب الأمر إثبات عناصرها المادية والقانونية وفقاً للقانون.
"النيابة العمومية تعهدت في هذا الملف بصفة مباشرة وبني هذا الملف على جملة من التخمينات والاستنتاجات, وردت في تقرير يتيم يتكون من ورقتين هو منطلق الابحاث وكلنا رأينا سرعة تحضير الملف… في غضون سويعات يتم اختطاف محمد اليوسفي من مقر اكسبراس اف ام".
الأستاذة هالة بن سالم، عضوة في هيئة الدفاع عن محمد اليوسفي.
«حالة التلبس»
تتضمن الوثيقة التي استند إليها فتح البحث في قضية محمد اليوسفي مجموعة من التكييفات القانونية الثقيلة. فقد أحيل الملف، وفق ما ورد فيها، على فصول من المجلة الجزائية، من بينها الفصلان 131 و132 المتعلقان بتكوين وفاق قصد الاعتداء على الأشخاص والأملاك، إلى جانب فصول من القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، والقانون عدد 46 لسنة 2018 المتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح ومكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح.
وتربط الوثيقة هذه الأفعال بما تعتبره مساساً بـ«السلم الاجتماعي والأمن العام»، كما تصفها بأنها ذات «صبغة مستمرة». وبناءً على هذا التوصيف، تخلص إلى أن مرتكبها يكون، وفق صياغتها، في «حالة تلبس دائمة».
ويعرّف الفصل 33 من مجلة الإجراءات الجزائية الجريمة المتلبس بها بأنها الجريمة التي تكون مباشرة الفعل فيها حاصلة في الحال أو قريبة من الحال، كما يحدد القانون حالات أخرى يمكن أن تُعامل فيها الجريمة معاملة الجريمة المتلبس بها. وتترتب عن حالة التلبس آثار إجرائية خاصة، تسمح للضابطة العدلية بمباشرة إجراءات عاجلة وفق الشروط التي يضبطها القانون.
وفي ملف اليوسفي، لا تستند الوثيقة إلى واقعة آنية محددة لتوصيف الحالة بأنها تلبس، وإنما تربط ذلك بالطابع «المستمر» للأفعال التي تقول إنها محل البحث. ومن ثم، فإن وصف «حالة التلبس الدائمة» الوارد في الوثيقة يمثل تكييفاً قانونياً اعتمدته الجهة التي حررت التقرير لتبرير الإجراءات المتخذة، ولا يعني في حد ذاته ثبوت الأفعال المنسوبة إلى اليوسفي.
من جهتها، اعتبرت المحامية هالة بن سالم، في حديثها إلى إنكفاضة، أن اعتماد حالة التلبس في قضية محمد اليوسفي « مسقَط» ولا يستند، بحسب تقديرها، إلى أساس قانوني. وترى بن سالم أن منطلق القضية نفسه لا يبرر هذا التكييف، باعتبار أن البحث، وفق ما اطلعت عليه هيئة الدفاع، انطلق من منشور على فايسبوك وتعليق آخر على المنصة نفسها، وليس من معاينة فعل إجرامي في حال وقوعه أو عقب وقوعه مباشرة.
وبحسب المحامية، فإن وصف الأفعال بأنها ذات «صبغة مستمرة» لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات توافر شروط التلبس، ولا سيما عندما يكون أساس البحث منشورات وتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي. وتتمسك هيئة الدفاع، وفق ما صرحت به بن سالم، بأن حالة التلبس المعتمدة في الملف تفتقر إلى السند القانوني الذي يبررها.
تدهور حالته الصحية أثناء التحقيق
بالتزامن مع مواصلة الإجراءات القضائية، تدهورت الحالة الصحية لمحمد اليوسفي أثناء وجوده بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي، الثلاثاء 8 سبتمبر 2026، وفق ما أعلنت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين نقلاً عن هيئة الدفاع عنه. إذ أن الصحفي تعرض ليلة إيقافه إلى تدخل جراحي عاجل.
وأفادت النقابة إن اليوسفي لم يتمكن، أثناء وجوده بالقطب، من الحصول على الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية التي تقتضيها حالته الصحية. وبحسب ما نقلته عن هيئة الدفاع، فإن الفرقة الأمنية التي تولت استجلابه من المستشفى لم تحمل معها الأدوية والمستلزمات الصحية اللازمة، وهو ما حال، وفق الرواية نفسها، دون مواصلة علاجه في الظروف التي يحتاجها.
وتحمّل النقابة الجهات المسؤولة مسؤولية الوضع الصحي للصحفي، معتبرة أن مواصلة التحقيق معه في ظل عدم حصوله على العلاج الذي يحتاجه تطرح مسألة ضمان سلامته الجسدية وحقه في الرعاية الصحية.
وكانت هيئة الدفاع قد أفادت في وقت سابق بأن الأوجاع التي يعاني منها اليوسفي اشتدت أثناء وجوده بالقطب، ما استدعى معاينته من قبل طبيب تابع للحماية المدنية. كما قالت إن الطبيب وصف له أدوية، واضطر عدد من أعضاء هيئة الدفاع إلى مغادرة المكان لاقتناء الأدوية الموصوفة.
أفادت المحامية ليلى حداد في تدوينة أنه تعذر مواصلة استنطاق الصحفي محمد اليوسفي بسبب تدهور حالته الصحية رغم حضور الحماية المدنية والقيام باجراءات اسعافه بحضور طبيبة التي طلبت وجوب نقله بصفة عاجلة للمستشفى. كما تعذر على السحفي الرجوع لمكتب قاضي التحقيق الذي اتخذ في شأنه اصدار بطاقة ايداع بالسجن رغم عدم استكمال استنطاق وترافع هيئة الدفاع.
وبحسب الهيئة، وصلت حالة اليوسفي إلى حد الصراخ من شدة الألم. ولا تتوفر، في المعطيات المتاحة، تفاصيل طبية مستقلة حول طبيعة الأعراض التي يعاني منها أو التشخيص الذي خلص إليه الطبيب، كما لم يتضح ما إذا كان قد خضع لفحوصات أو متابعة طبية إضافية.
أفادت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، نقلا عن هيئة الدفاع، بأن البطاقة صدرت « دون استكمال استنطاق محمد اليوسفي، ودون تمكين هيئة الدفاع من تقديم مرافعاتها، وفي غياب الصحفي نفسه»، وبأن المحامين رفضوا الإمضاء على المحضر. واعتبرت النقابة أن هذه الوقائع، إن تأكدت، « تمثل مساسا خطيرا بجوهر حقوق الدفاع وبالضمانات الأساسية»، وطالبت بمراجعة بطاقة الإيداع وبفتح تحقيق مستقل في الخروقات الإجرائية.
اتساع دائرة التضامن مع اليوسفي
لم تقتصر ردود الفعل على إيقاف محمد اليوسفي على البيانات النقابية، إذ شهدت القضية تحركات تضامنية من صحفيين ومدافعين عن حرية الصحافة، داخل تونس وخارجها.
بتاريخ الثلاثاء 8 سبتمبر 2026، تجمع عدد من الصحفيين·ات والمدافعين·ات عن حرية الصحافة أمام القطب القضائي الاقتصادي والمالي، للتعبير عن تضامنهم مع محمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع «الكتيبة»، والمطالبة بضمان حقوقه وسلامته خلال فترة احتجازه.

وفي آخر تطورات القضية، أعلنت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في بيان بتاريخ 9 سبتمبر 2026 أن السجن المدني بالمرناقية رفض التأشير على بطاقة الزيارة التي سلّمها قاضي التحقيق لزوجة محمد اليوسفي، ما حال، وفق النقابة، دون تمكينها من زيارته في المستشفى وتسليمه ملابسه وأدويته وأكله.
واعتبرت النقابة أن بطاقة الإيداع بالسجن " تقيّد حرية الشخص ولا تسلبه حقوقه الأساسية"، مؤكدة أن منع الزيارة والحصول على المستلزمات الضرورية لا يستند، بحسب تقديرها، إلى موجب قانوني. وطالبت الهيئة العامة للسجون بالسماح فوراً لزوجته بزيارة اليوسفي وتمكينه من حقوقه الأساسية، كما جدّدت دعوتها إلى قاضي التحقيق للإفراج عنه وإيقاف التتبعات في حقه، معتبرة أن الملف يرتبط بممارسة العمل الصحفي وحرية التعبير.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواصل فيه القضاء النظر في ملف تتعلق التهم الواردة فيه بغسل الأموال والإثراء غير المشروع وتكوين وفاق، بينما تظل الوقائع المنسوبة إلى اليوسفي وملابساتها محل بحث وتحقيق.

