مخطط التنمية 2030: يوتوبيا "التعويل على الذات" في مواجهة إكراهات الواقع

يرسم مخطط التنمية 2026-2030 ملامح تونس التي تريد أن "تعوّل على ذاتها": دولة تستثمر أكثر، واقتصاد أكثر سيادة، وجهات أقل تهميشًا. لكن خلف هذه اليوتوبيا التنموية يقف واقع أكثر صعوبة: مالية عمومية مثقلة، موارد محدودة، واستثمارات تتعثر قبل أن تصل إلى أرض الواقع.
بقلم | 28 أوت 2026
15 دقيقة

صادق مجلس نواب الشعب، يوم 10 جويلية 2026، على مشروع مخطط التنمية 2026-2030، بعد جلسة عامة خُصّصت لمناقشته بحضور وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ. وحصل المشروع على موافقة 64 نائبًا، مقابل احتفاظ 15 نائبًا بأصواتهم ورفض 24 آخرين.

قُدِّم المخطط باعتباره الوثيقة المرجعية التي ستؤطر السياسات العمومية والتوجهات الاقتصادية والاجتماعية للدولة خلال السنوات الخمس المقبلة. كما يُعدّ، وفق البرلمان، أول مخطط تنموي يُصاغ في ظل دستور 2022، ويعتمد منهج "التخطيط التصاعدي" الذي ينطلق من المستوى المحلي والجهوي قبل أن يُدمج في التخطيط الوطني.

ويأتي مخطط التنمية 2026-2030 في سياق اقتصادي واجتماعي يتسم بتراكم تحديات هيكلية، من بينها تباطؤ النمو، واتساع الفوارق التنموية بين الجهات، إلى جانب تراجع جودة عدد من الخدمات العمومية. إذ ينطلق المخطط ذاته من تشخيص يعتبر أن النموذج التنموي الذي اعتمدته تونس خلال العقود الماضية لم يعد قادرًا على الاستجابة لهذه التحولات، في ظل تعثر التنمية، واتساع الاقتصاد الموازي، وتراجع نجاعة المرفق العمومي.

في مقابل هذا التشخيص، يطرح المخطط مجموعة من التوجهات التي تقدمها السلطات باعتبارها أسسًا لنموذج تنموي جديد، يقوم على "التعويل على الذات"، وتعزيز "السيادة الوطنية"، و"إدماج مختلف الجهات والفئات الاجتماعية في الدورة الاقتصادية". كما يعلن عن توجه نحو تقليص الاعتماد على الأنشطة منخفضة القيمة المضافة، مع إعطاء أولوية "لاقتصاد المعرفة، والتحول الرقمي، والطاقات المتجددة"، بما يهدف إلى تعزيز قدرة الاقتصاد التونسي على مواجهة الصدمات الخارجية.

لكن، بعيدًا عن الأهداف التي يعلنها المخطط، تبرز جملة من الأسئلة حول كيفية ترجمة هذه الخيارات إلى سياسات قابلة للتنفيذ. فالمخطط يجمع بين أهداف طموحة، مثل "تعزيز دور الدولة في الاستثمار" و"تحسين الخدمات العمومية" و"تقليص الفوارق الجهوية"، وبين الالتزام ب"الحفاظ على التوازنات المالية" واستدامة المالية العمومية. هذا التداخل يجعل من مسألة التمويل، وأولويات الإنفاق، وقدرة الدولة على تنفيذ المشاريع المعلنة، من أبرز الرهانات التي ستحدد مآلات المخطط خلال السنوات الخمس المقبلة.

رؤية الخطة و نموذج التصعيد القاعدي

اعتمد مخطط التنمية 2026-2030 منهج "التخطيط التصاعدي" باعتباره إحدى أبرز ركائز مشروع "البناء القاعدي" لقيس سعيد، وهي مقاربة تقوم على تحديد الأولويات التنموية من المستوى المحلي والجهوي نحو المستوى الوطني أين تقع الصياغة التأليفية للخيارات. وتقدّم السلطة هذا التوجه باعتباره محاولة لتجاوز نمط التخطيط المركزي الذي طبع إعداد المخططات التنموية السابقة، حيث كانت الخيارات تُحدّد غالبًا من المستوى المركزي.

ولتنفيذ هذه المقاربة ،بدأ إعداد المخطط من المستوى المحلي، حيث تولت المجالس المحلية مناقشة مقترحات مشاريع التنمية بناءً على حاجيات كل منطقة وخصوصياتها، قبل إحالتها إلى المجالس الجهوية للنظر فيها وصياغتها ضمن رؤية أوسع. ووفق المعطيات الرسمية، تم تنظيم 3696 جلسة عمل في مختلف مناطق الجمهورية، من بينها 3317 جلسة على المستوى المحلي.

على المستوى الجهوي، تولت المجالس الجهوية تجميع المقترحات المحلية ومقارنتها مع الأولويات التنموية للجهة، قبل إعداد تقارير تأليفية أُحيلت إلى مجالس الأقاليم. أما هذه الأخيرة، فقد اضطلعت بدور تنسيقي يهدف إلى تجاوز الحدود الإدارية التقليدية للولايات، عبر تجميع المشاريع ضمن رؤية إقليمية تسعى إلى بناء أقطاب تنموية قائمة على تكامل الموارد والإمكانات بين مختلف المناطق.

رغم اعتماد مخطط التنمية 2026-2030 على منهجية التخطيط التصاعدي نضريًا، واجهت المجالس المحلية والجهوية في الواقع ومنذ بداية المسار عددًا من الإشكاليات التي حدّت من قدرتها على التأثير الفعلي في صياغة الخيارات التنموية. فقد شكل ضيق الآجال أحد أبرز هذه التحديات، إذ مُنحت المجالس المحلية فترة زمنية محدودة (شهرين) لإعداد تصورات تنموية شاملة، وهو ما لم يكن كافيًا لإجراء تشخيص معمق للاحتياجات أو تنظيم مسار تشاركي واسع مع السكان والفاعلين المحليين.

كما واجهت هذه المجالس صعوبات مرتبطة بالنفاذ إلى المعلومة، في ظل محدودية توفر معطيات اقتصادية واجتماعية محينة ودقيقة تساعدها على بناء مقترحات تستند إلى مؤشرات علمية واضحة. يضاف إلى ذلك تحدي التنسيق مع الهياكل الجهوية والمركزية، خاصة في ظل حداثة تركيز هذه المؤسسات وتداخل بعض الصلاحيات بينها وبين مختلف المتدخلين على المستوى المحلي.

ومن جهة أخرى، أثّرت محدودية الخبرة والموارد البشرية لدى عدد من المجالس حديثة التكوين على قدرتها على إعداد تصورات مفصلة ومتابعة تنفيذ المشاريع المقترحة. كما طُرحت تساؤلات حول مدى حضور مبدأ التشاركية في إعداد المخطط، خاصة مع محدودية إشراك المجتمع المدني والفاعلين المحليين. فالقانون الأساسي عدد 4 لسنة 2024 المنظم لهذه المجالس لم ينص على إلزامية إشراك المجتمع المدني في مسار اتخاذ القرار التنموي، خلافًا لمجلة الجماعات المحلية لسنة 2018 التي أقرت آليات تضمن حدًا أدنى من المشاركة المحلية في إعداد السياسات والبرامج المحلية.

وقد أثارت مصادقة عدد من المجالس المحلية على مخططاتها التنموية جدلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، بعد تداول مقترحات مشاريع اعتبرها بعض المتابعين غير واقعية أو تتجاوز الإمكانيات الفعلية لهذه المجالس والموارد المتاحة لها.

ومن بين الأمثلة، مخطط المجلس المحلي بالمحمدية، الذي تضمّن قائمة واسعة من المشاريع المقترحة، من بينها: "إحداث قطب جامعي يضم اختصاصات مثل الهندسة الفضائية والذكاء الاصطناعي،بعث محكمة ابتدائية وإعادة تأهيل مطار سيدي فرج بالمحمدية".

أهداف كبرى طموحة

يقوم مخطط 2030 على تصور جديد للنموذج التنموي، تقدّمه السلطات تحت عنوان "التعويل على الذات" وتعزيز السيادة الوطنية، مع السعي إلى إعادة إدماج مختلف الجهات والفئات الاجتماعية في الدورة الاقتصادية. ويقوم هذا التصور على مراجعة موقع الاقتصاد التونسي، من خلال تقليص الاعتماد على الأنشطة الريعية والقطاعات محدودة القيمة المضافة، مقابل توجيه الاستثمار نحو مجالات مثل اقتصاد المعرفة، والتحول الرقمي، والطاقات المتجددة، بهدف تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة التقلبات الخارجية.

وينطلق المخطط من تشخيص يعتبر أن النموذج التنموي السابق راكم عددًا من الاختلالات، من بينها تراجع أداء المرفق العمومي، واتساع مظاهر الهشاشة، واستمرار الفوارق بين المناطق الساحلية والداخلية. وفي هذا الإطار، يقترح إعادة تنظيم المجال الاقتصادي عبر التقسيم الإقليمي الجديد القائم على خمسة أقاليم، باعتباره "آلية تهدف إلى خلق تكامل بين الجهات وتطوير سلاسل قيمة تستند إلى خصوصيات كل منطقة"، بدل استمرار نمط تنموي يقوم على تمركز الأنشطة الاقتصادية في مناطق محددة.

وتستهدف الخطة تحقيق معدل نمو اقتصادي سنوي في حدود 4.2% خلال الفترة 2026-2030، مع تطور تدريجي يفترض أن يصل إلى 5.1% سنة 2030. ووفق تقديرات المخطط، من شأن ذلك أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي إلى حوالي 270.5 مليار دينار تونسي، ويساهم في تحسين نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ليبلغ نحو 21.5 ألف دينار، في مسعى للارتقاء بتونس ضمن "فئة البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى".

غير أن هذه الأهداف الاقتصادية تطرح تساؤلات حول مدى انسجامها مع القيود التي تواجه المالية العمومية. فالمخطط يتضمن في الوقت نفسه أهدافًا تتعلق بخفض عجز الميزانية تدريجيًا إلى حدود 3% من الناتج المحلي الإجمالي، والتحكم في نسبة الدين العمومي عند مستوى لا يتجاوز 80% بحلول سنة 2030. وسيفرض الجمع بين رفع معدلات النمو وتقليص العجز المالي، اعتماد سياسات تقشفية على مستوى بعض مجالات تدخلها. بالتالي فإن جزءًا كبيرًا من رهانات الخطة يرتبط بقدرة الاستثمار الخاص والصادرات على لعب دور أكبر في تحريك الاقتصاد.

وفي هذا السياق، تراهن الخطة على تطوير الصادرات لتبلغ نحو 25 مليار دولار، ورفع نسبة الاستثمار إلى حوالي 20% من الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى تعزيز تعبئة الادخار الوطني عبر الرفع من رسملة السوق المالية إلى حدود 30%.

المشاريع المبرمجة

تعكس المشاريع الكبرى المدرجة في مخطط التنمية اختيارات الدولة في ما يتعلق بتوزيع الاستثمار، وإعادة تنظيم المجال الترابي، وتحديد القطاعات التي تراهن عليها لدفع النمو خلال السنوات المقبلة. فمن خلال هذه المشاريع، يسعى المخطط إلى الجمع بين "تطوير البنية التحتية"، "تعزيز الإنتاج الوطني"، وتحسين "اندماج الاقتصاد التونسي في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية".

 قراءة هذه الأرقام وحجم الاستثمارات المعلنة في مخطط التنمية 2026-2030 تستوجب قدرًا من الحذر، إذ إن برمجة المشاريع ورصد الاعتمادات المالية لا يعنيان بالضرورة تحققها على أرض الواقع. فقد أظهرت التجارب السابقة وجود فجوة متكررة بين مستوى الطموحات المعلنة في المخططات التنموية وبين القدرة الفعلية على التنفيذ، حيث بقيت العديد من المشاريع المبرمجة رهينة التأخير أو التعطيل، أو لم تتجاوز مرحلة الإعلان بسبب عوائق مرتبطة بالتمويل، وتعقيد الإجراءات الإدارية، وضعف التنسيق والحوكمة.


  ويكشف تحليل نسب إنجاز المشاريع السابقة عن هذه الفجوة بوضوح؛ فالتفاوت لا يظهر فقط بين الجهات، بل أيضًا بين طبيعة المشاريع والفاعلين فيها. ففي الإقليم الرابع، مثلًا، لم تتجاوز نسبة تنفيذ المشاريع الاستثمارية 46%، وهي نسبة تخفي تفاوتًا كبيرًا بين ديناميكية القطاع الخاص، الذي بلغت نسبة إنجاز مشاريعه 61%، والمشاريع العمومية التي لم تتجاوز نسبة تنفيذها 35%، في حين يتركز جزء كبير من الاستثمار الخاص المنجز في ولاية صفاقس وحدها بنسبة تناهز 54%. كما يبرز المثال داخل الإقليم الثالث، حيث بلغت نسبة الإنجاز الإجمالية 70%، لكنها تخفي فروقًا حادة بين ولاية سوسة التي سجلت 91%، وولاية القصرين التي لم تتجاوز فيها نسبة الإنجاز 43%.  

  في القطاع الصناعي، تتركز الأولويات حول مسارين رئيسيين: إعادة تنشيط القطاعات الاستخراجية التي تمثل موارد استراتيجية للدولة، وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة للاستثمار الصناعي.  

سيادة بيئية وطاقية أم إعادة إنتاج التبعية؟

يضع مخطط التنمية 2026-2030 الانتقال الطاقي في ضمن أولوياته، في ظل ما يعتبره "تحديات هيكلية يواجهها قطاع الطاقة في تونس"، أبرزها الاعتماد الكبير على الغاز الطبيعي وتعرض البلاد لتقلبات الأسعار العالمية. ويشير المخطط إلى أن مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء لم تتجاوز 5% إلى موفى سنة 2024، ما يعكس محدودية التحول الطاقي رغم الإمكانات التي تمتلكها تونس في مجال الطاقة الشمسية والرياح.

وفي هذا السياق، يهدف المخطط إلى "تسريع نسق الانتقال الطاقي" عبر رفع حصة الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي إلى 35% بحلول سنة 2030، إلى جانب تقليص الاستهلاك الوطني من الطاقة الأولية بنسبة 30%. ولبلوغ هذه الأهداف، برمجت الدولة تطوير قدرة إنتاجية من الطاقات المتجددة تصل إلى 5489 ميغاواط في أفق 2030.

وتتضمن المشاريع المدرجة استكمال عدد من محطات إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية في إطار نظام اللزمات بقدرة إجمالية تبلغ 500 ميغاواط، موزعة على ولايات القيروان وسيدي بوزيد وتوزر وقفصة وتطاوين. كما يندرج مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا (ELMED) ضمن أبرز المشاريع الاستراتيجية في هذا المجال، إذ تراهن عليه الدولة لتعزيز اندماج تونس في سوق الطاقة الأوروبية، وتمكينها من "تصدير فائض الكهرباء من الطاقات المتجددة واستيراد الطاقة عند الضرورة".

ورغم هذا التقديم لمشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا "ألماد" (ELMED) باعتباره أحد المشاريع الاستراتيجية للانتقال الطاقي، يثير المشروع انتقادات مرتبطة بتمويله وانعكاساته المحتملة على السيادة الطاقية. إذ يشير إلياس بن عمار، عضو مجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة، إلى أن المشروع يعتمد أساسًا على قروض أوروبية وقرض من البنك الدولي موجهة خصوصًا للجانب التونسي، ما يعني "التزامات مالية جديدة تثقل كاهل الشركة التونسية للكهرباء والغاز، التي ستضطر إلى الاقتراض بالعملة الصعبة لتمويل حصتها في المشروع"، مقابل عقود ومكاسب استراتيجية للطرف الأوروبي. كما يحذر إلياس من أن المشروع قد يزيد ارتباط تونس بالسوق الأوروبية للطاقة، خاصة في حال أصبحت المبادلات الكهربائية مرتبطة بالأسعار المقومة باليورو وتقلبات الأسواق الخارجية. فضلاً على أن أن تحرير سوق الكهرباء وتعزيز حضور الفاعلين الخواص قد يؤدي تدريجيًا إلى تراجع الدور المركزي للشركة العمومية التي شكلت لعقود العمود الفقري للمنظومة الكهربائية الوطنية 

"’ألماد‘ ليس مجرّد مشروع بنية تحتية: إنه خيار سياسي يُجسّد نموذج تنمية تظلّ فيه تونس هامشية، مدينة وتابعة، وتخدم النموّ الأخضر لأوروبا." - إلياس بن عمار.

أما فيما يتعلق بلزمات الطاقة فإن الصيغة القانونية والتمويلية المعتمدة في مشاريع الطاقات المتجددة "لا تعكس شراكة متوازنة بقدر ما تعيد تشكيل علاقة تبعية تخدم مصالح المستثمرين الأجانب أكثر من المصلحة الوطنية" حسب نورة العجيمي، منسقة البحث بالمرصد التونسي للاقتصاد في دراسة "مشاريع قوانين إسناد لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة: انتقال مُعلن وسيادة مُهدَّدة". كما تعتبر أن منح امتيازات واسعة للفاعلين الخواص، مقابل تحمّل الدولة والشركة التونسية للكهرباء والغاز جانبًا كبيرًا من المخاطر، قد يضعف موقع المؤسسة العمومية ويحدّ من المكاسب المنتظرة على مستوى الاستقلالية الطاقية. كما تحذر من أن تحويل الأرباح بالعملة الصعبة والاعتماد على تجهيزات وتكنولوجيا موردة، إلى جانب المخاطر البيئية المرتبطة ببعض المشاريع، قد يقلص القيمة المضافة المحلية، لتخلص إلى أن:

"يكشف تحليل العقود الخاصة بهذه المشاريع أن هذه المشاريع، تحت غطاء الانتقال الطاقي، تعزز مصالح الممولين الدوليين وتؤمن أساسًا أرباح الشركات الأجنبية، وذلك على حساب السيادة الطاقية للبلاد، وأمن التزويد بالكهرباء، واستقرار الوضعية المالية للشركة التونسية للكهرباء والغاز، وكذلك على حساب الصلاحيات السيادية للدولة، سواء على المستوى التشريعي أو القضائي."

على مستوى آخر يكشف مخطط التنمية عن حجم التحديات البيئية التي تواجهها تونس، من أزمة المياه وتراجع الإنتاج الفلاحي إلى تدهور المنظومات الطبيعية وصعوبات إدارة النفايات، ويقترح في المقابل سلسلة من المشاريع والأهداف التي تهدف إلى "تحقيق السيادة المائية" و"تطوير منظومات الإنتاج الفلاحي" و"إرساء منظومة للتصرف المندمج في النفايات". ففي قطاع المياه، يراهن المخطط على مضاعفة إنتاج المياه المحلاة إلى أكثر من 200 مليون متر مكعب سنويًا عبر توسعة محطات التحلية في صفاقس وسوسة وجربة والزارات، إلى جانب رفع نسبة إعادة استعمال المياه المعالجة إلى 30% واستكمال عدد من السدود والخزانات. أما في القطاع الفلاحي، فيسعى إلى تحسين إنتاجية الحبوب، وتوسيع استعمال البذور الممتازة، وإطلاق مشاريع تنمية فلاحية بعدد من الولايات، مع دعم الزراعة الإيكولوجية والفلاحة البيولوجية. وفي مجال الاقتصاد الأخضر، يطرح المخطط تطوير الرسكلة والتثمين الطاقي للنفايات، وإحداث صندوق لدعم التحول الكربوني لمرافقة المؤسسات المصدرة، بينما يتضمن الجانب البيئي أهدافًا تتمثل في "تخفيض كثافة الكربون بنسبة 46.4%" بحلول 2030، واستعادة المنظومات الغابية والرعوية، وإنجاز مشروع الحزام الأخضر، وحماية 200 كيلومتر من الشريط الساحلي، إضافة إلى تهيئة سبخة السيجومي وتوسيع الربط بشبكات التطهير.

تكشف محاور البيئة والطاقة في مخطط التنمية 2026-2030 عن مفارقة أساسية: فبينما يضع الخطاب الرسمي مفاهيم مثل "السيادة" و"العدالة البيئية" في صلب رؤيته، فإن عدداً من الخيارات المقترحة يظل مرتبطاً بمنطق اقتصادي قد يعيد إنتاج بعض أوجه الهشاشة القائمة، ولكن هذه المرة تحت عنوان "الاقتصاد الأخضر"

ففي مجال الانتقال الطاقي، يطرح توجه الدولة نحو تطوير الطاقات المتجددة وآليات تمويل مثل صناديق التحول الكربوني تساؤلات حول ما إذا كان الانتقال الأخضر في تونس يُبنى أساساً على رؤية بيئية واجتماعية تستجيب لحاجيات الفئات الأكثر تأثراً بالتلوث والتغيرات المناخية، أم أنه يتجه أيضاً إلى تلبية متطلبات الحفاظ على تنافسية الاقتصاد التصديري. 

خاصة وأن المخطط، بدل الاستجابة لمطلب أهالي قابس القاضي بتفكيك الوحدات الصناعية الملوِّثة، يكتفي بطرح إجراءات تهدف إلى الحد من آثارها، مثل إيقاف سكب الفوسفوجيبس في البحر، وفرض خطط انتقال بيئي على المجمع الكيميائي للتقليص من الانبعاثات وخفض البصمة الكربونية. ولأن السخرية لا تقتل كما يبدو، فقد اختار المخطط أيضاً برمجة إحداث قطب للأمراض السرطانية بقابس، وكأن معالجة تبعات التلوث يمكن أن تسير بالتوازي مع استمرار مسبباته.

وفيما يخص "الأمن المائي"، تتجه الدولة نحو حلول ذات كثافة مالية وتكنولوجية عالية (مثل محطات تحلية مياه البحر) وهي خيارات تستهلك كميات ضخمة من الطاقة وتخلق ترابطاً عضوياً مقلقاً بين الماء والكهرباء، مما يعمق الارتهان للتمويلات والديون الأجنبية، ويثقل كاهل ميزانية الدولة في ظل شح الموارد.

أما على صعيد "السيادة الغذائية"، فرغم طموحات رفع المردودية للزراعات الكبرى، يغيب عن المخطط آليات راديكالية لإعادة توزيع الأراضي أو تغيير نمط الإنتاج الفلاحي التصديري المستنزف للمياه الجوفية، بل تستمر السياسة في معالجة الأعراض عبر التقنيات (كالبذور الممتازة والمشاريع المندمجة) دون المساس بجوهر النموذج الزراعي الاستخراجي.

وفي النهاية قد يصطدم الطموح المعلن لحماية البيئة وبلوغ 35% من الطاقات المتجددة ببيروقراطية إدارية، ومحدودية في التمويل العمومي، وعزوف للقطاع البنكي المحلي، مما يجعل تنفيذ هذه السياسات مرتهناً بالشراكة مع رأس المال الأجنبي وصناديق المناخ الدولية، وهو ما قد يحول الانتقال الإيكولوجي في تونس من أداة لتحرير المجتمع وتثبيت السيادة، إلى مجرد واجهة لخصخصة الأزمات البيئية ورسملة الطبيعة.

الشركات الأهلية … غاية أم وسيلة؟

تُعتبر الشركات الأهلية "أحد أهم أعمدة التصورات التنموية لرئيس الجمهورية" في إطار بنائه القاعدي. لكن المعطيات الحالية حولها تكشف، إلى حدود أكتوبر 2025، عن تجربة ما تزال في مرحلة التأسيس وتواجه عدة اختلالات بنيوية تحدّ من قدرتها على التحول إلى فاعل اقتصادي مؤثر.

لذلك تقترح الدولة ضمن أفق مخطط التنمية 2026-2030 ملة من الإجراءات لتوسيع تجربة الشركات الأهلية وتحويلها إلى إحدى آليات التنمية المحلية. ويهدف المخطط إلى بلوغ 800 شركة أهلية في أفق سنة 2030، مع إحداث حوالي 3000 موطن شغل، ورفع نسبة الشركات التي تدخل طور النشاط الفعلي إلى 80%.

كما يتضمن المخطط إرساء منظومة رقمية لمتابعة هذه الشركات، من خلال إحداث السجل الوطني للشركات الأهلية ومنصة قيادة رقمية تحمل اسم "رافقني"، إلى جانب تطوير "متجر أهلي إلكتروني" لتسويق منتجاتها على المستوى الجهوي والوطني والدولي.

كما ينص على منح الشركات الأهلية أولوية في استغلال العقارات الدولية الفلاحية بالمراكنة، إضافة إلى إمكانية استغلال المنتوجات الغابية والعقارات غير الفلاحية التابعة لملك الدولة الخاص. أما على المستوى المالي، فيتضمن المخطط تفعيل "منحة التشجيع على المبادرة التضامنية" بقيمة 20 ألف دينار خلال السنة الأولى من الإحداث، وتخصيص خطوط تمويل بشروط تفاضلية على الموارد الذاتية للبنوك، مع ضمانات بقيمة 10 ملايين دينار من موارد الصندوق الوطني للتشغيل، إضافة إلى تمكينها من النفاذ إلى تمويلات صندوق مقاومة التلوث لفائدة مشاريع الاقتصاد الأخضر والأزرق والدائري.

تطرح هذه الأهداف في ضوء الواقع الحالي جملة من التساؤلات حول الدور الاقتصادي الفعلي الذي يمكن أن تلعبه الشركات الأهلية ضمن النموذج التنموي الوطني. فرغم تقديمها كأداة لتكريس الدولة الاجتماعية وتعزيز المشاركة المحلية في الإنتاج، فإن الأرقام المعلنة في المخطط تكشف عن وزن اقتصادي محدود مقارنة بحجم التحديات المطروحة، خاصة في ما يتعلق بالبطالة وخلق الثروة. فاستهداف إحداث 3000 موطن شغل فقط عبر 800 شركة في أفق 2030 يعني معدل أربعة مواطن شغل تقريباً لكل شركة، وهو رقم لا يجعل منها آلية قادرة على معالجة الاختلالات الكبرى لسوق العمل، بل يضعها أكثر ضمن أدوات الإدماج الاقتصادي المحلي وإدارة الهشاشة الاجتماعية.

كما أن ضعف نسبة الشركات الناشطة حالياً، والاعتماد شبه الكامل على التمويل العمومي والبنك التونسي للتضامن، يثيران إشكالية الاستدامة المالية والقدرة على المنافسة خارج إطار الدعم الحكومي. ومن ثمّ، يبقى نجاح هذا النموذج مرتبطاً بقدرته على تجاوز منطق الدعم الاجتماعي الظرفي نحو بناء مؤسسات اقتصادية جماعية قادرة على الإنتاج والاستمرارية وخلق قيمة مضافة حقيقية

وهو ما قد يدفع البعض للتشكيك في جدوى هذا الخيار التنموي، وإعتبار هذا الإهتمام الكبير حوله هوسا لـ"إنجاح مشروع شخصي وطوباوي" كما ذهبت "ندى بشيش" محللة السياسات العمومية لدى البوصلة في تقرير "البناء القاعدي من نبؤة الرئيس إلى سياسة دولة".

"هوس إنجاح مشروع الشركات الأهلية تمظهر في تسخير جميع إمكانيات الدولة لصالحه .. لكن يأتي هذا الهوس مخيبا للآمال وللتحديات الإقتصادية, فالشركات الاهلية ليست قادرة على بعث مشاريع وطنية قادرة على تحريك عجلة الاقتصاد ومعالجة مشاكل البطالة والتنمية" - ندى بشيش

تمويل الخطة … التحدي الحقيقي

يمثل تمويل المشاريع الكبرى في مخطط 2026-2030 التناقض الهيكلي الأبرز للسياسة العمومية التونسية، حيث تسعى الدولة لتمويل استثمارات ضخمة بقيمة 101,835 مليون دينار في ظل إقرارها بـ "ضيق الحيز المالي الحالي لميزانية الدولة" وتجاوز الضغط الجبائي لنسبة 25% من الناتج المحلي لحل هذه المعادلة،لم "تبتكر الدولة العجلة من جديد"، إذ اعتمدت هندسة مالية لتوزعة عبء التمويل

في توزيع مصادر تمويل هذه المحفظة، تسعى الدولة إلى الاعتماد على ميزانية الدولة لتمويل 61% من الاستثمارات الجملية (أي ما يعادل 61,847 مليون دينار). ويهدف المخطط إلى أن تتكفل المؤسسات والمنشآت العمومية بتمويل 30% من المحفظة عبر آلية "التمويل الذاتي" (بما يعادل 31,990 مليون دينار) كما تسعى الدولة إلى تخصيص نسبة 9% من التمويل (حوالي 9,998 مليون دينار) لإنجاز 74 مشروعاً في إطار "شراكة قطاع عام وخاص"

وفيما يخص تنويع مصادر التمويل والتمويل الخارجي، يهدف المخطط إلى "تنويع الشركاء وتوسيع خيارات التمويل" لضمان الحصول على تمويلات بـ "شروط ميسرة" و"تسعى الدولة إلى تعبئة موارد إضافية عبر استغلال آليات "التمويل المبتكرة"، وعلى رأسها "التمويل الأخضر" و"صناديق المناخ". كما يهدف المخطط إلى "الإرتقاء بدور السوق المالية" في تمويل الاستثمار المباشر.

كما ينص المخطط على أولوية "إدماج الاقتصاد الموازي والقطاع غير المنظم" وذلك من خلال تحقيق إدماج نسبة تفوق 50% من القطاع غير المنظم في الدورة الاقتصادية عبر وضع إطار قانوني يضمن انخراط العاملين في القطاع غير المنظم ضمن أنظمة الضمان الاجتماعي، مما يوفر لهم تغطية شاملة. والحد من جهة أخرى من "ظاهرة الانتصاب الفوضوي والتجارة الموازية" والعمل على إدماج التجار المنتصبين عشوائياً ضمن الاقتصاد المنظم عبر توفير فضاءات ملائمة. ومن خلال إنشاء مناطق اقتصادية مشتركة يهدف المخطط إلى"مقاومة التهريب عبر الحدود والحد من الاقتصاد الموازي"

تسعى الدولة  حسب نص المخطط كذلك إلى دعم الانتقال إلى العمل المنظم عبر تركيز نظام "المبادر الذاتي" وتطويره كآلية أساسية لتشجيع العاملين في القطاع الموازي على هيكلة أنشطتهم بصفة قانونية.

عند وضع الخطاب التخطيطي على ضوء الواقع الاقتصادي والمؤشرات الرسمية منذ 2021 تبرز عديد الشكوك حول قدرة الدولة التعبوية إذ تشير المعطيات المسجلة خلال الفترة 2021-2025 إلى فجوة كبيرة بين الاستثمارات المبرمجة والمنجزة فعليًا. فقد بلغت قيمة الاستثمارات المبرمجة 80,654.87 مليون دينار، في حين لم يتجاوز حجم الاستثمارات المنجزة 49,387.93 مليون دينار. أما على مستوى الاستثمار العمومي، تبين الأرقام المسجلة خلال الفترة 2021-2025 أن ما تم إنجازه فعليًا لم يتجاوز 16,814.19 مليون دينار، أي بنسبة إنجاز قُدرت بـ 47.8% فقط من المبرمج. ويعكس هذا الفارق ضعف القدرة على تنفيذ المشاريع المبرمجة.

من جهة أخرى، يبدو الهدف المتمثل في تحميل المؤسسات والمنشآت العمومية نسبة 30% من التمويل (حوالي 32 مليار دينار تمويلاً ذاتياً) طموحاً يلامس حدود التناقض مع واقع هذه المؤسسات التي تعترف الوثائق ذاتها بأنها تعاني من "خسائر مالية هامة" وهشاشة هيكلية وديون متراكمة. أما وزن الشراكة بين القطاعين العام والخاص (8%)، فرغم واقعيته، فإنه يبقى رهين إصلاح جذري لمناخ  الذي لطالما كبّل الاستثمار الخاص من خلال سياسات ريعية.

أما في ما يتعلق بمقاربة الدولة تبرز مفارقة هيكلية، إذ يطمح المخطط إلى إدماج 50% من القطاع غير المنظم في الدورة الاقتصادية الرسمية، وهو هدف شديد التفاؤل بالنظر إلى التجذر التاريخي والاجتماعي لهذه الظاهرة في تونس، والتي تعتبر في كثير من الأحيان "شبكة أمان اجتماعي" بديلة للفئات الهشة في ظل عجز الدولة عن توفير الشغل.

المواقف من المخطط

خلال فترة نقاشه عرف المخطط انتقادات حادة من عدد من النواب، شملت مضمون الوثيقة ومنهجية إعدادها وآفاق تنفيذها. فقد اعتبر النائب رياض الدريدي أن أبرز نقائص المخطط تتمثل في غياب المقاربة التشاركية، مؤكدا أن أعضاء مجلسي نواب الشعب والجهات والأقاليم لم يُشركوا في إعداد الصيغة النهائية، بل وجدوا أنفسهم أمام وثيقة جاهزة لا يملكون إزاءها سوى القبول أو الرفض. كما رأى أن قيمة أي مخطط تنموي لا تُقاس بعدد المشاريع المدرجة فيه، وإنما بنسبة إنجازها، مذكّرا بأن المخططات السابقة لم تتجاوز نسب تنفيذها، في أفضل الحالات، 30 إلى 40 بالمائة.

من جهته، وصف النائب بلال المشري ما عُرض على البرلمان بأنه "أشبه بالمهزلة الحقيقية"، معتبرا أن مناقشة مخطط يمتد على خمس سنوات في ظرف ثلاثة أيام فقط تفرغ العملية من مضمونها. كما انتقد غياب جدول واضح للمشاريع، قائلا إن النواب "لا يناقشون مخطط تنمية، بل مجرد إنشاء"، معتبرا أن الوثيقة لا تعكس مطالب المواطنين، بل تكرّس خيارات حكومية تقوم على "بيع الأوهام" للنواب وللرأي العام. وذهب إلى أن المخطط يواصل الإضرار بالقطاع الفلاحي ويعمّق التبعية الغذائية للاتحاد الأوروبي، كما يندرج، بحسب تقديره، ضمن سياسات حماية الحدود الأوروبية أكثر من كونه برنامجا لتنمية البلاد.

أما النائب شكري البحري، فقد اعتبر أن هناك مفارقة صارخة بين ما تخطط له الحكومة وما يعيشه المواطن يوميا، مؤكدا أنه لا يمكن الحديث عن النمو والتنمية في ظل أزمات الماء والكهرباء. ورأى أن تونس لا تعاني نقصا في التشخيص أو في معرفة الأولويات، وإنما تفتقد إلى الإرادة السياسية القادرة على تحويل الحلول إلى قرارات وإنجازات ملموسة، داعيا إلى إعداد مخطط تنموي "يشبه المواطن، صادقا، عادلا، وقابلا للتنفيذ".

بدوره، رأى النائب عمار عيدودي أن الحديث عن التنمية والتوزيع العادل للثروات أصبح "أكذوبة" خلال ما اعتبره عشرية ثانية، معتبرا أن المخطط يكرّس مزيدا من التهميش للجهات الداخلية. وأشار إلى أن مناطق مثل حيدرة وفوسانة وتالة لم تحظ بأي مشروع وطني ذي أهمية، واصفا تقسيم البلاد إلى أقاليم بأنه "لعبة الأقاليم" التي لا تعدو أن تكون تحايلا جغرافيا على المواطنين. كما اعتبر أن عددا من المشاريع الواردة في الوثيقة ليست جديدة، وإنما مشاريع قديمة أُعيد إدراجها في إطار ما وصفه بسياسة المماطلة والمغالطة.

Inkyfada Landing Image

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول