المشتبه بها رقم 12: محرزيّة بنت عمر الحنافي ممثّلة مشتبه بها بعد وفاتها

"فُجع الشّباب التّونسي بنبأ رحيل عضدهم الأيمن، الممثّلة التي كانت تساندهم في تصدّيهم للحكومة وتكتب من أجلهم بتشجيع منهم"
بقلم | 31 أكتوبر 2021 | 15 دقيقة | متوفر باللغة الفرنسية

متوفر باللغة الفرنسية
في شهر جوان 1918، وافت المنيّة الممثّلة محرزيّة الحنافي التي كانت على علاقة وطيدة بحركة الشّباب التّونسي ومباشرة إبّان وفاتها، أمرت الشّرطة بتفتيش منزلها وبالنّبش في تاريخ السنوات الأخيرة من حياتها القصيرة.

تحصلوا وتحصلن على أفضل منشورات إنكفاضة مباشرة على البريد الالكتروني.

اشترك واشتركي في نشرتنا الإخبارية حتى لا تفوتك آخر المقالات !

يمكن إلغاء الاشتراك في أي وقت.

كانت محرزيّة الحنافي ممثّلة ذائعة الصّيت في الوسط الفكري بالحاضرة قبل اندلاع الحرب العالميّة الأولى التي امتدت من 1914 إلى 1918 حيث كانت تنظم لقاءات في بيتها يتداعى إليها الناس من ممثلين ووجهاء الحاضرة: 

يورد تقرير صادر في 28 جوان 1918 أن "منزل محرزيّة كان يحتضن اجتماعات يتمرّن فيها فنّانو فرقة الشّهامة، التي كان يرأسها زوجها بورقيبة، على أداء أدوارهم بحضور ثلّة من صفوة المجتمع التّونسي وتُختتم هذه الاجتماعات باحتساء الشّراب والخوض في مواضيع سياسيّة أحيانًا ". 

رائدة على خشبة المسرح

كانت محرزيّة الحنافي آنذاك تنتمي إلى فرقة "الشّهامة العربيّة" المؤسّسة سنة 1909 والتي تُعدّ إحدى أوائل الفرق المسرحيّة التّونسيّة وكان يرأسها في ذلك الوقت زوجها محمّد بورقيبة الشّقيق الأكبر للزعيم المستقبلي الحبيب بورقيبة. ويستحضر هذا الأخير طفولته إلى جانب أخيه المخرج والشّقيقتين الممثّلتين محرزيّة ونسريّة الحنافي: 

"قدّمت فرقة "الشّهامة" بين سنتي 1909 و 1913 عروضا مذهلة لهاملت ومجنون ليلى ومسرحيّات شهيرة أخرى كان يأخذني إليها شقيقي منذ طفولتي المبكّرة[...]. وكانت محرزيّة نجمة 'الشّهامة' في ذلك الوقت [...] وإلى جانبها نجمة شابّة أخرى فاتنة الجمال تُدعى نسريّة"، مقتبس من أحمد شبشوب، أنا وبورقيبة، تونس، الدار التونسية للكتاب، 2014، ص. 164.

دأبت الفرقة التي ضمّت كذلك من بين عناصرها حبيبة مسيكة في عشرينات القرن الماضي على تقديم عروضها منذ سنة 1910 خاصّة في مسرح بوليتيما روسّيني [قاعة سينما البالاص بالعاصمة حاليّا]. ولطالما استهدفت السّلطات الاستعماريّة هذه المسرحيّات بالرّقابة حينا وبالحظر أحيانا ذلك أن العروض المسرحيّة ارتبطت في ذلك الوقت ارتباطًا وثيقًا بالقضايا السّياسيّة وكانت تُوظّف لنشر الأفكار المعارضة للنّظام. 

"حلّ جيل جديد من الإصلاحيّين محلّ الجيل الأوّل الذي عايش حقبة ما قبل الاستعمار ومن أبرز وجوهه الزّعيم العظيم عبد العزيز الثّعالبي والبشير صفر وعلي باش حانبة الذين كانوا ذوي طموحات قوميّة. وكان لهذا الجيل الجديد الفضل في وضع حجر الأساس للمسرح التّونسي الحديث. ويُذكر أنّ قادة حركة الشّباب التّونسي اعتمدوا على مساعدة المصريّين من ذوي الاختصاص لترسيخ الممارسة المسرحيّة لدى التّونسيّين، فوجدت الهوية التونسية المرهونة لدى الهيمنة الاستعمارية في المسرح على وجه الخصوص متنفسا لها. وكان ذلك العصر منطلقا لانبثاق العديد من الفرق المسرحية التونسية التي ارتفع عددها إلى ما يزيد عن 120 فرقة بين عامي 1907 و 1956. وعملت على توعية الجماهير لا سيّما في ظلّ الاضطهاد الوحشي الذي طال قادة الحركة الإصلاحيّة التّونسيّة عقب أحداث الجلّاز المأساويّة (1911) والاضطرابات التي تزامنت مع الاحتلال الإيطالي لليبيا (سنة 1911 كذلك) أو حملة مقاطعة التّرامواي (عام 1912). غير أنّ أوّل مسرحيّة تونسيّة التّأليف لم تُبصر النّور وتُعرض إلّا في سنة 1911 حيث كانت المسرحيّات مقتصرة إلى ذلك الحين على نصوص مشرقيّة التّأليف. ومنذ نشأته، اكتسى المسرح التّونسي طابعا احتجاجيّا وعلى علاقة وثيقة بخطاب النّخب وممارساتها التي سرعان ما وطّدت أركان الحركة الوطنيّة".

سفيان بن فرحات، "المسرح التونسي التبشيري والطلائعي، منذ نشأته وإلى يومنا هذا". آفاق مغاربية، عدد 58، 2008، ص. 109. متاح هنا (بالفرنسيّة).

فجأة، توقفت أنشطة فرقة الشهامة وجولاتها بقدوم الحرب، وغادر الزوجان محرزية الحنافي ومحمد بورقيبة في عام 1914 إلى مدينة الكاف أين عمل الأخير كعون صحي في المستشفى. 

الشّباب التّونسي في مواجهة الشّرطة

في ربيع عام 1918، عادت محرزيّة الحنافي إلى العاصمة بعيد انفصالها عن محمّد بورقيبة وما لبثت أن أعادت ربط صلتها بالشباب التونسي. وفي منزلها المعروف باسم "دار سيالة" والكائن في سوق البلاط، زارها مخبر كان في الواقع يتجسّس على الحركة السياسية من الدّاخل. ويذكر هذا المخبر في تقرير أمني مؤرّخ في جوان 1918 لم يكشف عن هويّته أنها أطلعته على صورة التُقطت في القسطنطينية يظهر فيها بعض الإصلاحيين التونسيين ومن بينهم علي باش حانبة، مؤسس حركة الشباب التّونسي*، وعبد العزيز الثّعالبي، المؤسس القادم للحزب الدستوري إلى جانب حسين جاهد، مدير الصحيفة العثمانية "طنين" الناطقة باسم حركة تركيا الفتاة. 

كما يُذكر أن المخبر لمح في منزل الممثلة السابقة رسائل موجهة من قبل حركة تركيا الفتاة [الحركة القوميّة العثمانية] إلى محمّد بورقيبة بالإضافة إلى صحف تركيّة ومصريّة وما إلى ذلك، كما يبدو أنّ أعضاء الشّباب التّونسي عمدوا إلى إخفائها في بيتها تحسّبا لتفتيش منازلهم. 

وأفاد المخبر أن المسؤولين الحكوميين التونسيين يخونون السلطة الاستعمارية قائلا: 

"لقد أخبرتني أن الموظفين التونسيين من مترجمين وغيرهم، وحتّى من كبار المسؤولين، يترددون على منزلها ويلتقون بأعضاء الشباب التونسي ناقلين إليهم معلومات مفيدة".

ولم يتوان المخبر الموالي للسلطة الاستعمارية عن اختلاس وثائق عثر عليها في بيت محرزيّة الحنافي ومن بينها رسالة تصف موجة التّوتر التي أحدثها السفير الفرنسي الملحق بالقسطنطينية بسبب إقامة علي باش حانبة بالعاصمة العثمانيّة، وفصّل في تقريره الموجّه إلى المفوّض كلابير أسلوب عمله: "لقد اختلست هذه الرّسالة بالإضافة إلى أعداد من صحيفة صباح وأرسلتها إليكم عن طريق البريد".


لكنّ الأمور لم تسر كما كان مخطّطا لها لكون البريد لم يصل إلى مستلمه:

"لقد صُدمت عندما بلغني أن كل ذلك أُعيد إلى الممثلة بفضل الشباب التونسي العالمين بجميع مداخل ومخارج الإدارات المحلية" يقول مندهشا.

ويعترف لاحقا بأن هذه الطريقة الماكرة في اعتراض البريد التي دبرها الشباب التونسي كان من الممكن أن تتسبّب في فضح هويته غير أنّه نجح بفضل مناورة متقنة في تفادي ذلك رغم كونه أحد أعضاء المجموعة: 

"علمت أن كل ما سُرق من بيت الممثلة أو فُقد فيه مما يخص الشباب التونسي قد أُعيد إلى هنالك. كنت مصيبا في عدم كتابة عنوانك بالعربية بل بالفرنسية، إذ أنه كان بإمكان الشباب التونسي التعرف على خط يدي".

وبذلك أكد المخبر على خنوعه وانصياعه لرؤسائه الفرنسيين من خلال التبجح بقدراته وكشفه عن معلومات اطلع عليها بمنتهى الثقة وذهابه إلى حد اختلاس وثائق ممن يُفترض أنهم رفاقه في النضال. وفي غضون شهر جوان 1918، توفيت محرزية الحنافي بعد صراع مع المرض و "في قلبها غم ناجم عن طلاقها" بحسب التقارير الأمنية التي لم تحدد تاريخ وفاتها ولا سببها. 

الأرشيف الوطني التونسي

غير أن استعادة الوثائق المختلسة بدت أمرا صعب المنال حسب توضيح المخبر الذي تناهى لعلمه "أنه عند وفاة هذه المرأة، بادر الشباب التونسي بنقل كل ما لديهم من أغراض لإخفائها في بيت شقيقتها". 

عائلة من "الناس المشبوهة"

اقتنصت الشرطة فرصة ذكر شقيقة محرزية الحنافي للنبش في حياة أقارب المتهمة الراحلة حيث وصف المفوّض كلابير في مذكرة مؤرخة في 28 جوان هذه العائلة كأسرة تعيش على هامش المجتمع و"منحلة الأخلاق" وصوّر فيها محرزية الحنافي كـ"امرأة خليعة [غانية] معروفة لدى مصلحة حماية الأخلاق بالعاصمة" كما يُقال إن شقيقيها صالح ومحمد، وهما من العمال المستعمَرين* المرحلين إلى فرنسا، كانا قبل مغادرتهما "معروفين بتدخين الشّيرا [أي صمغ القنب الهندي]" ولم يفلتا من ازدراء السلط التي سخّرتهما رغم ذلك لسد حاجيات فرنسا من اليد العاملة. 

المشتبه به رقم 6 : العروسي بن لطيفة، شُهر "لولو". مدخن شيرا وراء القضبان

كما كانت شقيقتا محرزية الحنافي موضع شك في أنظار الشرطة. أولاهما نسريّة مقيمة في بنزرت وهي متزوّجة لكنها "فنّانة معتزلة" كانت تنشط بالعاصمة صلب فرقة الشهامة العربية. أما بية "فكانت 'مومسا' وخاضعة لرقابة مصلحة حماية الأخلاق" وهي تقيم مع والدتها المدعوة الماجرية بنهج سيدي البيان داخل "الحي المخصص للدعارة". 

المشتبه بها رقم 5 : بية بنت حسين المثلوثي. مُبعدة بسبب "تعاطي البغاء"

لدى وفاة شقيقتها، انتقلت نسرية الحنافي إلى العاصمة لحضور الجنازة وأصبحت تقيم في منزل شقيقتها الكائن في 2 نهج المعسكر بحسب التقارير، ورغم أن المذكرة الرقابية تشير إلى عدم انعقاد أي "اجتماع مشبوه" في بيت محرزية الحنافي إلى حين وفاتها، قررت الشرطة التحري في الأمر. 

الأرشيف الوطني التونسي

أثارت تصريحات المخبر* شكوك المفوض كلابير حول محرزية الحنافي وأسرتها، فبادر بتفتيش منزلها ومنزل شقيقتها الأخرى بية العاملة بالجنس إلا أن عملية التفتيش لم تفض إلى نتيجة تذكر إذ تُشير مذكرة 30 جوان إلى أنه "لم يُعثر في هذين المنزلين إلا على وثائق شخصية دون أهمية تُذكر". 

الأرشيف الوطني التونسي

ورغم الاشتباه بها إثر وفاتها، ظلت الممثلة السابقة تُعتبر مصدر خطر. وكان من السّهل أن يصبح المرء من ذوي الشبهات في هذا السياق الاستعماري القائم على الرقابة وتعاون المخبرين من التونسيين والقلق البالغ من سعي المستعمَرين إلى التّحرر. 

كما زاد نشاط محرزيّة الحنافي السّابق في الميدان الفني الطين بلة في سياق كان يُربط فيه امتهان النسوة للتمثيل والغناء والرقص الشعبي بالفجور في بدايات القرن العشرين. فوُصمت بالتالي بالعار بسبب وضعها كفنانة الذي يجعل منها "امرأة خليعة" قبل اعتبارها فنانة درامية أو من أهل الفكر. 

التركيز على القضايا الأخلاقية هنا تجاوز حدود شخصها ليمتد إلى أقاربها مصنفا إياها في سلالة ملطخة السمعة. ويُضاف إلى الدونية القائمة على النوع الاجتماعي، ازدراء طبقي يرى في هذه العائلة الدخيلة على العاصمة والمكونة من فنانات وعمال غير مستقرين، أسرة غير جديرة بالاحترام وعديمة الأخلاق. وتبدو حالة محرزية الحنافي أكثر تعقيدًا لتشابك المسائل الأخلاقية والسياسية التي تنطوي عليها، حيث كانت الشرطة في حقيقة الأمر تتذرع بمسائل أخلاقية لاستهداف أنشطتها النضالية، ويسلط تاريخها بالتالي الضوء على جملة ما سعت الشرطة الاستعمارية الفرنسية إلى قمعه بالبلاد التونسية: الالتزام النسوي والإنتاج الفكري والتنظيم السياسي وامتهان الجنس واستهلاك الشيرا والتعبير الفني... باختصار، كل ما يقف في وجه آلتها القمعية أو يتحدى نظام هيمنتها القائم على التدمير الممنهج لتحكّم التونسيين في تقرير مصيرهم بأنفسهم. 

تستعرض سلسلة 'ناس مشبوهة' عناصر من تجارب بعض الأشخاص المسجّلين·ـات (أو المدانين·ـات) من قبل أجهزة المخابرات الفرنسية في تونس (بين عامي 1910 و 1930). يتمّ في الغالب تتبّع هؤلاء لأغراض سياسية، كما يمكن أيضًا مراقبة 'النّاس المشبوهة' (ومعظمهم من الرجال المسلمين) بناءً على دوافع مختلفة. تحاول سلسلة المقالات هذه استنطاق ملفات الشرطة المكتوبة منذ قرن مضى كمحاولة لفهم التجربة الاستعمارية من خلال المنظور الأمني. تستمد 'ناس مشبوهة' مصادرها من السجّلات المسمّاة بنفس الاسم (أي Gens suspects بالفرنسيّة) والمحفوظة في الأرشيف الوطني.