بالنسبة إلى نور، لم يكن شراء المياه المعلبة خيارًا استهلاكيًا عابرًا. منذ رمضان 2026، تعاني من حصى والتهاب في الكلى، وتقول إن طبيبها أوصاها بشرب المياه المعدنية. ومع اختفاء القوارير من المحلات القريبة منها، لجأت إلى مياه الينابيع والآبار.
«كنت مضطرة إلى شرب المياه المعدنية حفاظًا على صحتي، واليوم لم أعد أجدها. اضطررت إلى اللجوء إلى مياه الآبار والينابيع، وكل يوم أعيش على أمل أن أعثر على قارورة تكفيني لليوم التالي.»
قصة نور ليست مجرد نقص في سلعة على رف متجر. فخلال صيف 2026، تحولت قارورة الماء إلى منتج يبحث عنه المستهلكون بين متجر وآخر، فيما كانت شاحنات التوزيع تصل إلى بعض المناطق على فترات متباعدة، قبل أن تختفي حمولاتها سريعًا.
وفي الأول من سبتمبر، أعلنت وزارة التجارة عن خطة استثنائية لتعزيز التزويد، تضمنت ضخ أكثر من 9 ملايين قارورة من الأحجام العائلية في ولايات تونس الكبرى، مع مواصلة عمليات التزويد إلى حين استعادة نسق العرض الطبيعي. كما أعلنت الوزارة عن إجراءات رقابية بعد تسجيل ممارسات مرتبطة بالمضاربة والاحتكار في القطاع.
ثلاثة مستويات عمّقت أزمة المياه المعلبة
في قراءة حسام سعد، عضو منظمة «ألارت»، لا يمكن تفسير أزمة المياه المعلبة بعامل واحد، بل تداخلت فيها ثلاثة مستويات من العوامل تمثلت في عوامل هيكلية، وأخرى ظرفية، ثم عوامل ساهمت في تعميق الأزمة نتيجة طريقة إدارتها.
ويضع سعد في مقدمة العوامل الهيكلية تراجع المخزونات الاستراتيجية من المياه المعلبة، التي كان يفترض أن تسمح بامتصاص الارتفاع الموسمي في الطلب والتعامل مع الصدمات المفاجئة. وبغياب مخزون قادر على استيعاب هذه الصدمات، أصبحت السوق أكثر هشاشة أمام أي اضطراب في الإنتاج أو التزويد.
أما العوامل الظرفية، فتتعلق أساسًا بجانبي الإنتاج والتزويد من جهة، والطلب والاستهلاك من جهة أخرى. فمن ناحية الإنتاج، أدت انقطاعات الكهرباء إلى تعطيل عمل عدد من وحدات التعليب، فيما أشار سعد إلى تأخر وصول بعض المواد الأولية المستوردة من الصين، في سياق الاضطرابات التي شهدتها حركة الملاحة في المنطقة. ومن ناحية أخرى، أدى ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف إلى زيادة استثنائية في الطلب على المياه المعلبة، وهو ما استنزف المخزونات المتاحة بشكل أسرع.
وبحسب هذه القراءة، فإن تزامن هشاشة المخزون مع اضطرابات الإنتاج والتزويد والارتفاع الحاد في الطلب أدى إلى تضييق الفجوة بين العرض والطلب وتحويل اضطراب ظرفي إلى أزمة أوسع في السوق.
لكن سعد يرى أن الأزمة لم تتوقف عند العوامل الهيكلية والظرفية، بل تفاقمت أيضًا بفعل طريقة إدارتها. ويعتبر أن التسعيرة الجديدة التي وضعتها وزارة التجارة، إلى جانب الخطاب الرسمي المصاحب للأزمة، ساهمت في زيادة حالة القلق لدى المستهلكين. ففي تقديره، لم يكن الخطاب السياسي بيداغوجيًا بما يكفي لشرح أسباب النقص وآليات التعامل معه، بل ركز على الحديث عن المحتكرين والمتآمرين، وهو ما لم يساعد، بحسبه، على طمأنة المستهلكين.
ويربط سعد بين هذه الحالة وبين ما يعتبره سلوكًا استهلاكيًا دفاعيًا؛ إذ دفع القلق وانعدام الثقة بعض المواطنين إلى شراء كميات أكبر من حاجتهم وتخزينها، ما زاد الضغط على السوق بدل تخفيفه.
ويضيف سعد عاملًا آخر يتعلق بالتدخلات الرقابية خلال فترة الأزمة. فبحسب روايته، بين 21 و24 أوت، أوقفت السلطات نشاط بعض باعة مياه الينابيع الذين كانوا يبيعون المياه في الأحياء الشعبية، وحررت ضدهم محاضر بدعوى عدم احترام الشروط الصحية. ويرى سعد أن هذا التدخل، في ظل نقص المياه المعلبة، أزال أحد البدائل المتاحة أمام المستهلكين، وساهم بالتالي في زيادة الطلب على المياه المعلبة.
وبذلك، يلخص سعد تسلسل الأزمة في مسار من ثلاث مراحل وهي هشاشة هيكلية بسبب ضعف المخزون الاستراتيجي، تلتها صدمات ظرفية تمثلت في ارتفاع الطلب واضطرابات الإنتاج والتزويد، ثم تعمقت الأزمة، وفق تقديره، نتيجة طريقة إدارتها وما رافقها من تدخلات وخطاب رسمي وسلوك استهلاكي زاد الضغط على السوق.
طلب استثنائي وإنتاج تحت الضغط
منذ بداية الأزمة، قدمت غرفة منتجي المشروبات غير الكحولية تفسيرًا يرتكز على عاملين رئيسيين: ارتفاع الطلب خلال فترة الحر، وانقطاعات الكهرباء التي أثرت في عدد من وحدات الإنتاج. ووفق تصريحات القطاع، ارتفع الطلب بنحو 30% مقارنة بالمستويات المعتادة.

وفي الوقت نفسه، أثرت انقطاعات الكهرباء على عدد من وحدات التعليب، ما أدى إلى توقف الإنتاج في بعض الحالات وتعطيل عمليات التزويد.
وبحسب الغرفة، أدى ذلك إلى توقف بعض خطوط الإنتاج واضطرار وحدات إلى الصيانة وإعادة التشغيل. كما قالت الغرفة إن ارتفاع الطلب استنزف جزءًا من المخزونات الاحتياطية التي كوّنتها المؤسسات استعدادًا لفترة الذروة.
ويرى سعد أن المشكلة الهيكلية الأبرز تتمثل، وفق تقديره، في غياب مخزون استراتيجي من المياه المعلبة قادر على امتصاص الصدمات المفاجئة. ويقول إن المؤسسات أصبحت تميل إلى العمل وفق سياسة «Just in Time»، أي الاكتفاء بالمخزون الضروري وتجنب الاحتفاظ بكميات كبيرة لفترات طويلة.
ويضيف أن الإطار القانوني لمكافحة المضاربة جعل بعض الفاعلين الاقتصاديين أكثر حذرًا في تكوين مخزونات كبيرة، خشية اعتبارها تخزينًا يهدف إلى إحداث ندرة أو التأثير في السوق. وهو تقييم يقدمه سعد، ولا تثبت المعطيات المتوفرة وحدها وجود علاقة سببية مباشرة بين المرسوم ونقص المياه المعلبة.
فالمرسوم عدد 14 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة المضاربة غير المشروعة يهدف إلى ضمان انتظام تزويد السوق وتأمين مسالك التوزيع، ويعتبر تخزين السلع أو إخفاءها بقصد إحداث ندرة واضطراب في التزويد من أفعال المضاربة غير المشروعة.
ومن زاوية أخرى، يربط سعد جزءًا من هشاشة المخزون بتغير شروط تمويل المعاملات التجارية بعد إصلاح منظومة الشيكات. ويقول إن بعض الفاعلين كانوا يعتمدون سابقًا على الشيكات كوسيلة ضمان لتمكينهم من تكوين مخزونات كبيرة، وهو ما أصبح أكثر صعوبة وفق تقديره بعد دخول القانون عدد 41 لسنة 2024 حيز التطبيق.
وينص القانون فعلاً على تجريم تسلم الشيك على وجه الضمان ضمن الحالات التي حددها الفصل 411 الجديد من المجلة التجارية. لكن القانون وحده لا يثبت أن هذا التغيير أدى إلى نقص مخزونات المياه المعلبة؛ هذه تبقى فرضية اقتصادية طرحها سعد وتحتاج إلى بيانات من الشركات والموزعين لإثبات حجم تأثيرها.
أما حسين الرحيلي، الخبير في الموارد المائية والتنمية، فيضع انقطاعات الكهرباء في قلب الجانب الإنتاجي من الأزمة. ويقول لإنكفاضة إن توقف التيار يؤثر مباشرة في وحدات تعليب المياه، لأن عملية الإنتاج تعتمد على الكهرباء منذ تحويل المواد البلاستيكية الأولية إلى قوارير، وصولًا إلى التعبئة.
وهكذا تراكمت الصدمة من خلال ارتفاع في الطلب خلال موجة الحر، ومخزونات تتراجع، وإنتاج يتعطل عند انقطاع الكهرباء، ثم اضطراب في التوزيع يزيد من اندفاع المستهلكين إلى شراء ما يتوفر من القوارير.
عندما يصبح المخزون نفسه مصدرا للهشاشة
يفترض المخزون أن يكون وسيلة لحماية السوق من الصدمات، لكن الرحيلي يقول إن وحدات الإنتاج كان يفترض أن تمتلك مخزونًا يسمح بتغطية نحو عشرة إلى خمسة عشر يومًا، فيما كان الفاعلون الاقتصاديون يعتمدون على تكوين مخزونات أكبر خلال فترات انخفاض الطلب استعدادًا لفصل الصيف.
وبحسب سعد والرحيلي، أصبح تكوين مخزونات كبيرة أكثر حساسية في ظل القواعد القانونية المتعلقة بالتخزين والمضاربة. لكن هذه النقطة تبقى تفسيرًا يقدمه الخبيران، ولا توجد في المعطيات المتاحة وثيقة تثبت أن الشركات خفضت مخزونها تحديدًا بسبب المرسوم.
وتشير معطيات نُشرت خلال الأزمة إلى أن المخزون التعديلي الذي كان يفترض أن يساعد على تغطية فترة الذروة استُنزف مبكرًا، ما جعل السوق أكثر تعرضًا للصدمات خلال ذروة الطلب في الصيف.
وفي سبتمبر، اتجهت وزارة التجارة إلى مراجعة مستوى المخزون التعديلي، وأعلنت عن توجه لرفعه إلى نحو 200 مليون لتر في 2027، مقابل نحو 70 مليون لتر في 2026.
المشكلة هنا لا تتعلق بالمياه المعلبة وحدها. فالسوق تحتاج إلى مخزون يكفي لفترات الذروة، فيما تعمل الدولة في الوقت نفسه على منع التخزين الذي يمكن أن يتحول إلى احتكار أو مضاربة. وبين الهدفين، يصبح تحديد مستوى المخزون الضروري وآليات مراقبته جزءًا من إدارة الأزمة.
الشيكات... حلقة في سلسلة التزويد
يمتد النقاش حول المخزون إلى طريقة تمويله. فالتاجر الذي يشتري كميات كبيرة من المياه خلال الشتاء استعدادًا للصيف يحتاج إلى تمويل أو إلى آلية تتيح له تأجيل الدفع.
ويرى حسام سعد أن تعديل منظومة الشيكات غيّر هذه العلاقة التجارية، خصوصًا بالنسبة إلى الفاعلين الذين لا يملكون السيولة الكافية لشراء كميات كبيرة مقدمًا. ويقول إن بعض التجار كانوا يعتمدون على الشيكات كوسيلة ضمان لتكوين مخزونات تصل، وفق تقديره، إلى ملايين القوارير.
لكن هذا التفسير لا يكفي وحده لتحديد أثر قانون الشيكات على أزمة المياه المعلبة. إثبات العلاقة يتطلب مقارنة شروط التمويل قبل الإصلاح وبعده، ومعرفة ما إذا كانت الشركات وتجار الجملة قد قلصوا فعلاً مخزوناتهم نتيجة لذلك.
القارورة تبدأ قبل المصنع
حتى عندما تعمل وحدات التعليب، لا تنتهي سلسلة التزويد عند أبواب المصنع. فالمياه تحتاج إلى عبوات بلاستيكية، ومن بين المواد الأساسية في هذه الصناعة القوالب الأولية المصنوعة من مادة PET، التي تتحول داخل المصنع إلى قوارير جاهزة للتعبئة.
ويشير حسين الرحيلي إلى اضطرابات في توفير بعض المواد الأولية المستخدمة في صناعة القوارير، خصوصًا الـpreforms.
وتنتج تونس جزءًا من هذه المواد محليًا من خلال شركة SIPA، التي تأسست سنة 2004 في المنطقة الصناعية بحمام زريبة في ولاية زغوان، وتقول إن طاقتها السنوية تصل إلى 400 مليون قالب أولي من PET، إضافة إلى 800 مليون غطاء، وفق بياناتها الرسمية.
لكن وجود إنتاج محلي للقوالب لا يثبت أن نقص الـPET كان سببًا في أزمة صيف 2026. لذلك، لا ينبغي تقديم المواد الأولية باعتبارها سببًا مثبتًا للأزمة، وإنما باعتبارها حلقة أخرى في سلسلة تزويد قطاع يعتمد على مجموعة من المدخلات الصناعية والطاقة والنقل إلى جانب المياه نفسها.
سوق تضاعفت في ثلاثة عقود
لم تكن تونس دائمًا بهذا الاعتماد على المياه المعلبة. فقد عرف القطاع توسعًا سريعًا خلال العقود الماضية.
وتشير دراسة أكاديمية اعتمدت بيانات الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه إلى أن عدد وحدات التعليب ارتفع من سبع وحدات سنة 1990 إلى 29 وحدة سنة 2020، فيما ارتفعت مبيعات المياه المعلبة من نحو 80 مليون لتر سنة 1990 إلى أكثر من 2.7 مليار لتر سنة 2020.

هذه القفزة لا تعكس فقط توسع عدد المصانع، بل تكشف تحول المياه المعلبة إلى سوق واسعة الاستهلاك. ولذلك، فإن أي اضطراب في هذه السوق لم يعد يؤثر في قطاع صناعي محدود، بل في منتج أصبح جزءًا من الاستهلاك اليومي لعدد كبير من الأسر.
أما بالنسبة إلى الاستهلاك الفردي، فتشير أحدث المعطيات المنقولة عن الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه إلى بلوغ متوسط الاستهلاك السنوي نحو 241 لترًا للفرد سنة 2024، مقابل 225 لترًا سنة 2020.

وفي سبتمبر 2026، أعادت مصادر صحفية نشر الرقم نفسه، مشيرة إلى أن الاستهلاك الوطني اقترب من ثلاثة مليارات لتر سنة 2024.
وهنا يجب التمييز بين المؤشرين: 241 لترًا هو استهلاك سنوي للفرد، وليس إنتاجًا. كما أن رقم ثلاثة مليارات لتر يعبر عن الاستهلاك الوطني وفق المصدر الذي نقله، وليس بالضرورة عن حجم الإنتاج في السنة نفسها.
31 وحدة تعليب... وسوق موزعة جغرافيًا
مع توسع السوق، ارتفع عدد وحدات التعليب أيضًا. ففي حين تشير بيانات الدراسة الأكاديمية إلى 29 وحدة سنة 2020، قالت مديرة الاتصال بالديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه في فيفري 2026 إن تونس تضم 31 وحدة لتعليب المياه بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 500 ألف قارورة في الساعة.

لكن الرقم وحده لا يكشف طبيعة السوق. فالوحدة الصناعية ليست بالضرورة شركة مستقلة، والعلامة التجارية ليست بالضرورة وحدة إنتاج. وقد تمتلك شركة واحدة أكثر من علامة أو تستغل أكثر من وحدة.

علاقة التونسي بمياه الحنفية
إذا كان التونسي يستهلك كميات متزايدة من المياه المعلبة، فإن جزءًا من التفسير يرتبط بعلاقته بمياه الحنفية.
في التقرير الإحصائي السنوي للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، أجرت الشركة سنة 2023 نحو 57,504 تحليلًا بكتريولوجيًا، وأظهرت النتائج مطابقة 97.9 % من العينات للمواصفات، إلى جانب إجراء تحاليل فيزيائية وكيميائية للمياه الموزعة. وتخص نسبة 97.9 % نتائج التحاليل البكتريولوجية تحديدًا، ولا تعني أن النسبة نفسها تمثل جميع المعايير الفيزيائية والكيميائية.
لكن مطابقة العينات للمعايير لا تلغي تجربة المستهلك اليومية. فالطعم والرائحة والملوحة، إلى جانب انقطاعات التزويد، يمكن أن تؤثر في الثقة بالمياه الموزعة.
وهذا ما تظهره دراسة أكاديمية نشرت سنة 2025 في مجلة Applied Economic Perspectives and Policy. وشملت الدراسة 834 أسرة في تونس الكبرى، وخلصت إلى أن جودة مياه الحنفية كانت من أهم العوامل المؤثرة في قرار استهلاك المياه المعلبة. ووجد الباحثون أن 79.5 % من الأسر في العينة كانت تشتري المياه المعلبة بانتظام للاستهلاك المنزلي، فيما اعتبر 40 % من المشاركين جودة مياه الحنفية سيئة، و44.6 % اعتبروها سيئة جدًا، وقال 57.6 % إن الطعم يمثل مشكلة، بينما أبدى 76.5 % مخاوف من الآثار الصحية لمياه الحنفية.
هذه ليست نسبًا وطنية، بقدر ما هي نتائج دراسة لعينة من الأسر في تونس الكبرى. لكنها تقدم مؤشرًا مهمًا على العلاقة بين الثقة في ماء الحنفية واللجوء إلى القارورة.
ويرى حمزة الفيل، الباحث في مركز بحوث وتكنولوجيات المياه، أن الأزمة لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها أزمة مياه معدنية فقط. ففي تقديره، الحاجة الأساسية هي إلى ماء شرب ذي جودة مقبولة وموثوقة، وكلما تراجع اعتماد المواطن على ماء الحنفية ارتفع اعتماده على المياه المعلبة.
عندما يصبح الانقطاع جزءًا من القرار الاستهلاكي
إلى جانب الجودة التي يدركها المستهلك بحواسه، هناك عامل آخر أكثر مباشرة: توفر الماء نفسه.
فالانقطاعات المتكررة تجعل الأسرة تبحث عن بديل يمكن تخزينه في المنزل. ومع ارتفاع درجات الحرارة، يتحول هذا السلوك من إجراء احتياطي إلى طلب يومي على المياه المعلبة.
ولا يعني ذلك أن كل انقطاع يؤدي مباشرة إلى شراء قارورة، لكن تزامن الانقطاعات مع موجات الحر يجعل السوق أكثر حساسية لأي اضطراب في الإنتاج أو التوزيع.
وفي هذه الحالة، تصبح القارورة أكثر من منتج غذائي، لكونها مخزونًا منزليًا صغيرًا لمواجهة انقطاع خدمة أساسية.
عندما تختفي القارورة... تظهر البدائل
عندما اختفت المياه المعلبة من المحلات، لجأ بعض المستهلكين إلى الينابيع والآبار والصهاريج ومحلات بيع المياه المعالجة، لكن هذه البدائل ليست متساوية من حيث الرقابة الصحية.
ويحذر حمزة الفيل من التعامل معها باعتبارها بديلًا موحدًا. فسلامة المياه المنقولة بواسطة الصهاريج، مثلًا، لا ترتبط بالمصدر فقط، وإنما أيضًا بنظافة الخزان وظروف النقل والتخزين. أما مياه الآبار والينابيع، فلا تصبح آمنة تلقائيًا لمجرد كونها آتية من مصدر طبيعي.
بالنسبة إلى نور، كان اللجوء إلى الآبار والينابيع حلًا اضطراريًا فرضه غياب المياه المعلبة، وليس اختيارًا بين منتجات متنافسة.
وهنا تظهر المفارقة: المستهلك الذي يلجأ إلى القارورة بسبب مخاوفه من جودة ماء الحنفية قد يجد نفسه، عندما تختفي القوارير، أمام مصادر مياه أقل وضوحًا من حيث المراقبة.
السعر محدد... لكن القارورة ليست موجودة دائمًا
في خضم الأزمة، تدخلت وزارة التجارة لتنظيم أسعار المياه المعلبة.
وأدخل قرار صدر في 19 أوت 2026 سقفًا للأسعار حسب حجم العبوة: 600 مليم لنصف لتر، و800 مليم للتر، و850 مليما لـ1.5 لتر، و950 مليما للترين. كما حدد هامش الربح الخام الأقصى بـ15 مليمًا للقارورة على مستوى التوزيع بالجملة و15 مليمًا للقارورة على مستوى التوزيع بالتفصيل.

في الظاهر، بدأت الأزمة عند المحلات وانتهت عند وصول شاحنات جديدة إلى نقاط البيع. لكن ما كشفته الأزمة أوسع من ذلك.
خلال ثلاثة عقود، انتقل قطاع المياه المعلبة من إنتاج ومبيعات بعشرات ملايين اللترات إلى مليارات اللترات سنويًا، وارتفع عدد وحدات التعليب إلى 31 وحدة. وفي الوقت نفسه، أصبح متوسط استهلاك الفرد من المياه المعلبة يبلغ نحو 241 لترًا سنويًا في 2024 وفق بيانات الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه.
هذا التوسع تزامن مع استمرار المشاكل التي تؤثر في علاقة المواطن بالماء العمومي، أي انقطاعات، واختلاف في الطعم والملوحة بين المناطق، ومخاوف لدى جزء من المستهلكين بشأن جودة المياه.
وقد أظهرت أزمة صيف 2026 أن ارتفاع الطلب وحده لا يكفي لتفسير النقص. فالسوق تتأثر أيضًا بقدرة وحدات التعليب على الإنتاج، واستمرارية الكهرباء، وتوفر المواد الأولية، وآليات التوزيع، وحجم المخزون الذي يمكن اللجوء إليه خلال فترات الذروة.
قد تعود القوارير إلى رفوف المتاجر مع استقرار الإنتاج والتوزيع وتراجع الطلب المرتبط بموجة الحر. وقد ينتهي نقص صيف 2026 كما انتهت أزمات أخرى، بعودة السلعة إلى السوق.
لكن بالنسبة إلى نور، لم تكن المشكلة في علامة تجارية بعينها، ولا في اختيار قارورة أفضل من أخرى. فقط كانت تبحث عن الماء.
وفي هذه النقطة تحديدًا تتجاوز قصة المياه المعلبة حدود السوق. فحين يصبح الوصول إلى قارورة ماء مهمة يومية، فهذا يعني أن الاعتماد على السوق لم يعد مجرد تفضيل استهلاكي.
لقد أصبحت القارورة بالنسبة إلى جزء من الأسر وسيلة للتعامل مع انقطاعات الماء، ومخاوف الجودة، وارتفاع الحرارة.
وفي المقابل، يبقى ماء الحنفية خدمة عمومية يفترض أن تكون متوفرة وموثوقة، فيما تحتاج الموارد الجوفية التي تغذي جزءًا من سوق المياه المعلبة إلى مراقبة دقيقة.

