قضية آدم مبارك : حين يطال القمع القُصر

خرج آدم مبارك، البالغ من العمر 17 سنة، للمشاركة في مسيرة داعمة لفلسطين، ليجد نفسه بعد يومين في السجن. وبين تفاصيل إيقافه ومسار قضيته وشهادات المقرّبين منه، تعيد قضية آدم إلى الواجهة أسئلة حرية التعبير والاحتجاج، وحدود انخراط الشباب في الحياة العامة.
بقلم | 26 سبتمبر 2026
6 دقائق

في الساعات الأولى من فجر يوم الاثنين 21 سبتمبر، كان آدم مبارك في منزله برواد، يستعد على الأرجح ليوم دراسي عادي. كان التلميذ، البالغ من العمر 17 سنة، في غرفته عندما وصلت ست سيارات أمنية إلى منزل والديه. اقتيد من غرفته إلى ثكنة العوينة، بحضور والده، على خلفية مشاركته قبل يومين في مسيرة مساندة لفلسطين ولنُشطاء أسطول الصمود.

خلال تلك الليلة، انقطع آدم عن حياته اليومية فجأة. وبدل أن يعود إلى مقاعد الدراسة بمعهد رواد، وجد نفسه في ثكنة العوينة، حيث بقي أكثر من 15 ساعة في أحد الأروقة دون ماء أو طعام، ومن دون إمكانية الاتصال بعائلته. ولم ينته الأمر عند ذلك، إذ صدر لاحقًا قرار بالاحتفاظ به وإحالته إلى النيابة العمومية.

قبلها بيومين فقط، كان آدم بين عشرات المشاركين في مسيرة جابت شوارع العاصمة يوم 19 سبتمبر، للمطالبة بالإفراج عن نشطاء "أسطول الصمود" والتنديد بما يتعرضون له. رُفعت خلالها الشعارات ورددت الهتافات، قبل أن تنتهي المسيرة ويعود المشاركون إلى منازلهم. غير أن نهاية التحرك لم تكن نهاية شبح التهديد بالنسبة للجميع. فقد شهدت الساعات اللاحقة حملة إيقافات طالت مشاركين ومشاركات في المسيرة، كان آدم من بينهم، وفق ما أعلنته هيئة "أسطول الصمود"، التي أفادت بأن عمليات الإيقاف جرت ليلًا وفي أماكن مختلفة.

من المسيرة إلى المحاكمة: مسار قضية آدم

شارك آدم في مسيرة يوم السبت 19 سبتمبر، التي انطلقت في حدود الساعة الخامسة مساءً من أمام مقر النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين وجابت شوارع العاصمة، للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين في قضية أسطول الصمود والتنديد بما يتعرضون له، في وقت أكدت فيه بعض المعطيات تدهور الحالة الصحية لمعتقلي أسطول الصمود داخل سجن المرناقية. اذ بلغ وائل نوار يومه الثالث والثلاثين من الإضراب عن الطعام، فيما واصل رفاقه غسان الهنشيري وغسان البوغديري ونبيل الشنوفي إضرابهم لليوم الثامن.

أثّث هذه المسيرة عدد من الناشطين والناشطات الشباب، وكان آدم من بينهم، إلى جانب وجوه تمثل عددًا من المنظمات والقوى المدنية الممضية على بلاغ التحرك، من بينها اللجنة الوطنية للدفاع عن نشطاء أسطول الصمود والحق الفلسطيني، والاتحاد العام التونسي للشغل، والمنظمة التونسية للأطباء الشبان، والهيئة الوطنية للمحامين بتونس، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين.

جابت المسيرة شوارع العاصمة، قبل أن تنتهي ويغادر المشاركون المكان عائدين إلى منازلهم، تحت أنظار أعوان الأمن، وفي ظل توثيق مباشر للتحرك على صفحات التواصل الاجتماعي. وكانت الجهات المنظمة قد أعلمت السلطات مسبقًا بموعد المسيرة ومسارها، وفق ما أفاد به منظمو التحرك. ولم تشهد المسيرة أي أعمال شغب أو مناوشات أو اشتباكات.

لكن الليلة الفاصلة بين الأحد 20 والاثنين 21 سبتمبر لم تمر بنفس هدوء وسلمية المسيرة، اذ شهدت حملة إيقافات واسعة، طالت 14 مواطنًا ومواطنة من المشاركين في مسيرة السبت. ووصفت تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين هذه الإيقافات بأنها تمت « دون أدنى اعتبار للإجراءات القانونية المتبعة»، مشيرة إلى « اقتحام البيوت» و « ترويع الأطفال» خلال عمليات الإيقاف التي جرت في ساعات متأخرة من الليل والتي شملت إيقاف عائلة بأكملها، تتكون من سهيل الشابي وثرية شطيبة وابنتيهما، فيما تم اعتراض آخرين في الطريق، من بينهم عادل بن غازي. 

وكان منزل والدي آدم في حي قهوة أميرة برواد من بين المنازل التي وقع اقتحامها تلك الليلة. فوفق بيان مجموعة "الموفما"، التي ينتمي إليها آدم، وصلت إلى المنزل «ست سيارات مدججة بقوات البوليس»، قبل أن يقع اقتياده من غرفته الخاصة إلى ثكنة العوينة، مصحوبًا بوالده. 

ويؤكد أحد محامي الدفاع، الأستاذ فادي سنان «ان أفراد العائلة توجهوا ليلًا إلى الفرقة الأمنية للاستفسار عنه، لكنهم أُبلغوا في البداية بأنه غير موجود، قبل أن يتلقوا، بعد نحو ساعة، اتصالًا يطلب منهم الحضور إلى مقر الفرقة. وعند وصولهم، تبيّن لهم، أن آدم كان قد خضع للاستنطاق قبل وصولهم.»

داخل الثكنة، مُنع آدم اذا من مقابلة محاميه، وفق ما جاء في بيان مجموعة الموفما، حيث «قضى أكثر من 15 ساعة مرميًا في رواق داخل الثكنة، دون أكل أو شرب، ودون أي إمكانية للاتصال بعائلته». لتقرر النيابة العمومية، يوم الاثنين، الاحتفاظ بجميع الموقوفين لمدة 48 ساعة على ذمة التحقيق.

ويصف المحامي ظروف الاحتفاظ بأنها شملت، وفق ما نقل إليه آدم، «سوء معاملة واعتداء وإهانة للكرامة، وعنفًا ماديًا ولفظيًا»، مؤكدا أن حالته النفسية أصبحت صعبة بعد هذه التجربة.

ويشير الاستاذ فادي سنان إن الاستنطاق ركّز، من بين أمور أخرى، على الفيديو الذي ظهر فيه آدم خلال المسيرة. وبحسب روايته، فإن الجانب الوحيد من حقوقه الذي احترم، كان حضور والده أثناء الاستنطاق، في حين لم يتم احترام حقه في حضور محامٍ منذ البداية، باعتباره مشتبهًا به. كما تتحدث عن تعرضه للتهديد والعنف، مشيرا لان بعض أقواله أُخذت في ظروف اتسمت بالضغط والتهديد.

ويوضح أن آدم أُبقي، في البداية، على ذمة البحث على خلفية رفعه شعارات خلال المسيرة، قبل أن تتوسع وضعية التتبع لتشمل التهم الموجهة إليه حاليًا، بحسب ما ورد في الملف والتي أكدها المحامي رافد رباح لانكفاضة: وهي " التواجد ضمن جمع من شأنه الاخلال بالراحة العامة و كان القصد منه ارتكاب جريمة. نسبة أمور غير قانونية لموظف عمومي متعلقة بوظيفته، الجهر بأي نوع من أنواع الصراخ و الأناشيد المهيّجة التي تلقى بأماكن و اجتماعات عمومية، نسبة أمر لدى العموم فيه هتك اعتبار شخص و هيئة رسمية"، وذلك طبق الفصول 79 و 128 و 220 مكرر و 245 و 247 من المجلة الجزائية.

ويرى المحامي فادي سنان أن آدم لن يغادر السجن قبل موعد الجلسة المقبلة، المحدد في 6 أكتوبر، بحسب تقديره. أما بخصوص العقوبة المحتملة، فيقول إنه من الصعب التنبؤ بما ستؤول إليه القضية، إذ يمكن أن تقضي المحكمة بعقوبة في بعض التهم دون أخرى، مشيرا إلى أن مدة العقوبة قد تكون في حدود عام أو أكثر، بحسب ما ستقرره المحكمة وبحسب التهم التي ستثبت.

آدم خارج الملف: كما يراه أصدقاؤه ورفاقه وأساتذته

يقطن آدم، البالغ من العمر 17 عامًا، في حي قهوة أميرة برواد، وهو حيّ يصفه أحد أصدقائه بـ« الموبوء»، في إشارة إلى ما يعيشه من تهميش تنموي وإلى مشكلات اجتماعية متداخلة، من الإدمان والمخدرات إلى الحرقة والإرهاب. في هذه البيئة، شقّ آدم طريقه في الدراسة من دون أن يرسب، وهو اليوم تلميذ بالسنة الثالثة ثانوي في المعهد الثانوي برواد. لكنه اختار أيضًا أن يقطع مع وضعية التهميش التي تحيط به، وأن ينخرط في الشأن المحلي من خلال "الموفما" (حركة شباب أريانة سابقًا)، وهي جمعية شبابية محلية في رواد تعمل على توفير الحق في  الثقافة والمعرفة لشباب الأحياء المهمشة.

كان آدم حاضرًا إلى جانب أبناء وبنات حيه في قضايا تتصل بحياتهم اليومية، من الصرف الصحي والتلوث إلى البحر، كما شارك في حملات نظافة وحملات توعية بمخاطر الإدمان. وفي الوقت نفسه، كان يتعلم ويعلّم التصوير والمونتاج والغرافيتي. «أكثر شعار ينطلق منه ويؤمن به هو حق الهوامش»، يقول أحد أصدقائه الذي خير عدم الافصاح عن اسمه، مضيفًا أنه «مهتم بكل مشاغل ومشاكل حيه».

قبل أسابيع من إيقافه، شارك آدم مع أبناء وبنات "الموفما" في تنظيم مهرجان فنون الهواة «تويزة للهوامش»، الذي سعت المجموعة من خلاله إلى توفير منصّة لمواهب شابة غير معروفة في الراب والسلام والشعر والمسرح، إلى جانب تنظيم حلقات نقاش حول قضايا بيئية واجتماعية واقتصادية تهمّ رواد خصوصًا وتونس عمومًا. «شهر ونصف يقضيها إلى الفجر يوميًا على شط رواد، يعمل ويسهر على المهرجان. وبعد المهرجان ذهب إلى بنزرت ليشارك في مهرجان شبابي مستقل آخر للسينما، ثم إلى المنستير للمشاركة في أيام ورشة للسينما الملتزمة»، يروي أحد أصدقائه.

 آدم مباركي وأعضاء الموفما في مهرجان تويزة للهواة ـ رواد 2026

«علينا أن نتحرك في المركز، وفي جميع القضايا التي تشكل حياتنا»، بهذه العبارة يختصر صديقه ما ارتبط في ذهنه باسم آدم. ويستحضر، في حديثه عنه، فارق السن بينهما، قائلًا: «لم أدرك في البداية أنني أكبره سنًا. لقد كان مشغول البال بقضايا حيه والبلاد والعالم. في سن السابعة عشرة، كنت أقل منه وعيًا واهتمامًا بهذه المسائل».

داخل "الموفما"، ترك آدم أيضًا انطباعًا يتجاوز مشاركته في الأنشطة. «هو من أكثر الاعضاء المحبوبين في الموفما، والجيل المؤسس يحبه كذلك باعتباره شخصا دائما ما يلبي نداء الحاجة». وبعد إيقافه، كانت ردود الفعل الأولى داخل محيطه مختلفة "عمّا كان البعض يتوقعه". فبدل أن يواجه خبر إيقافه بالصمت، وجدوا «تعاطفًا وتعاونًا في الحي والمعهد وبين زملائه، وحتى من المدير والأساتذة».

"آدم تلميذي لامست فيه الابتسامة والشغف. كان مؤمنا بالعمل الجمعياتي مجسدا لقيم المواطنة. تلميذ فاعل و مبدع، ربي يفرج عليه" - أستاذة آدم بمعهد رواد

بالنسبة إلى أصدقائه، لم يكن آدم "ناشطًا محترفًا" ولا شخصية عامة، بل «إنسانًا عاديًا خرج ليعبّر عن نفسه». وربما في هذه العبارة تحديدًا تكمن صورة آدم كما يعرفه رفاقه: شاب في السابعة عشرة، يدرس في المعهد، ويتعلم التصوير والمونتاج، ويعمل على مهرجان في حيه، ويتنقل بين ورشات السينما، وفي الوقت ذاته يحاول أن يجد لنفسه ولأبناء حيه مكانًا في قضايا يقول إنهم غالبًا ما يُدفعون على هامشها.

ما بعد قضية آدم : المزيد من خنق نفس التعبير و تجريم الاحتجاج

على مستوى أوسع، تمثل حادثة إيقاف آدم حلقة جديدة في مسلسل التضييق على النشاط المدني والسياسي والتضامني مع القضية الفلسطينية بصفة عامة، وعلى الحق في الاحتجاج وحرية التعبير بصفة خاصة.

فالإيقافات التي شملت، إلى جانب آدم، 14 ناشط وناشطة آخرين، لم ترتبط، إلى حدّ الآن، بحسب المعطيات المتاحة، بأفعال تتجاوز مشاركتهم في المسيرة الداعمة لنشطاء "أسطول الصمود" والتعبير عن مواقفهم خلالها. وهي بذلك تأتي ضمن سياق أوسع من التضييق على الحريات، وثّقت إنكفاضة في إطار عشرات الحالات التي شملت سياسيين ونقابيين وإعلاميين وصحفيين، إلى جانب مواطنين وشبان. غير أن إيقاف آدم يضفي بعدًا آخر على هذا المسار، باعتبار أن الأمر يتعلق بقاصر يبلغ من العمر 17 سنة.

ويصف محاميه، فادي سنان، ما جرى بأنه «فضيحة دولة»، ليس فقط بالنظر إلى سن آدم، وإنما أيضًا بسبب «طريقة الإيقاف، وأسباب الإيقاف، وطريقة التعامل معه». ويرى أن القضية تندرج ضمن ما يعتبره عودة إلى «دولة البوليس» وممارسات مرتبطة بالعنف والتعذيب، معتبرًا أن وضع آدم كقاصر لا يمثل سوى أحد أوجه ملف أوسع يصفه بـ «القمع الممنهج لكل صوت حر أو معارض للنظام الحالي».

وفي الاتجاه نفسه، أشارت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، في بيان أصدرته يوم 21 سبتمبر بالاشتراك مع هيئة المحامين والاتحاد العام التونسي للشغل، إلى ما وصفته بـ «التضييق على الاحتجاجات والتجمعات السلمية واعتماد الإجراءات الأمنية والقضائية كوسيلة لإدارة الاحتقان». واعتبرت الجهات الثلاث أن هذه الممارسات تضمنت «خروقات قانونية صريحة ومظاهر استعراضية وترويعًا للأهالي والأجوار».

ويؤكد المحامي أن هذه الممارسات، وفقًا لتقديره، لم تمنع المحامين في السابق من مواصلة الدفاع عن المتابعين في القضايا السياسية والحقوقية، مضيفًا: «هذا دورنا، وليس منّة، وسنواصل الوقوف إلى جانب الحق». كما يقول إن مثل هذه الممارسات لم تكن، بالنسبة إليه ولغيره من المحامين، سببًا للتراجع خلال فترات سابقة، سواء في عهد بن علي أو بعده، ولن تكون كذلك اليوم، حتى في ظل ما يعتبره «عدم احترام أبسط مقومات المحاكمة العادلة».

في الختام، تضع قضية آدم، الذي سيبقى بعيدًا عن مقاعد الدراسة إلى حين موعد جلسته المقبلة في 6 أكتوبر، أسئلة الحقوق والحريات العامة في الواجهة من جديد. كما تعيد إلى النقاش حدود ما يمكن أن يواجهه الشباب حين تتحول مشاركتهم في المجال العام، من ممارسة مواطنية يكفلها القانون، إلى سبب لتتبعات وإجراءات قضائية.

هكذا يوضع الشابّ التونسي أمام خيارين: إمّا أن «يهتمّ بالدراسة فقط»، كما قيل لآدم خلال مثوله أمام قاضي الطفولة، أو أن ينخرط في الحياة العامة بما قد يترتّب عن ذلك من تبعات وتكاليف. 

Inkyfada Landing Image

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول