ترشيد الواردات أم إدارة الأزمة؟ : ما وراء منشور البنك المركزي

خلف التبريرات الرسمية لمنشور البنك المركزي الأخير حول ترشيد الواردات والتمييز بين السلع الأساسية والكمالية، تلوح ملامح معركة اقتصادية صامتة يدفع ضريبتها صغار المستثمرين والمستهلكين على حد سواء في ظل نموذج اقتصادي متأزم يواجه عجزاً تجارياً مزمناً.
بقلم | 06 جويلية 2026
20 دقيقة
في أحد أسواق العاصمة، يقف رجل أمام محلّ جزار يراجع سريعًا ما تبقّى في محفظته قبل أن يطلب كمية أقلّ ممّا اعتاد شراءه. داخل مغازة كبرى، تسأل امرأة عن منتج مستورد اختفى منذ أسابيع من الرفوف، بينما تغيّرت أسعار سلع أخرى أكثر من مرّة خلال شهر واحد. في الأحاديث اليومية تتكرّر نفس الجملة نفس “ السلعة مقطوعة”، أو “ الأسعار شعلّت نار”. 
وعلى بعد كيلومترات قليلة، داخل منطقة الشرڤية الصناعية، يجلس صاحب مؤسسة صغرى ، يراجع للمرة الثالثة بريده الإلكتروني ورسائل البنك. مشروعه القائم على تركيب معدّات إلكترونية مهدّد بالتوقّف، ليس بسبب غياب الحرفاء أو ضعف الطلب، بل لأنّ البنك أجّل مجددًا الموافقة على التمويل الضروري لتوريد المواد الأولية وقطع الغيار من الخارج. 
قد تبدو الصورتان منفصلتين، لكنّهما تعكسان في الواقع تداخلًا بين مستويات مختلفة من الضغط الاقتصادي، يتجاوز مجرّد ارتفاع الأسعار أو اضطراب التزويد في بعض السلع. ولوقف هذا النزيف، اختارت الدولة اللجوء إلى سلاح السياسات النقدية. ففي 26 مارس 2026، أمضى محافظ البنك المركزي التونسي، فتحي زهير النوري، المنشور عدد 2026-4، وهو إجراء تنظيمي يفرض رقابة أشدّ على تمويل الواردات، ويمنح البنوك تعليمات أكثر صرامة في التعامل مع عمليات التوريد، تحت عنوان واضح: حماية ما تبقّى من احتياطي العملة الصعبة، وترشيد الواردات نحو “الحاجيات الأساسية والضرورية”. 
خلف هذا الخطاب التقني واللغة المالية، تطرح تطوّرات الاقتصاد التونسي أسئلة أعمق تتجاوز الإطار الإجرائي لهذه الإجراءات. فهل يتعلق الأمر باضطراب ظرفي يمكن احتواؤه عبر مزيد من التشديد المؤقت في تمويل الواردات وترشيد استعمال العملة الصعبة؟ أم أنّ ما يجري يعكس نمطًا من إدارة الأزمة ذاتها، بدل معالجتها، في سياق اختلالات أصبحت أكثر رسوخًا وبنيوية في بنية الاقتصاد؟

شرط التمويل الذاتي الكامل لاستيراد السلع "غير ذات الأولوية" كبحاً للاستنزاف المالي

أقر البنك المركزي التونسي حزمة من الإجراءات التنظيمية الصارمة التي تستهدف ترشيد عمليات الاستيراد وعقلنة استهلاك احتياطي البلاد من العملة الصعبة. وتأتي هذه الخطوة عبر منشور جديد يضع قيوداً غير مسبوقة على تمويل المواد المصنفة كـ "سلع غير ذات أولوية"، مرسخاً قاعدة التعامل النقدي المباشر ومغلقاً الباب أمام التسهيلات البنكية التقليدية لهذه الفئة من الواردات لحماية التوازنات المالية للمرّكب الاقتصادي الوطني.

وبموجب الضوابط الجديدة، بات المستوردون التونسيون ملزمين بتكوين ودائع نقدية تغطي كامل القيمة المالية بنسبة مئة بالمئة (100%) للشحنات المزمع استيرادها قبل البدء في إجراءات الشحن، بحيث تأخذ هذه التغطية شكل إيداعات نقدية مباشرة يودعها المستورد لدى وسيطه المعتمد، بالاعتماد حصرياً على أمواله الذاتية دون الحق في اللجوء إلى أي شكل من أشكال التمويل المصرفي. وتتميز هذه القاعدة بشمولية مطلقة إذ تطبق أياً كانت الآلية المالية المعتمدة للسداد، سواء تم ذلك عبر الاعتمادات المستندية، التحويلات البنكية المباشرة، أو الكمبيالات، بالتزامن مع حظر تام على المصارف لتقديم أي نوع من التسهيلات الائتمانية أو الدعم المالي لهذه العمليات، بما في ذلك القروض والاعتمادات والضمانات المصرفية بمختلف تصنيفاتها.

وتفادياً لإصابة القطاعات الإنتاجية بالشلل أو تعطيل المرفق العام، وضع المنشور صمام أمان يستثني أربع فئات رئيسية من هذا الإلزام، حيث أُعفيت الصفقات العمومية المنجزة لفائدة الدولة والمنشآت والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية، بالإضافة إلى التعهدات السابقة التي ارتبطت بشأنها البنوك بتعهدات تمويلية مسبقة ومؤكدة قبل دخول المنشور حيز التنفيذ الفعلي وشُرع في إنجازها بالفعل.

 كما شمل الاستثناء المدخلات والعمليات التي تقوم بها المؤسسات الصناعية لاستيراد مواد ترتبط مباشرة بنشاطها التجاري أو الإنتاجي شريطة الاستظهار ببطاقة فنية معتمدة من وزارة الصناعة تثبت هذه الصلة، فضلاً عن الواردات التي تتم تحت نظام الجمركة الخاص بالتحويل الداخلي.

وفيما يتعلق بطبيعة المواد المستهدفة، فقد ضمت القائمة الملحقة بالمنشور مئات السلع المصنفة كـ "غير ذات أولوية" وتوزعت على قطاعات استهلاكية وتجهيزية واسعة النطاق، بدءاً من المواد الغذائية والكمالية كالأسماك والقشريات والأجبان والعسل الطبيعي، مروراً بالفواكه الطازجة والمجففة مثل الموز والأفوكادو والكيوي واللوز، وصولاً إلى الصناعات الغذائية كالشوكولاتة والحلويات والعجائن والبسكويت والمثلجات، والمشروبات المتنوعة كالمياه المعدنية والمشروبات الكحولية بمختلف أصنافها. كما طالت القيود منتجات العناية الشخصية بما يشمل الملابس الجاهزة والأحذية والحقائب ومستحضرات التجميل كالعطور والماكياج والشامبو ومعجون الأسنان والصابون ومزيلات العرق، إلى جانب المواد الورقية والصحية الأساسية مثل الورق الصحي وحفاضات الأطفال والفوط الصحية.

ولم تتوقف التقييدات عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل السيارات واليخوت وقوارب النزهة والإطارات المطاطية الجديدة الخاصة بالدراجات النارية والهوائية، بالإضافة إلى طيف واسع من الأجهزة الكهرومنزلية أبرزها أجهزة التكييف والثلاجات والغسالات والميكروويف والمكاوي وسخانات المياه ومجففات الشعر. وشملت القائمة أيضاً التجهيزات الصحية كالأحواض وأحواض الاستحمام، وأواني المائدة المصنوعة من البورسلين أو الخزف أو الزجاج، وأدوات القطع كالسكاكين، والسجاد، والمفروشات المنزلية كالستائر والملاءات والأغطية، وصولاً إلى بعض مواد البناء كالرخام والغرانيت. واختتمت القائمة بمستلزمات الحياة اليومية والترفيهية مثل المستلزمات المكتبية كالكراسات والمصنفات والأقلام والأظرفة، ومعدات التخييم كالخيام، فضلاً عن تشكيلة متنوعة من ألعاب الأطفال كالدمى والدراجات ثلاثية العجلات وألعاب الألغاز.

فور صدور المنشور، توالت ردود الفعل المتوجسة من الأوساط الاقتصادية؛ إذ عبرت الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة عن صدمتها من هذا الإجراء غير المتوقع، الذي جاء في وقت كانت تترقب فيه حوافز لإنقاذ النسيج المؤسساتي لا تضييقاً يخنق أنفاسه. محذرةً من مأزق مالي حاد يهدد بقاء واستقرار آلاف الشركات الصغرى بشكل مباشر. ففي بيان لها، استنكرت الجامعة تحميل المؤسسات تبعات أزمة اقتصادية لم تكن سبباً فيها، رافضة اتخاذ قرارات أحادية دون تشاور حقيقي مع الهياكل المهنية، ومطالبة بمراجعة عاجلة للمنشور تضمن تمييزاً للقطاعات الحيوية وتوفيراً لبدائل تمويل مرنة، ضمن رؤية إصلاحية شاملة تتجاوز المسكنات المؤقتة. 

أما منظمة ألرت فقد عبرت من جهتها عن قلقها من طبيعة القائمة الملحقة بالمنشور، والتي كشفت عن تداخل بين سلع الرفاهية والاحتياجات المعيشية والتشغيلية اليومية؛ فبينما استهدف القرار سيارات سياحية وسلعاً فاخرة، منتجات لا يمكن اعتبارها من الكماليات في واقعنا الاقتصادي اليومي، مثل الغلال، ومواد النظافة الأساسية كمعجون الأسنان وحفاظات الأطفال، وصولاً إلى مواد التعليب والورق المقوى والأجهزة الكهرومنزلية. هذه المنتجات تلبي طلباً حقيقياً في السوق ويصعب تعويضها بالإنتاج المحلي على المدى القصير، مع كون الكثير منها يمثل مدخلات إنتاج أساسية تدخل مباشرة في حساب الكلفة للمؤسسات التونسية، مما يجعل القيود الجديدة بمثابة حجر عثرة قد يعمق الركود ويدفع الأسعار نحو مستويات قياسية جديدة. 

"إنّ نمط الحياة الذي تسعى الدولة إلى فرضه على المواطنين لا يدفع نحو الرفاه ولا نحو الحفاظ على رغبة التونسيين في البقاء في البلاد. فالقائمة تشمل سيارات تُعامل كما لو كانت من مظاهر البذخ، في حين أنّ الدولة نفسها لا توفر نقلًا عموميًا محترمًا وفعالًا" - حسام سعد عن منظمة ألرت

جاء هذا القرار إذا كاستجابة حتمية لسياق اقتصادي معقد يفرض نفسه بقوة. لذا، فإن قراءة مآلات هذا المنشور و تداعياته المرتقبة على الأسواق وحركة الاستيراد يستوجب تشريح واقع الميزان التجاري التونسي اليوم؛ للوقوف على معضلاته الهيكلية، وتفكيك الأزمة العميقة التي شكّلت الدافع الأساسي وراء هذه القيود الجديدة.

تشخيص لعجز تجاري مزمن

تكشف أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء عن استمرار الضغوط التي يواجهها الميزان التجاري التونسي، في سياق مسار يمتد على كامل العقد الأخير تكشف عن اختلال هيكلي عميق يبدو أبعد من أن تعالجه حلول ظرفية أو إجراءات تقنية محدودة.

وتبرز الأرقام هذا التوجه بوضوح؛ فبعد أن سجل العجز التجاري مستوى قياسيًا سنة 2022 بلغ 25,231.4 مليون دينار، تراجع نسبيًا خلال سنة 2023 إلى حدود 17,069.0 مليون دينار، قبل أن يعود الارتفاع في 2024 ليصل إلى 18,927.6 مليون دينار، ثم إلى 21,800.3 مليون دينار خلال سنة 2025

ويؤكد هذا المنحى التصاعدي أن التحسن المسجل في الصادرات، التي بلغت 63,695.1 مليون دينار سنة 2025، يظل غير قادر بنيويًا على مجاراة الارتفاع المتواصل للواردات، التي قفزت إلى 85,495.4 مليون دينار، مع استمرار الاختلال بين هيكلة الإنتاج المحلي وحاجيات السوق من المواد والسلع المستوردة.

العبء الطاقي: الفاتورة الأكثر كلفة

عند التعمق في المعطيات القطاعية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء، يتضح أن ملف الطاقة والمحروقات يمثل أحد أبرز مصادر الاختلال التجاري في البلاد، بالنظر إلى الثقل المتزايد للفواتير المرتبطة بالتوريد الطاقي وتراجع القدرة المحلية على تغطية الحاجيات الداخلية.

فخلال سنة 2024، بلغت قيمة واردات المنتجات البترولية المكررة نحو 8,602.9 مليون دينار، تضاف إليها 4,136.4 مليون دينار من واردات الغاز الطبيعي، إلى جانب 1,960.4 مليون دينار من النفط الخام. وتعكس هذه الأرقام الحجم المتنامي للضغط الذي تمثله فاتورة الطاقة على احتياطات البلاد من العملة الصعبة، في ظل ارتباط متزايد بالسوق الخارجية وتقلبات أسعار الطاقة العالمية، بالتوازي مع التراجع المستمر للإنتاج الوطني من المحروقات.

وتؤكد بيانات سنة 2026 استمرار هذا المنحى، إذ تجاوز العجز الطاقي الإجمالي 4.19 مليار دينار مع نهاية شهر أفريل، مستحوذًا بمفرده على أكثر من نصف العجز التجاري الإجمالي للبلاد.

وتحيل هذه الوضعية إلى هشاشة هيكلية متواصلة في المنظومة الطاقية التونسية، تتداخل فيها عدة عوامل، من بينها تقلص الإنتاج المحلي، وارتفاع الطلب الداخلي على الطاقة، إضافة إلى حساسية الاقتصاد الوطني تجاه الاضطرابات التي تعرفها الأسواق الدولية للمحروقات.

وفي هذا السياق، يبدو العجز التجاري المسجل مع الجزائر مرتبطًا بدرجة كبيرة بالحاجيات الطاقية الأساسية لتونس، باعتبارها أحد أبرز مزودي البلاد بالغاز الطبيعي. كما تكشف الأرقام محدودية مساهمة الطاقات المتجددة في المزيج الطاقي الوطني، إذ لا تزال تمثل أقل من 3% من إجمالي مصادر الطاقة الأولية، وحوالي 6% فقط من إنتاج الكهرباء إلى حدود جانفي 2026، وهو ما يعكس بطء الانتقال الطاقي مقارنة بتنامي الطلب الداخلي على الاستهلاك.

الاختلال الجغرافي للمبادلات

إلى جانب العامل الطاقي، يكشف تحليل الموازين الثنائية للمبادلات التجارية عن اختلال جغرافي أكثر تعقيدًا، يعكس طبيعة التموضع الخارجي للاقتصاد التونسي داخل سلاسل القيمة الدولية.

فعلى مستوى الشركاء الأوروبيين التقليديين، تُسجّل تونس أداءً تجاريًا يميل إلى الفائض. ففي سنة 2025، بلغت الصادرات نحو فرنسا 14,828.1 مليون دينار مقابل واردات في حدود 9,310.6 مليون دينار، بما أنتج رصيدًا تجاريًا إيجابيًا. وينطبق الاتجاه نفسه على ألمانيا، حيث بلغت الصادرات 9,177.8 مليون دينار مقابل واردات بقيمة 6,576.0 مليون دينار خلال الفترة نفسها.

لكن هذا الفائض الجزئي لا ينعكس على الميزان التجاري العام، وهو ما يكشف أن المشكلة ليست في الأسواق بقدر ما هي في بنية الإنتاج نفسها.

فالاقتصاد التونسي يتموضع أساسًا في أسفل سلاسل القيمة العالمية، من خلال أنشطة صناعية تعتمد على “المناولة”: أي تجميع أو تحويل نهائي لمنتجات يتم تصنيع مكوناتها الأساسية في الخارج. لذلك، ورغم أهمية قطاعات مثل النسيج والصناعات الكهربائية والميكانيكية، فإن جزءًا كبيرًا من القيمة المضافة يبقى خارج البلاد.

بعبارة أبسط، تونس تُصدّر منتجات نهائية بكثافة عمل مرتفعة وقيمة مضافة محدودة، لكنها في المقابل تستورد المواد والمكونات الأساسية ذات القيمة الأعلى.

هذا التوازن غير المتكافئ يجعل أي ارتفاع في الصادرات مرتبطًا تقريبًا بارتفاع مماثل في الواردات، وهو ما يفسّر استمرار الضغط على الميزان التجاري، حتى في فترات تحسّن الأداء التصديري.

وفي الطرف الآخر من المشهد، تقبع الصين الشعبية، التي تمثل " ثقبًا أسود" حقيقيًا يستنزف العملة الصعبة التونسية. ففي عام 2025، استوردت تونس ما قيمته 10,994.5 مليون دينار من السلع الصينية، في حين لم تتجاوز صادراتها نحو هذا العملاق الآسيوي مبلغًا هامشيًا قدره 77.8 مليون دينار.

وبحلول نهاية أفريل 2026، لا تزال الصين، وبفارق شاسع، الشريك التجاري الأكثر تعميقًا لعجز تونس، برصيد سلبي ناهز 3.77 مليار دينار، وهو ما يمثل بمفرده قرابة نصف العجز التجاري الإجمالي للبلاد. وتتشكل هذه الواردات أساسًا من معدات صناعية، و مكونات إلكترونية، و آلات، و منتجات مصنعة، فضلاً عن المعدات الكهربائية، وقطع الغيار، والأجهزة الكهرومنزلية، وصولاً إلى السلع الاستهلاكية. 

فالصناعات الميكانيكية والكهربائية التونسية، التي تُصنف ضمن المحركات الرئيسية لصادرات البلاد نحو الأسواق الأوروبية، ترتكز بقوة على المكونات والمعدات والمدخلات المستوردة من الخارج. ومن هذا المنطلق، فإن جزءًا من العجز التجاري الهيكلي المسجل مع الصين يمثل في الواقع واردات حيوية لا غنى عنها لتأمين سير نشاط واستمرارية العديد من الشركات التونسية المصدرة. 

وتأتي الجزائر في المرتبة التالية بعجز يتجاوز 1.57 مليار دينار، تليها تركيا بعجز قدره -1.08 مليار دينار. وتكتمل قائمة أبرز الشركاء التجاريين الذين يعمقون عجز الميزان التجاري التونسي بكل من روسيا (-801 مليون دينار) والهند (-676 مليون دينار).

أمن أم تبعية غذائية ؟

تكشف بيانات المرصد الوطني للفلاحة والمعهد الوطني للإحصاء الممتدة إلى غاية مارس 2026، عن مفارقة أساسية في بنية الاقتصاد الغذائي التونسي: أداء مالي خارجي يبدو إيجابيًا في الظاهر، يقابله مستوى عالٍ من التبعية في المواد الغذائية الأساسية. فعلى المستوى المحاسبي، سجّل الميزان الغذائي فائضًا بقيمة 798.3 مليون دينار، مع نسبة تغطية للواردات بالصادرات في حدود 139.6%، ما يعكس قدرة قطاع الفلاحة والصناعات الغذائية على توليد العملة الصعبة. غير أن هذا الفائض لا يعكس تنوعًا إنتاجيًا بقدر ما يرتكز على تمركز شديد حول منتج واحد، إذ يمثل زيت الزيتون وحده حوالي 70.8% من إجمالي الصادرات الغذائية، في حين تراجعت صادرات قطاعات أخرى مثل التمور والصيد البحري. هذا التمركز يجعل التوازن المالي للقطاع حساسًا جدًا لتقلبات الأسعار العالمية أو للظروف المناخية.

في المقابل، تُظهر بنية الواردات مستوى تبعية مرتفعًا في المواد الغذائية الأساسية التي تشكل القاعدة اليومية للاستهلاك. فالحبوب تمثل ما يقارب نصف الواردات الغذائية (48.6%)، مع استمرار الاعتماد الكبير على القمح بنوعيه، رغم تقلب الأسعار العالمية. كما شهدت واردات السكر ارتفاعًا حادًا تجاوز 500%، إلى جانب زيادة مهمة في واردات الزيوت النباتية، وهو ما يكشف مفارقة بنيوية: تصدير زيت الزيتون كمنتج عالي القيمة مقابل استيراد زيوت الاستهلاك اليومي. هذه المعطيات تشير إلى اختلال في هيكلة النظام الغذائي، حيث يتم تأمين الاحتياجات الأساسية عبر السوق العالمية بدل الإنتاج المحلي، بما يعمّق هشاشة المنظومة أمام الصدمات الخارجية.

يتبين إذا أن هذا النموذج الغذائي يشتغل داخل منطق مزدوج: قدرة على توليد موارد مالية عبر صادرات فلاحية موجهة نحو الخارج، مقابل ضعف في تأمين الاستقلالية المادية للغذاء الأساسي. ضمن هذا السياق، يساهم القطاع الفلاحي والصناعات الغذائية بحوالي 17.3% من الصادرات الوطنية، ما يجعله رافعة مهمة لتخفيف العجز التجاري العام الذي بلغ 21,800.3 مليون دينار سنة 2025. غير أن هذه الرافعة المالية تقوم على استنزاف نسبي للموارد المحلية (خصوصًا الماء والأرض) لصالح إنتاج موجّه للتصدير، في حين يتم تأمين السعرات الحرارية الأساسية عبر الاستيراد. لذلك، يمكن توصيف الوضع الحالي بأنه “أمن غذائي تجاري” أكثر منه سيادة غذائية فعلية، بما يجعل المنظومة عرضة لتقلبات الأسواق العالمية والظروف المناخية، ويطرح تحديًا هيكليًا يتعلق بإعادة التوازن بين إنتاج موجّه للتصدير وإنتاج موجّه للاستهلاك الداخلي.

منشور البنك المركزي كحل ؟

حين أصدر البنك المركزي التونسي منشوره الأخير عدد 2026-4، تلقفته الأوساط المالية كإجراء حمائي كلاسيكي يستهدف إبطاء نزيف العملة الأجنبية عبر فرض قيود مشددة واشتراط "التغطية الذاتية الكاملة" لعمليات التوريد. ظاهريًا، ترفع هذه الآلية تكلفة الاستيراد وتكبح جماح الطلب على النقد الأجنبي، مما يمنح السياسة النقدية هامش مناورة مؤقتًا، أو "متنفسًا ظرفيًا" في مواجهة الاختلالات العميقة للميزان التجاري وحماية لمخزون البلاد من العملة الصعبة.

ومع ذلك، تطرح المعطيات المتعلقة بالاحتياطي من العملة الصعبة اليوم تساؤلات إضافية، إذ تشير المؤشرات الرسمية إلى مستوى يغطي أكثر من 110 أيام توريد، وهو مستوى يُعتبر نظريًا مريحًا من حيث القدرة على تلبية الالتزامات الخارجية. 

في المقابل، تستند الخطابات الرسمية المصاحبة لهذه السياسات إلى تمييز بين “واردات أساسية” و“واردات كمالية”، حيث يُبرَّر تقليص توريد بعض السلع الاستهلاكية (مثل السيارات والعطور ومواد التجميل) باعتباره وسيلة لتوجيه العملة الصعبة نحو السلع الحيوية كالقمح والأدوية والطاقة. 

وهذا ما بدى لحسام سعد عضو منظمة ألرت في حوار مع انكفاضة "حجة غير دقيقة"، لأنّنا اليوم، حسب تقديره لا نستورد أصلًا هذه المواد الأساسية بالنسق والكميات المطلوبة. "هناك نقص في الأدوية، والقمح ممول أساسًا عبر قروض من البنك الدولي"، أما المحروقات، فقد أظهرت أزمة مضيق هرمز هشاشة الوضع الطاقي، إذ اضطرت دول عديدة إلى استعمال مخزوناتها الاستراتيجية، " بينما استنزفت تونس جزءًا كبيرًا من مخزونها دون أن تعيد تكوينه لاحقًا."

"لذلك، فإنّ القول بأنّ الحدّ من الواردات الكمالية يهدف إلى ضمان توريد المواد الأساسية، هو تبسيط مضلل للمشكلة الحقيقية."

المشكلة الحقيقية تتمثل في تحويل الجهد المالي للبنوك، العمومية والخاصة، أساسًا نحو تمويل عجز الميزانية. ومع وصول الحساب الجاري لخزينة الدولة إلى مستويات حرجة، حتى أنّ سنة 2025 شهدت صعوبات حقيقية في السيولة، ما جعل الدولة في حاجة متزايدة إلى الدينار عبر الاقتراض من البنوك.

وفي هذا السياق، تمارس الدولة أشكالًا مختلفة من الضغط أو التأثير على البنوك، سواء عبر "المراقبات الجبائية التي تسبق أحيانًا عمليات الاكتتاب"، أو من خلال مساهمتها المباشرة في رأس مال بعض البنوك، أو نتيجة انسجام إدارة البنك المركزي مع توجهات السلطة التنفيذية. وفي جميع الحالات، فإنّ أثر “المزاحمة” واضح: أي مزاحمة الدولة للقطاع الخاص على التمويل.

"القانون الجديد يأتي، إذًا، في إطار محاولة توجيه الأموال من تمويل الاستيراد نحو تمويل عجز الدولة، في ظل غياب حلول اقتصادية وهيكلية حقيقية." - حسام سعد

مع توسع الدولة بشكل كبير في التداين، وتضخم خدمة الدين التي أصبحت أكثر عبئًا،  تحاول الدولة معالجة الأزمة على حساب الاقتصاد نفسه. لكن هذا الخيار، إذا تواصل على المدى الطويل، سيؤدي حسب حسام سعد إلى إضعاف النشاط الاقتصادي، وبالتالي إلى تراجع الاستثمار وتقلص العائدات الجبائية مستقبلًا.

من جهة أخرى، يشكِّل اشتراط توفر سيولة نقدية عائقاً هيكلياً أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، كونها الحلقة الأضعف والأقل رسملة وقدرة على الصمود أمام هذا النوع من القيود، نظراً لاعتمادها الأساسي على التمويل البنكي التقليدي.

وفي المقابل، يصب هذا الإجراء في مصلحة المجموعات الاقتصادية الكبرى ذات الملاءة المالية العالية القادرة على تعبئة مواردها الذاتية؛ الأمر الذي يكرّس تمركز السوق ويعزز وضعيات الريع، مفسحاً المجال أمام احتكار قلة من الفاعلين النافذين. وبناءً على ذلك، فإن هذا التدبير الذي يُراد منه حماية التوازنات الخارجية، قد ينعكس سلباً على الداخل عبر إضعاف النسيج الاقتصادي المنتج أو التجاري وتشويه آليات المنافسة. 

" يبدو أنّ الدولة لم تعد ترغب في وجود نسيج واسع من صغار ومتوسطي المستثمرين في قطاع التجارة، بل تتجه نحو التعامل مع عدد محدود من الفاعلين عبر منظومة توزيع تراخيص مباشرة."       - حسام سعد

ومن المتوقع أن تؤدي هذه السياسات إلى ارتفاع الأسعار منذ البداية، ثم إلى ندرة هذه المنتجات تدريجيًا، قبل أن تنتقل إلى الأسواق الموازية.

"فلا يمكن تغيير نمط استهلاك شعب بأكمله عبر تغيير قواعد اللعبة الاقتصادية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمنتجات يعتبرها المواطن أساسية بالنسبة إلى نمط حياته، حتى وإن صنّفتها الدولة ككماليات. وفي جميع الحالات، سيجد المستهلك طرقًا بديلة للحصول عليها، غالبًا عبر السوق الموازية."         - حسام سعد
Inkyfada Landing Image

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول