التيفو: خطاب جماعي بين المدرجات والسياسة

تشارك جماعات الألتراس في النقاش العام بطرق مختلفة، أبرزها التعبير البصري الذي يظهر بشكل رئيسي من خلال "التيفوهات" و"الدخلات" في المباريات. بعضهم يصف حركتهم بأنها سياسية وملتزمة، بينما يراها آخرون مساحة للتعبير الثقافي والفني، وهناك من يقتصر على التعبير عن حبه والتزامه بكرة القدم فقط.  يستعرض هذا التقرير المصور الجوانب المختلفة لهذه التعبيرات.
بقلم | 31 مارس 2026 | reading-duration 20 دقيقة

ولادة التيفو

مستودع في أطراف المدينة، رائحة الطلاء والسجائر، الغراء والحبال، إيقاع المقصات وأغاني الفريق المفضل والكثير من الحماس رغم السهر والتعب، من هنا يولد "التيفو".

ترتكز المرحلة الأولى على العمل التحضيري، حيث يبدأ العرض في التشكل قبل أن يدخل الجمهور إلى الملعب. إنتاج التيفو يحتاج إلى تنظيم دقيق، فكل عضو يعرف دوره، سواء كان في قص الأقمشة، رسم النقوش، أو تجميع القطع المختلفة. الأيام والليالي تتوالى أحيانا على عجل، لتلبية المواعيد المحددة للمباريات.

القيود المادية مستمرة: نقص المساحة، أو الأدوات، أو الوقت، لكنها لا توقف إبداع المجموعة.

يقول أحد أعضاء المجموعة: «ليس لدينا الكثير من الإمكانيات، لكن كل شخص يعرف ما عليه فعله». ويضيف آخر: «عندما ترى كل شيء يبدأ في التشكل، يختفي التعب».

تتحول الطاقة الجماعية إلى قرارات ملموسة. جماعات الألتراس ليست مجرد منفذين للتيفو؛ بل يعتمد عملهم على هرمية واضحة وأدوار محددة. بعض الأعضاء ينسقون الإنتاج والتصميم، آخرون يشرفون على التركيب أو يديرون اللوجستيك. القادة يشغلون مكانة مركزية، فهم يحسمون الاختيارات الفنية والاستراتيجية، وينظمون المسؤوليات، ويضمنون الالتزام بقوانين «الفيراج».

تتخذ القرارات غالبا جماعيا، في توازن بين النقاش والسلطة. لحظات التنسيق والنقاش أساسية للحفاظ على التماسك، وضمان معرفة كل عضو بواجبه. منطق السيطرة على الفيراج يقوم على هذا التنظيم: من يتحرك، من يراقب، ومن ينبه عند حدوث أي مشكلة.

الشماريخ ولحظة الانصهار الجماعي

يسود نوع من الترقب. الأيدي جاهزة، والأنظار تتجه نحو لحظة الانطلاق.

عادة ما يصاحب إنزال التيفو نوع من « الطقوس » الجماعية، حيث ينسجم الإيقاع الموسيقي لقرع الطبول مع أصوات منبهات وإشعال الشماريخ . يتحول هذا العمل الجماعي إلى مشهد بصري متكامل، يشبه مهرجانا أو مظاهرة، يملأ المدرجات بالحركة واللون، ويعكس طاقة وتعبير المجموعة أمام الجمهور. 

رغم أن إدخال الشماريخ  إلى الملاعب أو القاعات محظور قانونا، وقد يعرّض حامليها لغرامات أو حتى السجن، فإن جماعات الألتراس تواصل إدخالها بطرقها الخاصة، مخاطِرة أحيانًا بسلامتها وحريتها.

لحظة قدح أول شمروخة في أي مكان من الملعب أو القاعات تخلق بصفة شبه فورية ما يُعرف بـ«الشنعة»، حيث تلتحم الأجساد وتتحد الأصوات في إيقاع جماعي متناغم. في هذه اللحظة، يتحول الجمهور إلى كتلة واحدة نابضة بالطاقة، ويبرز المشهد الجماهيري في صورة مذهلة ومتوحدة، تعكس قوة التفاعل بين الأعضاء وروح الانتماء الجماعي.

تستخدم الشماريخ لإبراز الرسالة الجماعية وهوية النادي، مضيفة بعدا بصريا وجاذبية أكبر للتيفو والمسرح الذي يعرض في المدرجات. الضوء والدخان الناتج عنها يخلق تأثيرا بصريا قويا، يجعل التيفو والمشهد في الملعب أكثر وضوحا ودرامية، في شكل يذكّر بالمسرح أو المهرجان، ويشد انتباه الجمهور والمصورين·ات على حد سواء. غالبا ما يرتبط إشعال الشماريخ بطقس جماعي متزامن مع الطبول والهتافات، مما يعزز الإحساس بالوحدة والانتماء بين الجماهير ويقوي الروابط داخل المجموعة نفسها. في الوقت نفسه، يظهر استخدام الشماريخ الجرأة والتفاني لدى الجماهير، ويعكس هوية الألتراس كجماعة منظمة قادرة على إنتاج عروض معقدة وملفتة للنظر.

الشماريخ لا تضيء  المدرجات فقط، بل تلعب أيضا دورا في توجيه الانتباه وتنسيق الجماهير. في كل مرة يشعل أحدهم شعلة، تبدأ الجماهير في التفاعل معها بشكل متسلسل، كأنها إشارة لإطلاق إيقاعات أو تغيير نمط الهتافات. هذا الاستخدام المنظم للشماريخ يعكس قدرة الألتراس على خلق لغة بصرية جماعية، حيث يصبح الضوء أداة لإدارة الحركة والتوقيت داخل المدرجات، ويظهر مدى التخطيط والدقة التي تدخل في كل عرض. بعيدًا عن الرمز والانتماء، هنا الشعلات تتحول إلى أداة تنظيمية داخلية تعزز التواصل بين الأعضاء وتنسق الأداء الجماعي بشكل دقيق.

بهذا تتحول الشعلات من مجرد مصدر للضوء إلى ما يشبه "مايسترو" يدير الإيقاع داخل المدرجات، كأن الضوء نفسه ينسق الأداء.

لحظة العرض

هنا، لا يعود التيفو مجرد فكرة أو عمل تحضيري، بل يتحقق في لحظته الكاملة داخل الملعب. تتكشف تفاصيله تدريجيا مع عملية إنزاله، لتظهر الصورة النهائية كما صُممت، في تفاعل مباشر مع المدرجات.

ردود فعل الجمهور تصبح جزءا من المشهد نفسه: نظرات، حركات، هواتف مرفوعة، وصمت أو هتاف يتشكل بحسب ما يعرض. هذه التفاعلات لا تُقرأ فقط كاستجابة، بل كامتداد للعمل، حيث يكتمل التيفو عبر نظرة من يشاهده.

في اللقطات الواسعة، يظهر الفيراج كجسم واحد، منظم ومتماسك، تتوزع داخله الألوان والحركات بدقة. هذا المنظور الشامل يسمح بفهم حجم العمل وتعقيده، ويكشف كيف تتحول المساحات الجماهيرية إلى تركيبة بصرية متكاملة.

تعبيرات التيفو، بين السياسة و"العقلية"

لا تقتصر التيفوهات على بعدها الجمالي أو الاستعراضي، بل تحمل في طياتها معاني متعددة تعكس رؤية المجموعات لأنفسها ولمحيطها.

 بالنسبة لجماعات الألتراس، يشكل التيفو وسيلة للتعبير عن الهوية، سواء تعلق الأمر بالانتماء للنادي، أو بالارتباط بالمدينة، أو حتى بالانخراط داخل المجموعة نفسها. كل عمل بصري يصبح امتدادا لهذا الانتماء، وطريقة لترسيخه داخل المدرجات وخارجها.

في هذا السياق، تتحول التيفوهات إلى مساحة للتعبير عن مواقف أوسع تتجاوز حدود الرياضة، حيث تتناول في كثير من الأحيان قضايا سياسية واجتماعية. من بين أبرز هذه المواضيع مسألة العنف الأمني، خاصة مع تزايد الحديث عنه خلال المواسم الكروية الأخيرة، وما يرافقه من توترات متكررة بين الجماهير وقوات الأمن.

وتتجلى هذه التعبيرات أيضا في نقد ثقافة الإفلات من العقاب، التي أصبحت محورا متكررا في شعارات الألتراس ورسائلهم البصرية. من أبرز الأمثلة التي تستحضرها هذه المجموعات قضية عمر العبيدي، مشجع النادي الإفريقي وعضو في الألتراس، الذي فقد حياته إثر مواجهات أمنية يوم 31 مارس 2018. منذ ذلك الحين، تحولت قضيته إلى رمز داخل المدرجات، تستعاد عبر التيفوهات والشعارات كنداء مستمر للمساءلة ورفضا للإفلات من العقاب، خاصة بعد عدم إمتثال العدالة التونسية لمطالب الجماهير الجدية، والحكم على الجناة في أخر طور قضائي بالسجن سنة مع تأجيل التنفيذ.

قضية عمر تتجاوز حدود الانتماء الكروي لتصبح رمزا لكل عضو في الألتراس يعتنق ثقافة الوحدة والتضامن الجماعي. من أبرز الأمثلة بيان مجموعة "ألتراس المكشخين " تذكيرا ومساندة للقضية.

بهذا الشكل، لا تكتفي التيفوهات بنقل مشاهد بصرية، بل تتحول إلى وسيلة لإحياء الذاكرة الجماعية، وطرح قضايا يعتبرها المشجعون جزءا من واقعهم اليومي، داخل الملعب وخارجه.

في نفس السياق، تبرز مواقف مرتبطة بسياسات تنظيم الجماهير مثل بطاقة المشجع (Fan ID)، التي تم إقتراح العمل بها كوثيقة هوية تثبت الإنتماء إلى المدرجات. إذ أفاد الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للأمن الوطني، العميد عماد ممّاشة، يوم الأربعاء 23 أكتوبر 2024، أنّه سيتم رسميا اعتماد نظام “بطاقة المشجّع” (FAN ID) داخل الفضاءات الرياضية، وذلك انطلاقا من الموسم الرياضي القادم. اعتبرت مجموعات الألتراس هذا الإجراء وسيلة لجمع وتخزين المعطيات الشخصية للأعضاء، خاصة في ظلّ اعتماد منصات رقمية لبيع التذاكر في بعض المباريات، والتي تقوم بدورها بتجميع نفس البيانات.

لكن في ظلّ الرفض الواسع والحازم من قبل الجماهير لهذا الإجراء، يبدو أنّ الإدارة العامة للأمن الوطني قد تراجعت عنه.

تواصل مجموعات الألتراس كذلك رفضها القاطع للإعتقالات العشوائية في صفوفها، سواء في المباريات أو بعد إنتهاءها عبر مداهمات أمنية، وعادة مايكون الرد من الأتراس فوريا شواء عبر مقاطعة المباراة أو أحيانا الدخول للملاعب والعدم الهناف أو التشجيع، وطبعا عبر التيفوهات.

في قابس، عبرت جماعات الألتراس عن رفضها للتعامل الرسمي مع الأضرار البيئية، معتبرة أن الدولة منحت صكوك التلوث بينما تجاهلت صحة السكان. يكتب أعضاء مجموعة " باد بلو بويز":

«لقد تعلمنا منذ الصغر أن العدل أساس العمران وحماية الطبيعة ذروة المواطنة، لكننا اكتشفنا أن الدولة نفسها أول ناقضي عهدها».

البيان يسلط الضوء على واقع مدينة نصف مليون نسمة تختنق بين الهواء الملوث والبحر الذي فقد عافيته، على الرغم من الشعارات الرسمية عن حماية البيئة. رسائل هذه الجماعات البيئية لا تأتي دائمًا مباشرة، بل تُبنى على الرموز والشعارات التي تُقرأ جماعيًا داخل المدرجات، لتصبح التيفوهات منصة للتعبير عن الغضب، التضامن، والوعي بالمخاطر التي تهدد المجتمع والطبيعة على حد سواء.

صورة من صفحة "باد بلو بويز" على موقع فايسبوك.

صورة من صفحة "باد بلو بويز" على موقع فايسبوك.

 تعكس بعض التيفوهات التضامن مع الشعب الفلسطيني أو الاحتجاج على الأزمة في السودان، منادين بالحرية والاستقلال، وتنديدًا بالإبادة الجماعية أو القمع السياسي.

لم تغب القضية الفلسطينية عن تعبيرات جماعات الألتراس، حيث تُعرض التيفوهات واللافتات داخل المدرجات دعما للحرية والاستقلال الفلسطيني، وتنديدا بالإبادة الجماعية. تستخدم الجماهير الرموز الفلسطينية، الأعلام، والشعارات المبتكرة، لتحويل المدرجات إلى منصة تضامنية تتجاوز حدود الرياضة، وتحمل رسائل مباشرة للمجتمع المحلي والدولي حول الظلم والمعاناة. هذه العروض الجماعية تبرز قدرة الألتراس على ربط الفن الرياضي بالقضايا الإنسانية والسياسية العالمية، وإشراك الجمهور في قراءة رمزية مشتركة داخل الفضاء الجماهيري.

في نفس الإطار، عبّرت بعض جماعات الألتراس عن تضامنها مع الشعب السوداني المتأثر بالصراع والدمار، منادين بالحرية والاستقلال وإنهاء العنف. تُستخدم التيفوهات للتذكير بالضحايا وتسليط الضوء على الإبادة الجماعية، مع رموز ورسوم تجسد معاناة المدنيين وقوة المقاومة. هذه الرسائل ليست مجرد شعارات، بل أداة لإشراك الجماهير في النقاش حول الأزمات الإنسانية العالمية، وتأكيد أن المدرجات يمكن أن تكون مساحة للتعبير عن القضايا الكبرى، بعيدًا عن حدود النوادي والرياضة.

إن التيفو مرآة لهوية الجماعة: يعكس الإنتماء للنادي أو للمدينة، ويظهر قدرة مجموعات الألتراس على التنظيم والتنسيق، كما يكشف عن قوة الروابط الداخلية والتزامهم بقيم التضامن والوحدة.

من خلال هذا العمل الجماعي، تتحول المدرجات إلى فضاء شعوري مزدوج: مكان للاحتفال بالكرة والفريق، وفي الوقت نفسه منصة للتعبير السياسي والاجتماعي والثقافي. التيفو إذا ليس مجرد عرض بصري، بل لغة جماعية مرئية، تعكس الحدود التي يمكن للجماعة تجاوزها داخل المجتمع، وتوضح كيف يتمكن الشباب من تحويل الفن والرياضة إلى أدوات للوعي والمناصرة.

Inkyfada Landing Image

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول