في 13 مارس 2023، افتُتحت رسميًا أشغال "مجلس نواب الشعب" الجديد، إيذانًا بانطلاق مرحلة برلمانية تتأسس على أنقاض تجربة دستورية انطلقت سنة 2014 وتوقفت قسرًا عقب إجراءات 25 جويلية 2021، التي انتهت بحلّ البرلمان وتعليق العمل بالدستور، قبل أن يُعتمد دستور جديد إثر استفتاء 2022.
جاء هذا المسار في سياق خطاب سياسي حمّل البرلمان السابق مسؤولية الأزمة متعددة الأبعاد التي عرفتها البلاد بعد جائحة كوفيد-19، من تدهور الخدمات العمومية إلى تعمّق الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، واعتبره أحد أبرز أسباب ما وُصف بـ"العبث بالدولة ومقدّراتها".
ومع تنصيب البرلمان الجديد، إلى جانب "المجلس الوطني للجهات والأقاليم" المنبثق عن الانتخابات المحلية لسنة 2023، رُوّج لصورة مؤسسة تشريعية تقطع مع ممارسات الماضي، وتؤسس لـ"ثورة تشريعية" قائمة على "فكر جديد" عنوانه العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، وفق تعبير رئيس الجمهورية. كما تعهّد رئيس مجلس نواب الشعب بأن تكون الأولوية لتنزيل فلسفة الدستور الجديد عبر مشاريع قوانين تهدف إلى تحسين الأوضاع المعيشية في مختلف جهات البلاد.
تمثيلية ضعيفة… وقطيعة لم تحدث
لم تستقطب الانتخابات التشريعية لسنتي 2022–2023، التي أفرزت البرلمان الحالي، في الدور الأول سوى 1.02 مليون ناخب·ة (11.22٪)، ثم تراجع العدد أكثر في الدور الثاني إلى حوالي 895 ألف ناخب·ة. نحن هنا أمام برلمان انتُخب بأقل من ربع عدد المصوّتين في انتخابات 2014، وأقل من نصف المشاركين·ات في انتخابات 2019.
وتزداد الصورة وضوحًا عند التعمّق في تفاصيل النتائج. فقد فاز عشرة مرشحين·ات لغياب أي منافس لهم في دوائرهم الانتخابية، في سابقة تعكس عزوف الفاعلين عن خوض الاستحقاق. كما أن عدد الأصوات التي مكّنت بعض النواب من الوصول إلى البرلمان كان محدودًا للغاية، إذ لم يتجاوز في بعض الحالات بضع مئات من الأصوات: فقد فاز النائب عمر برهومي عن دائرة فرنسا 2 بـ 521 صوتًا فقط، كما فاز وجدي الغاوي عن دائرة المروج – فرحات حشاد بـ 934 صوتًا.
في المقابل، لم يتجاوز أعلى عدد من الأصوات تحصّل عليه نائب واحد 8280 صوتًا، وكان من نصيب محمد أمين مباركي عن دائرة سبيبة – جدليان – العيون (القصرين). هذه الأرقام تعني أن عدداً هاماً من النواب يمثّلون، فعليًا، "قاعدة انتخابية ضيّقة جدًا لا ترقى إلى مستوى تمثيل شعبي واسع"، ما يعمّق الفجوة بين المؤسسة البرلمانية والمجتمع "ويضعف مشروعية النواب" حسب أمين خراط محلل السياسات العمومية لدى "البوصلة".
ولا يقتصر التراجع على حجم المشاركة، بل يشمل أيضًا طبيعة التمثيل داخل البرلمان. فقد شهدت هذه الانتخابات انخفاضًا حادًا في تمثيلية النساء لتستقر في حدود 16٪ فقط، مقابل 31٪ في برلمان 2014 و26٪ في برلمان 2019. هذا التراجع يعكس حسب أمين خراط "أثر النظام الانتخابي الجديد القائم على الترشحات الفردية"، والذي ألغى آليات التناصف العمودي والأفقي التي كانت مفروضة على القائمات الحزبية، وأعاد إنتاج تمثيل سياسي أقلّ تنوّعًا وأكثر ذكورية.
التحوّل الذي كشفته هذه الانتخابات لا يقتصر على الحجم العددي للمشاركة أو النوعي، بل يمسّ جوهر التمثيل السياسي نفسه. فالبرلمانات السابقة، رغم ما شابها من أزمات وصراعات، كانت تعكس مشهدًا حزبيًا واضح المعالم: في 2014 برزت قوى كبرى بهويات سياسية معروفة مثل نداء تونس والنهضة والجبهة الشعبية وآفاق تونس، وفي 2019، ورغم التشتّت، ظلّت الخريطة مقروءة من خلال كتل حزبية تحمل خلفيات إيديولوجية واجتماعية محددة مثل النهضة وقلب تونس والتيار الديمقراطي وائتلاف الكرامة والحزب الدستوري الحر.
أمّا برلمان 2023 فقد قام على أفراد بلا أطر حزبية، حيث صعدت تسميات فضفاضة من قبيل "غير المنتمين لأي كتل" و"الأمانة والعمل" و"صوت الجمهورية" و"الأحرار"؛ وهي مسمّيات لا تحيل إلى برامج سياسية متمايزة ولا إلى مرجعيات فكرية أو اجتماعية واضحة، بقدر ما تعبّر عن تجمّعات برلمانية وظيفية "دون هوية واضحة" فحسب النائب عن كتلة "صوت الجمهورية" مليك كمّون:
"لم تكن الكتل ذات طابع حزبي أو ذات توجّهات سياسية موحّدة، بل كانت تنظيمية لتسيير العمل البرلماني. وقد وقع الاختيار عليها دون أن يتعرّف النواب إلى بعضهم البعض، مع رفض مقترح تأجيل اعتماد الكتل لمدة ستة أشهر".
يرى أمين خراط من جهته أن هذا التحوّل ليس عفويًا، "بل هو نتيجة مباشرة للهندسة السياسية التي فُرضت بعد 25 جويلية: نظام انتخابي قائم على الأفراد بدل القائمات، إلغاء التمويل العمومي للأحزاب، إضعاف دورها قانونيًا ورمزيًا، وترسيخ خطاب سياسي يُشيطن الوسائط ويُمجّد علاقة مباشرة ومجرّدة بين الرئيس والشعب."
