الحصيلة البيئية لتونس منذ 2021

منذ 25 جويلية 2021، مرت تونس بتحوّلات سياسية عميقة أعادت رسم أولويات الدولة وخطابها العام، لكن الملف البيئي ظلّ مرآة لتقاطع الاستراتيجيات الوطنية مع الأزمات اليومية. أزمة قابس البيئية، التي شكلت نقطة فاصلة، أعادت القضايا الإيكولوجية إلى واجهة النقاش العام، لتكشف التناقض بين الرؤية المعلنة وواقع الأرض.
بقلم | 27 جانفي 2026
20 دقيقة

منذ 25 جويلية 2021، شهدت تونس تحوّلات سياسية كبرى رافقها تغيّر في أولويات الدولة وخطابها العام، وظل الملف البيئي مجالًا تتقاطع فيه الاستراتيجيات الوطنية مع الأزمات اليومية. خاصة بعد أزمة قابس البيئية التي مثلت علامة فارقة، أعادت القضايا الإيكولوجية إلى واجهة النقاش العام.

فبين خطط الانتقال الإيكولوجي المعلنة واستمرار التحديات المرتبطة بالمياه والنفايات والطاقة، يتّضح تباينٌ بين الرؤية المعلنة والواقع الميداني. 

استراتيجياتٍ تُرفع في المؤتمرات الدولية ومصباتٍ مفتوحة في قلب المدن. مقابل واقعٍ يزداد هشاشةً تحت وطأة التغيّر المناخي، وتدهور الموارد الطبيعية، وتنامي الاحتجاجات في الجهات المهمّشة.

يعيش الملفّ البيئي التونسي مفارقة عميقة: الدولة تتكلّم بلغة التنمية المستدامة، والمجتمعات المحلية تصرخ بلغة البقاء.

المؤشرات الكبرى

على المستوى الإحصائي،  شهدت تونس تراجعا في مجال الأداء البيئي خلال السنوات الأخيرة. فوفقًا لمؤشر الأداء البيئي العالمي (EPI)، واصلت البلاد تمركزها في المراتب الوسطى أو الأدنى، وهو ما يعكس استمرار ضعف البنى التحتية البيئية وتشتّت السياسات العمومية بين هيئات متعدّدة الصلاحيات.

من خلال استعراض موازنات وزارة البيئة بين سنتي 2021 و2025، يظهر أنّ حجم الاعتمادات ظلّ محدودًا قياسًا بتعقيد التحديات البيئية. القسم الأكبر من الإنفاق يُوجَّه نحو الأجور ونفقات التسيير، بينما تبقى حصة الاستثمارات الموجّهة نحو المشاريع التحويلية أو الطاقات النظيفة ضعيفة.  

يُظهر هذا التوزيع أنّ الإدارة البيئية التونسية ما تزال رهينة الطابع الوظيفي والخدماتي، أكثر من كونها جهازًا للانتقال الإيكولوجي. فبدل تمويل مشاريع بنية تحتية خضراء أو برامج لإدارة النفايات والمياه، تتركز الجهود في الحفاظ على سير المؤسسات القائمة.

وهو ما يفسّر استمرار هيمنة النفط والغاز على مزيج الطاقة الأوّلية في البلاد، مع نموّ محتشمٍ للطاقات المتجدّدة لم يغيّر بعد موازين الإنتاج. كما يعكس ذلك أيضًا ثبات الاعتماد على الغاز الطبيعي كمصدر رئيسي لتوليد الكهرباء، دون تحوّل ملموس نحو بدائل نظيفة أو أكثر استدامة.

  خط زمني للتحوّلات البيئية (2021–اليوم)  

شهدت تونس منذ سنة 2021 سلسلة من القرارات والمراسيم والاتفاقيات التي أسهمت في رسم ملامح سياستها البيئية الجديدة. جاءت بعض هذه الخطوات استجابةً للالتزامات الدولية في مجال المناخ، فيما اتخذ بعضها طابعًا ظرفيًا لمواجهة أزمات متكرّرة كالنفايات والمياه والتلوث الصناعي. وفي المقابل، برزت توجهات أخرى ذات طابع استراتيجي، تُقدَّم بوصفها مقدّمةً لتحوّلات هيكلية أوسع في مجال الطاقة والانتقال الإيكولوجي.

 ▪︎ جانفي 2021، كان من المفترض أن يدخل المرسوم الحكومي الصادر في 16 جانفي 2020 حيّز التنفيذ، والذي يقضي بحظر تصنيع وترويج الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد في الأسواق المحلية. يهدف المرسوم المذكور إلى إلزام المراكز التجارية والصيدليات بداية من مارس 2020، ثم جميع المنتجين والمورّدين والموزّعين مع مطلع جانفي 2021، غير أنّ ضغوط مهنيي القطاع نجحت في تأجيل التنفيذ.

بدء التطبيق الفعلي للمرسوم: 1 سبتمبر 2022 عبر قرار إيقاف تصنيع الأكياس الممنوع تداولها. • التأثيرات البيئية (2022): 

8 أطنان من النفايات البلاستيكية بكل كيلومتر من السواحل التونسية.

أكثر من 4 مليارات كيس بلاستيكي متداولة سنويًا.

3 مليارات كيس مصنّعة محليًا.

• الوضع بعد 5 سنوات ( دراسة: 22 جانفي 2025):

4.2 مليار كيس بلاستيكي أحادي الاستخدام تُستهلك سنويًا.

3 مليارات محلية الصنع و1.2 مليار مستوردة.

استهلاك الفرد: بين 350 و400 كيس سنويًا.

إنتاج البلاد من المواد البلاستيكية: 320 ألف طن سنويًا.

نسبة التدوير: لا تتجاوز 4%.

▪︎ 12 أوت 2021:  إطلاق استراتيجية «ماء 2050» لإدارة الموارد المائية: 

 تُعرَف تونس بكونها بلدًا معرّضًا بشدّة لحالة الإجهاد المائي، وهي تعمل حاليًا على إعداد استراتيجيتها "المائية 2050" بتمويل مشترك من الهيئة الإفريقية للمياه (FAE) والبنك الألماني للتنمية (KfW) والوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GiZ).

ويرمي المشروع حسب الهيئة الإفريقية للمياه إلى وضع استراتيجية مبتكرة وتشاركية لإدارة الموارد المائية على المدى المتوسط والطويل، لتكون بمثابة مرجع موحّد للتدخل بالنسبة إلى جميع الفاعلين في القطاع المائي، من إدارات عمومية ومستهلكين وجمهور واسع ومكوّنات المجتمع المدني.

وفي إطار متابعة  إنجاز مشاريع تعبئة الموارد المائية الجوفية والسطحية ومتابعة استراتيجية مياه 2025 المتعلقة بالمياه المستعملة والمعالجة وتحيين الإطار التشريعى المتعلق باستعمالها، انعقد يوم 16 افريل 2025 الاجتماع السنوى لرؤساء دوائر الموارد المائية، بإشراف وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحرى عز الدين بن الشيخ رفقة كاتب الدولة المكلف بالمياه حمادي الحبيب دون تقديم أرقام ومعطيات حول تطور انجاز المشاريع.

• مؤشرات صائفة 2025 ( المرصد التونسي للمياه):

- الوضع المائي ما يزال في تدهور رغم تحسن طفيف مقارنة بسنة 2024.

• امتلاء السدود (8 سبتمبر 2025):

- نسبة الامتلاء: 29.4% (دون عتبة الأمان البالغة 30%).

- آخر مستوى أمان مائي مسجّل: 64% سنة 2019.

• استغلال الموارد الجوفية:

المستوى الوطني: 140% من طاقة التجدد.

ولاية قبلي: 220% (ضغط مرتفع جدًا على الموائد المائية).

• انقطاعات الماء:

- جوان 2025: 528 تبليغًا (91% من الشكاوى).

أكثر الولايات تضررًا: قفصة، ثم الكاف، مدنين، جندوبة، صفاقس.

جويلية 2025: 530 تبليغًا.

أوت 2025: 270 تبليغًا (تراجع نسبي).

▪︎ 10 أكتوبر 2021: تقديم المساهمة الوطنية المحدّثة (NDC) لخفض 45% من انبعاثات الغازات الدفيئة بحلول 2030

قدّمت تونس مساهمتها المحددة وطنيًا الأولى (NDC) سنة 2015، ثم قامت بتحديثها سنة 2021. ويهدف هذا التحديث إلى خفض الانبعاثات بنسبة 45% بحلول سنة 2030 مقارنة بسنة 2010 كخط أساس.

تشمل المساهمة المحددة وطنيًا المحدثة قطاعات الطاقة، والعمليات الصناعية واستخدام المنتجات، والفلاحة، والغابات واستخدامات الأراضي، والنفايات، والمياه، والنظم البيئية، والمناطق الساحلية، والصحة، والسياحة.

ويُقدَّر إجمالي تكلفة تنفيذ المساهمة للفترة 2021–2030 بحوالي 19.3 مليار دولار أمريكي، منها 14.3 مليار دولار للتخفيف من الانبعاثات، و4.3 مليار دولار للتكيّف مع التغيرات المناخية، و0.7 مليار دولار لإجراءات بناء القدرات.

كما تلتزم تونس بتحقيق الحياد الكربوني بحلول سنة 2050، وفق ما ورد في استراتيجية التنمية طويلة المدى منخفضة الانبعاثات (LT-LEDS) التي تمّ تقديمها إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) سنة 2022.

▪︎ 25 جويلية 2022 : اعتماد دستور جديد للجمهورية التونسية

كما جاء في الفصل السّادس عشر –    "ثروات الوطن ملك للشّعب التّونسيّ ... تُعرض الاتّفاقيّات وعقود الاستثمار المتعلّقة بالثّروات الوطنيّة على مجلس نوّاب الشّعب وعلى المجلس الوطنيّ للجهات والأقاليم للموافقة عليها.." 

الفصل الثّالث والأربعون – "الصحّة حقّ لكل إنسان.

تضمن الدّولة الوقاية والرعاية الصحيّة لكل مواطن، وتوفّر الإمكانيات الضروريّة لضمان السّلامة وجودة الخدمات الصحيّة."

الفصل السّابع والأربعون – تضمن الدّولة الحقّ في بيئة سليمة ومتوازنة والمساهمة في سلامة المناخ. وعلى الدولة توفير الوسائل الكفيلة بالقضاء على التلوث البيئي.

الفصل الثّامن والأربعون – على الدّولة توفير الماء الصالح للشّراب للجميع على قدم المساواة، وعليها المحافظة على الثّروة المائية للأجيال القادمة.

الفصل السّابع والأربعون – تضمن الدّولة الحقّ في بيئة سليمة ومتوازنة والمساهمة في سلامة المناخ. وعلى الدولة توفير الوسائل الكفيلة بالقضاء على التلوث البيئي.

▪︎ 19 أكتوبر 2022: المرسوم عدد 68 : ضبط أحكام خاصة لتحسين نجاعة إنجاز المشاريع العمومية والخاصة

أصدرت الحكومة التونسية المرسوم عدد 68 لسنة 2022 المؤرخ في 19 أكتوبر 2022، المتعلق بـ «ضبط أحكام خاصة لتحسين نجاعة إنجاز المشاريع العمومية والخاصة». وقد نصّ هذا المرسوم في فصله الخامس مكرر على إمكانية إنجاز مشاريع إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة على العقارات الراجعة لملكية الخواص، أو عند الاقتضاء على أجزاء من ملك الدولة الفلاحي أو غير الفلاحي، وكذلك أراضي الجماعات المحلية، في إطار عقود كراء، مع مراعاة التشريع المتعلق بالأملاك العسكرية. كما أقرّ الفصل الثامن إمكانية تحمّل الهيكل العمومي نفقات ربط وحدات الإنتاج بالشبكة الوطنية للكهرباء في حال اقتراح مواقع من قبل الدولة.

ويُعتبر هذا المرسوم خطوة في اتجاه رفع بعض القيود القانونية السابقة، إذ استثنى مشاريع الطاقة المتجددة من شرط تغيير صبغة الأراضي الفلاحية، في حال ثبوت جدوى إنجازها من قبل اللجنة الفنية المعنية، كما تضمّن تعديلات تسمح باستغلال الأراضي الفلاحية من قبل مستثمرين أجانب عبر تأسيس شركات في تونس دون اشتراط مساهمة أو إدارة تونسية.

في المقابل، أثارت بعض هذه الترتيبات ملاحظات من منظمات بيئية وحقوقية، التي اعتبرت أنّ الدولة، تحت عنوان «التسريع في إنجاز المخطط الشمسي التونسي» واستجابة لتوصيات مؤسسات مالية دولية، منحت تراخيص استغلال لعدد من المشاريع في مناطق محل نزاع عقاري، على غرار الأراضي الاشتراكية.

 عبر خمسة مراسيم رئاسية مؤرخة تباعا في 14 و19 ديسمبر 2021. من بين هذه اللزمات المصادق عليها بمراسيم، الصفقة التي كانت قد منحت في جوان 2021 للمجمع الفرنسي-المغربي ENGIE- NAREVA لتركيز محطة فوطوضوئية بقدرة جملية تساوي 100 ميغاوات بمنطقة سقدود التابعة لمعتمدية الرديف من ولاية قفصة. 

فقد تمّ منح هؤلاء المستثمرين قرابة 400 هكتار من الأراضي الاشتراكية التابعة لمجال أولاد سيدي عبيد التي يشرف عليها مجلس التصرف حسب القانون المتعلق بالأراضي الاشتراكية الصادر سنة 1964 والمنقح في 2016، بعد أن تم ضمّها لملك الدولة في وقت سابق.

بذلك قامت الدولة التونسية بالاستيلاء على أراض محل نزاع لم تُسوّ وضعيتها بعد، مستغلة ضبابية الرؤية بخصوص هذا الصنف من الأراضي لتتيح استغلالها للمستثمرين الأجانب، مع استثنائهم حسب نصّ المرسوم من ضوابط قانون حماية الأراضي الفلاحيّة

القرية الأمازيغية بشنني الواقعة بمعتمدية تطاوين الجنوبية، مضمنة هي الأخرى بأجندات المستثمرين الأجانب فيما يسمى بـ”الطاقة الخضراء”. فهذه المنطقة تحتوي على مخزون من طاقة الرياح يمكن استغلاله لتوليد الكهرباء. وبما أنّ جلّ الأراضي الموجودة هي على ملكية الأهالي (ملكية خاصة)، فقد جنح المستثمر الإسباني الذي ينوي تركيز مشروع هناك، بمساعدة السلط المحلية والجهوية، إلى الانتفاع بالأراضي عبر عقود كراء مجحفة.

▪︎ 29 نوفمبر 2022، صادقت تونس بمقتضى المرسوم عدد 917 لسنة 2022 على بروتوكول الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية (ICZM)

وقد جاءت هذه المصادقة بعد ما يقارب أربعة عشر عامًا من اعتماد البروتوكول في مدريد بإسبانيا، حيث نصّ المرسوم الحكومي المؤرخ في 29 نوفمبر 2022، والمنشور في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، على منح تونس موافقتها الرسمية للالتزام بأحكام هذا البروتوكول.

ومن خلال هذه المصادقة، تُؤكّد تونس انخراطها الفعلي في تنفيذ مبادئ الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية، بما يضمن التوفيق بين الحفاظ على النظم البيئية الساحلية وتحقيق التقدّم الاجتماعي والتنمية الاقتصادية في إطار بيئي مستدام. كما تلتزم تونس، بتحويل أحكام البروتوكول القانونية إلى تشريعات وطنية ملزمة، بما يكرّس احترامها وإنفاذها على المستوى المحلي.

وفي هذا السياق، يُنتظر أن يتم تعزيز وتفعيل الإطار التشريعي المتعلق بالمناطق الساحلية في تونس، إذ يُلزم البروتوكول الدول الأطراف، بما يتماشى مع الأنظمة القانونية الدولية والإقليمية، بضمان الاستخدام والإدارة المستدامة للمناطق الساحلية، بهدف الحفاظ على الموائل الطبيعية والمناظر البيئية والموارد والنظم البيئية الساحلية للبحر الأبيض المتوسط، ووضع إطار متكامل يجعل من الاقتصاد الساحلي والبحري منسجمًا مع الطبيعة الهشّة لتلك المناطق.

▪︎ مطلع سنة 2023: وضعت تونس لنفسها الاستراتيجية الوطنية للانتقال الإيكولوجي (SNTE)

تأتي هذه الاستراتيجية استجابةً لـ "الأزمة البيئية العالمية الثلاثية، المتمثلة في تلوث البلاستيك وفقدان التنوع البيولوجي والآثار الكارثية لتغير المناخ، والتي باتت تداعياتها محسوسة بوضوح في تونس".

وترتكز الاستراتيجية الوطنية للانتقال الإيكولوجي في أفق 2035–2050 على جملة من المبادئ الأساسية، من أبرزها:

تعزيز رفاه الإنسان ماديًا ومعنويًا، وتحقيق العدالة الاجتماعية والإنصاف بين الأجيال،

دمج البعد البيئي في جميع مكوّناته ضمن سياسات التنمية بوصفه نظامًا متكاملًا ومترابطًا يشمل الإنسان ذاته،

السعي التدريجي نحو الاستدامة في مختلف أبعادها، من خلال مواءمة الأهداف الوطنية مع أهداف التنمية المستدامة في أفق 2030، تثمين التراث الوطني الطبيعي والثقافي والحضاري، وتحفيز مشاركة جميع الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين، من القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني والمواطنين.

وتهدف هذه الاستراتيجية إلى ضمان استدامة الرأسمال الطبيعي وتحسين كفاءة استخدام الموارد في أنشطة التنمية، وذلك عبر خمسة محاور أساسية تتضمن 53 إجراءً مترابطًا فيما بينها، ومع الخطط والبرامج الوطنية الجارية أو قيد الإعداد، وكذلك مع الالتزامات الدولية التي صادقت عليها تونس في مجالات البيئة والتنمية المستدامة ومجابهة تغيّر المناخ. وتنسجم هذه الاستراتيجية مع خطة التنمية 2023–2025 ورؤية تونس 2035 وبرنامج الإصلاحات الهيكلية الحكومية وسائر الاستراتيجيات القطاعية (الطاقة، الصناعة، النقل، السياحة، الصحة، التعليم...).

وتتوزع محاور الاستراتيجية الوطنية للانتقال الإيكولوجي على النحو الآتي:

1--  ترسيخ حوكمة مؤسساتية تقوم على التنسيق بين القطاعات والمجالات الترابية، وتوفير أنظمة تمويل مناسبة وميسّرة.

2-- تعزيز قدرات التكيّف والصمود لدى القطاعات والبيئات والسكان في مواجهة تغير المناخ وآثاره، وخفض كثافة الكربون للوصول إلى الحياد الكربوني بحلول 2050، مع تقليص مخاطر الكوارث.

3--  ضمان إدارة رشيدة للموارد الطبيعية، مع الحفاظ على النظم البيئية البرية والبحرية واستعادتها.

4--  إرساء أسس الاقتصاد الأخضر والأزرق والدائري، ضمن أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة، والعمل على القضاء على بؤر التلوث وتطهير وإعادة تأهيل المواقع الملوّثة.

5-- تطوير الثقافة البيئية والعلم والمعرفة وتأهيل الموارد البشرية في مجالات حماية البيئة والتنمية المستدامة ومجابهة آثار التغير المناخي، ونشر هذه القيم لدى مختلف الفاعلين.

وبالعودة إلى أبرز الإجراءات الواردة في الاستراتيجية الوطنية، تبرز ملاحظة تأخر تونس في تنفيذ الأهداف المبرمجة في أفق سنة 2025، إذ لم يتم بعد إحداث الهيئة العليا للانتقال الإيكولوجي أو المصادقة على مجلة البيئة، إلى جانب عدم تفعيل كلٍّ من المجلس الاقتصادي والاجتماعي البيئي وصندوق تمويل الانتقال الإيكولوجي وصندوق الاستثمار الأخضر.

▪︎ 8 جوان 2023: أصدرت المحكمة أحكامًا بالسجن تتراوح بين ثمانية أشهر وسنتين ضد عشرات النشطاء في حراك "مانيش مصبّ"

على خلفية تحركاتهم المطالبة بإغلاق مصبّ النفايات بالقنّة في معتمدية عقارب من ولاية صفاقس. وشملت الأحكام 38 ناشطًا وناشطة من سكان المنطقة بتهم من بينها تعطيل سير العمل، والتهديد، والإضرار عمداً بملك الغير، وهي قضايا تعود إلى احتجاجات نوفمبر 2021 التي اندلعت للمطالبة بتفعيل قرار قضائي سابق يقضي بغلق المصب، وأسفرت مواجهاتها عن وفاة الشاب عبد الرزاق لشهب.

تعود جذور الأزمة إلى قرار صادر عن محكمة الناحية بعقارب بتاريخ 11 جويلية 2019 يقضي بالتوقف الفوري عن استعمال مصب القنة وإزالة الفضلات المجمعة في أجل لا يتجاوز ستة أشهر. القرار جاء استجابة لشكاوى الأهالي الذين اشتكوا من التلوث والروائح المنبعثة من المصبّ، الذي يستقبل حوالي 600 طن من الفضلات يوميًا.

رغم القرار، واصلت الشركات المشغّلة للمصبّ والجهات الرسمية المعنية، ومنها وزارة البيئة والوكالة الوطنية للتصرف في النفايات، العمل في الموقع. في المقابل، رفع نشطاء من الحراك قضايا ضد الوكالة، بينما رفعت شركات خاصة مثل مجمع أبو وليد وشركة إيكوتي قضايا ضد عدد من النشطاء، على خلفية احتجاجاتهم ضد نشاط المصب وبعض المصانع المتهمة بالتلوث.

وكانت الوكالة الوطنية لحماية المحيط قد نشرت في أكتوبر 2018 تقريرًا أثبت ارتفاع مستويات التلوث الهوائي في معتمدية عقارب، خصوصًا من حيث الغبار وثاني كبريتيد الهيدروجين، مرجعةً ذلك إلى نشاط المصب وبعض المصانع المجاورة.

في أوت 2020، توصّل الحراك إلى اتفاق مع الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات يقضي بالحد من الانبعاثات والروائح إلى حين غلق المصب نهائيًا، إلا أن الاتفاق لم يُنفّذ إلا لمدة قصيرة. وفي سبتمبر 2021 أعلنت الوكالة إغلاق المصبّ، ما أدى لاحقًا إلى أزمة تكدّس النفايات في صفاقس.

تدخل رئيس الجمهورية قيس سعيّد في نوفمبر من العام نفسه واعتبر الأزمة "مفتعلة"، داعيًا إلى إيجاد حل عاجل. وفي اليوم نفسه، أعلنت وزارة البيئة استئناف نشاط مصبّ القنة باعتباره مرفقًا عموميًا للحد من المخاطر الصحية والبيئية، ما فجّر موجة جديدة من الاحتجاجات في عقارب انتهت بمواجهات مع قوات الأمن.

▪︎  16 جويلية 2023، شهد قصر قرطاج توقيع مذكرة تفاهم حول الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين تونس والاتحاد الأوروبي:

تهدف هذه الشراكة حسب نص المذكرة إلى تعزيز أمن التزويد بالطاقة وتوفير طاقة منخفضة الكربون للمواطنين والمؤسسات بأسعار تنافسية، إلى جانب تطوير شبكة الكهرباء الوطنية، بما في ذلك إدماج الشبكات الذكية. كما تسعى تونس والاتحاد الأوروبي إلى تعميق التعاون في تنفيذ الالتزامات المناخية، وخاصة ما ورد في اتفاق باريس للمناخ، من خلال المساهمة المحددة وطنيًا (CDN) والاستراتيجية الوطنية للتنمية المحايدة كربونيًا والمقاومة لتغيّر المناخ في أفق 2050.

تتضمّن الشراكة دعم مشاريع إنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته مثل الأمونياك،

وتمّ التطرق لمشروع الخط الكهربائي الرابط بين تونس وايطاليا “ألماد”، والاتفاق على منحة من  أوروبا بقيمة 307 ملايين يورو (335 مليون دولار) تضاف إلى قرض البنك الدولي بقيمة 268 مليونا و400 ألف دولار، لتمويل المشروع. وهو ما سيمكّن تونس من أن تصبح مركزا  لتصدير الطاقة المتجددة. ويتمثل مشروع “ألماد” للطاقة المتجدّدة في ربط شبكة الطاقة التونسية بالشبكة الأوروبية من خلال كابل بحري بقدرة 600 ميغاواط.

وسيتم تنفيذ هذه الشراكة وفق خارطة طريق مشتركة تُحدّد المشاريع ذات الأولوية في مجالي إنتاج الطاقات المتجددة وتعزيز الشبكة الكهربائي من خلال:

تحسين أداء المؤسسات العمومية الناشطة في قطاع الطاقة، تبسيط الإجراءات الإدارية، تطوير الإطار القانوني المنظم للقطاع، وتمكين تونس من الاندماج في التجارة الدولية للطاقة النظيفة.

تثير مذكرة التفاهم الموقّعة بين تونس والاتحاد الأوروبي حول الشراكة الاستراتيجية في مجال الطاقة عدداً من التساؤلات والانتقادات في الأوساط المهتمة بالشأن البيئي. إذ اتّسم مسار إعدادها بقدر من الغموض، حيث جرت المفاوضات، بعيداً عن النقاش العمومي، على نحو يُذكّر بتجارب سابقة مثل اتفاقية “الأليكا” التي أُجهضت بعد جدل واسع.

ويذهب بعض المتابعين إلى التساؤل عن الأسباب التي جعلت البلدان الأوروبية تنقل جزءاً من إنتاجها الصناعي في مجالات مثل الأمونيا والهيدروجين إلى الخارج، وهل يرتبط الأمر، بارتفاع معايير حماية البيئة في أوروبا وكلفة التلوث الصناعي.

كما يطرح آخرون تساؤلاً حول من المستفيد الأساسي من هذه الشراكة: هل تهدف فعلاً إلى تعزيز أمن الطاقة في تونس، أم إلى تأمين الإمدادات نحو الضفة الشمالية للمتوسط؟

▪︎ ماي 2024: أصدرت وزارة الصناعة والطاقة والمناجم، بالشراكة مع الوكالة الألمانية للتعاون الفني (GIZ)،  و ثائق تتعلق بـ الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين الأخضر في تونس، تتضمن خارطة طريق تهدف إلى تصدير أكثر من 6 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر نحو أوروبا بحلول عام 2050:

وبحسب ما ورد في الوثائق الرسمية، تطمح الحكومة التونسية إلى إنتاج ما يفوق 8 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر، على أن يُخصَّص الجزء الأكبر منها للتصدير، أي ما يعادل أكثر من ثلاثة أرباع الإنتاج الجملي، في اتجاه الأسواق الأوروبية.

ولتحقيق هذه الأهداف، تُقدَّر قيمة الاستثمارات اللازمة بنحو 117.2 مليار يورو، ستُوجَّه إلى تطوير البنية التحتية الأساسية للمشاريع، وتشمل محطات الطاقات المتجددة، ومحطات تحلية المياه لاستخراج الهيدروجين، وشبكات الأنابيب، وتجهيز الموانئ التونسية لتسهيل التصدير. ومن المنتظر أن تُموَّل هذه المشاريع أساساً عبر قروض من مؤسسات مالية دولية مثل البنك الأوروبي للاستثمار، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، والبنك العالمي.

ويشير الباحث إلياس بن عمّار إلى أنّه "من أجل بلوغ هدف تصدير 6 ملايين طن، ينبغي تركيز ما يزيد عن 90 جيغاوات من الطاقات المتجددة (الرياح والطاقة الفولتوضوئية)، أي ما يعادل نحو 15 ضعف القدرة الكهربائية المركزة حالياً في البلاد". ويضيف أن ذلك "يستوجب استغلال ما لا يقل عن 500 ألف هكتار من الأراضي في الجنوب التونسي — أي حوالي 3% من المساحة الإجمالية للبلاد — سواء عبر الأراضي الاشتراكية أو الأراضي التابعة للدولة، ما قد يثير إشكالات اجتماعية وبيئية".

أما الباحث صابر عمّار فيُلفت إلى أن هذه الكمية الضخمة من الطاقات المتجددة "ستُستخدم لاستخراج غاز الهيدروجين من مياه البحر بعد تحليتها، وهو ما يعني بناء محطات لتحلية المياه بقدرة إنتاجية لا تقل عن 160 مليون متر مكعب سنوياً، أي ما يعادل استهلاك نحو 400 ألف مواطن تونسي في بلد يعاني من أزمة جفاف مزمنة".

وفي تقييم أعدّته الوكالة الألمانية للتعاون الفني (GIZ) حول فرص الاستثمار في مجال الهيدروجين الأخضر، أشير إلى أن النسيج الصناعي التونسي ما يزال غير مؤهل للاستفادة من هذه التقنية في قطاعات مثل النقل أو صناعة الحديد، وأن البلاد ستقتصر في المدى القصير والمتوسط على إنتاج بعض المشتقات الموجهة أساساً للتصدير.

ويخلص صابر عمّار إلى أنّ "تونس تجد نفسها مطالبة بتوفير الموارد الطبيعية مثل الأرض والمياه بأقل كلفة، وتحمل التبعات البيئية والاجتماعية لهذه المشاريع"، معتبراً أن ذلك يكرّس "تقسيمًا عالميًا للعمل، حيث تزوّد دول الجنوب الشمال بالمواد الأولية واليد العاملة، مقابل استيراد التكنولوجيا والمنتجات النهائية".

▪︎ مارس 2025: حذف الفوسفوجيبس من قائمة النفايات الخطرة

تناول رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال لقائه بقصر قرطاج بوزيرة الصناعة والمناجم والطاقة فاطمة ثابت شيبوب، عدداً من الملفات المتعلقة بإنتاج الفسفاط ومعضلة الفوسفوجيبس في قابس. وأكد رئيس الدولة على ضرورة إيجاد حلّ نهائي لهذه المسألة، مشيراً إلى إمكانية استغلال الفوسفوجيبس بطرق لا تخلّ بالتوازن البيئي، ومذكّراً بالدراسات التي أنجزها مهندسون وخبراء في قابس منذ أكثر من عشر سنوات، والتي تؤكد – بحسب قوله – جدوى هذا الخيار وسلامته العلمية.

وجاءت هذه التصريحات في سياق قرار رسمي يقضي بحذف الفوسفوجيبس من قائمة النفايات الخطرة وإدراجه ضمن المواد المنتجة القابلة للاستعمال في مجالات صناعية متعددة، وفق شروط محددة. القرار أنهى تصنيفاً قانونياً يعود إلى سنة 2000، ما أثار جدلاً واسعاً لدى عدد من السكان في المناطق المتأثرة بالإنتاج، إلى جانب ناشطين بيئيين عبّروا عن مخاوفهم من التداعيات الصحية والبيئية المحتملة لاستمرار إنتاج هذه المادة.

 يُعدّ الفوسفوجيبس، أو الجبس الفوسفاتي، من الفضلات الصناعية الناتجة عن معالجة الفوسفات الطبيعي لإنتاج الحامض الفوسفوري والأسمدة. تتكوّن هذه المادة من رواسب رطبة تحتوي على عدد من العناصر الكيميائية والمعادن الثقيلة مثل الكادميوم والزئبق والزنك، إضافة إلى عناصر مشعة على غرار الراديوم 226 الذي ينبعث منه غاز الرادون 222.

تُقدّر الكميات المتراكمة من الفوسفوجيبس في تونس منذ بداية إنتاجه سنة 1952 بنحو 130 مليون طن، فيما يبلغ الإنتاج السنوي الحالي حوالي 4.5 ملايين طن، أي ما يقارب نصف المعدّل المسجّل قبل سنة 2011.

يرتكز الإنتاج أساساً في قابس، المظيلة، الصخيرة وصفاقس (التي توقّف فيها النشاط منذ 2016). وفي قابس، تُصرَّف كميات الفوسفوجيبس مباشرة في خليج المدينة بمعدل يقارب 12,500 طن يومياً، في حين تُكدَّس في مواقع أخرى في مصبّات مفتوحة تُعرف محلياً بـ"الطوابي".

و في جلسة عامة بالبرلمان يوم 13 مارس 2025، أكدت وزيرة الصناعة أن الفوسفوجيبس «غير مشعّ ولا يمثّل خطراً على صحة المواطنين»، مشيرة إلى أن القرار الوزاري اعتمد على تقرير أعدّته لجنة وطنية من الباحثين والخبراء.  بعنوان «تثمين الفوسفوجيبس: فرص للتنمية الاقتصادية»

على مستوى تركيبة الهيئة العلمية المتكوّنة من 14 عضوا نلاحظ وجود ثلاثة موظفين كبار من وزارة الصناعة والمناجم، وأربعة “خبراء في البيئة والتنمية المستدامة” دون تحديد دقيق مجال خبرتهم والجهات التي تَعتمدهم كخبراء، و7 أساتذة-باحثين جامعيين يُشاركون في صياغة التقرير بصفتهم الشخصية لا كممثلين عن الجامعات أو مخابر ووحدات البحث التي ينتمون إليها. ويشار إلى أن تمويل التقرير تم من قبل سفارة المملكة المتحدة في تونس والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.

وتجاهل التقرير بشكل جلي التقارير والدراسات التي اشتغلت على تبيان مخاطر الفسفوجيبس الصحية والبيئية و/أو محدودية نجاعة تثمينه في قطاعات اقتصادية أخرى

يُذكر أن الدولة التونسية كانت قد صنّفت الفوسفوجيبس ضمن النفايات الخطرة بمقتضى الأمر عدد 2339 لسنة 2000 المؤرخ في 10 أكتوبر 2000، تطبيقا لأحكام القانون عدد 37 لسنة 1997 المتعلق بنقل المواد الخطرة عبر الطرقات. ولم تمنع تلك النصوص إمكانية تثمين الفوسفوجيبس، لكنها كانت تضع إجراءات ترخيص صارمة وشروطاً دقيقة تخصّ النقل والمعالجة، وهو ما أعاد القرار الجديد طرحه ضمن مقاربة مختلفة تراهن على الاستغلال الصناعي للمادة.

ولم يتطرّق التقرير إلى عدد من الدراسات السابقة التي حذّرت من المخاطر الصحية والبيئية للفسفوجيبس أو شكّكت في جدوى تثمينه اقتصادياً مثل التأثيرات البيئية لتخزين الفسفوجيبس في صفاقس (تونس) — منصف الزيري أو  دراسة أثر التلوث الصناعي على اقتصاد جهة قابس — المفوضية الأوروبية أو تقييم تلوث أو تكدّس المعادن الثقيلة في نفايات الفسفوجيبس بمنطقة المظيلة (قفصة، جنوب تونس) — عمر بن قرالي.



    خريطة لأهم المناطق التي تشهد أزمات بيئية

    (تلوث صناعي، نفايات، إنبعثات، تدهور ساحلي)

    إضغط على النقطة لمشاهدة المعلومات

      خريطة بأهم التحركات الاجتماعية ذات بعد بيئي  

    Inkyfada Landing Image

    منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

    أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

    منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول