كواليس الإخفاق التونسي في كأس إفريقيا: بين لوبيات النفوذ، الإهانات والتدخلات

بعد إقصائها في الدور ثمن النهائي أمام مالي (1-1، 3–2 بركلات الترجيح)، تغادر تونس كأس إفريقيا للأمم مرة أخرى من الباب الضيق. إخفاق رياضي بات متكرّرًا، لا يمكن اختزاله في مباراة واحدة أو في اسم مدرّب. خلف سقوط “نسور قرطاج” تتكشّف كواليس مثقلة بالتدخلات والضغوط والترتيبات، كاشفة عن عمق الفشل التونسي. تحقيق.
بقلم | 09 جانفي 2026
10 دقائق
متوفر باللغة الفرنسية

بعد إقصائها في الدور ثمن النهائي أمام مالي (1-1، 3–2 بركلات الترجيح)، تغادر تونس كأس إفريقيا للأمم مرة أخرى من الباب الضيق. إخفاق رياضي بات متكرّرًا، لا يمكن اختزاله في مباراة واحدة أو في اسم مدرّب. خلف سقوط “نسور قرطاج” تتكشّف كواليس مثقلة بالتدخلات والضغوط والترتيبات، كاشفة عن عمق الفشل التونسي. تحقيق.

على المستوى الكروي البحت، قدّمت تونس بطولة باهتة. منتخب بلا هوية لعب واضحة، عاجز عن الحفاظ على نسق ثابت طيلة تسعين دقيقة، ومرتبك في اللحظات الحاسمة. وبعد دور مجموعات لم يحمل أي مؤشرات إيجابية تُذكر، باستثناء الفوز في المباراة الافتتاحية أمام منتخب أوغندا المتواضع (3-1)، بدا الإقصاء نتيجة منطقية لمسار افتقر إلى الأسس الصلبة، أكثر منه حادثة عابرة.

وكما جرت العادة في مثل هذه السيناريوهات، كان لا بدّ من ردّ فعل مؤسساتي سريع، حفاظًا على الصورة. وهكذا، أُقيل المدرّب سامي الطرابلسي من مهامه، عبر بلاغ نُشر مساء الأحد على الصفحة الرسمية للجامعة التونسية لكرة القدم على فيسبوك.

مدرّب بلا هامش قرار 

سبق لسامي الطرابلسي أن تولّى تدريب المنتخب الوطني في مناسبتين، دون أن يراكم خبرة تُذكر على أعلى المستويات. ورغم محدوديته التكتيكية، فقد مثّل في هذه المرحلة “كبش فداء” مثاليًا للجامعة. غير أنّ وضعيته كانت هشّة قبل انطلاق كأس إفريقيا بوقت طويل.

فبحسب عدّة مصادر قريبة من إنكفاضة، كان حسين جنيح، نائب رئيس الجامعة التونسية لكرة القدم، يرغب في الاستغناء عن خدمات الطرابلسي منذ شهر نوفمبر، عقب المباراة الودية أمام البرازيل يوم 18 نوفمبر. فقد أثارت طريقة إدارة المجموعة وبعض الخيارات الفنية استياءً عميقًا داخل أروقة الجامعة. وكان من الممكن اتخاذ قرار الإقالة حينها، لولا التعادل (1-1) أمام “السيليساو”، الذي جُمِد على إثره الملف مؤقتًا.

ذلك التعادل، الذي اعتُبر داخليًا نتيجة غير متوقعة، منح الطرابلسي مهلة إضافية لقيادة المنتخب إلى كأس إفريقيا. مهلة لم تُنهِ حالة عدم الثقة. إذ لم يتغيّر نمط التسيير الداخلي. فوفق معطيات إنكفاضة، كان المدرّب، شأنه شأن سابقيه، محرومًا من هامش استقلالية حقيقي. فالقرارات الرياضية لم تكن حكرًا على الإطار الفني، بل كان حسين جنيح يتدخّل مباشرة في خيارات مفصلية، من تركيبة التشكيلة إلى تعيين قائد المنتخب، على غرار ممارسات سابقة سُجّلت في عهد وديع الجريء، سلفه المسجون، والذي ظلّ قريبًا منه.

ويُعدّ منح شارة القيادة الفرجاني ساسي مثالًا صارخًا على ذلك. فقد كان الطرابلسي يفضّل إلياس السخيري، لكن القرار فُرض عليه. هذا التدخل المستمر قوّض سلطة المدرّب وأربك توزيع المسؤوليات داخل المجموعة، في تعارض صريح مع مبادئ الحوكمة التي تدافع عنها الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (CAF).

هذا التململ لم يكن حبيس المدرّجات أو مواقع التواصل الاجتماعي فحسب، بل عبّر عنه علنًا حنبعل المجبري (22 عامًا)، اللاعب الوحيد الذي توقّف للحديث في المنطقة المختلطة بعد المباراة. وقال لاعب وسط بيرنلي الإنجليزي:

“نحن متأخرون كرويًا، ويجب أن نقول ذلك. متأخرون في أشياء كثيرة. يجب أن نجلس جميعًا، كل المسؤولين عن كرة القدم التونسية، حول طاولة واحدة ونطرح الأسئلة الحقيقية… أنا لا أعيش في تونس، وسيكون من النفاق أن أدّعي غير ذلك، لكن لا يمكنني الصمت. الأمر محزن.”

إهانات ومشاحنات: كأس إفريقيا تحت التوتر

سرعان ما تحوّلت محدودية الأداء داخل الملعب إلى توترات خارجية كاشفة عن مناخ عام متشنّج. فحسب المعطيات التي جمعتها إنكفاضة، حاول نائب رئيس الجامعة، مرفوقًا بمسؤول الفريق الأول خميس الحمزاوي، الدخول إلى منطقة VVIP المخصّصة حصريًا لرؤساء الاتحادات والأعضاء المعتمدين من الكاف. وبعد منعهما من قبل أعوان الأمن، يُشتبه في أن حسين جنيح وجّه إهانات لفظية لهم.

وقد قامت مسؤولتان في البروتوكول، إحداهما جزائرية والأخرى مغربية، بتحرير تقارير رُفعت إلى الكاف. وخلال مثوله أمام لجنة الانضباط، نفى جنيح كل الاتهامات، مدّعيًا أنّه كان يبحث عن مقعد لسفيرة تونس. غير أنّ هذه الرواية فُنّدت فورًا من قبل مسؤولة البروتوكول، التي واجهته بصورة تُظهر أنّ السفيرة كانت بالفعل جالسة في مقعدها المخصّص.

ووفق معلوماتنا، طُلب منه التوقف عن الإنكار، بالنظر إلى وجود تقارير اعتُبرت دامغة. ويعود أصل الحادثة، بحسب نفس المصادر، إلى رغبة جنيح في الجلوس بالقرب من باتريس موتسيبي، رئيس الكاف، خلال مباراة تونس–نيجيريا. وقد تدخلت مسؤولة البروتوكول لإبلاغه بعدم أحقيته في ذلك، وطلبت منه التوجّه إلى مقعده المحدّد خلف رئيس الكاف. لكنه رفض في البداية الامتثال وأصرّ على البقاء في مكانه.

ولم يغادر إلا بعد تدخل متكرر من المسؤولة، ليبدأ بعدها في توجيه إهانات باللغة العربية في حقها. وتندرج هذه الوقائع ضمن الفصل 108 من المجلة التأديبية للكاف، وقد تعرّض حسين جنيح لعقوبة تتراوح بين الإيقاف لمدة ستة أشهر وسنة.

التوترات امتدت أيضًا إلى المدرّجات. فبحسب معطيات إنكفاضة، كاد والد اللاعب فرجاني ساسي أن يتشابك بالأيدي مع أحد الأنصار الذين انتقدوا ابنه خلال مباراة التعادل أمام تنزانيا (1-1) يوم 30 ديسمبر 2025. مشهد يعكس حالة احتقان عامة، أصبحت فيها أي مساءلة، رياضية كانت أو مؤسساتية، قابلة للانفجار.

لوبيات وتدخلات: الحكّام الجدد للعبة

تندرج هذه الوقائع ضمن منظومة أوسع، سبق لإنكفاضة أن وثّقتها في أبريل الماضي، حيث باتت حوكمة كرة القدم التونسية أكثر ارتباطًا بشبكات النفوذ والمصالح الخاصة. وفي صلب هذه المنظومة، تبرز شركتان أصبحتا فاعلتين أساسيتين في المشهد الكروي الإفريقي: Sportedge وAfrica TMS.

وقد قُدّمتا في البداية كمجرّد مزوّدتين للخدمات اللوجستية، قبل أن تتوسّع أدوارهما تدريجيًا لتشمل تنظيم المباريات الودية والتربصات التحضيرية. وتُظهر وثائق اطّلعت عليها إنكفاضة أنّ الشركتين حصلتا على تفويضات حصرية للتفاوض وتنظيم وإدارة الجوانب المالية لمباريات دولية تخصّ عدّة منتخبات إفريقية. وبين 2022 و2023، وقّعت ما لا يقل عن سبع اتحادات وطنية مثل هذه الاتفاقيات، من بينها مدغشقر، الطوغو، النيجر، بنين، ليبيريا، بوتسوانا وجيبوتي.

وتُدار هاتان الشركتان من قبل التونسي صفوان عيدي، بدعم من وكيل اللاعبين المعتمد لدى الفيفا معزّ براهمي. وقد شيّد الاثنان شبكة نفوذ عابرة للحدود، مدعومة بصلات مؤسساتية رفيعة المستوى. وكانت إنكفاضة قد كشفت سابقًا عن الدور الذي لعبه فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، في دعم القائمة التي قادها معزّ النصري وحسين جنيح خلال انتخابات الجامعة التونسية لكرة القدم، بدعم منظّم تمّ عبر صفوان عيدي، الذي تحوّل إلى وسيط مركزي بين بعض الاتحادات الإفريقية والقيادة الجديدة للجامعة.

وسرعان ما انعكست هذه الشبكة داخل الجامعة نفسها. فقد شملت الترتيبات، وفق معطيات إنكفاضة، استقبال منتخبات مثل بوركينا فاسو ومالي، حيث تُدفع التكاليف أولًا من حسابات الجامعة التونسية، قبل أن تُعاد فوترتها لاحقًا من قبل Sportedge عبر ثنائي عيدي–براهمي، دون شفافية تُذكر حول هذه العمليات المالية، في وقت تعاني فيه حسابات الجامعة من وضعية حرجة.

كما تشير معلوماتنا إلى أنّ نفس الشبكة حاولت التدخل لتخفيف العقوبة التأديبية المحتملة ضد حسين جنيح لدى الكاف، حيث يُذكر اسما صفوان عيدي وأحمد يحيى ضمن الوسطاء الذين جرى تفعيلهم.

وكما وثّقت إنكفاضة على مدى الأشهر الماضية، فإن الإخفاق التونسي في كأس إفريقيا ليس سوى عرض لأزمة أعمق، حيث بات القرار الرياضي خاضعًا لمنطق النفوذ واللوبيات والشبكات. فمن دكّة البدلاء إلى ممرّات الفنادق، تُتخذ قرارات مفصلية بعيدًا عن المستطيل الأخضر، وأحيانًا بعيدًا عن البلاد نفسها.

“بالتضحية بالمدرّب، حاولت الجامعة امتصاص الغضب الآني. لكن طالما استمرّت هذه الآليات في هيكلة الحوكمة، ستظلّ تونس حبيسة دائرة من الإخفاقات المتكرّرة. كأس إفريقيا لم تُحدث الأزمة، بل جعلت تجاهلها مستحيلًا”، يختم أحد المقرّبين من الجامعة.

Inkyfada Landing Image

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول