شارك



سلوى، 45 سنة، أستاذة جامعية وباحثة في مؤسسة عمومية، 3059 في الشهر

21 نوفمبر 2021 |
وراء مكتبها المزدحم بالملفات ومسوّدات البحوث وبعض العينات من البحث الميداني الواجب إخضاعها للتحاليل المخبرية، تُنظّم سلوى* أولويّات عملها التي تجمع بين الدروس التي تقدّمها، والإشراف على بحوث الطلاب والطالبات إضافة إلى مهامها في مشاريع البحوث المتعددة التي تقوم بها في إطار عملها كأستاذة وباحثة في مؤسسة تعليم عال عمومية في المركب الجامعي بالمنار. 
انتظرت سلوى 12 عاما منذ بداية عملها كباحثة لتتمتع بالترسيم في خطة أستاذة مساعدة بالتعليم العالي في إحدى المؤسسات العمومية التابعة للمركب الجامعي فرحات حشاد بالمنار. استهلّت الأستاذة نشاطها بالعمل كـ"متربّصة" دون أجر آخر سنة 1999 في مؤسسة بحث عمومية تعود بالنظر لوزارة الفلاحة. بعد سنة، وقع إلحاقها كباحثة وفق عقد "مساعدة متعاقدة" لتراوح بين عدد من أنواع عقود البحث الهشة بالتوازي مع إتمامها رسالة الدكتوراه. تقدّمت إثر نيلها الشهادة الأكاديمية لمناظرة الانتداب في التعليم العالي العمومي ولم يقع ترسيمها إلا سنة 2012.
"عملت كباحثة في مؤسسات بحث عمومية طيلة 12 سنة وفق عقود عمل هشة، ولم أتمتع بموجب أغلبها بتغطية اجتماعية" تستنكر سلوى

عقب سنتين من إبرام أوّل عقد عمل، تزّوجت سلوى من باحث شاب في نفس المجال تقريبا. وحرصت على استكمال الدراسة والبحث العلمي للحصول على شهادة دكتوراه ثم مختلف الرتب الأكاديمية في مسار موازٍ مع حياتها الشخصية. ثم رزقت لاحقا بابنة واحدة، تبلغ اليوم من العمر 16 عاما.

في الواقع، تتوزع أوقات عمل سلوى بين الدروس النظرية والتطبيقية بمعدّل 285 ساعة في السنة، دون احتساب الساعات الإضافية، وبين تأطير بحوث طلاب وطالبات الماجستير ومشاريع ختم الدروس. لكنها تنفق الجزء الأهم من أوقات عملها التي لا تستطيع إحصاءه في مشاريع البحث العلمي. تعمل في الوقت الراهن على 8 مشاريع بحث متوازية. لكنّها تشتكي صعوبة الحصول على أجرة البحث العلمي المخصصة للباحثين·ات. بعض الأجور تاتي متأخرة بسنوات، وبعضها الآخر رهين تعقيدات إدارية.

منذ 2013، تتحصل سلوى على راتب شهري وصل إلى 2588 دينارا بعد تفعيل آخر اتفاق مع وزارة التعليم العالي. لكن هذا الدخل ما يزال يتأرجح بين التأخيرات في نيل منح الإنتاج والساعات الإضافية، ومنح البحث وتأطير الطلاب والطالبات.

تفسّر سلوى "نظريا تخصص ميزانيات مشاريع البحوث العلمية أجورا صغيرة للأساتذة الباحثين·ات، أحد مشاريعي منذ 2013 ولم أحصل على المنحة الخاصة به إلى اليوم."

" قبل 2013 لم أكن مرسّمة، فلم أكن أحصل على أي منحة للبحث. بعدها مازلت أنتظر لليوم أول مشاريع البحث التي عملت عليها من سنين حتى أنني أنجزت بحثا بالشراكة مع جهة مانحة ألمانية لم تحوّل تمويل البحث بتاتا". 

تواصل الأستاذة: "بالنسبة لمشاريع ختم الدروس نتحصل نظريا على منحة بين 300 و400 د.ت عند تأطير الطالب·ة الواحد·ة، لكن في الواقع لا أستطيع متابعة تعقيد الإجراءات. فتأتي المنح دوما متأخرة لدرجة أنّي تلقيت مؤخّرا منحة تأطير قمت به منذ 5 سنوات وجاءت المنحة منقوصة. كذلك فإن الساعات الإضافية منحها زهيدة". فتحصّل بذلك معدّل دخل شهري من المنح يقدّر ب288 شهريّا.

فيما يلي نظرة عامة على نفقاتها الشهرية ودخلها:

تخصص سلوى أكثر وقتها للبحث العلمي وتحرص في الآن ذاته على إتمام مهامها كعضوة في الهيئة المديرة لجمعيّة علمية ونشاطها أيضا في جمعية مواطنية تجمع متساكني ومتساكنات حيّها للدفاع على حقوقهم·ن.

الجزء الأهمّ من دخلها الشهري موجّه لسداد قرضيّ سكن تحصّلت عليهما تباعا منذ بضع سنوات من أجل بناء منزل بالشراكة مع زوجها في مدينة برج السدرية. تدفع الأستاذة 1278 دينارا شهريا وتودع 50 دينارا شهريا في حساب إدّخار لتغطية تكاليف دراسة ابنتها في التعليم العالي. بينما تتقاسم معظم المصاريف الشهرية في خلاص الفواتير القارّة ومصاريف الأكل وصيانة المنزل مع زوجها. فبينما يؤمّن هو خلاص فاتورة الكهرباء وأجر المعينة المنزلية، تتكفل سلوى بخلاص فواتير الماء والهاتف والإنترنت.

"في أغلب الأحيان، لا تتمتّع قاعات الدراسة والمخابر بتغطية إنترنت. فأضطر لاقتناء اشتراك إنترنت من مالي الخاص لضمان جودة الدرس الذي أقدّمه ويكلّفني ذلك تقريبا 30 دينار شهريا "

في المقابل يتكفّل زوجها بالجانب الأكبر من مصاريف البقالة والأكل فلا يكلّفها ذلك أكثر من 150 دينارا شهريا. لكنّها تؤمّن جزءا هامّا من المؤونة السنوية للمنزل "العولة" من كسكسي وزيت زيتون وأسماك مما يكلّفها ما يقارب 900 دينار سنويا. تحاول سلوى تفسير تقسيم الأدوار والمصاريف: "يقع الجزء الأكبر من مهام الطبخ والتنظيف على عاتقي رغم محاولاتنا تقسيم الأدوار، وكثيرا ما نخرج للأكل في المطاعم رفقة ابنتنا في نهايات الأسابيع والعطل كي نتفادى الطبخ. عندها غالبا ما يتكفّل هو بالدفع". رغم ذلك تكلّفها الوجبات في المطاعم مع ابنتها قرابة 250 دينارا شهريا.

فيما يلي تفاصيل نفقاتها ومداخيلها الشهرية

أما فيما يتعلّق بالملابس ومواد النظافة الشخصية وأيضا منتجات العناية الشخصية، فإنّ سلوى تتكفّل كليّا بهذه المصاريف بما يتعلّق بحاجياتها وحاجيات ابنتها. تختار باهتمام منتجات النظافة، ومستحضرات التجميل والعناية بالشعر والمراهم المضادة للشمس والفوط الصحية الأقل إضرارا بالصحة، وتحبّذ المنتجات الطبيعية، وفي نفس الوقت تترصد فرص التخفيضات على هذه المواد للضغط على المصاريف. وتقتني أيضا جلّ ملابسها من سوق الملابس المستعملة، ومن حرفيي·ات النسيج.

"سابقا كنت أقاطع مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة لأنّها تحتوي على الكثير من المواد الكيميائية. باشرت شراءها منذ بضع سنوات عندما أصبحت أجد منتجات طبيعية "

رغم تمتّعها بالتغطية الإجتماعية القانونية وخدمات تعاونية التأمين للتعليم المكمّلة نفقات الصحة تنفق سلوى قرابة 149 دينارا شهريا على العناية الطبية والأدوية. يعود ذلك لأنها تعاني من مرض مزمن غير مدرج في قائمة الأمراض الرسمية التي يغطيها الصندوق الوطني للتأمين على المرض ويستوجب العلاج بأدوية دورية غير متوفّرة في تونس. فتضطر الأستاذة لعيادة طبيب في فرنسا واقتناء الأدوية مرّة كلّ سنتين. يكلّفها ذلك قرابة 398 دينارا سنويا. في المقابل تنفق دوريّا على علاج العيون والنّظارات 100 دينارا سنويا.

منذ أن قاربت أشغال بناء المنزل الجديد على الانتهاء تنفق سلوى 400 دينارا سنويا على اقتناء أثاث ومعدّات للمطبخ. وتساعد بمبلغ يناهز الـ75 دينارا شهريا نساء عائلتها محدودات الدخل.

ترتاد الأستاذة أسبوعيّا فضاءً ثقافيا يحتضن نادياً للموسيقى الملتزمة، وتقتنص الفرص لمشاهدة عروض سينمائية في القاعة المقابلة للمركب الجامعي. وتخرج كذلك للتنزه مع ابنتها بصفة دورية. لا يكلّفها ذلك أكثر من 74 دينارا شهريا. تستأجر العائلة سنويا منزلا قريبا من إحدى الشواطئ لقضاء العطلة التي يتقاسم الزوجان نفقاتها ليكلّفها ذلك 300 دينارا في السنة.

 المنطقة الرمادية

تشتكي سلوى بالأساس من ضعف الموارد المخصصة للبحث العلمي في المؤسسة التي تعمل فيها، وللبحث العلمي العمومي بصفة عامة وكذلك تغييب أجور الباحثين·ات من مشاريع البحث. الأمر الذي يضطرها غالبا إلى الإنفاق من دخلها الخاص على مصاريف التنقل للعمل الميداني حتى خارج تونس أحيانا ويحبط كذلك من عزمها على مواصلة العمل. "نتيجة لذلك هناك موجة من عزوف الأساتذة عن التعليم العالي والبحث العلمي، بعضهم يتوجه لمكاتب الدراسات والاستشارات الخاصة، والبعض الآخر يتوجه لدول الخليج أو كندا. " تروي الأستاذة بحسرة.

"تلقيت العديد من العروض من مكاتب الدراسات والاستشارات الخاصة. لا أرفض تقديم المساعدة في بعض المشاريع البحثية لكنني لا أعتبر أن هذه المراكز تولي الوقت والجديّة الكافيين للبحث العلمي مقارنة بالمؤسسات الأكاديمية"

تحسن سلوى التعامل مع مصاريفها ولا تجابه مشاكل كثيرة في هذا الجانب. تقول أن مشكلتها لا تكمن في مصاريفها. ترجو طبعا أن يتكفّل صندوق التأمين على المرض بتكاليف علاجها وأن يتوفر دوائها في تونس، لكن شاغلها الأكبر يبقى تردّي وضعية البحث العلمي العمومي وضعف إمكانياته.

من جهة أخرى، تحاول جاهدة الضغط على المصاريف لتتمكّن من شراء سيارة تجنّبها مشقة النقل العمومي من برج السدرية حتى المركب الجامعي في المنار، وتخلصها من الارتباط بجداول عمل وتنقل زوجها الذي يؤمّن حاليّا بصفة كبيرة نحو العاصمة. لكنّها لا تجد مفرّا من الاقتراض ثانية من البنك. تفسّر سلوى: "لا يعتبر قرض السكن الذي تحصّلت عليه خانقا تماما ذلك أنني سأتمّ سداده بعد 16 عاما. لكنّي مجبرة بموجبه على الاقتراض ثانية لاقتناء سيّارة. ستلاحقني القروض حتى بعد تقاعدي".

 تشبّة الأستاذة حالها بحال البلاد متهكّمة :"مديونيّتي كمديونيّة تونس، طويلة المدى!"

 المستقبل

رغم مديونيّتها العالية، تتحمل الأستاذة مسؤولية هذا القرار باعتباره خيارا شخصيا بالاستثمار مع زوجها في عقار ذي قيمة.

ترنو في الآن نفسه إلى إيجاد موارد لترميم منزل جدّها الذي ورثته مع أخيها، والذي يقع في القرية الساحلية التي تنحدر منها. تقول بحماس "بعد إتمام كل مستلزمات المنزل الجديد، والنجاح في اقتناء سيارة، سأعمل جاهدة على ترميم دار جدّي للمحافظة على طابعها المعماري الفريد ذي الزخارف الخشبية التي تعود لأوائل القرن العشرين".