شارك



زياد، مراقب مالي، 750 دينارًا في الشّهر

02 سبتمبر 2020 |

بعد مرور ستَّة أسابيع من الحجر الصحي، خلال شهر ماي، يزاولُ زياد الحياة. يعود الشابّ إلى مقهاه المعتاد، ليحتسي فنجانهٌ الأول من "الأسبريسو" و يقول مبتهجا "إنَّها ولادة جديدة!". تعود الحياة إلى ما كانت عليه، والعمل أيضا، كما قبل انتشار الوباء.

يعملٌ زياد في مكتب محاسبة مكلَّفا بمراقبة دقة القوائم المالية للشركات الزبونة. مراجعٌ حسابات مبتدىء يتنقلُ من مكان إلى آخر بسيّارته أو تلك التي تعود لرئيسه في العمل. عادةً ما يتواجدُ في تونس الكبرى لإنجاز مهام تتراوح مدتها من أسبوعين إلى ثلاثة،  في مقرات شركات صناعية وتجارية.

ينفّذ زياد عمليات المراقبة عند العميل·ـة الذي أو التي يـ·تضع على ذمته مكانا مخصصا للعمل. هناك، خلفَ شاشة حاسوبه المحمول ورزمة من حافظات الملفات، يجلسُ مدققا في المئات من تقارير الحسابات في اليوم، مقتفيا أثرَ المخالفات أو التلاعب أو الاحتيال.

يقول: " إنها الصدفة التي جعلتني أسلكُ هذا المجال". " مع نيلي لشهادة الباكالوريا بمعدَل 10 من 20، خياراتي التوجيهية كانت محدودة. علاوةً على ذلك لم أكن أعرف البتَّة ماذا أريد أن أفعل في الحياة ... بالتالي وجدتني بالصدفة أضعُ علامةً أمام خانة 'التجارة' في جذاذة التوجيه".

زياد ليسَ الوحيد الذي وجدَ نفسه يعملُ في مجال غير مقتنع به. يقول مستحضرا: " أغلبُ أصدقائي كان لديهم·ـنَّ نفس الإشكال، حيث أن والديهم·ـنّ هم·ـنّ من قرروا و قّررن مصيرهم·ـنَّ".

اليوم وزياد في السادسة والعشرين من عمره، يبدأ مشواره بفضل شهادة الماجستير في "التدقيق ومراقبة الحسابات"، لم تكن لديه صعوبات تعرقلٌ وصوله إلى وظيفته الأولى.

"بعد شهر واحد فقط من البحث، تم توظيفي بالفعل! لا يمكنُ للجميع قول نفس الشيء. إنها مهنة مطلوبة".

منتفعا على مدى سنتين بعقد "الإعداد للحياة المهنية "(CIVP)، يجني زياد 750 دينارا في الشهر.  من بينهم 550 دينارا يدفعهم صاحب العمل و200 دينار تتكفل بهم الدولة. يعملٌ من الاثنين إلى الجمعة، بمعدلَ 40 ساعة في الأسبوع. يقول مؤكدًا: " هذا طبعا نظريا فحسب، لأنه في تخصصنا لا يتم احتساب الساعات الإضافيّة".

فيما يلي لمحة عن مداخيله ومصاريفه الشهرية:

لا يكاد زياد يعدُّ الساعات التي يقضّيها خلف مقود السيارة، والتي قد تختلف كثيرا حسب مكان العملاء. و يضيف: " في تونس، الجميع لا يراوحُ مكانه. معظم الوقت نقضيه عالقين في زحمة المرور. السياقة  تشكل عامل ضغط كبير".

زياد  هو أصغر فرد في العائلة، ويعيش وسط شقة في منطقة المنزه رفقة والدته الصّيدلانية المتقاعدة. والده توفّي مباشرة بعد الثورة، أما أَخواته الأكبرَ سناًّ فهنَّ مقيمات في فرنسا منذ عشر سنوات.

يسكنٌ و يتغذَّى و يُعتنى به مجاناً، لا يدفعٌ الشابّ الإيجار ولا حتَّى الفواتير. هو لا يتكفَّل كذلك بالبقالة: " أنا الذي أذهب إلى المغازة أو السوق ولكن أمّي هي التي تدفع. من وقت لآخر يحدث أن أساهم في بعض المصاريف، لكن هذا نادر جدًّا،  لذلك لا يحتسبٌ حتى".

يعترف زياد بقوله: " أنا محظوظ بالعيش مع والدتي، وإلَّا لكانت حياتي صعبة للغاية".

أثناء العمل، استراحات غدائه تتلخصٌ في "وجبة خفيفة" يأكلها على عجلة وتكلّفه 35 دينارا في الأسبوع. للوصول إلى المكتب وعند إجراء تنقلات العمل، يستخدم سيارته وأحيانا سيارة مديره. وينفق حوالي 225 دينارا من البنزين شهريَّا. يقول: " لا تسدّد لي الشركة سوى تكاليف التنقل للمسافات طويلة، أي التي يتجاوزٌ قطرها 20 كيلومتراً".      

سيارته تعودٌ لإحدى أخواته التي هاجرت للعيش في فرنسا. وهي مسجلة باسم والدته التي تدفع مصاريف تأمينها.

يمسكٌ زياد علبةَ السجائر الخاصة به ويتنهد، " وهذه هي أكبر نفقاتي”. " أنا و أمي، أردنا أن نستفيدَ من الحجر الصحي للتوقف عن التدخين ولكن... مستحيل! حاولتٌ عدةَ مرات ولكن لم أتمكن من النجاح في ذلك لأكثر من يومين! في الواقع، كنتُ أنا من عاد للتدخين أولا، ثم أمّي. وهكذا دواليك لعدّة أسابيع..."

رغم أنّ استهلاكه قد انخفض بالفعل أثناء فترة الحجر الصحي وشهر رمضان، يلاحظ زياد أنه يدّخن مرة أخرى بنفس الوتيرة كما كان من قبل وأنّ العٌلبة تدومُ له بالكاد يوماً واحداً. وهو يدركٌ جيدا أن سجائره تكلّفه نحو 240 ديناراً شهرياً، أو ثلثَ راتبه. 

يستنتجُ  منزعجاً : " في العشرة أيام الأولى من الشهر تقريبا ، أعملُ فقط حتى أدفعَ ثمن النّيكوتين!"

من يقول سيجارة، يقول فنجانَ قهوة. عندَ الصباح، منتصف النهار وحتى المساء، زياد لا يضيع أيَّ فرصة حتى يذهب لاحتساء "الاسبريسو". هذه المتعة الدائمة تكلّفهٌ ثلاثة دنانير في اليوم. كما يستغلُّ زياد جلوسه في المقهى حتى يستخدمَ الإنترنت عبر "الواي فاي" ويتواصل مع أصدقائه عبر "الماسنجر". نادرا ما ينفق أكثر من 20 دينارًا في الشهر على بطاقات الشحن للهاتف.

أمَّا هندامه فلا يتكلف عليه شيئا. يروي ضاحكاً " أخواتي هنَّ من ينفقنَ على لباسي من الرأس حتى القدمين". "عندما يجدنَ شيئا لافتا، ملابس، أحذية وأكسيسوارات، يرسلنَ لي صورة عبر تطبيقة الماسنجر قبل شرائها ويأتين بها في السفرة المقبلة. وهن يفعلنَ نفس الشيء مع والدتي". في حين يدفعٌ كل شهرين تقريبا 10 دنانير للحلاَّق.

يمارسٌ زياد الرياضة مرتين في الشهر مع الجيران وأصدقاء الطفولة. حيث يؤجرونَ ملعبَ كرة قدم ويتقاسمون التكاليف التي تتراوح بين 5 و10 دنانير للشّخص الواحد حسب الملعب. من اثنين إلى ثلاثة أيَّام سبت في الشّهر على أقصى تقدير يلتقي أصدقائه وصديقاته في الحانات. يعتبر أن هذا قد يكلفه نحو 90 دينارا في الشهر. لكنه يتكيّفٌ مع هذه السّهرات وفقا لميزانيته، حتى أنه قد لا يخرج خلال عطلات نهاية الأسبوع بشكل متتال. أحيانا تزوده والدته ببعض النقود وأحيانا أخرى يطلبٌ من أخواته أن يرسلنَ إليه بعض المال. يقولٌ مازحًا " أمّي لا تعرف جيدًّا الأسعار، لذا عندما تعطيني هي المال أذهب إلى تونس، في حين عندما أتلقّى المال من قبل أخواتي أقصدٌ منطقة قمرت".

وبما أنّه حُرم من هذه النزهات خلال فترة الحجر الصحي، أمضى الشاب المولع بالألعاب الإفتراضية وبكرة القدم، كل وقته على الإنترنت في اللعب مع أصدقائه ومشاهدة المباريات القديمة. عدا عن ذلك، هو أيضا من عشاق المسلسلات الأجنبية، حيث يتمتعٌ زياد ووالدته باشتراك مجانيّ في Netflix مقدَّم من صديق للعائلة. " يمكن القول بأننا لم نحرم أنفسنا من مشاهدة الحلقات تباعًا وتسلية أنفسنا !"

وفيما يلي تفاصيل مداخيله و نفقاته  الشهرية: 

المنطقة الرمادية

على الرغم من أنه راض عن وضعيته، إلاَّ أنَّ زياد يأسف لطريقة تواصل الحرفاء والحريفات معه إذ لاتبدو لطيفة نوعا ما. يقول آسفا " عندما يصل المدقّق المالي، عادة ما يشعر الزبائن بالخوف. لا أحد يهديك ابتسامة و بالكاد يتحدَّثون إليك. إنَّه أمر محبط للعزائم".

نظرا لعدد تنقلاته أثناء اكتشاف الإصابات الأولى بكوفيد-19، انتاب زياد القلق سريعا. وعلى الرغم من أن تونس لم تسجّل وقتها إلا خمس حالات، يذكرٌ الشاب أنه قد أصرَّ على مديره حتى يطبق تقنية العمل عن بعد. "مع  مهامي المختلفة وعدد الأشخاص الذين ألتقيهم يوميا كنتٌ أخشى حقاً أن أكونَ حاملا للفيروس و ناشراً له". رئيسهٌ في العمل وكذلك زملائه و زميلاته سخروا·ـنمنه، إلاَّ أنه بعد 15 يوما تم الإعلان عن الحجر الصحي العام واضطرّ مكتب المحاسبة لتعليق نشاطه بصفة مؤقتة.

مع الخشية من المرض يضافٌ خوف جديد : " نظرًا لأننا توقفنا عن العمل ولم تكن لدينا معلومات من رئيسنا، اعتقدت بأننا لن نتلقى الراتب على الإطلاق". ولم يكتشف زياد أنه سيتقاضى راتبه بشكل طبيعيّ إلا بعد عودته إلى العمل.

يشعر زياد بالراحة، إلا أنه يأسف للراتب الذي يتقاضاه ولغياب المكافآت.

يقولُ آسفا: " علينا أحيانا تنفيذ عدَّة مهام في وقت واحد مع آجال مضغوطة، لا سيما خلال النصف الأول من السنة. نحن نتقاضى أجورًا زهيدة، ولا يمكننا استرجاع السّاعات الاضافية ... نحن   لا نجرؤ حتّى على النطق بكلمة".

اليوم، و للمرة الأولى منذ فترة طويلة يكون حسابه البنكي إيجابيا. في الحقيقة، أثناء فترة الحجر الصحي، لم يصرف زياد شيئا، نفقات الهاتف والسجائر كلها وُضعت على جنب. إلاَّ أنه يعي جيدا أن هذا الأمر لن يدوم طويلاً. يضيف: " مع ارتفاع تكاليف الحياة، المال الذي ادّخرته سيُنفقُ قريبا جدا".

هناك نقاش قائم بين زياد ووالدته حول رغبته في الالتحاق بأخواته في فرنسا، حتى يتحصَّل على راتب أعلى، ويحيا حياةً أفضل. يستنتجٌ في الأخير: " بالطبع هذا مغر، لكنني لن أتركَ أمي هنا بمفردها! إذا أرادت الذهاب إلى فرنسا، سأذهب. و إذا لم ترغب في ذلك،  فسأبقى معها في تونس. لا بأس."

المستقبل

زياد يتبادل أيضا الكثير من الأفكار مع أحد زملائه في الشركة. يناقشان عبر الرسائل الفورية آفاقهما المستقبلية وطرق صعود السلّم، للحصول على رواتب أفضل... ويتساءلان عمَّا إذا كان ينبغي ترك عملهما الحالي لأجل شركة أكبر.

كما أنهما يحفزان بعضهما البعض للمشاركة في مناظرة الخبير المحاسب في فرنسا الخريف المقبل و عدم الاستسلام تحت ثقل برنامج المراجعة المكثف الذي ينتظرهما هذا الصيف. غير أنّ شكوكهما الشخصية تتفاقم الآن بسبب عدم استقرار الاقتصاد العالمي. هل ستقامٌ المناظرة كما هو مخطط لها؟ هل سيكونان قادريْن على السفر بسهولة بحلول ذلك الوقت؟ ألَن يرتفعَ سعر التذاكر؟

وعلى الرغم من ذلك كله، ينوي زياد الثبات على عزيمته: " هدفي الرئيسي هو المضيّ قدما في حياتي المهنية. مع هذه المناظرة، ستصبح قيمتي في تونس أكبر، لذلك: أريد أن أنجح!"