في منتصف شهر سبتمبر من كل سنة، تدب الحياة في شوارع تونس ويتغير إيقاعها، وتستعيد المدارس والإعداديات والمعاهد ضجيجها وحركيتها بعد أسابيع من الهدوء. أطفال ومراهقون وشباب يتدفقون صباحًا نحو مؤسساتهم التعليمية، بعضهم يحمل محفظة جديدة، وبعضهم يعود بحقيبة رافقته لسنوات.
أمام المكتبات، تصطف العائلات لاقتناء الكراسات والكتب والأدوات المدرسية في موعد سنوي يثقل ميزانية الأسر. داخل أسوار المدارس، يعود المدرسون.ات إلى أقسام قد تستقبل عشرات التلاميذ باكتظاظ، في قاعات لم تتغير كثيرًا منذ سنوات.
مشهد مألوف، يتكرر بانتظامٍ سنويًا، لكن خلف هذه العودة المنتظمة، تختبئ أسئلة أعمق حول المدرسة التونسية: ماذا تغير خلال السنوات الأخيرة؟ كيف تبدو أوضاعها اليوم إذا ما نظرنا إليها من خلال الأرقام والمعطيات الرسمية؟ هل ما تزال المدرسة العمومية قادرة على الاضطلاع بدورها التاريخي باعتبارها مصعدًا اجتماعيًا وضامنًا لتكافؤ الفرص، أم أنها تواجه أزمة هيكلية صامتة تتطلب مراجعة عميقة للخيارات والسياسات التربوية؟
واقع التربية والتعليم بالأرقام
قد يبدو للوهلة الأولى أن ميزانية وزارة التربية في تونس تتجه نحو الارتفاع. فبين 2022 و2026، ارتفعت الاعتمادات المرصودة للوزارة من 7,000 مليون دينار إلى 8,700 مليون دينار، أي بزيادة تناهز 1.7 مليار دينار، أو 24.2%.
لكن هذا الارتفاع الاسمي لا يعني بالضرورة أن التعليم يحظى بأولوية أكبر في توزيع موارد الدولة. فعند النظر إلى حصة التربية من إجمالي ميزانية الدولة، يتضح أن نصيبها تراجع من 14% سنة 2022 إلى 13% سنة 2026. وهو ما يتكرر عند مقارنة الإنفاق على التعليم بحجم الاقتصاد. فقد تراجعت حصة التعليم من الناتج المحلي الإجمالي من 5.5% سنة 2022 إلى 4.6%، قبل أن تستقر عند هذا المستوى خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

بعبارة أخرى، ارتفعت ميزانية التربية بالقيمة الاسمية، لكن هذا الارتفاع يتلاشى عند احتساب أثر التضخم، لتسجل الميزانية تراجعًا حقيقيًا تراكميًا بنسبة 6.5%- بين 2022 و2025. كما تراجعت حصتها نسبيًا من ميزانية الدولة ومن الاقتصاد التونسي عموما.
لكن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في حجم ميزانية وزارة التربية، بل في كيفية توزيعها بين نفقات تسيير الحاضر والاستثمار في مستقبل المدرسة. فالأجور تستحوذ على النصيب الأكبر من الميزانية، إذ تراوحت حصتها بين 84% سنة 2024 و88% سنة 2022، لتبلغ نحو 87% سنة 2026. هذه السيطرة شبه الكاملة لكتلة الأجور تحوّل الوزارة إلى جهاز لدفع الرواتب وتسيير العمل اليومي، مقابل تذبذب وانحسار الاستثمار. فبعد قفزة في عامي 2023 و2024، حيث بلغت نفقات الاستثمار ذروتها عند 654.5 مليون دينار (8.25% من الميزانية) نتيجة تفعيل بعض برامج الصيانة والتهيئة، عادت لتنحسر وتتراجع بشكل حاد في عامي 2025 و2026 لتستقر عند 480 مليون دينار فقط (أي 5.5% من الميزانية).

ويعني هذا التوزيع أن الجزء الأكبر من موارد الوزارة يذهب إلى تغطية النفقات الجارية، فيما تبقى الموارد المخصصة للاستثمار محدودة. بالتالي يقع حرمان المنظومة التربوية من أي فرصة حقيقية لإصلاح البنية التحتية المتهالكة. لتجد الدولة نفسها عاجزة عن بناء مؤسسات جديدة تستوعب الضغط السكاني، أو لتزويد المدارس الريفية بالماء الصالح للشرب والوحدات الصحية اللائقة، أو تفعيل استراتيجيات التحول الرقمي والربط بالإنترنت، مما يرسخ تفاوتاً فادحاً في ظروف الدراسة بين تلميذ المدينة وتلميذ الريف من ناحية هيكلية. كما يمكن أن تظهر الفوارق حتى بين مؤسسات تقع داخل الولاية أو المدينة نفسها.
من ناحية أخرى، لا يبدو أن تطور شبكة المؤسسات التربوية العمومية خلال الفترة 2021-2026 قد واكب تحولات أعداد التلاميذ وحاجيات المنظومة. فالأرقام تشير إلى استقرار شبه تام في عدد المؤسسات الابتدائية، مقابل نمو محدود في عدد مؤسسات الإعدادي والثانوي، واستقرار كامل تقريبًا في الإعداديات التقنية.

في التعليم الابتدائي، بلغ عدد المدارس 4,584 مدرسة خلال السنة الدراسية 2021-2022، قبل أن يتراجع بشكل طفيف إلى 4,577 مدرسة في 2023-2024، ثم يرتفع إلى 4,593 مدرسة خلال السنتين الأخيرتين. وبذلك، لم يتجاوز صافي الزيادة تسع مدارس خلال خمس سنوات.
أما مؤسسات الإعدادي العام والثانوي، فقد ارتفع عددها تدريجيًا من 1,455 مؤسسة سنة 2021-2022 إلى 1,488 مؤسسة سنة 2025-2026، أي بزيادة قدرها 33 مؤسسة خلال الفترة نفسها. ويرتبط هذا التطور، وفق المعطيات المتاحة، بالحاجة إلى استيعاب التلاميذ المنتقلين من المرحلة الابتدائية، إلى جانب إحداث بعض المعاهد المشتركة. في المقابل، لم يشهد مسار الإعداديات التقنية أي توسع يُذكر، إذ ظل عددها ثابتًا عند 79 مؤسسة طوال الفترة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى التكوين التقني والمهني.
تكشف هذه الأرقام، في مجملها، عن توسع محدود لشبكة المؤسسات العمومية خلال خمس سنوات ما يجعلها غير قادرة على مواكبة حاجيات التلاميذ، خاصة في ظل التفاوتات الجهوية في توزيع المؤسسات وظروف الدراسة.
في المقابل، يسلك التعليم الخاص مسارًا مختلفًا. فبينما ظل توسع شبكة المؤسسات العمومية محدودًا خلال السنوات الأخيرة، شهد التعليم الخاص نموًا ملحوظًا، سواء في المرحلة الابتدائية أو في الإعدادي والثانوي. فقد ارتفع عدد المدارس الابتدائية الخاصة من 636 مدرسة خلال السنة الدراسية 2021-2022 إلى 708 مدارس في 2025-2026، أي بزيادة قدرها 11.3%. أما مؤسسات الإعدادي والثانوي الخاصة، فقد ارتفع عددها من 483 إلى 598 مؤسسة خلال الفترة نفسها، بنمو بلغ 23.8%.

غير أن هذا النمو لا يتوزع بالتساوي بين الجهات. إذ يتركز التعليم الخاص أساسًا في العاصمة والمناطق الساحلية، حيث توجد كثافة أكبر للمؤسسات والقدرة الاقتصادية على تحمل كلفة التعليم الخاص. ففي سوسة وحدها توجد 96 مدرسة ابتدائية خاصة، مقابل 58 مدرسة في أريانة و73 في بن عروس و106 مدارس في ولايتي تونس. في المقابل، يبدو حضور التعليم الخاص أكثر محدودية في عدد من المناطق الداخلية. فلا يتجاوز عدد المدارس الابتدائية الخاصة 3 مدارس في الكاف و6 في سليانة ومدرستين في تطاوين.
يكشف هذا التفاوت عن مفارقة في مسار المنظومة التعليمية: كلما توسع التعليم الخاص، ظل انتشاره مرتبطًا بدرجة كبيرة بالموقع الجغرافي والقدرة الاقتصادية للأسر. وهو ما يطرح سؤالًا أوسع حول تكافؤ الفرص، خصوصًا عندما تصبح إمكانية الالتحاق بمؤسسة خاصة مرتبطة بقدرة الأسرة على تحمل كلفتها وبوجود هذه المؤسسات أصلًا في الجهة التي تقيم فيها.
هكذا تهاجر العائلات الميسورة والمتوسطة في المدن الساحلية والعاصمة نحو التعليم الخاص هرباً من تدهور البنية التحتية وكثرة أيام الغيابات والإضرابات في التعليم العمومي، في حين يبقى تلاميذ الجهات الداخلية والشمال الغربي والوسط الغربي رهائن منظومة عمومية تعاني ضعف التجهيز والموارد، مما يضرب في العمق مبدأ التعليم الديمقراطي وتكافؤ الفرص الذي تأسست عليه دولة الاستقلال.
تلاميذ أكثر، مدرسون أقل
أما الحلقة الأهم في العملية التربوية، أي التلاميذ والمدرسون، فتكشف أرقام السنوات الأخيرة عن تحولات متباينة بين ارتفاع أعداد التلاميذ وتذبذب أعداد المدرسين في التعليم العمومي، مقابل نمو متواصل في التعليم الخاص.
فقد ارتفع العدد الجملي للتلاميذ في تونس من 2,412,059 تلميذًا وتلميذة خلال السنة الدراسية 2022 إلى 2,525,035 خلال 2026، أي بزيادة تتجاوز 112 ألف تلميذ في خمس سنوات.

في المقابل، لم يواكب عدد المدرسين في التعليم العمومي هذا التطور بالوتيرة نفسها. ففي المرحلة الابتدائية، استقر عدد المدرسين عند نحو 71,250 مدرسًا ومدرسة سنة 2026، بعد أن بلغ ذروته بـ73,672 مدرسًا سنة 2023.
أما في الإعدادي والثانوي العمومي، فقد عرف عدد المدرسين تذبذبًا أكبر. فبعد أن تراجع إلى 70,695 مدرسًا سنة 2023-2024 ثم إلى 68,147 سنة 2025، ارتفع العدد مجددًا إلى 74,563 مدرسًا ومدرسة سنة 2026. ويأتي هذا التراجع خلال السنتين المذكورتين في سياق تجميد الانتدابات والإحالة على التقاعد، وفق المعطيات المتاحة، قبل أن يرتفع العدد مجددًا في السنة الأخيرة.

في التعليم الخاص، تبدو الصورة مختلفة. فقد شهد الإطار التدريسي نموًا خلال الفترة نفسها، خصوصًا في الإعدادي والثانوي، حيث ارتفع عدد المدرسين من 13,997 سنة 2022 إلى 18,025 سنة 2026، أي بزيادة قدرها 4,028 مدرسًا، أو 28%. أما في المرحلة الابتدائية الخاصة، فكان النمو أكثر اعتدالًا، إذ ارتفع عدد المدرسين من 10,634 إلى 11,402 مدرسًا خلال الفترة نفسها، بزيادة بلغت 7.%. وبذلك، ارتفعت حصة المدرسين العاملين في التعليم الخاص من 14% إلى 16% من مجموع المدرسين في تونس خلال نفس الفترة.
عند المقارنة بين القطاعين العام والخاص تظهر فوارق أخرى في ظروف التدريس والتأطير. إذ يواجه المدرسون في التعليم الإعدادي والثانوي العمومي أقسامًا تضم في المتوسط 29.1 تلميذًا. وترتفع الكثافة أكثر في بعض المدن الكبرى، إذ تسجل نابل أعلى معدل وطني بـ32.6 تلميذًا في الفصل، تليها أريانة بـ32.3 تلميذًا. في المقابل، لا يتجاوز متوسط عدد التلاميذ في الفصل في التعليم الخاص 21 تلميذًا.
يتسع الفارق أكثر عند احتساب عدد التلاميذ مقابل كل مدرس. ففي الإعدادي والثانوي العمومي، يؤطر المدرس الواحد في المتوسط 14.7 تلميذًا، مقابل 7 تلاميذ فقط لكل مدرس في التعليم الخاص. ويعكس هذا الفارق اختلافًا في ظروف العمل وإمكانيات المتابعة الفردية، إذ يتيح انخفاض عدد التلاميذ لكل مدرس هامشًا أكبر للتأطير والدعم البيداغوجي.

من ناحية اخرى مثل التسرب المدرسي أحد أبرز التحديات التي تواجه المنظومة التربوية في تونس. فوفق المعطيات المتاحة، انقطع عن التعليم العمومي 88,714 تلميذًا وتلميذة خلال سنة واحدة، أي ما يقارب 90 ألف تلميذ يغادرون المدرسة دون إتمام مسارهم التعليمي والحصول على شهادة.
ولا تتوزع هذه الظاهرة بالتساوي بين مختلف المراحل. ففي التعليم الابتدائي، بلغ عدد المنقطعين 9,740 تلميذًا، أي 0.8%، فيما ارتفع العدد إلى 37,672 تلميذًا في الإعدادي العام، بنسبة 6.7%، وبلغ 41,302 تلميذًا في المرحلة الثانوية، بنسبة 8%.

يتركز الانقطاع في نقاط محددة من المسار الدراسي. ففي السنة السابعة أساسي، أي عند الانتقال من المرحلة الابتدائية إلى الإعدادي، تبلغ نسبة الانقطاع 9.7%. أما في السنة الرابعة ثانوي، فتصل النسبة إلى 12%، وهي الأعلى في المرحلة الثانوية. هذه الأرقام تأتي في سياق دراسي يتسم أصلًا بارتفاع نسب الرسوب وإعادة السنة. وخلال السنة الدراسية 2024-2025، بلغت نسبة الرسوب 14% في المرحلة الإعدادية و15% في المرحلة الثانوية.
وهو ما قد يعمق هشاشة المسار الدراسي، خصوصًا عندما يتكرر الرسوب دون أن يجد التلميذ مسارات واضحة لإعادة التوجيه أو بدائل داخل المنظومة التعليمية. ومع تراكم سنوات التعثر، يصبح البقاء في المدرسة أكثر صعوبة بالنسبة إلى بعض التلاميذ، لتتداخل العوامل الدراسية مع ظروف اجتماعية وأسرية واقتصادية مختلفة، قد تدفع في النهاية إلى مغادرة مقاعد الدراسة.
التفاوت في المرافق والتجهيزات المدرسية
تكشف الإحصائيات الرسمية الخاصة بـ4,593 مدرسة ابتدائية في تونس عن تفاوت واضح في ظروف الدراسة. فبينما نجحت الدولة في تعميم بعض التجهيزات، خصوصًا في المجالين الرقمي والأمني، ما تزال خدمات أساسية مثل الماء والإنترنت والمرافق الصحية والثقافية غير متاحة بالقدر نفسه في مختلف الجهات.

رغم أن نسبة التزود بالماء في المدارس الابتدائية تبلغ 89%، فإن 825 مدرسة، أي 17% من مجموع المدارس، تعتمد على الجمعيات المائية المحلية، التي تواجه بدورها صعوبات مرتبطة بالانقطاعات والصيانة. وتبرز الفوارق أكثر عند النظر إلى مصدر التزود بالماء. ففي القصرين، لا تتجاوز نسبة المدارس المرتبطة بشبكة الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه 27%، مقابل 39% في سيدي بوزيد و49% في سليانة. في المقابل، تبلغ النسبة 100% في إقليم تونس الكبرى وعدد من الولايات الساحلية.

في المجال الرقمي، تبدو الصورة أكثر تناقضًا. فقد بلغت نسبة المدارس التي تتوفر فيها قاعات للإعلامية 95%، لكن توفر التجهيزات لا يعني بالضرورة إمكانية استخدامها بالفاعلية نفسها. إذ تتفاوت نسبة الربط بالإنترنت بشكل كبير بين الجهات؛ فبينما تقترب من 100% في المنستير ونابل وتوزر، لا تتجاوز 29% في الكاف.

تظهر الفوارق بشكل أكبر في المرافق المرتبطة بصحة التلميذ والأنشطة الثقافية والمهارية. فلا تتوفر بيوت التمريض إلا في 5.% من المدارس الابتدائية على المستوى الوطني، مع غيابها بالكامل في خمس ولايات هي قفصة وتوزر وتطاوين ومدنين وسليانة.

أما قاعات المطالعة، فلا تتوفر إلا في 5% من المدارس، ما يعني أن 94% منها تفتقر إلى فضاء مخصص للمطالعة. ولا تتجاوز نسبة المدارس التي تضم ورشات 1%،ولا تبدو المرافق الرياضية بمنأى عن هذه التفاوتات. ففي بعض المناطق الحضرية، يمثل ضيق المساحات وقدم المؤسسات تحديًا إضافيًا أمام توفير ملاعب داخل المدارس. ففي ولاية تونس مثلًا، لا يتوفر ملعب رياضي إلا في 46% من المدارس.
في المؤسسات الإعدادية والثانوية، تأخذ "العدالة المجالية" في التعليم شكلين مختلفين. ففي المدن الكبرى، يحرم الاكتظاظ المؤسسات من جزء من فضاءات الحياة المدرسية، إذ تضطر بعض المدارس إلى تحويل القاعات المخصصة للمطالعة أو الأنشطة إلى قاعات تدريس. وفي المناطق الداخلية، تفرض المسافات الطويلة وتشتت السكان حاجة أكبر إلى فضاءات تسمح للتلاميذ بالبقاء داخل المؤسسة ومراجعة دروسهم خلال أوقات الفراغ.

وتسجل العاصمة أدنى النسب الوطنية في عدد من هذه الفضاءات. فلا تتوفر المكتبات إلا في 46% من المؤسسات، بينما لا تتجاوز نسبة المؤسسات التي تضم قاعات مطالعة مستقلة 13%، وقاعات مراجعة 26%. ويرتبط ذلك، في جزء منه، بالاكتظاظ الذي تعرفه المؤسسات التعليمية في العاصمة، إلى جانب محدودية المساحات المتاحة في عدد كبير من المباني المدرسية القديمة. ومع تزايد الحاجة إلى قاعات التدريس، تتحول بعض الفضاءات المخصصة للأنشطة أو المطالعة إلى أقسام دراسية، على حساب الحياة المدرسية خارج الحصص.
في المقابل، تسجل مناطق الوسط 71% والشمال الغربي 63% والجنوب 59% نسبًا أعلى في توفر قاعات المراجعة والمكتبات، إذ تتجاوز نسبة التجهيز بهذه الفضاءات 76% في بعض المناطق. لكن ارتفاع هذه النسب لا يعني بالضرورة أن هذه الجهات تحظى بتجهيزات مدرسية أفضل. ففي المناطق الريفية والداخلية، يرتبط جزء من هذا التجهيز بواقع جغرافي مختلف: تلاميذ يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى المدرسة، ويقضون ساعات داخلها بسبب بُعد المسافة وارتباط بعض المؤسسات بنظام نصف الإقامة.
لذلك، تتحول قاعات المراجعة والمكتبات هناك من مجرد فضاءات إضافية إلى حاجة عملية تفرضها ظروف التمدرس نفسها. وفي المقابل، قد تمتلك مؤسسة في العاصمة كثافة أكبر من التلاميذ، لكنها تفتقر إلى المساحة التي تسمح لها بالحفاظ على هذه الفضاءات.
تكشف هذه الارقام اذا عن غياب لتكافؤ الفرص بين التلاميذ حسب المؤسسة التربوية وموقعها على الخريطة، فبين المدرسة التي تتوفر فيها قاعة إعلامية لكن تفتقر إلى اتصال بالإنترنت، أو التي تضم مئات التلاميذ دون فضاء للمطالعة أو للرعاية الصحية، لا توفر بالضرورة شروط التعلم نفسها التي توفرها مؤسسة أخرى أكثر تجهيزًا.
الى جانب التحديات التي تطرحها الفوارق الجهوية بين المؤسسات التربوية, تعرف كلفة العودة المدرسية ارتفاعا من سنة الى اخرى سواء بالنسبة إلى التعليم العمومي أو التعليم الخاص. فحسب رئيس الجمعية التونسية للاولياء والتلاميذ رضا الزهروني "يمكن أن تتراوح كلفة العودة المدرسية لتلميذ واحد بين نحو 150 دينارا و700 أو 800 دينار، وقد تتجاوز هذه المستويات بكثير بالنسبة إلى العائلات التي تختار محافظ أو أدوات مدرسية مرتفعة الثمن."

مجلس التربية .. حل النظام لأزمة التعليم ؟
لا يختلف اثنان حول أهمية التعليم والأدوار التي يضطلع بها في المجتمع، سواء على مستوى التكوين والتنشئة، أو في توفير فرص أكثر تكافؤاً وعدالة لأبناء البلد. لكن هذا الدور يشهد، منذ سنوات، تراجعاً واضحاً، وسط انتقادات متزايدة تشكك في قدرة المنظومة التعليمية على أداء وظيفتها كأحد أهم مقومات المصعد الاجتماعي.
من جهته، يضع رئيس الجمهورية قيس سعيّد التعليم ضمن ما يعتبره قطاعات السيادة، إذ يرى أن "التعليم حق للجميع كالماء والهواء"، وأن "التعليم الوطني والتربية والثقافة الوطنية" هي التي "ستصنع أجيالاً جديدة ستتسلّم المشعل وتقي المجتمع من كل أصناف الانحرافات". وفي برنامجه الانتخابي لسنة 2019، اقترح سعيّد إحداث "المجلس الأعلى للتربية والتعليم" باعتباره مؤسسة وطنية مستقلة تتولى رسم السياسات التعليمية ووضع تصورات بعيدة المدى للقطاع.
وقد أقرّ دستور 25 جويلية 2022، في الفصل 135 من الباب التاسع، إحداث المجلس باعتباره هيئة دستورية تتمتع بالشخصية القانونية والاستقلالية المالية، ويقع مقرها في تونس العاصمة. غير أن تفعيل هذا التنصيص الدستوري تأخر إلى غاية صدور المرسوم الرئاسي عدد 2 لسنة 2024 في 16 سبتمبر 2024، والمنظم لاختصاصات المجلس وطرق سيره. وتلاه الأمر الرئاسي عدد 246 لسنة 2025، المتعلق بضبط تنظيمه الإداري والمالي.
وفي أوت 2026، دخل المجلس مرحلة التفعيل الرسمي، بعد صدور ثلاثة أوامر رئاسية بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، الأمر عدد 203: يقضي بتعيين أعضاء الهيئة العليا للمجلس. الأمر عدد 204: كلف وزير التربية الأسبق محمد علي البوغديري بمهام الكاتب العام للمجلس. الأمر عدد 205: قام بدعوة المجلس إلى عقد جلسته الافتتاحية يوم 17 أوت 2026، بالتزامن مع الاحتفال بـ"يوم العلم".
وينص الإطار القانوني للمجلس على أن يتولى وضع تصورات ورؤية طويلة المدى لقطاع التربية والتعليم، بما يفترض أن يضع حداً لما وصفه رئيس الجمهورية بـ"الإصلاحات الترقيعية". ومن أبرز صلاحياته: إبداء رأيه وجوباً في الخطط والسياسات الوطنية الكبرى المتعلقة بالتربية والتعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل. وإبداء رأيه كذلك في المشاريع والملفات التي يعرضها عليه رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس نواب الشعب أو رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم. بالإضافة للتعهد الذاتي بأي ملف يدخل ضمن مجالات اختصاصه، ودراسته واقتراح البدائل بشأنه. وأخيرا معالجة القطيعة القائمة بين مخرجات المنظومة التعليمية والجامعية من جهة، وحاجيات سوق الشغل ومتطلبات التكوين المهني والاقتصاد الوطني من جهة أخرى من خلال ربط التعليم بسوق الشغل.
صُمّمت تركيبة المجلس لضمان تنسيق أفقي بين مختلف القطاعات المرتبطة بالتربية والتكوين والتنمية البشرية والاجتماعية. وتضم الهيئة الإدارية للمجلس وزراء سبعة قطاعات هي: التربية، والتعليم العالي والبحث العلمي، والتشغيل والتكوين المهني، والأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، والشباب والرياضة، والشؤون الدينية، والشؤون الثقافية. كما تتناوب رئاسة المجلس ونائبه بين هؤلاء الوزراء كل ستة أشهر، بما يفترض أن يحول دون هيمنة قطاع واحد على عمله.
إلى جانب التركيبة الوزارية، يضم المجلس هيئة عليا تتكون أساساً من سبع "كفاءات وطنية" يُفترض أن توفر الخبرة العلمية والبيداغوجية اللازمة لصياغة السياسات والتصورات في مجال التربية والتعليم.
وتضم الهيئة العليا كلاً من "ريم العريبي"، مديرة المعهد العالي لإطارات الطفولة بقرطاج درمش، والمكلفة بملف الطفولة المبكرة والتربية الأولى؛ و"شيراز السطنبولي"، المستشارة الأولى في هندسة التكوين والتشغيلية؛ و"التيجاني القماطي"، المختص في التخطيط التربوي والإحصاء؛ والشيخ الدكتور "محمد الحبيب العلاني"، مدير مركز الدراسات الإسلامية بالقيروان، والدكتور "محمد سيف الله بن عبد الرزاق"، الأستاذ الجامعي المختص في الفنون والتربية الإبداعية؛ و"كمال الهنيد"، المندوب الجهوي للشباب والرياضة؛ إضافة إلى "يوسف بن عثمان"، أستاذ الفلسفة الحديثة وتاريخ العلوم بجامعة تونس المنار والمدير العام لمركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية في تونس. ويتولى "محمد علي البوغديري"، وزير التربية الأسبق والقيادي النقابي السابق، مهام الكاتب العام للمجلس.
غير أن هذه التركيبة لم تمر دون ملاحظات. فقد أثار اختيار الأعضاء تساؤلات تتعلق، من جهة، بالخلفيات العلمية والإنتاج الأكاديمي لبعض الأسماء ومدى ارتباط اختصاصاتهم بالتحديات الجديدة التي تواجه المنظومة التعليمية، ومن جهة أخرى، بغياب لافت لاختصاصات يعتبرها متابعون أساسية في إصلاح التعليم اليوم، على غرار الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والعلوم والتكنولوجيات الحديثة.
كما أثار تولي وزير التربية الأسبق محمد علي البوغديري مهام الكاتب العام للمجلس تساؤلات سياسية أخرى حول معيار اختياره. فإذا كان الرجل يحظى اليوم بثقة رئاسة الجمهورية لإدارة مؤسسة يُفترض أن تكون في صلب مشروع إصلاح التعليم، فكيف ينسجم ذلك مع قرار إقالته سابقاً من على رأس وزارة التربية؟
وعلى أي حال، تتجاوز حدود المجلس تركيبة أعضائه، لتتصل بطبيعة الصلاحيات التي أُسندت إليه أصلاً. فالمجلس، رغم مكانته الدستورية، صُمّم أساساً كهيئة استشارية يقتصر دورها على إبداء الرأي وتقديم التوصيات والتقارير. وبذلك، لا يمتلك بمفرده أدوات تنفيذ الإصلاحات التي يقترحها، إذ تظل ترجمة توصياته إلى سياسات وقرارات فعلية مرتبطة بمدى استجابة الوزارات والهياكل التنفيذية لها.
ويزداد هذا القيد أهمية في ظل واقع تعاني فيه المنظومة التعليمية من تحديات تتجاوز صياغة السياسات، من بينها أزمة المالية العمومية، وثقل نفقات التأجير، ومحدودية الموارد المخصصة للاستثمار والتجهيز، فضلاً عن استمرار ظواهر التسرب والهدر المدرسي والانقطاع المبكر عن الدراسة.

